يشكل المسار الدستوري في المغرب أحد أبرز تجليات تطور الدولة الحديثة، حيث ارتبط تاريخيا بخيار الإصلاح المتدرج والتكيف المستمر مع التحولات السياسية والاجتماعية ، غير أن محطة 2011 مثلت منعطفا حاسما في هذا المسار، إذ جاء الدستور الجديد في سياق إقليمي دقيق، حاملاً معه رهانات كبرى تتجاوز حدود الصياغة القانونية، لتطال طبيعة النظام السياسي، وتوازن السلط، ومستقبل التحول الديمقراطي بالمملكة .
لقد أرسى دستور 2011 تحولات نوعية على مستوى الهندسة المؤسساتية ، فقد عزز موقع رئيس الحكومة داخل السلطة التنفيذية، ووسع صلاحيات البرلمان في التشريع والرقابة، وكرّس استقلال السلطة القضائية باعتبارها سلطة قائمة الذات، بعد أن كانت توصف بوظيفة. كما نص على سمو الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب، في إطار احترام ثوابت الأمة وقوانينها، وكرّس الطابع التعددي للهوية الوطنية، عبر دسترة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، بما يعكس غنى المكونات الثقافية والحضارية للمملكة.
غير أن أهمية أي دستور لا تُقاس فقط بما يتضمنه من مبادئ، بل بمدى قابليته للتحول إلى ممارسة فعلية. وهنا يبرز التحدي المركزي الذي واجه التجربة المغربية خلال العقد الأخير: الانتقال من “دسترة المبادئ” إلى “مأسسة الممارسة”. فقد شكّل تنزيل القوانين التنظيمية خطوة ضرورية لاستكمال البناء الدستوري، إلا أن جودة التنفيذ ونجاعة الأداء المؤسسي ظلتا محل نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والأكاديمية.
على مستوى السلطة التشريعية، منح الدستور البرلمان اختصاصات أوسع، سواء في مجال التشريع أو في مراقبة العمل الحكومي، كما خصّ المعارضة بمكانة دستورية واضحة تضمن لها حقوقاً محددة. غير أن الممارسة أبانت عن أن فعالية المؤسسة التشريعية لا ترتبط بالنصوص وحدها، بل بثقافة سياسية قادرة على تفعيل آليات المساءلة والمبادرة. فلا تزال المبادرة التشريعية البرلمانية محدودة مقارنة بالمبادرة الحكومية، كما أن جودة بعض النصوص القانونية تثير نقاشاً حول الحاجة إلى مزيد من التمحيص والتقييم القبلي والبعدي للسياسات العمومية.
وفي مجال العدالة الدستورية، اضطلعت المحكمة الدستورية بدور مهم في مراقبة مطابقة القوانين للدستور، وضبط المسار الانتخابي، والمساهمة في ترسيخ الأمن القانوني. كما شكل الدفع بعدم الدستورية تطوراً نوعياً، إذ أتاح للأفراد إثارة عدم دستورية قانون يمس بحقوقهم أمام القضاء، مما عزز الحماية القضائية للحقوق والحريات ، غير أن هذا المسار ما يزال يحتاج إلى تبسيط إجراءاته وتعزيز الوعي به، حتى يصبح آلية فعالة في يد المواطنين.
أما ورش الجهوية المتقدمة، الذي اعتُبر أحد الأعمدة الأساسية للإصلاح الدستوري، فقد مثّل خيارا استراتيجيا لترسيخ الديمقراطية الترابية وتحقيق العدالة المجالية. وقد تم انتخاب مجالس الجهات ومنحها اختصاصات مهمة، غير أن إشكالات التمويل، وتداخل الصلاحيات، وضعف الموارد البشرية في بعض الجهات، تجعل من تقييم التجربة مسألة مفتوحة على التطوير. فالانتقال نحو لا مركزية فعلية يتطلب إعادة توزيع حقيقية للموارد والسلطات، وإرساء ثقافة تدبيرية قائمة على النتائج والمساءلة.
وفي محور الحكامة، نص الدستور على إحداث وتعزيز هيئات مستقلة تعنى بالنزاهة ومحاربة الفساد والمنافسة وحقوق الإنسان، في إطار تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن الرهان الحقيقي يظل في تمكين هذه المؤسسات من الإمكانات القانونية والمادية الكفيلة بأداء أدوارها باستقلالية وفعالية، لأن التنصيص الدستوري، مهما كان متقدما ، لا يكفي وحده لضمان أثر ملموس في الواقع.
أما من باب الحقوق والحريات، شهد المغرب دينامية تشريعية ومؤسساتية مهمة خلال السنوات الأخيرة، سواء في ما يتعلق بحرية الصحافة أو قضايا المساواة أو العدالة الاجتماعية. كما ساهم الفضاء الرقمي في توسيع دائرة التعبير والنقاش العمومي. غير أن التوازن بين مقتضيات الأمن والاستقرار وضمان الحريات الفردية والجماعية يظل موضوع نقاش دائم، خاصة في ظل تحولات اجتماعية متسارعة تفرض تحديات جديدة على المنظومة القانونية.
ولا يمكن قراءة التجربة الدستورية بمعزل عن السياق الاقتصادي والاجتماع ، فنجاح أي مشروع دستوري يقاس بمدى قدرته على تحسين شروط عيش المواطنين، وتقليص الفوارق المجالية، وضمان ولوج عادل إلى الخدمات الأساسية ، فالوثيقة الدستورية يضع الإطار العام، لكن السياسات العمومية هي التي تمنحه الحياة. وإذا لم تنعكس المبادئ الدستورية على واقع التعليم والصحة والتشغيل، فإن الثقة في المؤسسات قد تتأثر.
أما على مستوى الآفاق، فإن مستقبل التجربة الدستورية بالمغرب يرتبط بعدة رهانات أساسية. أولها تعميق الممارسة الديمقراطية عبر تقوية الأحزاب السياسية، وتطوير أداء البرلمان، وتعزيز آليات الديمقراطية التشاركية، حتى يصبح المواطن فاعلا حقيقياًفي صناعة القرار. وثانيها تعزيز استقلالية المؤسسات الدستورية وضمان توازن فعلي بين السلط، بما يكرس دولة الحق والقانون. أما الرهان الثالث فيتعلق بإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، من خلال شفافية أكبر في تدبير الشأن العام، وربط واضح بين المسؤولية والنتائج.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المرحلة المقبلة تستدعي مراجعة شاملة للنص الدستوري، بل قد يكون الرهان الأكبر في تجويد التنزيل وتطوير الممارسة داخل الإطار القائم. فالدساتير ليست نصوصاً جامدة، بل عقوداً مجتمعية حية تتطور بتطور المجتمع. ومن ثم فإن تعميق الإصلاح يمر عبر ترسيخ ثقافة ديمقراطية قائمة على الحوار، واحترام المؤسسات، وتغليب منطق المصلحة العامة.
بقي أن نشير في الأخير ، إلا أن التجربة الدستورية المغربية تمثل نموذجا للإصلاح المتدرج الذي يجمع بين الاستمرارية والتجديد. لقد حققت مكاسب مهمة على مستوى النص والهندسة المؤسساتية، غير أن تحديات التنزيل والفعالية ما تزال قائمة. وبين واقع يسعى إلى ترسيخ المكتسبات وآفاق تتطلع إلى تطوير أعمق، يظل الدستور إطارا مفتوحا على التحسين ، بقدر ما هو مرآة لطموحات مجتمع يتطلع إلى مزيد من الديمقراطية و التنمية .


الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
التجربة الدستورية بالمغرب : واقع و آفاق

