مقدمــــــــــــة
صدر قانون المسطرة المدنية الجديد بمقتضى القانون رقم 25.58 بتاريخ 11/2/2026 ونشر بالجريدة الرسمية تحت عدد 7485 بتاريخ 23/2/2026 وتضمن 644 مادة ، وقد تصت مادته ما قبل الأخيرة على أنه :" يدخل هذا القانون حيز التنفيذ بعد ستة (6) أشهر من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية " ، أي ان بداية تطبيقه هو 24/8/2026 .
ومن خلال قراءة أولية لمواد هذا القانون يتبين انه جاء بعدة حلول لإشكاليات كانت مطروحة في التشريع المسطري السابق، ولم يتم ايجاد الحل لها في النزاعات التي طرحت أمام القضاء،وعلى صعيد محكمة النقض نفسها،بل كانت القرارات الصادرة عن هذه الأخيرة متناقضة في ما بينها . ومن هذه الإشكاليات : اشكالية بداية سريان أجل الطعن تجاه الشخص الذي بلغ المقرر القضائي بناء على طلبه(المبحث الأول)،واشكالية عدم توقيع المقال أمام المحاكم(المبحث الثاني)،وايضا اشكالية الترافع أمام محكمة النقض بصفة شخصية (المبحث الثالث).
المبحث الأول:إشكالية سريان اجل الطعن بالنقض تجاه الشخص الذي بلغ القرار القضائي بناء على طلبه .
لقد كان سريان أجل تبليغ الحكم للطعن بالإستئناف يبدأ من تاريخ التبليغ ،وكذلك يسري بالنسبة لطالب التبليغ من نفس تاريخ التبليغ للمبلغ له.وهكذا فقد نص الفصل 134 من قانون المسطرة المدنية السابق في فقرته 4 مــن أنه :" يبتدئ سريان الأجل تجاه الشخص الذي بلغ الحكم بناء على طلبه ، ابتداءا من تاريخ التبليغ " .وهي قاعدة موروثة عن القانون المسطري الأسبق الصادر في12/8/1913،وهي قاعدة فريدة ووحيدة في قوانين المسطرة المدنية السابقة (الفصل 226) .
وهذه الفقرة من الفصل المذكور ،كانت محل أخذ ورد بين قرارات محكمة النقض ؛فبعض القرارات طبقتها والبعض
الآخر اعتبرتها خاصة بمحاكم الإستئناف ، لأن احالة الفصل 380 من ق.م.م السابق جعل الفصول المحال عليها لا تشمل الفصل المتعلق بسريان الأجل امام محكمة الإستئناف (ف 134 أعلاه ) .
ففي قرار صادر عن محكمة النقض ( المجلس الأعلى سابقا) بتاريخ 25/12/2002 قضى بنقض قرار محكمة الإستئناف على أساس أنه :" تبين صحة ما عابته الوسيلة على القرار المطعون فيه ،ذلك أن الطاعن أثار امام المحكمة المطعون في قرارها أن الطعن باعادة النظر المقدم من طرف المطلوب قد وقع خارج الأجل القانوني تأسيسا على ان المطلوب قام بايداع طلب التبليغ لدى كتابة الضبط بتاريخ 13/5/97 وان الطاعن توصل بنسخة تبليغية بتاريخ 15/5/97 وان المطلوب في النقض لم يتقدم بطلب اعادة النظر الا بتاريخ 26/6/97 أي خارج الأجل القانوني طبقا لما تنص عليه الفقرة الأخيرة من الفصل 134 من ق.م.م ، وان ما عللت به المحكمة قضاءها لرد هذا الدفع من كون التبليغ يسري في حق المبلغ اليه دون طالب التبليغ بعلة أنه لا يوجد بالملف ما يثبت تبليغ القرار محل طلب اعادة النظر الى المبلغ بمفهوم الفقرة الأخيرة من الفصل المذكور لا تفيد اطلاقا لا لغة ولا اصطلاحا أن التبليغ يقتصر أثره على جانب المبلغ اليه فقط دون طالب التبليغ ، فالتبليغ من الوجهة القانونية هو وحدة لا تتجزأ من طرف لآخر وان أثره ومفعوله يسري على الطرفين معا المبلغ والمبلغ اليه سيما وان المقصود منه هو انهاء النزاع ووضع حد له بانتهاء أجل الطعن ولا يتأتى ذلك الا بتبليغ الحكم أو القرار الى الطرف المقابل الذي خوله المشرع حق قبوله أو رفضه بالطعن فيه ان بالطرق العادية أو الإستثنائية . ونتيجة لذلك فان التبليغ يشمل الطرفين معا المبلغ والمبلغ اليه ولا يقتصر أثره على جانب دون الآخر .خاصة بعد أن أوكل المشرع مهمة التبليغ الى الطرف الذي يعنيه الأمر ،ومن ثم فان التفسير الذي أعطته المحكمة المطعون في قرارها للفقرة الأخيرة من الفصل 134 من ق.م.م هو تفسير خاطئ مستوحى من علة فاسدة " .
وبتاريخ 29/10/2013 صدر عن محكمة النقض قرار مؤكدا القرار السابق بقوله :"اذا كان المطلوبون في النقض بلغوا، بطلب من الطاعنين، بالقرار المطعون فيه يوم 6/4/2011 فان أجل الطعن بالنقض يسري في حق الطاعنين من يوم هذا التبليغ عملا بالفصل المشار اليه أعلاه ويكون النقض قدم يوم1/11/2011 واقعا خارج أجله القانوني" .
وهناك قرارات اخرى صادرة عن محكمة النقض ،كرست اجتهادا مماثلا للقرارين أعلاه .
وقد تم توجيه نقد لإتجاه محكمة النقض هذا ،في معرض التعليق على أحد هذه القرارات (قرار 487 ) على أساس أنه لا يستقيم مع أحكام القانون لعدة أسباب منها :" أن مجال الطعون وتواريخ سريانها تعد من الضمانات الجوهرية المخولة للمتقاضين ، فلا يمكن سنها أو تعديلها سوى بنص تشريعي ،فليس من المسوغ التوسع أو التضييق في تأويل أحكامها عن طريق القياس أو الإستنتاج لما في ذلك من انتهاك لتلك الحقوق " .ومن الفقه أيضا من اعتبر ان الطرف الذي جرى التبليغ بناء على طلبه فلا يسري بحقه هذا الميعاد .مبررا ذلك بأن الإنسان لا يفترض فيه أنه ينذر نفسه بعمل يقوم به هو نفسه . (nul n’est presumé se mettre en demeure par son propre fait )
ولكن بالرغم من ذلك ،فان محكمة النقض اتجهت وجهة مناقضة للقرارات السابقة أعلاه ؛ اذ قررت بتاريخ 20/3/2002ما يلي :" ان قاعدة سريان أجل الطعن تجاه من بلغ الحكم بناء على طلبه قاصرة على الفصل 134 من ق.م.مالخاص بمحاكم الإستئناف ولا يتعداها الى الفصل 358 من نفس القانون الذي يهم بدء سريان أجل الطعن بالنقض باعتبار ان الفصل 380 من قانون المسطرة المدنية يحيل على مقتضيات المسطرة المطبقة أمام محكمة الإستئناف التي تبتدئ من الفصل 328 وما بعده.وان مسطرة بداية الأجل بالنسبة للطعن بالنقض منصوص عليها في الفصل 358 ورد بها نص خاص وهو لم يتضمن القاعدة المذكورة فلا ينبغي إقحامها به وما دام القرار لم يبلغ للطالب ،فان مقال النقض يكون مقبولا ويبقى الدفع على غير أساس" .
وقد أكدت محكمة النقض في قرارات متعددة لهاهذاالإتجاه ، وكذلك فعلت ايضا بغرفها المجتمعة ،إذ صرحت من :" ان قاعدة سريان أجل الطعن تجاه من بلغ الحكم بناء على طلبه ،قاصرة على الفصل 134 من ق.م.م الخاص بمحاكم الإستئناف ولا تتعداها الى الفصل 358 من نفس القانون الذي يهم بدء سريان أجل الطعن بالنقض ، باعتبار ان الفصل 380 من ق.م.م، يحيل على مقتضيات المسطرة المطبقة أمام محكمة الإستئناف التي تبتدئ من الفصل 328 وما بعده ،وان أجل الطعن بالنقض منصوص عليه في الفصل 358 ولم يشمل النص بشأنه على القواعد المذكورة ،فنصت على ان أجل النقض سري ابتداءا من يوم تبليغ القرار المطعون فيه الى الموطن الحقيقي للمعني بالأمر بوسائل التبليغ المنصوص عليها في الفصل 37 و38 و39 من قانون المسطرة المدنية " .
وبهذه التطبيقات المتناقضة الصادرة عن محكمة النقض في هذا المجال ، فقد برز نزاع جدي بين مختلف غرف محكمة النقض في تباين قراراتها مما أدى بالمشرع المغربي الى التدخل لحل هذا الإشكال، وذلك في قانون المسطرة المدنية الجديد بمقتضى المادة 604 منه، حيث ورد فيها ما يلي :" يبتدئ سريان أجل الطعن تجاه الشخص الذي بلغ المقرر القضائي بماء على طلبه من تاريخ التبليغ " ومضيفا في نفس المادة أنه :"اذا تعدد المبلغ اليهم ، يسري الأجل
بالنسبة لطالب التبليغ ابتداءا من تاريخ تبليغ أولهم " .
وقواعد هذه المادة ،هي من المسائل المستحدثة في قانون المسطرة المدنية الجديد، وقد وردت، هذه المادة، ضمن القسم العاشر من أقسام المسطرة المدنية تحت عنوان المقتضيات المشتركة بين جميع المحاكم ، مما ينبغي معه ملاحظة ان الفقرة الثانية من المادة المذكورة تطبق أيضا أمام محاكم الإستئناف،في حالة تعدد المبلغ لهم واختلاف أماكن تبليغهم .وقد يكون المشرع المغربي بهذا التدخل التشريعي قد حل إشكالا كان قائما منذ مدة طويلة بين مختلف محاكم المملكة المغربية ، بالرغم من سبق بعض قوانين الدول العربية في هذا المجال ؛كقانون اصول المحاكمات في سورية الصادر سنة 1952 ،وقانون المرافعات المدنية والتجارية المصري الصادر بالقانون 13 لسنة 1968 .
ومما يلاحظ على هذه القواعد المنصوص عليها في قوانين المرافعات لهذه الدول العربية، في هذا المجال ،كونها وردت ضمن القواعد العامة لطرق الطعن في الأحكام ،شأنها شأن ما ورد النص عليه في قانون المسطرة المدنية الجديد ، مما يعني أن هذه المقتضيات العامة تسري على جميع مواعيد الطعون في الأحكام سواء كانت طعون عادية او كانت
طعون غير عادية .
المبحث الثاني :إشكالية عدم توقيع مقالات القضايا والطعون .
لم يكن قانون المسطرة المدنية السابق (1974) ينص على اثر عدم توقيع المقال في سائر مراحل التقاضي أمام المحاكم المغربية .ولم تكن القوانين الخاصة بشأن المحاكم المتخصصة (التجارية والإدارية ..) كذلك تنص على أثر عدم التوقيع على المقالات .
وينبغي التذكير بان من جملة البيانات التي نصت عليها جميع القوانين المسطرية هي بيان التوقيع على المقالات ،ولهذا طرحت أمام القضاء اشكالية إغفال هذا البيان بشأن المقالات المختلفة .فكيف كان تجاوز هذا الإشكال في مختلف النزاعات القضائية ،وأمام مختلف المحاكم المغربية ؟ (الفقرة الأولى ) .وكيف تم حل هذا الإشكال في التشريع المسطري الجديد الصادر بواسطة القانون رقم 25.58 بتاريخ 23/2/2026 وخاصة في الطعن بالنقض؟(الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى:الإتجاهات القضائية حول اغفال توقيع المقالات أمام مختلف المحاكم :
استند القضاء المغربي لمحكمة النقض، لنقض بعض القرارات في بعض الحالات ،على مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 32 من ق.م.م السابق والتي مفادها ان القاضي المقرر او القاضي المكلف بالقضية عند الإقتضاء يطلب تحديد البيانات الغير التامة أو التي تم اغفالها ،كما يطلب الإدلاء بنسخ المقال الكافية وذلك داخل أجل يحدده تحت طائلة الحكم بعدم قبول الطلب .
وهكذا فقد اعتبرت محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا) ان :" مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 32 من ق.م.م تعطي للقاضي أن يطلب عند الإقتضاء تحديد البيانات غير التامة أو التي وقع اغفالها ،وان المحكمة حينما صرحت بعدم قبول الإستئناف بعلة عدم توقيع المقال دون أن تطالب المستأنف بتدارك هذا الإغفال وتنذره بتوقيع مقاله قبل ان تبت في القضية تكون قد عرضت قرارها للنقض" .وكذلك اعتمدت المحكمة على الفصل المذكور في نقض قرار محكمة الإستئناف على اساس :"ان على المحكمة انذار رافع المقال بتوقيعه قبل البت في القضية " .
ولكن محكمة النقض سبق لها أن قررت بان :" اغفال التوقيع على المقال يجعله كأن لم يكن . لأن التوقيع على
المقال توجبه القواعد العامة ومقتضيات الفصلين 31 و 354 من قانون المسطرة المدنية " .غير أنها وفي قرار آخر لها، اعتبرت ان مقتضيات الفصل 32 من ق.م.م ليس ملزم لها بل هو ملزم لمحاكم الدرجة الأولى ،كما أنها أكدت ما ذهبت اليه محكمة الإستئناف بشأن عدم قبول المقال الإستئنافي غير الموقع من طرف المستأنفين على أساس ان التوقيع على المقال الإستئنافي هو من البيانات الجوهرية وشرط لقبوله ، اذ بالتوقيع عليه تثبت نسبته الى موقعه وتحدد مسؤوليته عما ورد فيه .
هذا وان الإشكالية المطروحة أعلاه ،لم تقتصر على المحاكم الدنيا فحسب وانما وصلت حتى محكمة النقض وذلك في عدة قضايا ؛بحيث صرحت هذه المحكمة من أنه :"عملا بنص الفصل 354 من ق.م.م فان طلبات النقض ترفع بواسطة مقال مكتوب موقع عليه من طرف أحد المدافعين المقبولين للترافع أمام محكمة النقض تحت طائلة التشطيب على القضية تلقائيا .ولما كان مقال النقض المقدم من طرف الطاعن بواسطة دفاعه وبمعاينة المحكمة له ،غير موقع من طرف هذا الأخير خلافا لنص الفصل المذكور ،وان وضع الطابع لا يغني عن التوقيع بالشكل ،فان ذلك يستوجب التشطيب على القضية " .وأيضا حكمت وبغرفتين مجتمعتين بالتشطيب على القضية بعلة عدم توقيع مقال النقض من المحامي . كما انها اعتبرت عدم التوقيع على مقال اعادة النظر يرتب نقس الجزاء المنصوص عليه في الفصل 354 من ق.م.م لأن ما ينطبق على مقال النقض ينطبق على مقال اعادة النظر .
ومن مراجعة هذه القرارات الصادرة عن محكمة النقض بشأن توقيع المقالات في القضايا المطروحة أمام المحاكم سواء المحاكم الإبتدائية أو المحاكم المتخصصة ومحاكم الإستئناف ، أو محكمة النقض ،يظهر التباين في القرارات المذكورة بين من يأخذ برأي انذار الطرف من أجل تصحيح المسطرة وبين من لا يعير ذلك أهمية لقصور النص من جهة ولعدم امكانية تطبيقه أمامها لتعلقه بمرحلة معينة من التقاضي من جهة أخرى، مما أدى الى حدوث تباين وتناقض بين القرارات المختلفة الشيئ الذي لا يمت للعدالة بصلة ،وأن يبقى الوضع كما هو عليه من تناقضات بين القرارات
على أعلى مستوى ،لنقص في التشريع أحيانا،مما أدى الى تدخل المشرع في هذا الأمر،كما سنتطرق اليه في ما يلي
الفقرة الثانية :الحلول التشريعية لإغفال توقيع مقالات القضايا والطعون:
لما صدر القانون رقم 25.58 بتاريخ 11/2/2026 المتعلق بالمسطرة المدنية ونشر بالجريدة الرسمية تحت ع 7485بتاريخ 23/2/2026محتويا على 644 مادة فقد تضمنت تجميع شتات المساطر المدنية والإدارية والتجارية وتلك المتعلقة بقضاء القرب معتمدا على وسائل التكنولوجيا الحديثة في اجراءات التقاضي ..ومن مستجدات ومحدثات هذا القانون بالنسبة لموضوعنا المتعلق بتوقيع مقالات الدعوى والطعون حالة اغفالها ،هو النص على مقتضيات واضحة بهذا الصدد وغيره ،ذات مرجعية دستورية تخص حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة وضبط الحق في التقاضي وحماية حقوق الدفاع .
فالمشرع في هذا القانون المسطري الجديد نص في الفقرة الأخيرة من المادة 77 منه على ما يلي :"في حالة عدم توقيع المقال ،ينذر الطرف أو الوكيل أو المحامي بتصحيح المسطرة حالا أو داخل أجل تحدده المحكمة تحت طائلة الحكم بعدم القبول ".
وهذا النص لم يكن له وجود في قانون المسطرة المدنية السابق الصادر سنة 1974 ، وقد ورد ضمن القسم الثالث المتعلق بالمسطرة أمام محاكم الدرجة الأولى .
وجاء النص ايضا في الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 216 منه كما يلي:"في حالة عدم توقيع المقال ،ينذر المستشار المقرر الطرف أو الوكيل أو المحامي بتصحيح المسطرة داخل أجل يحدده ،تحت طائلة الحكم بعدم القبول ".
وهذه الفقرة هي أيضا مستحدثة في هذا القانون ، وقد وردت في الباب السابع المتعلق بالإستئناف .
وكذلك فقد نصت الفقرة 4 من المادة 377 من القانون المسطري الجديد على ما يلي :"في حالة عدم توقيع المقال ،يوجه اشعار للمحامي أو للطاعن شخصيا ،حسب الحالة ،مع منحه أجلا تحدده المحكمة لتصحيح المسطرة ،تحت طائلة الحكم بعدم القبول ،بعد انصرام الأجل دون استجابة ".
وهذه الفقرة من المادة المذكورة، لم يكن لها وجود في قانون المسطرة المدنية السابق ،وهي بطبيعة الحال مستحدثة ،وقد حلت اشكالية كبيرة كانت موجودة أمام محكمة النقض حيث كان الجزاء بشأن عدم توقيع مقال الطعن بالنقض هو التشطيب على القضية .أما الآن فلابد من توجيه اشعار للطاعن مع منحه أجل لإصلاح المسطرة وبعدها يكون الجزاء في حالة عدم الإستجابة .
المبحث الثالث : اشكالية الترافع الشخصي أمام محكمة النقض .
كان قانون المسطرة المدنية الصادر سنة 1974 ينص على شروط معينة لرفع طلبات النقض أمام المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا )، ومن ضمن الشروط: توقيع مقال الطعن من طرف أحد المدافعين المقبولين للترافع أمامه. واذا ما وقع المقال من الطاعن نفسه أو من طرف مدافع لا تتوفر فيه الشروط، فان المجلس الأعلى يشطب على القضية تلقائيا ومن غير استدعاء الطرف (الفصل 354/2،1) .
وقد طبق القضاء المغربي على أعلى مستوى (محكمة النقض ) هذه القواعد المتعلقة بشروط الطعن بالنقض من طرف الطاعن بصفة شخصية فلم يحد عنها، وتشبث بها رغم بعض الإنتقادات الموجهة ضده (الفقرة الأولى) ،الى أن حصل انفراج جزئي في هذه القواعد بمقتضى التشريع الجديد للمسطرة المدنية الصادر في 23/2/2026 (الفقرة الثانية ) .
الفقرة الأولى :موقف القضاء بشأن الترافع شخصيا أمام محكمة النقض .
ان موقف محكمة النقض المغربية هو موقف سلبي وثابت في أغلبه بالنسبة للترافع الشخصي أمامه (1) مؤيدا ذلك بنصوص المسطرة المدنية (2) خلاف ما استقر عليه الإجتهاد القضائي في مصر (3) .
1- لقد اتيحت للقضاء المغربي، في هذا الصدد ،فرص متعددة قضى فيها بالتشطيب أو عدم القبول لطلبات النقض، المرفوعة بصفة شخصية سواء من طرف الأفراد العاديين أو من طرف المحامين ، منها :
قرار محكمة النقض الذي قضى من أنه :"يجب تقديم عريضة النقض بواسطة محام مقبول لدى المجلس الأعلى .ان
العريضة المقدمة من طرف الأشخاص تستوجب التشطيب " .
وقرار آخر صرحت المحكمة فيه بانه :" باستثناء الدولة فان طلبات النقض يجب أن ترفع من طرف محام مقبول للترافع أمام المجلس الأعلى تحت طائلة التشطيب على القضية .الفصل 354 من ق.م.م ، الذي يستثني الدولة فقط لا يسمح للمحامي الذي يكون طرفا في النزاع أن يقدم عريضة النقض موقعة باسمه " .
وايضا القرار الذي قضى من :" أن تقديم الطاعن بغض النظر عن مهنته كمحام لطلب نقض يخصه شحصيا ،دون محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض يجعل طلبه مخالفا لمقتضيات الفصلين 97 من قانون مهنة المحاماة والفصل 354 من ق.م.م ، ويكون بالتالي حريا عدم قبوله " .
2- وبطبيعة الحال فان القرارات المذكورة اعلاه طبقت بشأنه محكمة النقض ،مقتضيات الفصل 354 من قانون المسطرة المدنية ،الذي نص على ما يلي :" ترفع طلبات النقض والإلغاء المشار اليها في الفصل السابق بواسطة مقال مكتوب موقع عليه من طرف أحد المدافعين المقبولين للترافع أمام المجلس الأعلى .
" يمكن للمجلس عند عدم تقديم مقال أو تقديمه موقعا عليه من طرف طالب النقض نفسه أو من طرف مدافع لا تتوفر فيه الشروط المقررة في الفقرة السابقة أن يشطب على القضية تلقائيا من غير استدعاء الطرف ".
3- لقد كانت محكمة النقض المصرية – شأنها شأن محكمة النقض المغربية - تقرر بطلان الطعن بالنقض لوجوب التقرير بالنقض من محام موكل عن الطاعن لا من الطاعن نفسه ولو كان محاميا لأن القانون يقتضي الغيرية بين الطاعن والمحامي المقرر بالطعن . غير انها ناقضت بذلك ما سبق لها أن قررته في حكمها الصادر بتاريخ 19/1/1956 من انه لما كانت المحكمة متحققة اذا كان الطاعن وهو محام مقبول أمام محكمة النقض، قد وقع شخصيا المذكرة الشارحة لطعنه وحوافظ مستنداته ،فان الدفع بعدم قبول الطعن شكلا لعدم توقيعه من محام آخر مقبول أمام محكمة النقض، يكون على غير أساس ذلك ان هذا الإجراء وان وقع مخالفا لنص المادة 436 مرافعات الا انه لا يبطل ما دام القانون لم ينص على هذا الجزاء صراحة وما دام الإجراء، وقد تحققت به حكمة المشرع، لم يشبه عيب جوهري ولم يترتب عليه ضرر للخصم .وتوالت بعد ذلك القرارات الصادرة عنها ،في هذا الإتجاه الأخير مما شكل استقرارا لهذا الإجتهاد في مصر، بل منحت المحكمة أيضا الحق للأفراد لمباشرة منازعاتهم في حالة تعذر تنصيب محام للدفاع عنهم ضد خصمهم المحامي .
الفقرة الثانية :موقف التشريع المسطري الجديد من الترافع شخصيا أمام محكمة النقض .
لقد جاء قانون المسطرة المدنية الجديد المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 23/2/2026 ( قانون رقم 25.58 ) مستحدثا قاعدة جديدة في الفقرة الثانية من المادة 376 كاستثناء من قاعدة الترافع أمام محكمة النقض من طرف محام مقبول أمامها، والتي تنص على ما يلي :" اذا كان أحد طرفي الطعن قاضيا أو محاميا ، أمكنه الترافع شخصيا أمام محكمة النقض " .
وبهذه القاعدة القانونية نكون أمام تحقق الرأي الذي ابرزناه ودافعنا عنه منذ التسعينات ،وكان حول ترافع المحامي المقبول أمام محكمة النقض بصفة شخصية في نزاعات تخصه دون تنصيب محام للدفاع عنه . بل واكثر من ذلك ترافع المحامي كذلك شخصيا حتى أمام المحكمة الإدارية نظرا لتوفر الكفاءة القانونية والأهلية لبحث مسائل القانون .
ومن استقراء هذه القاعدة القانونية المستحدثة من المادة 376 من قانون المسطرة المدنية الجديد، يظهر ان النص استثنى القاضي والمحامي كطرف في الطعن ، اذ انه وبدلالة مفهوم المخالفة ،قد يوحي بغير ذلك ، ولكن في السياق القضائي ، يرتكز النص على الصفة المهنية للشخص لضمان أهليته للدفاع عن نفسه أمام محكمة النقض (محكمة قانون ) ، وبالتالي اذا كان القاضي أو المحامي طرفا في دعواه الشخصية ضد الغير، فان الصفة المهنية لهما متوفرة ،مما يجعلهما مشمولان بالإستثناء ،ولهما حق الترافع شخصيا ، لأن النص علق الإذن على صفة "طرف الطعن"
وليس على طبيعة الدعوى .ومن هذا المنطلق يمكن افتراض ثلاث حالات محتملة لصور الترافع الشخصي أمام
محكمة النقض كما يلي :
1) في نزاعات حول قضايا الأسرة :إذا كان أحد الزوجين قاض أو محام ،تباشر الدعوى أمام محكمة النقض من الطرف شخصيا ،سواء كان طالبا أو مطلوبا أمام محكمة النقض؛ كقضايا النفقة والطلاق أو التطليق وقضايا الإرث والحالة المدنية .
2) في نزاعات حول اتعاب المحامي وادارة الضرائب: اذا كان الطرف موكل المحامي سواء كان شخص ذاتي أو معنوي، فله الحق في الترافع بصفة شخصية أمام محكمة النقض حول النزاع في الأتعاب .وكذلك الشأن مع ادارة الضرائب في حالة المنازعة القضائية معها ، وسواء كان المحامي طالبا أو مطلوبا في الطعن له حق الترافع شخصيا في هذه النزاعات .
3) في نزاعات حول القضايا التأديبية :قد يحدث ارتكاب المحامي لأخطاء مهنية قد تؤدي الى متابعته تأديبيا من طرف مجلس الهيئة مع الإدانة، مما قد يمارس معه المدان الطعن في المقرر التأديبي ، وفي حالة الطعن بالنقض ان اقتضى الحال يكون الطرف المدان معفى من تنصيب دفاع عنه أمام محكمة النقض .
وغني عن البيان انه اذا كان الطرف في الطعن محام فينبغي لتوفر الشروط كاملة ان يكون مقبولا للترافع أمام محكمة النقض باعتماد الفقرة الأولى من المادة 376 من قانون المسطرة المدنية الجديد ، بينما لم يأت هذا القانون المسطري الجديد باي اشارة الى شروط ما ،بالنسبة للقاضي عندما يكون طرفا في نزاعه الشخصي أمام محكمة النقض.
خاتمـــــــة :
ان دراسة وتحليل هذه القواعد المستجدة، الواردة في قانون المسطرة المدنية الجديد، لا يعني انها هي الوحيدة الموجودة
في هذا القانون ، وانما هناك قواعد اخرى متعددة ومستحدثة منها اجراءات التبليغ الإلكتروني على سبيل المثال ، وغيرها ،الشيئ الذي ينبغي بحثه وبيان محتواه مستقبلا .
أما ما يتعلق بموضوعنا فهو غير مكتمل من الناحية التشريعية ، لكون الحل الإستثنائي في المرافعة بصفة شخصية
والإعفاء من تنصيب محام في قضاياه الشخصية ضد الغير ،كان ينبغي أن يكون شاملا وعاما لجميع مراحل
التقاضي وامام مختلف المحاكم المغربية ، وذلك بصفة استثنائية من نصوص الترافع العامة أمام المحاكم ، مع شروط يلزم توفرها فيه، منها أن يكون المحامي مسجلا بأحد جداول هيئة من هيئات المحامين بالمغرب ، مع احترام قاعدة الترافع أمام محكمة النقض من حيث المدة وباقي الشروط الأخرى .
الخميسات في 4/5/2026


الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
الحلول التشريعية لبعض الإشكاليات في قانون المسطرة المدنية الجديد

