المعلومة بين ضرورة الإفصاح وهاجس التجريم
الطالبة: حسنة فاضل
باحثة في قانون الأعمال
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي
جامعة محمد الخامس الرباط
البريد الإلكتروني
hasna.fadil@um5r.ac.ma
hasna.fadil@um5r.ac.ma
تمهيد
تلعب المعلومة دورا حيويا ومؤثرا في بناء وترسيخ قواعد السياسات الاقتصادية في المجتمعات، بحيث يمكن القول أن من يملك المعلومة ويحسن استعمالها يساهم في تكوين الأحداث ويؤثر في التوجه العام، ويضع بصمته في صناعة المستقبل.
كما أن تداول وتوافر المعلومات يتيح إمكانية المعرفة الشاملة والموضوعية بما يروج في مجال الأعمال، وإمكانية الحكم على مدى وفاء الفاعلين فيه بما التزموا به من معايير والأهداف التي أعلنوها في موازناتهم وخططهم المعلنة، ضمانا للحقوق وتوازنا للمصالح وتأكيدا لعامل الثقة.
وبفضل المعلومات يمكن رصد طريق التسيير والإدارة والتحقق من إن كان يعكس بالفعل سلوكا نزيها دون غش، فتحقق بذلك الحماية للفاعلين في مجال الأعمال والمساهمين فيه وللمنتمين له، تفعيلا لمبدأ الثقة .
كما أن في البيئة الاقتصادية المعاصرة تحتل المعلومة مكانة محورية، إذ أنها تعتبر عنصرا أساسيا في تنظيم المعاملات التجارية وضمان شفافية الأسواق، كما أصبحت من أهم الأصول غير المادية التي تقوم عليها الشركات التجارية في تحقيق الاستمرارية والتنافسية، بحيث أن المعلومة من العناصر الأساسية المعتمدة عليها لضمان استمرارية الشركات وازدهار نشاطها، فهي ذات قيمة عند اتخاذ القرارات، وهذا راجع بالأساس لهدفها الأساسي ووظيفتها التي تهدف إلى زيادة المعرفة، أو انخفاض نسبة عدم التأكد لدى مستخدمي هذه المعلومات حيث تستخدم في تأكيد أو تصحيح معلومات سابقة، أو في إضافة حقائق أو أفكار جديدة تعزز مستقبل مستخدمي المعلومات، مما يساعد على اتخاذ القرارات في إطارها الموضوعي.
وقد أثار مفهوم المعلومات جدلا واسعا في الأوساط العلمية، نتيجة اختلاف الحقول المعرفية التي أسهمت في دراسته وتعدد المقاربات التي تناولته، الأمر الذي عكس غياب تعريف موحد له، حيث أفرزت الأدبيات المتخصصة مئات التعريفات التي تعكس طبيعة مفهوم المعلومات المركبة والمتعددة الأبعاد .
و المعلومة أيضا تلعب دورا جوهريا خاصة على مستوى الإخبار، بحيث تنتقل بكل الوسائل المتاحة في المجال التجاري، على شكل بيانات ومعطيات تهم نشاط الشركة وإنتاجها ومردوديتها وكل ما يتعلق بماضيها وحالها ومستقبلها، أو بمحيطها والبيئة التي تعمل فيها، من سوق وموزعين ومستهلكين مما يخلق نوعا من التنوع في المعلومات، فهي إما تجارية أو محاسبية أو مالية أو اجتماعية أو بيئية، فتكون يذلك المعلومات وسيلة موثوقة لإدارة المقاولة من جهة، وضمانا لحماية مصالح الفاعلين في النشاط الاقتصادي من جهة أخرى، حيث أنه بفضل تحليل معطيات هذه المعلومات يمكن للمحاسب أو جهاز التسيير المالي والاجتماعي والمتعاملين مع المقاولة أخذ قراراتهم المناسبة بشكل سليم، إضافة إلى كونها حق أساسي للشركاء والمساهمين والمستهلكين والأجراء على حد سواء .
وإذا كانت المعلومة تحل العديد من المشاكل التي تواجهها الشركات، فإن هذا له علاقة وثيقة بمدى التزامها بمبدأ الشفافية والإفصاح عن المعلومات خاصة الجوهرية، وهو ما يساهم في تدعيم الثقة في الشركة لضمان تحقيق توازن حقوق أصحاب المصالح، وذلك للمكانة الهامة التي يحتلها موضوع الإعلام والاطلاع على الوثائق الكفيلة بتنوير فكر ورأي مستخدميها، سواء لمناخ المقاولة مناخ الأعمال.
ففي الإطار القانوني، تكتسي المعلومة داخل الشركات التجارية أهمية خاصة، لارتباطها بمبادئ الإفصاح والشفافية التي تعد من ركائز الحكامة الجيدة ودعامة أساسية في حماية المستثمرين، حيث تلزم التشريعات الشركات بنشر معلومات مالية وقانونية دقيقة تمكن المتعاملين من اتخاذ قراراتهم على علم، وفي هذا السياق، أكدت المعايير الدولية على ضرورة تعزيز الإفصاح داخل الشركات لضمان نزاهة الأسواق، كما هو الشأن بالنسبة للمبادئ الصادرة عن (OECD) 2015.
غير أن مبدأ الإفصاح لا يمارس على إطلاقه، إذ تفرض التشريعات قيودا قانونية تهدف إلى حماية المصالح في الشركات، خاصة إذا تعلق الأمر بالأسرار التجارية والمعطيات الحساسة، حيث تجرم القوانين بعض الأفعال المرتبطة بالإفصاح غير المشروع أو استغلال المعلومات ذات الطابع السري، مثل جريمة إفشاء السر المهني أو استغلال المعلومات الداخلية في سوق الأوراق المالية، ويعكس هذا التداخل ذلك التوازن الدقيق بين متطلبات الشفافية من جهة، وضرورة الحماية والتجريم من جهة أخرى.
ومن تم، تبرز إشكالية هذا الموضوع في مدى قدرة التشريعات على خلق وتحقيق التوازن بين ضرورة الإفصاح عن المعلومات داخل الشركات التجارية باعتباره مبدأ ضامن للشفافية، وبين هاجس تجريم بعض صور تداولها حرصا على حماية المصالح الاقتصادية والمالية، ويهدف هذا الموضوع إلى تحليل الإطار القانوني المنظم لهذا التوازن، من خلال دراسة قواعد الإفصاح المفروضة على الشركات التجارية، وبيان حدود التجريم المرتبطة بإساءة استعمال المعلومات أو إفشائها.
ففي ظل تنامي أهمية المعلومة داخل الشركات التجارية باعتبارها أداة لتحقيق مبدأ الشفافية ومبدأ الصدقية حماية للمستثمرين، عمل المشرع المغربي على إقرار مجموعة من المقتضيات القانونية التي تلزم الشركات التجارية بالإفصاح عن معلوماتها المالية والقانونية، تكريسا لمبادئ الحكامة الجيدة، غير أن هذا التوجه يصطدم بضرورة حماية بعض المعطيات ذات الطابع السري، سواء تعلق الأمر بالأسرار التجارية أو بالمصالح الاقتصادية للشركة، مما دفع المشرع إلى تجريم بعض صور تداول المعلومة أو إفشائها، ومن تم تبرز إشكالية هذا الموضوع التي سنلخصها في التساؤل التالي:
إلى أي حد وفق المشرع المغربي في تحقيق التوازن بين متطلبات مبدأ الإفصاح عن المعلومة داخل الشركات التجارية، وهاجس تجريم بعض صور تداولها حماية للمصالح فيها؟
للإجابة عن هذه الإشكالية، اعتمدنا التصميم التالي:
المطلب الأول: التنظيم القانوني للمعلومة ومبدأ الإفصاح في الشركات التجارية
المطلب الثاني: جدلية الإفصاح والتجريم في الشركات التجارية
المطلب الأول: التنظيم القانوني للمعلومة والإفصاح في الشركات التجارية
يشكل الإطار القانوني للمعلومة ومبدأ الإفصاح في الشركات التجارية عنصرا أساسيا لضمان تحقيق مبدأ الشفافية وحماية الاقتصاد بشكل عام، فمع تطور الأسواق المالية، أصبح من الضروري تعزز هذه القواعد وتحديثها بما يواكب تسارع التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، مع الحرص على تحقيق التوازن بين مبدأ الشفافية وهاجس حماية أسرار الشركات.
وإذا كانت المعلومة ركيزة أساسية في الحياة الاقتصادية المعاصرة، بحيث تعتمد في قرارات المستثمرين والدائنين والمتعاملين مع الشركات، فهذا يتطلب منا الوقوف على مفهوم المعلومة وطبيعتها القانونية في الشركات التجارية كفقرة أولى، ثم التنظيم القانوني للإفصاح عن المعلومة في التشريع المغربي في الفقرة الثانية، لما له من أهمية باعتباره آلية قانونية تهدف إلى ضمان الشفافية وتعزيز الثقة في المعاملات التجارية، بحيث يشكل الإطار القانوني المنظم للمعلومة ومبدأ الإفصاح في الشركات التجارية أحد أهم أدوات الحكامة الجيدة وحماية المصالح خاصة الاقتصادية منها.
الفقرة الأولى: مفهوم المعلومة وطبيعتها القانونية في المجال التجاري
يقصد بالمعلومة في السياق التجاري كل البيانات والمعطيات التي تعكس الوضعية المالية والإدارية والقانونية للشركة، فهي نظام حقيقي لأصحاب المصلحة لإنتاج معلومات موجزة عن المركز المالي للشركة وأدائها، ما جعل المعلومة أداة اتصال وأداة تحليلية ووسيلة إثبات وأداة تحكم أو حتى أداة مساعدة في اتخاذ القرار .
أما الإفصاح فهو التزام قانوني يقع على عاتق الشركة يتمثل في نشر هذه المعلومات بشكل واضح وصحيح وفي الوقت المناسب، لأجل ذلك سنتناول المعلومة القابلة للإفصاح (أولا)، ثم المعلومة الغير قابلة للإفصاح (ثانيا).
أولا: المعلومة القابلة للإفصاح:
تظهر الحاجة للمعلومات في جميع مجالات العمل البشري، حيث تعد منبعا للمعرفة ومفتاحا للإنتاجية والمنافسة وموردا ومصدرا هاما للقوة السياسية والاقتصادية، حيث أن الافراد الذين يمتلكون المعلومة يكونون أكثر قدرة من غيرهم على اتخاذ قراراتهم وتسيير وظائف المقاولة والأقرب في ذلك للصواب ، بل أكثر من ذلك تعد بعض المعلومات شريان التنظيم التي لها تأثير في الاتصال بين المستويات التنظيمية وهي كذلك الأساس الذي تعتمد عليه الإدارة في اتخاذ قراراتها.
وفي هذا السياق، برز مفهوم المعلومة القابلة للإفصاح باعتباره أحد الركائز الأساسية التي توازن بين حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات من جهة، وضرورة حماية المصالح في الشركات التجارية من جهة أخرى.
فالمعلومة القابلة للإفصاح لا تقتصر على مجرد البيانات المتاحة، بل تشمل كل المعطيات الجوهرية التي من شأنها التأثير على قرارات المستثمرين أو الوضعية القانونية والمالية للشركة، وقد عملت التشريعات الحديثة على تنظيم هذا المجال من خلال تحديد طبيعة المعلومات التي يجب الكشف عنها، وتوقيت الإفصاح والجهات المخاطبة بها، وذلك بهدف ضمان نزاهة المعاملات ومنع التلاعب أو استغلال المعلومات غير المعلنة.
وتتعدد أنواع المعلومة باختلاف وتعدد المعايير المعتمدة عند استخدامها حيث أن هناك معلومات تستخدم بغرض التخطيط والرقابة وهي معلومات تهدف إلى تحسين الأداء وتحديد مجالات أوجه انخفاض الكفاءة لتشخيصها واتخاذ القرارات المناسبة لمعالجتها في الوقت المناسب، من خلال وضع التقديرات اللازمة لإعداد برامج الموازنات في المستقبل، وتتعلق بالأنشطة الدورية المتكررة في مجالات التخطيط والرقابة حيث أنها تهتم بالأداء الجاري والمستقبلي من خلال مساعدتها في تجهيز التوقعات للمستقبل ومقارنة النشاط الجاري لاتخاذ القرارات التصحيحية.
إضافة إلى المعلومات المتعلقة بالإفصاح وهي إما معلومات إجبارية وجب إنتاجها والإفصاح عنها قانونا وتتمثل على سبيل المثال في تلك المدونة في الدفاتر الإجبارية كدفتر اليومية والمعلومات المتضمنة في القوائم المالية المطلوب إعدادها ، أو تكون معلومات اختيارية غير إلزامية مثل خطاب مجلس الإدارة إلى المساهمين والتقارير الخاصة للإدارة الداخلية.
وعليه، يطرح موضوع المعلومة القابلة للإفصاح إشكالات متعددة تتعلق بتحديد نطاق هذه المعلومة، والمعايير المعتمدة لتصنيفها وحمايتها، وكذا الآليات القانونية الكفيلة بضمان احترام قواعد الإفصاح، وهو ما يستدعي الوقوف عند مختلف أبعاده القانونية والعملية.
ثانيا: المعلومة غير قابلة للإفصاح:
أصبحت المعلومة تشكل رصيدا هاما واستراتيجيا يحدد القدرة على مواجهة التنافسية للمقاولة ومكانتها في السوق، وإذا كان المشرع المغربي قد أقر مبدأ الشفافية من خلال إلزام الشركات بالإفصاح وجوبا عن مجموعة من المعلومات ضمانا لنزاهة المعاملات وحماية للمستثمرين، فإنه بالمقابل أحاط بعض المعلومات بحماية قانونية خاصة، نظرا لما قد يترتب عن كشفها من أضرار تمس بالمصالح في الشركة أو المساس بأسرارها التجارية.
وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن الحماية القانونية للمعلومة في التشريع المغربي تتنوع عبر عدة نصوص، نذكر من أبرزها قانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة، الذي يفرض وجوبا مبدأ الإفصاح عن المعلومات المالية مع الحفاظ على سرية بعض المعطيات الحساسة، وكذلك قانون رقم 5.96 المتعلق بباقي الشركات التجارية، الذي يؤطر تسيير الشركات ويكرس بشكل ضمني مبدأ سرية المعلومات المهنية، وقانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الوصول للمعلومات، الذي يقر مبدأ الولوج إلى المعلومات، لكنه يستثني المعطيات التي قد يؤدي الكشف عنها المساس بالأسرار التجارية أو بالمصالح الاقتصادية، ثم قانون رقم 20.05 المتعلق بالأمن السيبراني، الذي يعزز حماية المعطيات ذات الطابع الحساس داخل الأنظمة المعلوماتية للشركات التجارية، إضافة إلى المقتضيات التي تجرم إفشاء السر المهني في القانون الجنائي المغربي .
وفي هذا السياق، تشمل المعلومة غير قابلة للإفصاح الأسرار التجارية (كطرق الإنتاج والمعرفة التقنية والمعطيات المالية غير المنشورة واستراتيجية الشركة الاستثمارية، وكل معلومة ذات قيمة اقتصادية لم يتم الكشف عنها للعموم)، ولقيام الحماية القانونية يشترط أن تكون هذه المعلومات لها قيمة تجارية، وأن تكون سرية بطبيعتها، ويشترط أيضا أن تتخذ الشركة تدابير معقولة للحفاظ على سريتها.
ولعل من أهم ما تثيره المعلومة المحمية من إشكالات قانونية، نجد صعوبة التمييز بين ما هو قابل للإفصاح وما يجب كتمانه وعدم البوح به، وحدود التزام الأجراء وخاصة مسيري الشركة بسرية المعلومات، إضافة إلى فعالية الآليات القانونية في مواجهة عامل البوح بالمعلومة، خاصة في ظل التطور الرقمي وتزايد مخاطر الاختراق والتسريب.
ويمكننا القول، أن دراسة المعلومة المحمية في الشركات التجارية في ضوء القانون المغربي تقتضي منا الوقوف عند الإطار التشريعي المنظم لمبدأ الإفصاح عن المعلومة، وتحليل آليات الحماية المشروعة، وكذا إبراز التحديات العملية التي تعترض فرض تطبيق هذه القواعد وهو ما سنحاول تسليط الضوء عليه في الفقرة الثانية.
الفقرة الثانية: التنظيم القانوني للإفصاح عن المعلومة في التشريع المغربي
لقد أصبحت الحاجة إلى حماية المستثمرين والمتعاملين مع الشركة تتزايد مع تطور الأنشطة التجارية، حيث برزت أهمية تنظيم مبدأ الإفصاح عن المعلومة كآلية قانونية توازن بين مبدأ الشفافية وحماية الأسرار المهنية، وقد تدخل المشرع المغربي بشكل موفق لوضع إطار قانوني ينظم الإفصاح عن المعلومات ، سواء في مجال الشركات التجارية أو في سوق الرساميل أو حتى في إطار الحق في الحصول على المعلومات.
ويستند مبدأ الإفصاح عن المعلومة في المغرب إلى مجموعة من النصوص القانونية، التي تفرض على الشركات التجارية، خاصة شركات المساهمة، الالتزام بالإفصاح عن المعلومات المالية والمحاسبية، مثل القوائم التركيبية والتقارير السنوية لفائدة المساهمين، وتكريس مبدأ إعلام الشركاء بكل ما يتعلق بتسيير الشركة، مما يضمن تحقق مبدأ الشفافية داخل الشركات سواء ذات المسؤولية المحدودة أو غيرها، كما تفرض هذه النصوص القانونية قواعد صارمة للإفصاح عن المعلومات المالية لفائدة المستثمرين في سوق الرساميل، تحت مراقبة الهيئة المغربية لسوق الرساميل.
ويمكن القول أن قانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات يعتبر نقلة نوعية خاصة وأنه أقر حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات التي تحتفظ بها الإدارات العمومية، وهو ما سنتناوله في (أولا) مع بعض الاستثناءات التي تعتبر قيودا قانونية على الإفصاح وحماية لسرية المعلومة(ثانيا).
أولا: حدود الحق في الحصول على المعلومة
يعتبر الحق في الحصول على المعلومة داخل الشركات التجارية من أهم وأبرز الآليات التي أقرها المشرع المغربي لتعزيز مبدأ الشفافية وضمان التدبير الجيد للمقاولة، إذ يمكن المساهمين والشركاء من مراقبة أعمال التسيير واتخاذ قرارات مبنية على معلومات تحدد معطيات دقيقة، وقد كرس هذا الحق من خلال مجموعة من النصوص، من بينها القانون رقم95. 17 المتعلق بشركات المساهمة والقانون رقم 5.96 المتعلق بباقي الشركات التجارية، اللذان تتضمن مقتضياتهما حق الاطلاع على الوثائق المحاسبية وتقارير التسيير للشركاء، وهذا يعني تمكين المتعاملين مع المقاولة من الاطلاع على الوثائق الواجب الاطلاع عليها كتقارير مراقبي الحسابات والموازنة أو الحصيلة .
غير أن هذا الحق لا يمارس بشكل مطلق، بل يرد عليه عدد من القيود التي تفرضها طبيعة النشاط التجاري ومتطلبات حماية المصالح المشروعة للشركة، لعل أبرزها الحفاظ على السر المهني ورصد سبل التسيير والإدارة والتحقق من إن كان يعكس بالفعل سلوكا سليما ونزيها دون غش، فتتحقق بذلك الحماية للمقاولة وللمنتمين لها وللمتعاملين معها أو المتدخلين في شؤونها ،
وتتحقق كذلك حماية المعطيات الحساسة التي يؤدي الكشف عنها إلى الإضرار بالتنافسية أو بمركز الشركة في السوق، كما يتقاطع هذا الحق مع مقتضيات القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، الذي أقر كمبدأ عام للولوج إلى المعلومات، وإن كان موجها أساسا للإدارات العمومية وليس الشركات، إلا أنه يعكس توجها تشريعيا عاما نحو تكريس مبدأ الشفافية، لكنه استثنى بدوره بعض المجالات المرتبطة بالأمن الاقتصادي والخصوصية.
ورغم أن المشرع المغربي على غرار باقي التشريعات سعى إلى إرساء نظام قانوني متوازن يضمن للشركاء حقهم في الحصول على المعلومات داخل الشركات التجارية، باعتباره أداة لتحقيق الشفافية والحكامة، مع إخضاع هذا الحق لقيود تهدف إلى حماية المصالح الحيوية للشركة بقوة القانون، ويظل القضاء حجر الزاوية في ضبط هذا التوازن، من خلال رقابته على مدى مشروعية المطالبة بحق الاطلاع وحدودها، بشكل يضمن عدم الانحراف به أو المساس بالاستقرار الاقتصادي، إلا أن موضوع حدود الحق في الحصول على المعلومات داخل الشركات التجارية يثير إشكالية التوفيق بين مبدأ الشفافية، باعتباره دعامة للحكامة الجيدة، وبين ضرورة حماية أسرار الأعمال التجارية وضمان استقرار المعاملات بشكل عام، وهو ما يدفعنا للتساؤل حول مدى اتساع هذا الحق وقيوده القانونية لحماية سرية المعلومة.
ثانيا: الحدود القانونية لمبدأ الإفصاح
يبدو أن الإفصاح عن المعلومة في التشريع المغربي لا يعد مبدأ مطلقا ، بل هو مقيد بضوابط تهدف إلى حماية سرية المعلومات وضمان استقرار المعاملات الاقتصادية، وقد نجح المشرع إلى حد كبير، في إرساء توازن بين متطلبات الشفافية من خلال فرض الإفصاح عن المعلومة وحماية المصالح في الشركات عبر تقييد هذا الإفصاح بضوابط قانونية، مع إسناد دور محوري للقضاء في ضبط هذا التوازن، ليظل الرهان الحقيقي هو التطبيق الفعلي لهذه القواعد وضمان احترامها، بشكل يعزز الثقة في البيئة الاقتصادية ويشجع الاستثمار ويكرس مبتدئ الحكامة الجيدة، غير أن التطور التكنولوجي وتسارع تداول المعلومات يفرضان تحديات جديدة، مما يستدعي تحديث الإطار القانوني بشكل مستمر لمواكبة هذه التحولات للحد من عمق عطب التواصل على المستوى العملي .
ورغم تكريس المشرع المغربي لمبدأ الإفصاح عن المعلومة كآلية لضمان الشفافية داخل المعاملات في الشركات التجارية، فإنه لم يترك هذا المبدأ مطلقا دون ضوابط، بل فرض مجموعة من القيود التي من شأنها أن تحد من نطاقه حماية لمصالح مشروعة، ويتجلى ذلك أساسا في ضرورة الحفاظ على المصالح الاقتصادية للشركة، بشكل يمنع أي إفصاح قد يؤدي إلى إضعاف مركزها التنافسي أو الإضرار باستقرارها المالي، كما يمتد هذا التقييد ليشمل منع الكشف عن الأسرار التجارية والصناعية، باعتبارها عنصرا جوهريا هاما في ضمان استمرارية المنافسة وحماية الابتكار داخل المقاولة.
إضافة لذلك يفرض المشرع احترام الالتزامات القانونية المرتبطة بالسر المهني، والذي يحد من إمكانية نشر أو تداول بعض المعطيات الحساسة التي يترتب عن إفشائها ضرر محتمل الوقوع، وبالتالي فإن ممارسة الإفصاح تبقى مقيدة بمنطق التوازن بين متطلبات الشفافية من جهة، وضرورة حماية كيان الشركة ومحيطها التنافسي من جهة أخرى، بشكل يضمن عدم انحراف هذا الحق عن أهدافه المشروعة.
المطلب الثاني: جدلية الإفصاح والتجريم في الشركات التجارية.
اعتمد المشرع المغربي مقاربة مزدوجة تقوم على تشجيع مبدأ الإفصاح داخل الشركات التجارية باعتباره أداة للشفافية وحماية للمتعاملين معها، وفي مقابل ذلك تجريم كل انحراف قد يمس بسلامة المعلومة أو يؤدي إلى تضليل الشركاء أو إفشاء الأسرار المهنية، غير أن تحقيق هذا التوازن يظل رهينا بفعالية الرقابة القضائية التي بها يمكن ضمان حسن تطبيق النصوص القانونية بشكل يضمن عدم تحول مبدأ الإفصاح إلى أداة للإضرار بالشركة أو استغلال المعلومة بشكل غير مشروع.
فإذا كان الإفصاح عن المعلومات داخل الشركات التجارية أحد الركائز الأساسية لضمان مبدأ الشفافية وتعزز الثقة في المعاملات الاقتصادية، إذ يتيح للشركاء والمستثمرين الاطلاع على الوضعية المالية للمقاولة وكيفية تسييرها، فإن هذا الإفصاح قد يصبح مصدر خطر إذا تم استغلاله بشكل غير مشروع، خاصة عند نشر معلومات كاذبة أو إخفاء معطيات جوهرية أو تسريب أسرار مهنية وتجارية، لأجل ذلك تدخل المسرع المغربي ليخلق توازن دقيق بين تشجيع مبدأ الإفصاح من جهة وهو ما سنعرض له في الفقرة الثانية، وتجريم بعض الأفعال المرتبطة بسوء استعمال المعلومة من جهة أخرى وهو موضوعنا في الفقرة الأولى.
الفقرة الأولى: المعلومات المجرمة بطبيعتها
لا شك أننا نعلم أن المعلومات تحظى داخل الشركات التجارية بأهمية جوهرية في ضمان شفافية التسيير وحماية حقوق الشركاء والمستثمرين، غير أن هذه الأهمية جعلتها أيضا عرضة لسوء الاستعمال ولاستغلال جائر، سواء عبر إخفائها أو تزويرها أو تسريبها بشكل يضر بمصالح الشركة أو الغير، لأجل ذلك تدخل المشرع المغربي لتأطير التعامل مع المعلومة داخل الشركات، ليس فقط من خلال فرض واجب الإفصاح، بل أيضا عبر تجريم مجموعة من الأفعال المرتبطة بالمعلومة حماية للنظام العام الاقتصادي وضمانا لنزاهة المعاملات.
ويعتبر الامتناع عن تقديم المعلومات القانونية الواجبة من أبرز صور الإخلال بالالتزامات المفروضة على مسيري الشركات، إذ يلتزمون بتمكين الشركاء من المعطيات الأساسية، وعلى رأسها القوائم المالية وتقارير التسيير ويعتبر هذا حق أساسي ، كما يرتب الامتناع غير المبرر عن ذلك قيام المسؤولية لما ينطوي عليه من مساس بحقوق الشركاء في المراقبة واتخاذ القرار، ولا يقف التجريم عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل إخفاء المعلومات الجوهرية التي يكون لها تأثير مباشر على حقوق الشركاء أو على قرارات الاستثمار، خاصة إذا أدى هذا الإخفاء إلى ضرر مالي أو إلى تضليل المتعاملين مع الشركة.
وفي مقابل ذلك، هناك نوع آخر من الحماية القانونية يتمثل في تجريم الأفعال المرتبطة بسرية المعلومة وافشائها، حيث يشمل الالتزام بالسر المهني في المجال التجاري عدم تسريب كل المعطيات ذات الطابع التقني أو المالي أو الاستراتيجي التي قد يؤدي الكشف عنها إلى الإضرار بمصالح الشركة أو بمركزها التنافسي، وهو ما يجعلها عنصرا أساسيا في حماية الحياة الاقتصادية للمقاولة.
وعليه يعاقب القانون على إفشاء هذه الأسرار من طرف كل من المسيرين أو الأجراء أو أي شخص اطلع عليها بحكم وظيفته، نظرا لما يترتب عن ذلك من آثار جسيمة تمس استقرار الشركة وثقة المتعاملين معها، وهو ما يعكس حرص المشرع على حماية المعلومة سواء من الإخفاء غير المشروع أو الإفشاء الضار.
أولا: تجريم إفشاء السر المهني:
تشكل جريمة إفشاء السر المهني آلية قانونية أساسية لحماية المعلومات ذات القيمة الاقتصادية في الشركات التجارية، وضمان استقرار المعاملات فيها، وثقة المتعاملين معها، وقد أحاطها المشرع المغربي بإطار قانوني متكامل يجمع بين التجريم والجزاء، بشكل يحقق التوازن بين متطلبات الشفافية من جهة، وحماية المصالح في الشركات من جهة أخرى مواكبة أيضا للتطور التكنولوجي المتسارع، الذي يسهل تداول المعلومات ويزيد من مخاطر تسريبها، مما يستدعي تعزيز آليات الحماية القانونية والرقابة القضائية.
وقد خص المشرع المغربي جريمة إفشاء السر المهني بإطار قانوني متكامل، حيث ينص الفصل 446 من القانون الجنائي المغربي على معاقبة كل من أفشى سرا مهنيا أؤتمن عليه بحكم مهنته أو وظيفته، حماية منه للثقة التي تقوم عليها العلاقات المهنية، كما أن هذه الحماية تتعزز من خلال نصوص خاصة كقانون رقم95. 17 المتعلق بشركات المساهمة والقانون رقم 5.96 المتعلق بباقي الشركات التجارية، اللذين يفرضان التزامات صريحة وضمنية بالحفاظ على سرية المعلومات داخل الشركات.
وتجدر الإشارة إلى أن السر المهني في المجال التجاري يقصد به كل معلومة غير متاحة للعموم، لها قيمة اقتصادية في سوق المعاملات، يؤدي كشفها إلى الإضرار بمصلحة الشركة، كالمخططات الاستراتيجية والمعطيات المالية غير المنشورة والأسرار التقنية والصناعية.
وأمام غياب تعريف تشريعي يمكن تعريف السر المهني على أنه " كل ما يتوصل إليه المؤتمن من الأسرار سواء كان ذلك بواسطة صاحب السر، أو من خلال مزاولة هذا المؤتمن لنشاطه المهني" .
وتقوم هذه الجريمة على ركن مادي أساسه عنصر الإفشاء، الذي يقصد به البوح بالسر أو كشفه وإطلاع الغير عليه، بمعنى إفشاء المعلومة السرية للغير بأي وسيلة كانت، سواء شفهيا أو كتابيا أو عبر وسائل إلكترونية ، متى كان من شأن ذلك تمكين الغير من الاطلاع عليها، وعلى ركن معنوي أساسه العلم بطبيعة المعلومة السرية واتجاه إرادة الفاعل إلى إفشائها، دون شرط تحقق ضرر فعلي بحيث يكفي احتمال وقوعه، ويترتب عن ذلك جزاءات متعددة، حيث يعاقب مرتكب الجريمة جنائيا بالحبس والغرامة وفقا لمقتضيات الفصل المذكور، إضافة إلى قيام مسؤوليته المدنية بإلزامه بتعويض الضرر، وإمكانية ترتيب جزاءات تأديبية في حقه، كالفصل من العمل أو العزل من مهام التسيير، وهو ما يعكس حرص المشرع على حماية سرية المعلومة داخل الشركات من أي إفشاء غير مشروع.
ثانيا: تجريم استغلال المعلومات الداخلية:
يعتبر استغلال المعلومات الداخلية في الشركات فعلا غير مشروع يشكل خطرا حقيقيا على مبدأ الشفافية وضمان نزاهة المعاملات، خاصة لما لهذه المعلومات من قيمة اقتصادية وتأثير مباشر على اتخاذ القرارات وعلى مركز الشركة في السوق، وهو ما دفع المشرع المغربي إلى تنظيم هذا المجال وإقرار قواعد قانونية صارمة تهدف إلى حماية هذه المعلومات التي تعتبر من أهم الأصول غير المادية داخل الشركات، من أي استعمال غير مشروع من طرف بعض الأشخاص المطلعين عليها بحكم وظائفهم والمهام المسندة لهم، كالمسيرين أو الأجراء، إلا أن تحقيق الفاعلية في هذا المجال يظل رهينا بتعزيز آليات الرقابة وتفعيل الجزاءات القانونية، بشكل يضمن حماية الشركة والمتعاملين معها من أي انحراف في استعمال المعلومة.
ويقصد بالمعلومات الداخلية في الشركات تلك المعطيات غير المتاحة للعموم، والمرتبطة بنشاط الشركة ووضعيتها في السوق، التي من شأنها التأثير سلبا أو إيجابا على القرارات الاقتصادية أو على قيمة الأسهم، كالمعلومات المتعلقة بالنتائج المالية غير المعلنة، أو مشاريع الشركة التوسعية والاستثمارية أو التفويت أو الاستراتيجيات، وهي معلومات تتميز بطابعها السري وقيمتها الاقتصادية وتتميز كذلك بكون أن القانون فرض حمايتها من الإفشاء أو الاستغلال غير المشروع حتى ولو كان إفشاء ضمنيا ، حيث يلزم الأشخاص المطلعين على هذه المعطيات بالحفاظ على سريتها، وعدم استغلالها لمنافع شخصية أو تمكين الغير منها.
غير أن الواقع العملي قد يعرف صورا للاستغلال غير المشروع، سواء من خلال استعمال هذه المعلومات لتحقيق الأرباح المالية أو لاتخاذ قرارات غير متكافئة، أو عبر تسريبها للمنافسين أو إفشائها للإضرار بالشركة، وهو ما يترتب عنه جزاءات قانونية متعددة، إذ قد يؤدي هذا السلوك إلى جريمة إفشاء السر المهني، إضافة إلى قيام المسؤولية المدنية الموجبة للتعويض، وترتيب جزاءات تأديبية كالفصل من العمل أو العزل من مهام تسيير الشركة، وقد يصل الأمر إلى منع الشخص من ممارسة بعض الأنشطة، وذلك حماية لمبدأ الشفافية وضمان نزاهة المعاملات.
الفقرة الثانية: آليات تحقيق التوازن
اعتمد المشرع المغربي مجموعة من الآليات لتحقيق التوازن بين الإفصاح عن المعلومة وحمايتها في الشركات، حيث جمع بين التأطير القانوني والتجريم والرقابة المؤسساتية والقضائية، غير أن فعالية هذه الآليات في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، تظل رهينة بحسن تطبيقها وتطويرها لضمان بيئة أعمال قائمة على الشفافية والثقة دون المساس بمصالح المقاولات.
فالمشرع المغربي ليحقق هذا التوازن الدقيق بين متطلبات الإفصاح وحماية سرية المعلومة داخل الشركات يعمل على إزالة العقبات التي تعترض طريق الوصول للمعلومة من خلال تفعيل آليات قانونية ومؤسساتية متكاملة، تتجلى في إقرار حق الشركاء في الحصول على المعلومات بسهولة ودون عناء بموجب القانون رقم95. 17 المتعلق بشركات المساهمة والقانون رقم 5.96 المتعلق بباقي الشركات التجارية، بشكل يضمن حق الاطلاع على الوثائق المالية وتقارير التسيير ويعزز الشفافية، لكنه في مقابل ذلك وضع قيودا لحماية المعلومات الحساسة عبر حماية السر المهني وبمنع إفشاء الأسرار التجارية والصناعية وتقييد الوصول إلى المعطيات ذات طابع مصيري واستراتيجي، وهو ما دعمته مقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وقد اعتمد المشرع آلية التجريم لضبط هذا التوازن، من خلال معاقبة الأفعال المرتبطة بالإخلال بواجب الإفصاح، المتمثلة في الإدلاء بمعلومات كاذبة أو إخفاء معلومات جوهرية أو الامتناع عن تقديم المعلومات القانونية، إضافة إلى تجريم المساس بسرية المعلومة عبر إفشاء السر المهني أو استغلال المعلومات الداخلية أو تسريبها، وذلك استنادا إلى الفصل 446 من القانون الجنائي المغربي وغيره من النصوص الخاصة، كما تسهم إلى جانب هذا التأطير القانوني أجهزة الحكامة داخل الشركة، وأهمها مراقب الحسابات، في ضمان صحة المعلومات المالية والتحقق من شفافية الإفصاح وتنبيه الشركاء إلى الاختلالات، فيما تتحمل أجهزة التسيير مسؤولية تحقيق التوازن بين الإفصاح والسرية وحماية المعلومات الهامة مع احترام الالتزامات بالشفافية، كما يضطلع القضاء بدور محوري في تفسير حدود الحق في المعلومة وحماية سريتها والتصدي للتعسف في استعمالها، فيما تتولى الهيئة المغربية لسوق الرساميل مراقبة شفافية الشركات المدرجة في البورصة وفرض الجزاءات على المخالفات وحماية المستثمرين، بشكل يضمن تكريس وضمان هذا التوازن على المستوى العملي.
وتجدر الإشارة إلى أن المعلومة داخل الشركة تعد عنصرا محوريا لتحقيق الشفافية وآلية لضمان حسن التسيير، غير أن الإفراط في الإفصاح قد يهدد المصالح الاستراتيجية للمقاولة، في حين أن التقييد المفرط وعدم الإفصاح قد يمس بحقوق الشركاء والمتعاملين معها، لأجل ذلك سعى المشرع المغربي إلى إرساء توازن دقيق بين مبدأ الإفصاح وحماية سرية المعلومة، عبر مجموعة من الآليات القانونية والمؤسساتية والقضائية كما سبق وأسلفنا ذكره.
أولا: الرقابة القبلية:
لا شك أن مراقب الحسابات والهيئات التنظيمية من الفاعلين الأساسيين في حماية المعلومة داخل الشركات، حيث يلعب مراقب الحسابات دورا محوريا في ضمان مصداقية وشفافية المعلومات المالية، من خلال فحص وتدقيق القوائم التركيبية والتحقق من مطابقتها للواقع المحاسبي والقانوني، والإعلام والتنبيه إلى الاختلالات أو المخاطر التي قد تمس سلامة المعلومات، بشكل يعزز ثقة الشركاء والمتعاملين مع الشركة في المعطيات المقدمة، ووضع الوثائق المحاسبية بين أيدي القضاء، ويبقى هذا من صميم التزاماته في ظل المفهوم الجديد لتسيير المقاولة القائم على ضرورة احترام شروط الحكامة الجيدة ، كما يلتزم هذه الأخير بواجب السرية المهنية، بشكل يضمن عدم تسريب المعلومات الحساسة التي يطلع عليها بحكم مهامه.
في حين، تمارس الهيئات التنظيمية، وعلى رأسها الهيئة المغربية لسوق الرساميل، دورا رقابيا على مستوى السوق، بحيث تسهر على فرض احترام قواعد الإفصاح والشفافية من طرف الشركات، خاصة المدرجة في البورصة، كما تعمل على حماية المستثمرين من المعلومات المضللة أو غير الدقيقة، وفحص التصريحات المالية، من خلال آليات المراقبة والتتبع المستمر والتدخل لفرض جزاءات عند الإخلال بالالتزامات القانونية.
ثانيا: الرقابة البعدية:
لم يقتصر التشريع المغربي في تنظيم الإفصاح عن المعلومة على النصوص القانونية فقط، بل ساهم القضاء بدور بارز في تفسير هذه النصوص وتكريس مبادئ الشفافية وحماية المتعاملين في المجال التجاري.
إد يبدو أن حماية المعلومة داخل الشركات تقوم على تكامل بين الرقابة القضائية والإدارية، حيث يضمن القضاء احترام الحقوق والتصدي للمخالفات، بينما تتولى الهيئات الإدارية مراقبة التطبيق العملي في الواقع وفرض الجزاءات، بحيث يسهم هذا التكامل في تحقيق التوازن بين الإفصاح والسرية، وتعزز الثقة في البيئة الاقتصادية، بشكل يدعم مناخ الاستثمار ويكرس مبادئ الحكامة الجيدة.
وفي هذا الإطار، يبرز دور كل من الرقابة القضائية والرقابة الإدارية باعتبارهما وسيلتين أساسيتين لحماية المعلومة، حيث تلعب المحاكم التجارية دورا أساسيا في تكريس حق الشركاء في الحصول على المعلومات، عبر تمكينهم من اللجوء إلى القضاء عند حرمانهم من حق الاطلاع وعند امتناع المسيرين عن تقديم الوثائق القانونية، وهو ما يعزز الشفافية داخل الشركة.
ولا يقتصر دور القضاء على فرض الإفصاح، بل يمتد إلى المراقبة الفعالة لمشروعيته من خلال الموازنة بين حق الشركاء في الاطلاع وضرورة حماية الأسرار المهنية والمصالح في المقاولة، كما يمارس القضاء وظيفة زجرية تتجلى في ترتيب المسؤولية عن الإخلال بواجب الإفصاح، سواء تعلق الأمر بتقديم معلومات كاذبة أو إخفاء معطيات جوهرية أو الامتناع عن تقديمها، إضافة إلى معاقبة الأفعال التي تمس بسرية المعلومة، كإفشاء السر المهني أو استغلال المعلومات الخاصة بالشركة أو تسريبها، استنادا إلى الفصل 446 من القانون الجنائي المغربي وغيره من النصوص.
كما تمارس الرقابة الإدارية دورا مكملا لما يقوم به القضاء من خلال تدخل الهيئة المغربية لسوق الرساميل التي تسهر على مراقبة شفافية الشركات المدرجة في البورصة وضمان احترام قواعد الإفصاح وحماية المستثمرين من المعلومات المضللة، إلى جانب هيئات أخرى كأجهزة الحكامة داخل الشركة، خاصة مراقبي الحسابات، والهيئات المكلفة بحماية المعطيات الشخصية، حيث تعتمد هذه الجهات على آليات المراقبة والتتبع من خلال فحص وتدقيق التقارير المالية ومراقبة التصريحات وتتبع مسار الشركات في السوق، كما أنها لها صلاحية فرض جزاءات إدارية تتجلى في الغرامات والإنذارات واتخاذ تدابير تأديبية، وهو ما يعكس تكاملا بين الرقابة القضائية والإدارية لضمان حماية فعالة ومتوازنة للمعلومة داخل الشركات.
تركيب
من خلال دراسة موضوع المعلومة بين ضرورة الإفصاح وهاجس التجريم في الشركات يتضح لنا أن المشرع المغربي سعى إلى إرساء توازن دقيق بين هذين المطلبين المتعارضين ظاهريا، بحيث يفرض مبدأ الإفصاح كآلية أساسية لضمان الشفافية داخل الشركات من جهة، وحماية حقوق الشركاء والمتعاملين مع الشركة وتعزيز الثقة في الحياة الاقتصادية، ومن جهة أخرى يحيط المعلومة بدرع من الحماية القانونية من خلال تجريم كل صور إساءة استعمالها، سواء تعلق الأمر بتقديم معلومات كاذبة أو إفشاء الأسرار المهنية أو استغلال المعلومات الداخلية.
وهذا يعني أن مبدأ الإفصاح لم يعد حقا مطلقا، وأن السرية لم تعد مبررا لإخفاء الحقائق الجوهرية، وأن كل منها أصبح محكوما بمنطق التوازن المفروض الذي يراعي مصلحة الشركة واستقرار السوق، كما أن للقضاء والهيئات الرقابية دورا محوريا في ترسيخ هذا التوازن من خلال مراقبة مشروعية الإفصاح وزجر الانحرافات المرتبطة بالمعلومة.
ويمكن القول، أن فعالية هذا النظام تبقى رهينة بحسن تطبيق النصوص القانونية وتطور آليات الرقابة، بشكل يضمن حماية المعلومة، وعدم استغلالها وتحولها إلى وسيلة للإضرار أو التضليل، في إطار يعزز الحكامة الجيدة ويقوي الثقة في البيئة الاقتصادية.
*********
لائحة المراجع:
المراجع باللغة العربية
- توم فوريستر، "مجتمع التقنية العالمية، قمة ثورة تقنية المعلومات"، الطبعة الأولى، ترجمة ونشر مركز الكتاب الأردني، الأردن، سنة 1989
- سمير صمري، "حماية الحق في الحصول على المعلومة - دراسة مقارنة"، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سلا.
- طارق طه عبود الملا، المعلومات: مفهومها وتقسيماتها وأشكالها وخصائصها، محاضرة ضمن مادة المدخل إلى علم المعلومات والمكتبات، قسم المعلومات وتقنيات المعرفة، كلية الآداب، جامعة البصرة، 2022.
- عبد الحميد طلعت اسعد، «مقدمة في نظم المعلومات الإدارية"، مكتبة عين شمس، الطبعة الأولى، القاهرة 1992
- عبد الرحيم شميعة، الآليات القانونية لتدخل المساهم غير المسير في تدبير شركة المساهمة نحو حكامة جيدة، دكتوراه الدولة شعبة القانون الخاص، كلية فاس، السنة الجامعية 2011/2010.
- عبد العالي المكنوني، "الوثائق المحاسبية ودورها في الإثبات"، رسالة لنيل ديبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس السويسي الرباط، السنة الجامعية 2007 / 2008.
- عبد الوهاب المريني، "سلطة الأغلبية في شركة المساهمة"، مطبعة المعارف الجديدة، 2018 الرباط
- محمد الراجي، "الإطار الدستوري والتشريعي للحق في الحصول على المعلومات بالمغرب"، مجلة القانون والأعمال الدولية، العدد الرابع، فبراير سنة 2020.
- محمد الناصري، حماية حقوق المساهمين داخل شركة المساهمة، مجلة ابن خلدون للدراسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، العدد 12.
- محمد بالهاشمي التسولي، "رسالة المحامي عبر التاريخ"، الجزء الثاني، مسؤولية المحامي، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى، مراكش، سنة 2011.
- محمد خلوقي، "انعكاس الحق في المعلومة على كتمان السر المهني دراسة في ضوء القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومة"، مجلة قانون والأعمال، العدد 53، فبراير 2020.
- ﻣﺤﻤﻮد ﺻﺎﻟﺢ اﻟﻌﺎدﻟﻲ،" اﻟﺤﻤﺎﻳﺔ اﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ لإﻟﺘﺰام اﻟﻤﺤﺎﻣﻲ ﺑﺎﻟﻤﺤﺎﻓﻈﺔ ﻋﻠﻰ أسرار ﻣﻮﻛﻠﻴﻪ"، دراﺳﺔ ﻣﻘﺎرﻧﺔ ، اﻟﻨﺎشر دار اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺠﺎﻣﻌﻲ الإﺳﻜﻨﺪرﻳﺔ، ﺳﻨﺔ 2003.
- مصطفى سماعيلي، الحق في الحصول على المعلومة: المرجعية القانونية وضمانات التفعيل، مجلــــــة المعرفـة، العدد السادس عشر – يونيو 2024.
- ميشيل كلايسنس، ترجمة يحيى اليحياوي، "التقنية الديموقراطية" منشورات سوي، باريس، سنه 1998.
المراجع باللغة الفرنسية
- J.-L. VALLENS, « l’information des créanciers » , LPA 14 juin 1995 n° 71.
- M. FABRE-MAGNAN, Droit des l'obligations d'information dans les contrats. Essai d'une théorie, LGDJ 1992
- Guy Djongoué soutenue Thése : Qualité perçue de « l’information comptable et décisions des parties prenantes » Thése soutenue en 2015 Université de Bordeaux.


الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
المعلومة بين ضرورة الإفصاح وهاجس التجريم


