تقنين المسار المهني... الغائب الأكبر عن الحوار الاجتماعي

     

" قراءة في أسباب غياب تقنين المسار المهني عن أولويات الحوار الاجتماعي داخل المقاولات وعلى المستوى القطاعي، وهل تشكل الانتخابات المهنية فرصة لإعادته إلى صدارة أولوياته؟"



 
تقنين المسار المهني... الغائب الأكبر عن الحوار الاجتماعي
" قراءة في أسباب غياب تقنين المسار المهني عن أولويات الحوار الاجتماعي داخل المقاولات وعلى المستوى القطاعي، وهل تشكل الانتخابات المهنية فرصة لإعادته إلى صدارة أولوياته؟"


  
بقلم: ذ محمد المعاشي
باحث وخبير في تشريع الشغل والعلاقات المهنية
مستشار اجتماعي وقانوني

في خضم النقاش المتواصل حول تحسين الأجور، والرفع من التعويضات، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين ظروف العمل، ظل ورش أساسي يكاد يغيب عن أجندة الحوار الاجتماعي داخل المقاولة أو داخل القطاع، رغم ما يكتسيه من أهمية في تحقيق العدالة المهنية واستقرار العلاقات الشغلية، ألا وهو تقنين المسار المهني داخل المقاولة.

والمفارقة أن هذا الورش، الذي أصبح في التجارب الحديثة أحد أهم مرتكزات حكامة الموارد البشرية وتدبير الكفاءات، لم يحظ، إلى اليوم، بما يستحقه من اهتمام، لا على مستوى التشريع، ولا ضمن أولويات الحوار الاجتماعي داخل المقاولة أو داخل القطاع، ولا حتى في العديد من الأنظمة الداخلية للمقاولات، أو في صلب الاتفاقيات الجماعية المبرمة بين الشركاء الاجتماعيين.

والحال أن جزءا مهما من الإشكالات التي تعرفها علاقة الشغل، لا يرتبط فقط بالأجور أو بظروف العمل، وإنما يمتد إلى قضايا أكثر عمقا، تتصل بالترقية، والتنقل، والتعيين في مناصب المسؤولية، والتكوين، وتقييم الأداء، وتكافؤ الفرص في التطور المهني، وهي جميعها مجالات كان من المفترض أن يؤطرها مسار مهني واضح، قائم على قواعد موضوعية وشفافة، تحد من السلطة التقديرية، وتعزز الثقة داخل المؤسسة.

ومن هنا، يطرح سؤال جوهري نفسه: إذا كان تقنين المسار المهني قادرا على الحد من النزاعات، وتحفيز الكفاءات، وتعزيز استقرار المقاولة، فلماذا ظل خارج أولويات الشركاء الاجتماعيين؟ هل يتعلق الأمر باختيار تدبيري للمقاولة؟ أم بأولويات العمل النقابي؟ أم بحدود اختصاصات ممثلي الأجراء؟ أم بغياب وعي جماعي بأهمية هذا الورش؟ أم أن الأمر يعكس فراغا تشريعيا ومؤسساتيا ما زال يحتاج إلى نقاش هادئ ومسؤول؟

وتزداد أهمية هذه التساؤلات مع اقتراب الانتخابات المهنية، التي يفترض ألا تختزل في التنافس حول المطالب الآنية، بل أن تشكل مناسبة لإعادة ترتيب أولويات الحوار الاجتماعي داخل المقاولة أو داخل القطاع، وإدراج القضايا البنيوية المؤثرة في مستقبل الأجير واستقرار المقاولة، وفي مقدمتها تقنين المسار المهني باعتباره إحدى الركائز الأساسية للحكامة الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، لا يهدف هذا المقال إلى تحميل المسؤولية لطرف دون آخر، ولا إلى التقليل من أهمية المكتسبات التي راكمها الحوار الاجتماعي الوطني وكذا القطاعي، بقدر ما يروم فتح نقاش علمي وعملي حول ورش ظل، إلى اليوم، خارج دائرة الاهتمام التي يستحقها، رغم ما يمكن أن يحققه من مكاسب مشتركة للمقاولة، وللأجير، وللتنظيمات النقابية، ولممثلي الأجراء، وللاستقرار الاجتماعي داخل المؤسسة.

وقبل البحث في أسباب غياب تقنين المسار المهني عن أولويات الحوار الاجتماعي داخل المقاولة أو داخل القطاع، يبدو من الضروري تحديد المقصود بهذا المفهوم، لأنه كثيرا ما يُختزل في الترقية أو في بعض إجراءات تدبير الموارد البشرية، في حين أن مجاله أوسع بكثير.

فالمقصود بتقنين المسار المهني لا يقتصر على تنظيم الترقية أو تحديد شروط الولوج إلى مناصب المسؤولية، وإنما يتمثل في إرساء منظومة قانونية وتنظيمية متكاملة تؤطر مختلف مراحل الحياة المهنية للأجير داخل المقاولة، منذ التوظيف إلى غاية انتهاء علاقة الشغل، وفق معايير موضوعية وشفافة تكفل تكافؤ الفرص، وتعزز الاستحقاق، وتحد من السلطة التقديرية في اتخاذ القرارات المهنية.

وبهذا المعنى، فإن المسار المهني لا يشكل مجرد آلية لتدبير الموارد البشرية، بل يمثل إحدى ركائز الحكامة داخل المقاولة، لأنه يجعل القرارات المهنية قائمة على قواعد معلنة وقابلة للمراقبة، بدل أن تظل رهينة الاجتهادات الفردية أو الاعتبارات الشخصية، ولذلك، فإن اختزال المسار المهني في الترقية وحدها يعد اختزالا لمفهوم أشمل، لأن الترقية ليست سوى محطة من محطاته، بينما يشمل المسار المهني مجموع الحقوق والالتزامات والضمانات التي تؤطر تطور الأجير داخل المؤسسة.

وبذلك، فإن تقنين المسار المهني لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره امتيازا يمنح لفئة من الأجراء، وإنما باعتباره ضمانة مؤسساتية لترسيخ مبادئ الحكامة، والشفافية، والاستحقاق، وتكافؤ الفرص داخل المقاولة.

ومن هذا المنظور، لا تقتصر أهمية هذا الموضوع على إبراز الحاجة إلى تقنين المسار المهني، وإنما تمتد إلى مساءلة مختلف الفاعلين في الحوار الاجتماعي داخل المقاولة أو داخل القطاع حول أسباب استمرار غيابه عن دائرة الأولويات، واستشراف ما إذا كانت الانتخابات المهنية المقبلة قادرة على أن تجعل منه أحد الملفات البنيوية التي تستحق أن تتصدر أجندة الإصلاح داخل المقاولة المغربية، ذلك أن حكامة الموارد البشرية لا تستقيم في غياب مسار مهني واضح، ومقنن، ومستند إلى معايير موضوعية وشفافة، تكفل الاستحقاق، وتكرس تكافؤ الفرص، وتعزز الثقة داخل المؤسسة.

غير أن الإقرار بأهمية تقنين المسار المهني لا يجيب، في حد ذاته، عن السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا المقال، لأن الإشكال لم يعد يتعلق بإثبات الحاجة إلى هذا الورش، بقدر ما يتعلق بتفسير أسباب استمرار غيابه عن أولويات الحوار الاجتماعي داخل المقاولة أو داخل القطاع، رغم ما يمكن أن يترتب عن اعتماده من آثار إيجابية على استقرار العلاقات المهنية، وجودة تدبير الموارد البشرية، وتحسين الوضعية الاجتماعية للأجراء، سواء خلال مسارهم المهني أو بعد إحالتهم على التقاعد، من خلال الرفع من مستوى معاشاتهم أو رواتب الشيخوخة.

ومن ثم، فإن مقاربة هذه الإشكالية، تقتضي مساءلة مختلف الفاعلين المعنيين بها، كل من موقعه ومسؤوليته، انطلاقا من موقع المقاولة (المحور الأول)، مرورا بالعمل النقابي (المحور الثاني) وممثلي الأجراء (المحور الثالث)، وانتهاء بالانتخابات المهنية (المحور الرابع) باعتبارها محطة قد تتيح إعادة إدراج هذا الورش ضمن أولويات الحوار الاجتماعي داخل المقاولة أو داخل القطاع.

المحور الأول: لماذا ظل تقنين المسار المهني خارج أولويات المقاولة؟

إذا كان تقنين المسار المهني يمثل، في التجارب الحديثة، إحدى الركائز الأساسية لحكامة الموارد البشرية، فإن أول سؤال يفرض نفسه هو: لماذا ظل تقنين المسار المهني، رغم ذلك، خارج أولويات عدد كبير من المقاولات؟

ويصعب، من الناحية التدبيرية، تصور مقاولة تتبنى مبادئ الحكامة، وتستثمر في تطوير رأسمالها البشري، دون أن تضع إطارا واضحا يؤطر المسار المهني لأجرائها، لأن هذا المسار لم يعد مجرد وسيلة لتنظيم الترقية أو التعيين في مناصب المسؤولية، بل أصبح أحد المؤشرات الأساسية على نضج سياسة الموارد البشرية، وعلى قدرة المؤسسة على التوفيق بين متطلبات التدبير ومبادئ العدالة المهنية.

فحين يكون المسار المهني مقننا، يصبح الأجير على بينة من القواعد التي تحكم تطوره المهني منذ التحاقه بالمؤسسة، فيعرف شروط الترقية، ومعايير تحمل المسؤوليات، وآليات الاستفادة من التكوين، وكيفية تقييم الأداء، وهو ما يعزز الشفافية، ويكرس مبدأ تكافؤ الفرص، ويرفع من منسوب الثقة في القرارات المهنية.
ومع ذلك، يكشف الواقع العملي أن عددا من المقاولات لا زالت مترددة في الانتقال من منطق التدبير الإداري التقليدي للموارد البشرية إلى منطق تقنين المسار المهني، وهو ما يثير تساؤلا مشروعا: لماذا ظل هذا الورش خارج أولويات عدد من المقاولات؟

قد يقال، إن طبيعة النشاط الاقتصادي تفرض على المشغل الاحتفاظ بهامش من المرونة في تدبير موارده البشرية، وهو اعتبار لا يمكن إنكاره، لأن المقاولة مطالبة بالتكيف المستمر مع تحولات السوق، وإعادة تنظيم مصالحها، وتعبئة كفاءاتها وفق حاجياتها المتغيرة.

غير أن المرونة في التدبير شيء، وغياب القواعد المنظمة شيء آخر، حيث المسار المهني لا يصادر السلطة التقديرية للمشغل، ولا يجرده من حقه في اتخاذ القرارات التي تقتضيها مصلحة المقاولة، وإنما يؤطر ممارستها بضوابط موضوعية وشفافة، تجعل قراراتها أكثر وضوحا ومشروعية، وأقرب إلى الإقناع والقبول، وأبعد عن التأويل أو الشعور بعدم الإنصاف.

ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود السلطة التقديرية للمشغل، فهذه سلطة يقرها القانون وتمليها ضرورات التسيير، وإنما في كيفية ممارستها في إطار قواعد معلنة، تضمن حسن استعمالها، وتجعلها أكثر قابلية للفهم والرقابة، بدل أن تظل رهينة الاجتهادات الفردية أو الاعتبارات الشخصية التي قد تختلف من مسؤول إلى آخر.

وتكشف التجارب المقارنة في مجال تدبير الموارد البشرية، أن المقاولات التي اعتمدت مسارات مهنية واضحة لم تفقد مرونتها في التدبير، بل استطاعت، في المقابل، أن تعزز الثقة داخل المؤسسة، وأن تحتفظ بكفاءاتها، وأن تقلص من النزاعات المرتبطة بالترقية، والتنقل، وتقييم الأداء، وهي من أكثر القضايا تأثيرا في المناخ الاجتماعي للمقاولة وفي مردوديتها.

ومن ثم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد هو: هل تحتاج المقاولة إلى تقنين المسار المهني؟ وإنما أصبح: هل تستطيع، في ظل التحولات التي يعرفها سوق الشغل، أن تحقق حكامة حقيقية للموارد البشرية في غياب مسار مهني واضح ومقنن؟

ذلك أن حكامة الموارد البشرية لا تقاس فقط بجودة التدبير اليومي، وإنما أيضا بوجود قواعد مؤسساتية واضحة تؤطر الحياة المهنية للأجراء، وتضمن الشفافية، وتكرس الاستحقاق، وتكفل تكافؤ الفرص، ومن هذا المنظور، لم يعد تقنين المسار المهني مجرد خيار تنظيمي أو ترف إداري، بل أصبح ركيزة من ركائز حكامة الموارد البشرية، واستثمارا استراتيجيا في استقرار المقاولة، وفي تعزيز الثقة بين مختلف الفاعلين داخلها، وفي الوقاية من النزاعات المهنية قبل نشوئها.

المحور الثاني: لماذا لم يتحول تقنين المسار المهني إلى أولوية في العمل النقابي؟

إذا كان من الممكن تفسير تردد بعض المقاولات في تقنين المسار المهني بما قد يترتب عنه من التزامات تنظيمية تحد، بدرجة أو بأخرى، من هامش السلطة التقديرية في تدبير الموارد البشرية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه، بالقدر نفسه من المشروعية، هو: لماذا لم يتحول هذا الورش، في المقابل، إلى مطلب تفاوضي دائم ضمن أولويات التنظيمات النقابية؟

ذلك أن العمل النقابي، في مفهومه الحديث، لا يقتصر على الدفاع عن الحقوق المكتسبة أو المطالبة بتحسين الأوضاع المادية للأجراء، وإنما يمتد أيضا إلى الإسهام في بناء بيئة مهنية أكثر عدالة واستقرارا، من خلال اقتراح الإصلاحات الكفيلة بتطوير قواعد تنظيم علاقة الشغل والارتقاء بحكامة الموارد البشرية.

ولا يخفى أن الحوار الاجتماعي، سواء على مستوى المقاولات أو القطاعات، انصبت، في معظمها، على ملفات الأجور، والتعويضات، والحماية الاجتماعية، وتحسين ظروف العمل، وهي مطالب تظل مشروعة بالنظر إلى أثرها المباشر في تحسين الوضع الاجتماعي للأجراء.

غير أن ذلك لا يمنع من طرح سؤال آخر لا يقل أهمية ألا وهو: أين موقع المسار المهني ضمن هذه الأولويات؟

ذلك أن تحسين الأجر، على أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق الاستقرار المهني، كما أن العدالة المهنية لا تقاس فقط بمستوى التعويضات، وإنما أيضا بوجود مسار مهني واضح، يعلم الأجير من خلاله كيف يمكن أن يتطور داخل المؤسسة، وما هي الشروط الموضوعية للترقية، والاستفادة من التكوين، وتحمل المسؤوليات، وتقييم الأداء، في إطار معايير معلنة تكفل تكافؤ الفرص، وتحد من الغموض ومن كل شعور بعدم الإنصاف.

ولعل هذا ما يقتضي إعادة النظر في مفهوم المطالب الاجتماعية ذاته، فليست كل المطالب ذات طبيعة مالية، كما أن قيمة الإصلاح لا تقاس دائما بما يترتب عنه من زيادات في الأجور أو التعويضات، بل قد تكون الإصلاحات التنظيمية أكثر أثرا واستدامة، لأنها تعالج الأسباب العميقة للنزاعات بدل الاكتفاء بمعالجة نتائجها.

فالرهان الحقيقي للعمل النقابي لا يقتصر على تحسين شروط الشغل، وإنما يمتد أيضا إلى الإسهام في بناء القواعد المنظمة لعلاقة الشغل، بما يرسخ الاستقرار المهني، ويعزز الثقة داخل المقاولة، ويكرس مبادئ الشفافية والاستحقاق وتكافؤ الفرص. ومن هذا المنطلق، يبرز تقنين المسار المهني باعتباره أحد المطالب البنيوية التي تستحق أن تجد مكانها ضمن أولويات الحوار الاجتماعي، لما يمكن أن يحققه من تعزيز للشفافية، وترسيخ للاستحقاق، وتدعيم للثقة بين مختلف أطراف علاقة الشغل.

ولا يعني طرح هذا التصور التقليل من الأدوار الدستورية والنضالية التي تضطلع بها التنظيمات النقابية، أو الانتقاص من المكتسبات التي ساهمت في تحقيقها لفائدة الأجراء، وإنما يروم فتح نقاش حول تطور الوظيفة النقابية نفسها في ظل التحولات التي يعرفها عالم الشغل.

فالتنظيم النقابي الحديث لا يقاس فقط بقدرته على الدفاع عن الأجراء بعد نشوء النزاع، وإنما أيضا بقدرته على الإسهام في بناء منظومة تنظيمية تحد من أسباب النزاعات قبل وقوعها، ولعل نجاح الحوار الاجتماعي لا يقاس فقط بعدد النزاعات التي تمت تسويتها، وإنما أيضا بعدد النزاعات التي لم تنشأ أصلا، بفضل جودة التنظيم، ووضوح القواعد، وعدالة المساطر.

ومن هذا المنظور، فإن إدراج تقنين المسار المهني ضمن الأجندة التفاوضية، لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد إضافة مطلب جديد إلى لائحة المطالب التقليدية، بل باعتباره مدخلا لترسيخ حكامة اجتماعية أكثر نضجا، تنتقل بالحوار الاجتماعي من منطق تدبير الأزمات إلى منطق بناء القواعد المنظمة لعلاقة الشغل، بما يحقق مصلحة الأجير، ويعزز استقرار المقاولة، ويخدم، في نهاية المطاف، المصلحة المشتركة لجميع الشركاء الاجتماعيين.

ويتضح، من خلال ما سبق، أن غياب تقنين المسار المهني عن أولويات العمل النقابي لا يرتبط بغياب أهميته، بقدر ما يعكس هيمنة المطالب ذات الطابع الآني على حساب الإصلاحات البنيوية.

غير أن هذا الواقع يثير سؤالا موازيا يتعلق بفاعل آخر يوجد في قلب المؤسسة، ويتابع عن قرب تفاصيل الحياة المهنية للأجراء، وهو ممثلو الأجراء، فهل تسمح اختصاصاتهم القانونية بالإسهام في الدفع نحو تقنين المسار المهني؟ أم أن حدود أدوارهم تجعل هذا الورش خارج دائرة تدخلهم؟ وهو ما سنحاول مناقشته.

المحور الثالث: مندوبي الأجراء... هل استُثمرت جميع الآليات القانونية المتاحة؟

لئن كان من المشروع مساءلة موقع تقنين المسار المهني ضمن أولويات المقاولة، ثم ضمن الأجندة التفاوضية للتنظيمات النقابية، فإن التساؤل يمتد، بالقدر نفسه من المشروعية، إلى مندوبي الأجراء، باعتبارهم المؤسسة التمثيلية الأقرب إلى الانشغالات اليومية للأجراء داخل المقاولة.

ومن الثابت قانونا أن اختصاصات مندوبي الأجراء تتمثل، من حيث الأصل، في تلقي الشكايات الفردية للأجراء وعرضها على المشغل، بينما يظل التفاوض بشأن المطالب الجماعية من اختصاص التنظيمات النقابية الأكثر تمثيلية.

غير أن هذا التحديد القانوني للاختصاصات لا يحول دون طرح سؤال مشروع، خاصة داخل المقاولات التي لا تتوفر على تنظيم نقابي، أو في الحالات التي تتيح فيها آليات الحوار الداخلي أو الأنظمة المعتمدة بالمؤسسة لمندوبي الأجراء الإسهام في نقل بعض الانشغالات ذات الطابع الجماعي إلى إدارة المقاولة.

وتزداد أهمية هذا التساؤل إذا استحضرنا أن مندوبي الأجراء يعدون، بحكم القانون، أعضاء في لجنة المقاولة، وهي مؤسسة لا يقتصر دورها على تتبع الإشكالات اليومية، وإنما تمتد اختصاصاتها إلى دراسة القضايا ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي والتنظيمي التي تهم حياة المقاولة وتطورها، بما في ذلك القضايا المرتبطة بتدبير الموارد البشرية، والتكوين، وتحسين التنظيم الداخلي، والرفع من الأداء الجماعي.

ومن هذا المنطلق، فإن تقنين المسار المهني لا يبدو مجرد مطلب يهم أجيرا بعينه، وإنما يمثل ورشا مؤسساتيا يهم المقاولة والأجراء معا، لأنه يروم إرساء قواعد عامة وشفافة لتنظيم الترقية، والتنقل، والاستفادة من التكوين، وتقييم الأداء، والولوج إلى مناصب المسؤولية، وفق معايير موضوعية تكفل تكافؤ الفرص، وتعزز الاستحقاق، وتحد من أسباب الشعور بعدم الإنصاف.

ولذلك، فإن إثارة هذا الورش داخل لجنة المقاولة لا ينبغي أن تفهم على أنها توسع في الاختصاصات القانونية لمندوبي الأجراء، وإنما باعتبارها استثمارا للآليات المؤسساتية التي أتاحها المشرع لفتح نقاش حول القضايا البنيوية المؤثرة في استقرار المقاولة وتطورها.

ومن هنا، فإن الإشكال لا يبدو، في تقديري، مختفيا في غياب الآليات القانونية، بقدر ما يكمن في مدى استثمارها وتفعيلها لخدمة قضايا استراتيجية، من قبيل تقنين المسار المهني، الذي ظل، رغم أهميته، غائبا عن أولويات العديد من الفاعلين في الحوار الاجتماعي.

ولعل ذلك يدعو إلى إعادة التفكير في الدور المنتظر من المؤسسات التمثيلية داخل المقاولة، ليس فقط باعتبارها آليات لمعالجة الشكايات بعد نشوئها، وإنما أيضا باعتبارها فضاءات للحوار والاقتراح، قادرة على الإسهام في بلورة حلول تنظيمية من شأنها الحد من أسباب النزاعات قبل وقوعها، بما يعزز الثقة داخل المؤسسة، ويرسخ الحكامة، ويدعم استقرار العلاقات المهنية.

وإذا كان هذا المحور قد أبرز أن الآليات القانونية والمؤسساتية المتاحة تسمح، في حدود اختصاصات كل جهة، بإثارة ورش تقنين المسار المهني، فإن السؤال الذي يطرح نفسه في المرحلة الراهنة هو ما إذا كانت الانتخابات المهنية المقبلة ستشكل مناسبة لإعادة إدراج هذا الورش ضمن أولويات الفاعلين الاجتماعيين، أم أنه سيظل خارج دائرة الاهتمام. وهو ما يقودنا إلى المحور الرابع والأخير.

المحور الرابع: الانتخابات المهنية... هل تشكل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات؟

يكتسي هذا النقاش أهمية خاصة في الظرفية الراهنة، مع اقتراب الانتخابات المهنية المرتقبة خلال شهر شتنبر 2026، باعتبارها إحدى أهم محطات تجديد التمثيلية المهنية، وإعادة ترتيب أولويات الحوار الاجتماعي داخل المقاولة أو داخل القطاع.

لا ينبغي أن تختزل الانتخابات المهنية في مجرد اختيار ممثلي الأجراء، بل يفترض أن تشكل مناسبة لعرض البرامج والتصورات الكفيلة بتطوير العلاقات المهنية وتعزيز الحكامة الاجتماعية داخل المقاولة، وعلى هذا الأساس، يطرح سؤال مشروع: هل سيجد تقنين المسار المهني مكانه ضمن أولويات البرامج التي سيعرضها المترشحون على الأجراء؟

ولا يراد بهذا السؤال التقليل من أهمية المطالب التقليدية المرتبطة بالأجور، والتعويضات، وتحسين ظروف العمل، فهي مطالب مشروعة ستظل دائما في صلب العمل التمثيلي، غير أن المرحلة تقتضي، في المقابل، توسيع دائرة الاهتمام لتشمل الإصلاحات البنيوية التي تؤثر في مستقبل الأجير المهني، وفي استقرار المقاولة على المدى البعيد.

كما أنه لا يتعلق الأمر هنا بإضافة مطلب جديد إلى لائحة المطالب التقليدية، وإنما بإدراج ورش مؤسساتي من شأنه أن يؤطر مختلف مراحل الحياة المهنية للأجير وفق قواعد موضوعية وشفافة، بما يعزز مبادئ الاستحقاق وتكافؤ الفرص، ويحد من أسباب النزاعات، ويقوي الثقة بين مختلف أطراف علاقة الشغل.

ومن ثم، فإن إدراج هذا الورش ضمن البرامج الانتخابية لن يكون مجرد وعد انتخابي جديد، بل سيكون تعبيرا عن تحول في فلسفة العمل التمثيلي، من التركيز على معالجة المطالب الظرفية إلى الإسهام في بناء قواعد تنظيمية مستدامة، يستفيد منها جميع الأجراء، وتستفيد منها المقاولة كذلك.

غير أن إدراج هذا الورش ضمن البرامج الانتخابية، يظل غير كاف في حد ذاته، ما لم يكن ممثلو الأجراء مؤهلين للدفاع عنه داخل مؤسسات الحوار الاجتماعي، كما لا يمكن، في المقابل، أن يتحول هذا الورش إلى موضوع تفاوضي جاد، إذا ظل النقاش محصورا في الشعارات العامة، دون امتلاك الأدوات القانونية والتقنية الكفيلة بتحويل الفكرة إلى مقترحات عملية قابلة للنقاش والتنزيل.

فالممثل المنتخب لم يعد يقتصر دوره على نقل المطالب أو عرض الشكايات، بل أصبح مطالبا بالإلمام بالقوانين المنظمة لعلاقات الشغل، والإحاطة بمبادئ حكامة الموارد البشرية، والقدرة على قراءة النصوص القانونية، وتحليل الإشكالات العملية، وصياغة المقترحات، وإدارة الحوار والتفاوض بكفاءة ومسؤولية.

وكلما كان ممثل الأجراء متمكنا من الإطار القانوني والمؤسساتي الذي ينظم علاقة الشغل، ومؤهلا لاستيعاب الإشكالات المرتبطة بتدبير الموارد البشرية، ازدادت قدرته على الدفاع عن حقوق الأجراء بمنطق الحجة والإقناع، والإسهام في بلورة حلول عملية ومتوازنة، بعيدا عن الاكتفاء بمنطق المطالبة، وفي اتجاه بناء مقترحات تنظيمية قابلة للتنزيل.

وعليه، فإن الاستثمار في التكوين القانوني والتفاوضي لممثلي الأجراء لم يعد خيارا، بل أصبح أحد الشروط الأساسية للارتقاء بالحوار الاجتماعي، والانتقال به من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة والاقتراح.

ولعل من حق الأجراء، وهم يتابعون البرامج الانتخابية ويستعدون لاختيار ممثليهم، أن يطرحوا على كل مترشح سؤالا بسيطا في صياغته، عميقا في مضمونه: ما هو تصوركم لإرساء مسار مهني واضح ومقنن داخل المقاولة، وما هي الآليات التي تقترحونها لتحقيق ذلك؟

وقد تكون الإجابة عن هذا السؤال، في المستقبل، أكثر أثرا في الحياة المهنية للأجير من كثير من الوعود الظرفية التي تنتهي بانتهاء الاستحقاق الانتخابي، لأنها تتعلق ببناء قواعد مؤسساتية دائمة، لا بمعالجة أوضاع مؤقتة.

ولعل نجاح الانتخابات المهنية لن يقاس فقط بنسبة المشاركة، أو بعدد المقاعد التي يحصل عليها هذا التنظيم أو ذاك، وإنما أيضا بقدرتها على إدخال قضايا جديدة إلى صلب النقاش الاجتماعي، وفي مقدمتها تقنين المسار المهني، باعتباره أحد أهم أوراش الحكامة الاجتماعية داخل المقاولة المغربية.

فضلا عن ذلك، أن الانتخابات المهنية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لإفراز ممثلين يمتلكون من الكفاءة القانونية، والوعي التفاوضي، والرؤية الاستراتيجية، ما يؤهلهم للارتقاء بالحوار الاجتماعي من مجرد تدبير للنزاعات بعد وقوعها، إلى الإسهام في بناء قواعد مؤسساتية عادلة وشفافة تحول دون نشوئها، وفي مقدمتها تقنين المسار المهني باعتباره أحد أهم مرتكزات الحكامة الاجتماعية داخل المقاولة.

إن الرهان الحقيقي للانتخابات المهنية المقبلة لا يكمن فقط في تجديد ممثلي الأجراء، وإنما في تجديد أولويات الحوار الاجتماعي نفسه، على اعتبار أن المقاولة المغربية أصبحت اليوم في حاجة إلى حوار اجتماعي لا يقتصر على تدبير المطالب الآنية، بل ينخرط في بناء الإصلاحات البنيوية القادرة على تعزيز الثقة والاستقرار والنجاعة، ويظل تقنين المسار المهني في مقدمة هذه الأوراش، ليس لأنه مطلب فئوي جديد، وإنما لأنه يمثل ضمانة مؤسساتية لترسيخ الشفافية، والاستحقاق، وتكافؤ الفرص، وتعزيز حكامة الموارد البشرية. فالمقاولات لا تبنى فقط بكفاءة مواردها البشرية، وإنما أيضا بعدالة القواعد التي تؤطر مسارها المهني.

خاتمة
وفي ختام هذه القراءة، يتبين أننا حاولنا، من خلال هذا المقال، مقاربة الإشكالية المطروحة انطلاقا من مساءلة مختلف الفاعلين في الحوار الاجتماعي داخل المقاولة أو داخل القطاع، كل من زاوية مسؤوليته، بحثا في أسباب استمرار تقنين المسار المهني خارج دائرة الأولويات، رغم ما يمثله من أهمية في تحقيق العدالة المهنية وتعزيز استقرار العلاقات الشغلية.

وقد خلصنا إلى أن هذا الغياب لا يمكن تفسيره بعامل واحد، ولا تحميل مسؤوليته لطرف بعينه، بقدر ما يعكس تراكما لعوامل تشريعية، وتدبيرية، ومؤسساتية، جعلت الاهتمام ينصرف، في الغالب، إلى معالجة المطالب الآنية، على حساب الإصلاحات البنيوية القادرة على معالجة أسباب كثير من النزاعات قبل نشوئها.

كما بينت هذه القراءة أن تقنين المسار المهني لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مطلبا فئويا جديدا، أو امتيازا إضافيا لفئة من الأجراء، وإنما باعتباره إطارا مؤسساتيا يؤطر مختلف مراحل الحياة المهنية داخل المقاولة، وفق قواعد موضوعية وشفافة، تكرس مبادئ الاستحقاق، وتكافؤ الفرص، وتعزز الثقة بين مختلف أطراف علاقة الشغل.

ومن هذا المنطلق، فإن الانتخابات المهنية المقبلة تمثل فرصة حقيقية لإعادة طرح هذا الورش ضمن أولويات الحوار الاجتماعي داخل المقاولة أو داخل القطاع، ليس بوصفه مطلبا انتخابيا ظرفيا، وإنما باعتباره أحد الإصلاحات الهيكلية التي يمكن أن تسهم في تطوير حكامة الموارد البشرية، والارتقاء بجودة الحوار الاجتماعي، وترسيخ منطق الوقاية من النزاعات بدل الاكتفاء بتدبيرها بعد وقوعها.

ذلك أن مستقبل الحوار الاجتماعي داخل المقاولة أو داخل القطاع، لن يقاس فقط بقدرته على تحسين الأجور أو الرفع من التعويضات، على أهميتهما، وإنما أيضا بقدرته على بناء قواعد مؤسساتية عادلة، تضمن استقرار المسار المهني للأجير، وتعزز تنافسية المقاولة، وتحقق التوازن بين الحقوق والواجبات.

ومن ثم، فإن الحديث عن حكامة الموارد البشرية يظل حديثا منقوصا ما لم يقم على مسار مهني واضح، ومقنن، ومستند إلى معايير موضوعية وشفافة، تكفل الاستحقاق، وتكرس تكافؤ الفرص، وتعزز الثقة داخل المؤسسة، ولعل هذا هو الرهان الحقيقي الذي يستحق أن يتصدر النقاش العمومي، وأن يجد مكانه ضمن أولويات الحوار الاجتماعي داخل المقاولة أو داخل القطاع في المرحلة المقبلة.



الاثنين 6 يوليو 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter