خطاب العرش لسنة 2026: نحو ترسيخ الدولة التنموية وتعزيز السيادة الاستراتيجية
د. يونس مليح
أستاذ جامعي
مدير مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الإدارية والمالية
لا يمثل خطاب العرش مجرد مناسبة دستورية سنوية، بل يشكل لحظة وطنية بامتياز لتقييم مسار الدولة المغربية، واستشراف آفاقها المستقبلية، وتجديد التعاقد السياسي والتنموي بين المؤسسة الملكية والمجتمع. فمنذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، عرش أسلافه الميامين، أضحت خطب العرش وثائق مرجعية تؤطر الاختيارات الاستراتيجية للمملكة، وترسم معالم السياسات العمومية، وتحدد أولويات المرحلة في ضوء التحولات الوطنية والإقليمية والدولية.
ويأتي خطاب العرش لسنة 2026 في سياق يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية، وعودة النزعات الحمائية، واشتداد المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية، وما يفرضه ذلك من إعادة بناء مفهوم القوة الوطنية على أسس تجمع بين الاستقرار السياسي، والسيادة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والابتكار الصناعي. ومن هذا المنطلق، أكد جلالة الملك أن "الاستقرار اليوم، هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب"، في إشارة دالة إلى أن التنمية لم تعد رهينة المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل أصبحت ثمرة منظومة مؤسساتية متماسكة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
كما يحمل الخطاب بعدا استشرافيا واضحا حين يؤكد جلالة الملك أن "كل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم، يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل"، وهو تصريح يؤسس لفهم جديد لتدبير الشأن العام، قوامه الاستمرارية، وتراكم الإصلاحات، وربط الإنجاز برؤية الدولة لا بإيقاع الظرفية السياسية.
وانطلاقا من ذلك، تبرز الإشكالية المركزية الآتية:
إلى أي حد يعكس خطاب العرش لسنة 2026 انتقال المغرب من مرحلة تدبير التنمية إلى مرحلة بناء الدولة التنموية ذات السيادة الاستراتيجية، وما هي المرتكزات التي اعتمدها الخطاب لترسيخ هذا التحول؟
المحور الأول: فلسفة الدولة في خطاب العرش: ترسيخ الاستقرار وبناء السيادة الوطنية الشاملة
لا يمكن قراءة خطاب العرش لسنة 2026 بمنطق رصد المنجزات فقط، وإنما باعتباره تجسيدا لفلسفة متكاملة في بناء الدولة المغربية الحديثة. فقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس أن ما تحقق «لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم، يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل». وهي عبارة تؤسس لمنهجية في تدبير الشأن العام قوامها الاستمرارية، والتخطيط بعيد المدى، وتراكم الإصلاحات، بعيداً عن منطق التدبير الظرفي.
وفي هذا السياق، جعل جلالة الملك من الاستقرار الركيزة الأولى للتنمية، حين أكد أن «الاستقرار اليوم، هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب». ويعكس هذا الطرح وعياً عميقاً بأن التنمية لا تزدهر إلا في ظل مؤسسات قوية، وإدارة فعالة، وثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع، خاصة في عالم يشهد أزمات متلاحقة وتحولات جيوسياسية متسارعة.
كما يكشف الخطاب عن تحول نوعي في مفهوم السيادة الوطنية، فلم تعد السيادة تقتصر على بعدها الترابي أو الأمني، وإنما امتدت إلى السيادة الاقتصادية والصناعية والغذائية والطاقية والسيبرانية. ومن هذا المنطلق، فإن الرهان على الصناعات المتقدمة، والهيدروجين الأخضر، والبطاريات الكهربائية، والصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، لا يمثل مجرد خيار اقتصادي، بل يعبر عن رؤية استراتيجية ترمي إلى تعزيز استقلال القرار الوطني، والرفع من تنافسية الاقتصاد المغربي، وترسيخ مكانة المملكة كقوة إقليمية صاعدة.
وتؤكد المؤشرات التي أوردها الخطاب هذا التحول، سواء من خلال نسبة النمو، أو تصدر المغرب صناعة السيارات في إفريقيا، أو تطور الصناعات الجوية، أو تنويع القاعدة الصناعية، بما يعكس انتقال المملكة من اقتصاد يعتمد على الموارد التقليدية إلى اقتصاد يرتكز على الصناعة، والابتكار، والتكنولوجيا، والقيمة المضافة.
ومن ثم، فإن الرسالة الجوهرية لهذا المحور تتمثل في أن خطاب العرش يؤسس لمفهوم جديد للدولة، قوامه دولة قوية بمؤسساتها، وسيادتها، وقدرتها على استباق التحولات العالمية، بما يجعل التنمية خياراً استراتيجياً مستداماً لا مجرد استجابة ظرفية للمتغيرات.
المحور الثاني: الرؤية الملكية لمغرب المستقبل: التنمية الشاملة، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز المكانة الدولية
إلى جانب تأكيده على أولوية السيادة الاقتصادية، أبرز الخطاب الملكي أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا إذا انعكست آثارها على المواطن، من خلال تحسين جودة الحياة، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز العدالة الاجتماعية. لذلك، شدد جلالة الملك على مواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، وبرامج التنمية الترابية المندمجة، بما يكرس مبدأ الإنصاف بين مختلف جهات المملكة.
كما حمل الخطاب رسالة واضحة إلى القطاع المالي، من خلال الدعوة إلى تعبئة الادخار الوطني، وتوسيع الولوج إلى التمويلات لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، والابتكار، والتصنيع، والتصدير. ويبرز هذا التوجه أن المرحلة المقبلة لن تقوم فقط على الاستثمار العمومي، بل على شراكة متجددة بين الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية، بما يضمن تمويلاً مستداماً للمشاريع الاستراتيجية.
وعلى المستوى الدولي، أكد الخطاب أن المغرب لم يعد مجرد شريك اقتصادي، بل أصبح فاعلاً يحظى بالثقة والاحترام، بفضل دبلوماسية متوازنة، قائمة على تنويع الشراكات، وربط التعاون بالمصالح المشتركة، بما يعزز مكانة المملكة في محيطها الإقليمي والدولي.
ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، حيث أكد جلالة الملك أن المشاريع الكبرى للدولة تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، لأنها تستند إلى رؤية استراتيجية متواصلة. ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة ليست مرحلة بداية جديدة بقدر ما هي مرحلة تعميق الإصلاحات، وتحصين المكتسبات، وإطلاق دينامية تنموية أكثر نجاعة وتنافسية.
ويعكس ذلك تصورا متقدما للدولة التنموية، التي تجعل من الاقتصاد، والعدالة الاجتماعية، والابتكار، والانفتاح الدولي، ركائز متكاملة لبناء مغرب المستقبل.
خاتمة
يؤكد خطاب العرش لسنة 2026 أن المغرب دخل مرحلة جديدة من مساره التنموي، قوامها الانتقال من منطق الإنجاز القطاعي إلى منطق الدولة الاستراتيجية، التي تجمع بين قوة المؤسسات، والسيادة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والانفتاح الدولي المسؤول. فالخطاب لم يكن مجرد عرض لحصيلة السنوات الماضية، بل خارطة طريق للمستقبل، تستند إلى رؤية ملكية بعيدة المدى، تجعل من الاستقرار رافعة للتنمية، ومن التصنيع والابتكار أساساً للسيادة، ومن الإنسان محوراً للسياسات العمومية.
ومن منظور أكاديمي، فإن القيمة الحقيقية لهذا الخطاب تكمن في كونه يعكس تطور النموذج المغربي من مرحلة بناء البنيات الأساسية إلى مرحلة بناء القدرة الوطنية على المنافسة والصمود والاستباق. كما يبرز أن نجاح الدولة في عالم اليوم لم يعد يقاس بحجم مواردها الطبيعية، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتطوير الصناعة، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتعبئة مختلف الفاعلين حول مشروع وطني جامع.
إن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون الحفاظ على المكتسبات فحسب، بل تحويلها إلى قوة مؤسساتية وتنموية مستدامة، قادرة على ترسيخ مكانة المغرب كدولة صاعدة، وفاعلة، وذات سيادة شاملة، وفق الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله.
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"