مقدمة عامة
يشهد العالم المعاصر ثورة تكنولوجية ورقمية متسارعة تداخلت فيها التقنيات الحديثة بالأنشطة الاقتصادية والمالية، ولعل أبرز تجليات هذا التداخل هو التحول البنيوي الذي طرأ على أسواق الرساميل والبورصات العالمية. فقد تحولت البورصة من مفهومها التقليدي المرتبط بمكان فيزيائي محدد تلتقي فيه الإرادات وتبادَل فيه الصكوك الورقية، إلى فضاء سيبراني افتراضي يُعرف بـ "البورصة الرقمية" (DIGITAL STOCK EXCHANGE). ولا يقتصر هذا التحول على رقمنة آليات التداول الكلاسيكية فحسب، بل يمتد إلى ظهور أصول مالية مشفرة (CRYPTO-ASSETS) وأوراق مالية مُصككة (TOKENIZED SECURITIES) تعتمد على تكنولوجيا سلاسل الكتل (BLOCKCHAIN) والعقود الذكية (SMART CONTRACTS) والذكاء الاصطناعي.[1]
وإذا كان المغرب قد انخرط بحزم في استراتيجيات الرقمنة الشاملة والتحول الرقمي لأسواقه المالية، لا سيما من خلال تحديث المنظومة التشريعية للهيئة المغربية لسوق الرساميل (AMMC) وبورصة الدار البيضاء، فإن هذا الفضاء الافتراضي المالي يطرح تحديات قانونية وتنظيمية غير مسبوقة تنعكس بشكل مباشر على مدى كفاية الحماية القانونية الممنوحة للمتعاملين والمنظومة الاقتصادية بوجه عام.[2]
إشكالية الدراسة
تتمحور الإشكالية المحورية لهذه الدراسة حول التساؤل الجوهري التالي:
إلى أي حد تستطيع القواعد القانونية (الموضوعية والإجرائية) في التشريع المغربي والتشريعات المقارنة توفير حماية فاعلة وناجعة للمعاملات المالية عبر البورصات الرقمية، في ظل سيولة الفضاء السيبراني، وتصاعد المخاطر الخوارزمية، وغياب الحدود الجغرافية للمنصات؟
منهجية البحث
للإجابة عن هذه الإشكالية، تم اعتماد المنهج التحليلي التأصيلي لتفكيك النصوص القانونية الحالية وقراءتها قراءة متطورة، مدعوماً بـالمنهج المقارن لاسيما مع التشريع الفرنسي وتنظيم أسواق الأصول المشفرة الأوروبي (MICA)، فضلاً عن رصد المقاربات التنظيمية الحديثة الصادرة عن هيئات الرقابة المالية الدولية.
التصميم الهيكلي للدراسة
من أجل الإحاطة بكافة أبعاد هذا الموضوع وتعميق التحليل القانوني والمقارن، تم تقسيم هذه الدراسة وفق التصميم الهيكلي الآتي:
- المبحث الأول: التأسيس المفاهيمي للبورصة الرقمية وتكييف أصولها في القانون المغربي والمقارن
- المبحث الثاني: آليات الحماية الموضوعية للمعاملات المالية في البيئة الرقمية
- المبحث الثالث: آليات الحماية الإجرائية والرقابية العابرة للحدود وطرق فض المنازعات
إن صياغة أي منظومة حمائية تنطلق بالضرورة من فض الالتباس المفاهيمي وضبط الأطر النظرية للظواهر المستحدثة، فالقانون لا يمكنه تنظيم ما يعجز عن تعريفه وتكييفه تكييفاً سليماً يتفق مع المبادئ العامة للاستقرار المالي.[3]
المطلب الأول: التطور الهيكلي والوظائفي نحو البورصات الرقمية
عرفت بورصة القيم بالمغرب تطوراً تشريعياً ملحوظاً، لاسيما بعد صدور القانون رقم 19.14 الذي سعى إلى عصرنة سوق الرساميل وتوسيع أدواته الماليّة وتفعيل آليات الإدراج. غير أن مفهوم البورصة في هذا التشريع ظل مرتبطاً بنظام مركزي تديره شركة مساهمة (شركة بورصة الدار البيضاء) خاضعة لدفتر تحملات صارم وتعمل تحت إشراف وتأشير هيئة سوق الرساميل.[4]
في المقابل، تقدم البورصة الرقمية المعاصرة نموذجاً يتجاوز هذا البناء المركزي؛ إذ تعتمد على منصات إلكترونية تتيح التداول الفوري والمباشر (PEER-TO-PEER) عبر شبكات لا مركزية. هذا التحول الوظائفي نقل البورصة من آلية قائمة على "الوساطة البشرية والمؤسساتية" (DISINTERMEDIATION) إلى آلية تدار بواسطة "بروتوكولات خوارزمية صماء".
إن هذا الاختفاء التدريجي للوسطاء التقليديين (شركات البورصة المعتمدة بموجب المادة 32 من القانون 19.14) يضعف فعالية آليات الرقابة التقليدية التي كانت تتخذ من هؤلاء الوسطاء قنوات لفرض القانون والتحقق من سلامة المعاملات، مما يتطلب ابتكار وسائل موازية لإعادة ضبط قنوات السوق.[5]
المطلب الثاني: الطبيعة القانونية لمنصات التداول الرقمية واللامركزية
تتنوع البورصات الرقمية تبعاً لطبيعتها الهيكلية إلى منصات مركزية (CEX) تديرها شركات تجارية معروفة المقر والمؤسسين، ومنصات لامركزية بالكامل (DEX) تعمل عبر بروتوكولات مبرمجة سلفاً على شبكة البلوكشين دون وجود ممثل قانوني أو شخص اعتباري مالك ملموس.[6]
منظور التشريع المغربي والقواعد العامة لقانون الالتزامات والعقود (DOC) يواجه صعوبة بالغة في تكييف المنصات اللامركزية. فالمادة 2 من قانون الالتزامات والعقود تشترط لصحّة التصرف القانوني وجود أطراف متمتعين بالأهلية ومحل وسلك مشروعين. [7]وفي ظل غياب شخص معنوي واضح يمثل المنصة اللامركزية، يصعب توجيه المسؤولية القانونية أو إلزام المنصة بالامتثال المسبق لتراخيص الهيئة المغربية لسوق الرساميل المنصوص عليها في القانون رقم 43.12.[8]
أما على الصعيد المقارن، فقد تجاوز المشرع الأوروبي عبر تنظيم MICA هذا الإشكال، من خلال إلزام أي منصة تستهدف تقديم خدمات التداول للمواطنين الأوروبيين بأن تتخذ شكل شخص اعتباري ويكون لها مقر رئيسي داخل الاتحاد، مع تعيين مديرين مسؤولين قانونياً، مما يمنع الاحتماء وراء واجهة "اللامركزية البرمجية" للتنصل من التزامات الحماية والأمن المالي .[9]
المطلب الثالث: التكييف القانوني للأصول المالية الرقمية والأوراق المالية المشفّرة
يشكل التكييف القانوني للمحل (الأصل المالي المتداول) ركيزة الحماية، وتتجاذبه فئتان رئيسيتان في الفقه المالي المعاصر:
1. الأوراق المالية المصككة (SECURITY TOKENS) في القانون المغربي:
تعد الورقة المالية في القانون المغربي صكاً قابلاً للتداول يمنح حقوقاً مالية أو حقوق تصويت (المادة 2 من القانون 19.14). وإذا كان المشرع المغربي قد أجاز عبر القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية استخدام الوسائل الإلكترونية لإنشاء وحفظ الحقوق[10]، فإن رقمنة الأسهم والسندات عبر البلوكشين وتداولها في بورصة رقمية يظل متوافقاً مع المفهوم الجوهري للورقة المالية، شريطة قيدها في الحسابات الدفترية الممسوكة من طرف هيئة معتمدة قانوناً أو معهد المقاصة المركزي (ماروكليك MAROCLEAR).[11]
2. الأصول المشفرة والعملات الافتراضية (CRYPTO ASSETS)
يتسم موقف السلطات المالية المغربية (بنك المغرب، الهيئة المغربية لسوق الرساميل، ومكتب الصرف) بالتشدد والتحذير المستمر من استخدام العملات المشفرة نظراً لمخاطرها على الاستقرار النقدي وحماية المستهلك المالي.[12]
ومع ذلك، وتماشياً مع التحولات الدولية، فإن بنك المغرب يسير بشكل حثيث نحو إعداد مشروع قانون ينظم الأصول المشفرة لتأطيرها تشريعياً وسد الفراغ الحالي. وبالمقارنة مع القانون الفرنسي (LOI PACTE)، تم تصنيف هذه الأدوات كـ "أصول رقمية" (ACTIFS NUMÉRIQUES) تمنح حامليها حقوقاً معنوية متميزة عن الأدوات المالية التقليدية ولكنها تخضع لقواعد رقابية صارمة لحماية المدخرات من التبديد.[13]
المبحث الثاني: آليات الحماية الموضوعية للمعاملات المالية في البيئة الرقمية
تهدف الحماية الموضوعية إلى تحصين إرادة المستثمر وضمان تداول عادل عبر قواعد صارمة تلزم بالشفافية وتجرم السلوكيات التدليسية والبرمجية التضليلية التي تشوه التقييم الحقيقي للأصول.
المطلب الأول: الالتزام بالإفصاح والشفافية عبر مستندات الشرح الرقمية (الورقة البيضاء)
يعتبر مبدأ الالتزام بالإفصاح آلية وقائية جوهرية لحماية المستثمر غير المحترف من المخاطر التقنية الغامضة. في القانون المغربي، تلزم الهيئة المغربية لسوق الرساميل بموجب القانون 43.12 كل جهة تقوم بدعوة الجمهور إلى الاكتتاب بإعداد "بيان معلومات" (PROSPECTUS) يوضح المركز المالي للمصدر والمخاطر المرتبطة بالاستثمار، ولا يجوز نشره إلا بعد الحصول على تأشيرة الهيئة.[14]
في فضاء البورصة الرقمية، تم استبدال بيان المعلومات التقليدي بما يصطلح عليه بـ "الورقة البيضاء" (WHITE PAPER). ومن الناحية التأصيلية، تعد الورقة البيضاء "عقداً إلكترونياً توجيهياً" يلتزم عبره المطورون بتقديم معلومات دقيقة ومبسطة حول طبيعة الكود البرمجي والمخاطر الفنية والمستهدفات المالية للمشروع المالي.
وتطبيقاً للقواعد العامة لمكافحة التضليل وحماية المستهلك المالي، فإن أي نقص أو إخفاء لمعلومات جوهرية في الورقة البيضاء (مثل إخفاء ثغرات برمجية معروفة لدى المطورين أو آليات توزيع غير عادلة للرموز) يعيب الرضا ويشكل تدليساً يخول للمستثمر المطالبة بإبطال العقد طبقاً للفصل 52 من قانون الالتزامات والعقود المغربي، فضلاً عن المطالبة بالتعويض الكامل عن الضرر الفعلي وفوات الكسب.[15].
المطلب الثاني: المقاربة التشريعية لمكافحة التلاعبات السيبرانية والخوارزمية بالأسعار
تتميز البورصات الرقمية بظهور أنماط تلاعب بالأسعار تعتمد بالكامل على تقنيات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التداول عالي التردد (HFT). ومن أهم هذه الجرائم المستحدثة:
1. المعاملات الوهمية المبرمجة (WASH TRADING): حيث تقوم محافظ رقمية متعددة تابعة لنفس الجهة بتبادل الأصول المشفرة بسرعة فائقة وبشكل آلي، لخلق حجم تداول وهمي يضلل الجمهور ويوحي برواج الأصل المالي.
2. التدليس الخوارزمي (SPOOFING): ضخ آلاف أوامر الشراء أو البيع وإلغاؤها في أجزاء من الثانية للتلاعب بمعادلة العرض والطلب وحث الأسعار على التحرك اتجاه المستهدف لارتفاع مصطنع.[16]
تثير هذه الممارسات إشكالاً تفسيرياً في القانون الجنائي المغربي وقانون البورصة (القانون 19.14). حيث تنص المادة 50 من القانون 19.14 على معاقبة كل من قام بمناورات تدليسية تهدف إلى عرقلة السير العادي للسوق أو إيهام الجمهور بوجود سوق نشطة.[17] غير أن هذا النص صيغ تاريخياً ليعاقب سلوكيات مادية بشرية مباشرة في القاعات.
وتأسيساً على ذلك، فإن الحماية الجنائية الفعالة تستلزم تفسيراً مرناً للركن المادي للجريمة ليمتد إلى "السلوك الجنائي البرمجي"؛ بحيث يعد كتابة كود مخصص للتلاعب بالسوق أو إطلاق بوتات برمجية (BOTS) مضللة ركناً مادياً كافياً لقيام جريمة التلاعب بالسوق، دون اشتراط حدوث الفعل المادي من شخص طبيعي بشكل يدوي مباشر.[18]
المطلب الثالث: نظام المسؤولية المدنية والتعاقدية في إطار ثغرات العقود الذكية
تُبرم المعاملات وتُنفذ في البورصات الرقمية الحديثة عبر العقود الذكية (SMART CONTRACTS)، وهي برمجيات مخزنة على البلوكشين تنفذ الالتزامات تلقائياً دون تدخل بشري بمجرد تحقق الشروط البرمجية المتفق عليها (IF/THEN).
تطرح هذه العقود إشكالية قانونية معقدة عند حدوث "ثغرة برمجية" (SMART CONTRACT BUG) أو خطأ في كتابة الكود يؤدي إلى تحويل أموال المستثمر بطريقة غير عادلة أو تجميدها أو فقدانها بالكامل. في هذه الحالة، يتشبث مشغلو المنصات بالقاعدة الفنية الصارمة ومفادها أن "الكود هو القانون" (CODE IS LAW)، مما يعني أن أي نتيجة يفرزها الكود تعد مقبولة تعاقدياً وتلقائياً بين الأطراف.
هذه المقاربة الفنية تصطدم بالنظام العام القانوني المغربي والمقارن؛ إذ لا يجوز للشروط البرمجية المعيبة أن تشرعن الاستيلاء على أموال الغير بدون وجه حق أو إثراء طرف على حساب آخر. وتأسيساً على القواعد العامة لقانون الالتزامات والعقود المغربي، يمكن تفعيل آليتين لحماية المتضرر:
1. دعوى الإثراء بلا سبب: عبر إلزام كل من تسلم أموالاً أو أصولاً رقمية نتيجة خطأ برمي أو ثغرة بر دها للمتضرر فورا.[19]
2. المسؤولية التقصيرية عن فعل الأشياء والأنظمة: حيث يعد مطورو العقد الذكي أو الجهة المشغلة للمنصة بمثابة "حارس للشيء الإلكتروني والنظام المعالج للبيانات"، ويسألون عن الأضرار الناشئة عن عيوب التصميم والبرمجة ما لم يثبتوا وجود قوة قاهرة، وهو ما ينتفي في حالة الأخطاء التقنية القابلة للتفادي عبر التدقيق البرمجي المستقل.[20]
المبحث الثالث: آليات الحماية الإجرائية والرقابية العابرة للحدود وطرق فض المنازعات
إن القواعد الموضوعية تظل عاجزة عن توفير الأمن المالي الحقيقي ما لم تسندها سلطات إجرائية حازمة تمتلك أدوات تكنولوجية تفوق الأدوات المستخدمة من قِبل المتلاعبين، وقواعد اختصاص تتجاوز فكرة الحدود الجغرافية.
المطلب الأول: التكنولوجيا الإشرافية (SUPTECH) وتحول الآليات الرقابية للهيئة المغربية لسوق الرساميل
تمارس الهيئة المغربية لسوق الرساميل (AMMC) دوراً رقابياً صارماً بموجب القانون رقم 43.12، حيث تتمتع بسلطات تفتيش واسعة وتلقي الشكايات وتوجيه العقوبات الإدارية والمالية[21]. غير أن آليات الرقابة التقليدية القائمة على فحص الدفاتر المحاسبية والتقارير الدورية المحدودة أصبحت غير متناسبة مع الطبيعة الفورية واللامركزية العابرة للقارات للبورصة الرقمية.
من هنا، أصبح حتمياً تحول الهيئة نحو تبني "التكنولوجيا الإشرافية" (SUPTECH - SUPERVISORY TECHNOLOGY). وتتمثل هذه التقنيات الحديثة في دمج خوارزميات الذكاء الاصطناعي والربط البرمجي المباشر (APIS) مع منصات التداول الرقمية لرصد أي خلل نمطي بشكل استباقي.
تتيح هذه الآلية الإجرائية الفعالة للهيئة الرقابية القيام بـ:
الرقابة اللحظية الفورية (ON-CHAIN MONITORING): رصد التحركات غير العادية للمحافظ الرقمية وتحليل سجلات التداول على شبكة البلوكشين مباشرة للوقوف على المالكين الحقيقيين للأوراق المالية المصككة.
التجميد البرمجي التحفظي للسيولة: منح الهيئة سلطة قانونية إصدار أوامر فنية للمنصات الرقمية المعتمدة لوقف التداول فوراً على أصل مالي مشبوه لمنع تهريب الأصول وتشتيتها.[22]
المطلب الثاني: متطلبات الأمن السيبراني والامتثال لقواعد مكافحة غسل الأموال الرقمي
تشكل الهجمات السيبرانية وقرصنة المنصات أحد أكبر التهديدات الحالية لسلامة المعاملات المالية بالبورصات الرقمية، مما يتطلب استجابة قانونية حازمة.
1. الالتزام القانوني بالأمن السيبراني في التشريع المغربي
أفرد المشرع المغربي ترسانة قانونية متطورة للأمن السيبراني من خلال القانون رقم 05.20،[23] والقانون رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي[24]. وتأسيساً على هذه المنظومة، فإن البورصات الرقمية ملزمة قانونياً بتبني أعلى معايير الحماية التقنية لحفظ المفاتيح الخاصة للمستثمرين في محافظ باردة (COLD WALLETS) معزولة تماماً عن شبكة الإنترنت.
ويعد الإخلال بهذه المعايير بمثابة "خطأ مهني جسيم" يوجب المسؤولية المدنية الكاملة للمنصة عن تعويض المستثمرين، ولا يمكن للمنصة الدفع بـ "فعل الغير الاختراقي" كسبب أجنبي يعفيها من المسؤولية، لأن تأمين النظام يعد التزاماً بتحقيق نتيجة في بيئة الاستثمار الرقمي الشامل.[25]
2. الامتثال لقواعد مكافحة غسل الأموال (AML/KYC)
تفرض تعديلات القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال بالمغرب التزامات صارمة باليقظة والتحقق من هوية العملاء[26]. تلتزم البورصات الرقمية بتطبيق معايير *"اعرف عميلك الرقمية" (E-KYC) ، وحظر التداول للمحافظ المجهولة تماماً، وتتبع مصادر السيولة الواردة والصادرة للحد من استخدام الفضاء المالي الرقمي كقنوات لشرعنة العائدات الإجرامية.
المطلب الثالث: قواعد الاختصاص القضائي وتنازع القوانين في منازعات البورصات الافتراضية
تعد مسألة فض النزاعات وتحديد المحكمة المختصة والقانون الواجب التطبيق أعقد المعضلات القانونية في ظل البورصة الرقمية، نظراً لتشتت عناصر العلاقة القانونية بين جغرافيا متعددة؛ فالمستثمر قد يكون مقيماً في المغرب، والمنصة الرقمية مسجلة في ملاذ ضريبي عابر للبحار، والخوادم السحابية الحاضنة للبيانات موزعة في دول أخرى.
قواعد القانون الدولي الخاص والمسطرة المدنية المغربية التقليدية تعتمد على ضوابط جامدة مثل "موطن المدعى عليه" أو "مكان إبرام وتنفيذ العقد" لتحديد الاختصاص القضائي والقانون الواجب التطبيق.[27] هذه الضوابط التقليدية تواجه طريقاً مسدوداً في البيئة الرقمية اللامركزية.
وتماشياً مع التوجهات القضائية الدولية الحديثة، يتعين الأخذ بـ: "معيار السوق المستهدفة" (TARGETED MARKET APPROACH) و"معيار مكان إقامة المستهلك المالي المتضرر".
فإذا كانت البورصة الرقمية العالمية توجه خدماتها للمستثمرين المقيمين بالمغرب عبر تطبيقات مخصصة وتسهيلات ربط بنكي محلية، فإن المحاكم التجارية المغربية تكون مختصة نوعياً وإقليمياً بنظر النزاع حماية للاقتصاد الوطني، ويكون القانون المغربي هو الواجب التطبيق باعتباره قانون بلد الحماية (LEX LOCI PROTECTIONIS) المرتبط بالنظام العام الاقتصادي للدولة .[28]
الخاتمة
أظهرت هذه الدراسة التحليلية التأصيلية المعمقة أن الانتقال نحو البورصات الرقمية لم يعد مجرد خيار تكنولوجي، بل هو واقع اقتصادي يفرض إعادة صياغة جذريّة للنظريات القانونية الكلاسيكية المنظمة لأسواق الرساميل.
أولاً: النتائج المستخلصة
1. عدم كفاية المفاهيم التقليدية: تبين أن القواعد العامة الكلاسيكية في قانون الالتزامات والعقود والقوانين المالية المغربية عاجزة عن استيعاب الخصائص الجوهرية للبورصات الرقمية (مثل اللامادية واللامركزية والبرمجة التلقائية)، مما يولد فراغاً تنظيمياً يستغله المتلاعبون.
2. تطور أساليب التدليس المالي: انتقل التلاعب بأسعار الأوراق المالية من أفعال مادية حسية إلى مناورات خوارزمية ذكية تدار بواسطة بوتات التداول، مما يستدعي مرونة في التفسير القضائي للركن المادي لجرائم البورصة ليشمل السلوك البرمجي التضليلي.
3. تأصيل المسؤولية عن الثغرات التقنية: استقرت الدراسة على أن الطبيعة التلقائية للعقود الذكية لا تعفي من المسؤولية المدنية؛ بل يُسأل المطورون والمشغلون تضامناً وتقصيرياً عن عيوب الأكواد البرمجية بناءً على قواعد حراسة الأنظمة والأشياء الإلكترونية والإثراء بلا سبب.
4. سيادة المعايير المرنة في الاختصاص القضائي: أثبت التحليل المقارن قصور ضوابط الاختصاص الإقليمي الجامدة أمام الطبيعة السيبرانية للبورصات، وضرورة إحلال معيار السوق المستهدفة وموطن المستهلك المالي لتمكين القضاء الوطني من بسط حمايته السيادية.
ثانياً: التوصيات التشريعية والتنظيمية
بناءً على ما أسفرت عنه هذه الدراسة من نتائج، يتقدم الباحث بالتوصيات التالية:
تشريعياً: التعجيل بإصدار قانون مغربي موحد وخاص ينظم الأصول الرقمية ومنصات التداول الافتراضية، يحدد بدقة التكييف القانوني للرموز المرقمنة، ويضع أطراً واضحة للمسؤولية القانونية والجزاءات الجنائية المغلظة للجرائم الخوارزمية السيبرانية.
رقابياً (AMMC): تطوير البنية التحتية الفنية للهيئة المغربية لسوق الرساميل من خلال الاستثمار في التكنولوجيا الإشرافية (SUPTECH) وبرمجيات تتبع وتحليل البلوكشين (ON-CHAIN ANALYTICS) لتمكين المفتشين من الرقابة اللحظية الفورية وإصدار أوامر التجميد البرمجي الوقائي للأصول المشبوهة.
تنظيمياً: فرض إعداد وتأشير "الورقة البيضاء" كشرط إلزامي مسبق قبل السماح بإدراج أو تسويق أي أصل رقمي أو ورقة مالية مصككة للمواطنين المغاربة، مع بطلان أي شرط تعاقدي يتضمن إعفاء المنصات من مسؤوليتها عن عيوب البرمجية والاختراقات السيبرانية.
قضائياً: تفعيل قضاء مالي وتجاري رقمي متخصص عبر تكوين مستمر للقضاة في مجالات سلاسل الكتل، والذكاء الاصطناعي المالي، والأمن السيبراني، مع تعزيز اتفاقيات التعاون القضائي الدولي لتسهيل تتبع واسترداد الأصول المالية الرقمية المهربة عبر الحدود.
الهوامش
[1] د. طارق مصدق، القانون البنكي والمالي المغربي: تحولات ومآلات في عصر الرقمنة، دار الآفاق المغربية، الدار البيضاء، ط1، 2024، ص 45.
[2] انظر: قانون رقم 19.14 المتعلق ببورصة القيم وشركات البورصة والمرشدين في الاستثمار المالي، الصادر بالجريدة الرسمية المغربية عدد 6492 بتاريخ 18 أغسطس 2016.
[3] انظر المادة 2 من القانون رقم 19.14 المتعلق ببورصة القيم، والتي تحدد شروط إدارة وتسيير بورصة القيم بالمغرب وتمنح الامتياز لشركة تسيير محددة.
[4] د. الحسين شكراد، الوجيز في شرح قانون بورصة القيم المغربي، مطبعة الأمنية، الرباط، 2024، ص 94.
[5] Micheler, Eva, Company Law A-Z: The Digitalization of Financial Markets and its Systemic Risks, Oxford University Press, 2024, p. 134.
[6] د. عبد اللطيف الحاتمي، المعاملات الإلكترونية والمنصات الافتراضية في ضوء القانون المدني، دار الأمان، الرباط، 2025، ص 167.
[7] انظر الفصل 2 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) كما تم تعديله وتتميمه.
[8] قانون رقم 43.12 المتعلق بالهيئة المغربية لسوق الرساميل، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.13.21 بتاريخ 6 مارس 2013.
[9] Regulation (EU) 2023/1114 of the European Parliament and of the Council on markets in crypto-assets (MiCA), Official Journal of the EU, L 150, Title V (Providers of Crypto-asset Services).
[10] انظر قانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.100 بتاريخ 31 ديسمبر 2020.
[11] د. عبد الرحيم أوعالي، ممسك الحسابات في أسواق الرساميل المغربية: دراسة في ضوء القانون 19.14، مجلة الحقوق والقانون المغربية، العدد 45، 2024، ص 77.
[12] انظر البلاغ المشترك الصادر عن وزارة الاقتصاد والمالية وبنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل ومكتب الصرف حول مخاطر استعمال العملات الافتراضية.
[13] Loi n° 2019-486 du 22 mai 2019 relative à la croissance et la transformation des entreprises (Loi PACTE), Journal Officiel de la République Française.
[14] انظر المادة 14 من القانون رقم 43.12 المتعلق بالهيئة المغربية لسوق الرساميل، والتي تفصل شروط وكيفيات منح التأشيرة على بيانات المعلومات.
[15] د. المأمون الكشبور، عيوب الرضا في قانون الالتزامات والعقود المغربي: دراسة تأصيلية مقارنة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2023، ص 192.
[16] Austin, Janet, "Market Manipulation in the Age of Cryptocurrencies and Algorithmic Trading", International Journal of Law and Information Technology, Vol. 31, No. 3, 2023, p. 245.
[17] انظر المادة 50 وما يليها من الباب الخامس (العقوبات الجنائية) من القانون رقم 19.14 المتعلق ببورصة القيم المغربية.
[18] د. عبد الواحد العلمي، شرح القانون الجنائي المغربي: القسم الخاص، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2022، ص 310.
[19] انظر الفصل 66 وما يليه من ظهير الالتزامات والعقود المغربي بشأن شبه العقود والإثراء بلا سبب وبطلان الالتزامات غير العادلة.
[20] د. مأمون الكشبور، المسؤولية المدنية: دراسة في إطار قانون الالتزامات والعقود المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2024، ص 143.
[21] انظر الباب الثالث من القانون رقم 43.12 المتعلق بالهيئة المغربية لسوق الرساميل، لاسيما المواد 29 إلى 35 المتعلقة بالمراقبة والبحث عن المخالفات وتوقيع الجزاءات.
[22] Financial Stability Board (FSB), The Use of Supervisory and Regulatory Technology (SupTech and RegTech) by Authorities and Regulated Institutions, Basel, 2023, p. 34
[23] قانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.69 بتاريخ 25 يوليو 2020.
[24] قانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.09.15 بتاريخ 18 فبراير 2009.
[25] د. مصطفى زروق، قانون حماية المستهلك المالي في المغرب: دراسة في ضوء التشريعات المعاصرة، دار الأمان، الرباط، 2024, ص 215.
[26] قانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، كما تم تعديله وتتميمه بموجب القانون رقم 12.18 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6995 بتاريخ 14 يونيو 2021.
[27]انظر الفصول 27 و28 من قانون المسطرة المدنية المغربي الصادر بموجب الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 بتاريخ 28 شتنبر 1974.
[28] د. موسى عبود، الوجيز في القانون الدولي الخاص المغربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2، 2023، ص 189.


الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
الحماية القانونية للمعاملات المالية في ظل البورصة الرقمية: دراسة تحليلية تأصيلية مقارنة على ضوء التشريع المغربي والمقارن


