معلوم لدى المطلعين و المهتمين، بالقرارات الصادرة عن المحكمة الدستورية ، أنها تؤسس لقراراتها ، و خاصة فيما يتعلق بالقوانين التنظيمية، بأن تجيب على ثلاثة أوجه تقتضي نظرها ، و يأتي ذلك أولا فيما يتعلق بالاختصاص ، و ثانيا في شأن الإجراءات المتبعة لإقرار القانون التنظيمي، وثالثا فيما يتعلق بالموضوع .
و حيث أنه فيما يتعلق بالإجراءات المتبعة لإقرار القانون التنظيمي، فذلك يعني المسطرة الإجرائية الواجبة الاتباع طبق ما نص عليه الدستور و طبق القوانين التنظيمية الأخرى التي تؤطر سير إعداد القانون و إحالته و الإجراءات الأخرى إلى غاية إحالته إلى المحكمة الدستورية .
و أنه من حيث ، فحص المحكمة الدستورية للقوانين العادية ، في إطار الإحالة العادية غير الإلزامية، فإن المحكمة تفحص وفق المنهجية الآتية :
أولا من حيث الشكل، و ثانيا ، من حيث الإجراءات المتبعة لإقرار القانون، و ثالثا من حيث الموضوع ، و هو النهج الذي اتبعه قرار المحكمة الدستورية رقم 263/26 ملف عدد 313/26 ، بتاريخ 15/6/2026 المتعلق بالقانون المنظم لمهنة العدول.
و كما هو بين ، من خلال المنهجية المعتمدة ، من طرف المحكمة الدستورية، يتضح أنه ، سواء تعلق أمر النظر في قانون تنظيمي، أو قانون عادي، فإنه يتم الإشارة إلى ضرورة التطرق للإجراءات المتبعة لإقرار القانون ، إذا ما كان قانونا عاديا محالا إليها، كما هو الحال بالنسبة لقانون المحاماة 66.23، أو قانونا تنظيميا، فإنه تتم الإشارة بالضرورة وما يقتضيه التفصيل الواجب، على كل ما يخص سلامة الإجراءات المتبعة لإقرار القانون التنظيمي.
إن الملاحظ من خلال الاطلاع على قرارات المحكمة الدستورية المنشورة ، أنه يكاد لا يعثر على إحالة إلزامية تتعلق بالقوانين التنظيمية، يتم فيها إثارة مسألة من المسائل الإجرائية المخالفة للإجراءات الخاصة بإقرار القانون التنظيمي، إذ أن المانع يبدو ، من طبيعة الإحالة المتعلقة بهذا النوع من القوانين غير العادية التي تجد سندها الدستوري في الفقرة الثانية من الفصل132 من الدستور، غير أنه فيما يخص القوانين العادية، أي تلك التي يمكنأن يحيلها خمس أعضاء مجلس النواب حسب الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، نجد حضر هاته الإمكانية .
فبالاطلاع مثلا ، على القرار رقم 106/20 في الملف عدد 057/20 القرار رقم 106/20 ، المتعلق بالقانون 26.20 يقضي بالمصادقة على المرسوم بقانون 2.20.320 الصادر بتاريخ 7 أبريل 2020 المتعلق بتجاوز سقف التمويلات الخارجية ، و هو من القرارات النادرة التي يرمي طلب الإحالة إلى المحكمة الدستورية الصادر عن خمس أعضاء مجلس النواب، و الذي يهدف إلى تصريح المحكمة الدستورية بمخالفة المسطرة المتبعة لإقرار القانون المحال لأحكام الدستور و لبعض مقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب .
وحيث قررت المحكمة الدستورية بهاته المناسبة القاعدة الآتية : "و حيث إن هذه الإحالة تتعلق بمراقبة دستورية قانون، و هي مراقبة لا يعتد في إعمالها إلا بأحكام الدستور و القوانين التظيمية؛
و حيث إنه، تبعا لذلك، لا مجال لفحص دستورية القانون المحال في ضوء مقتضيات واردة في النظام الداخلي لمجلس النواب، ما عدا إذا جاءت هذه المقتضيات تطبيقا مباشرا لقاعدة دستورية يتوقف إعمالها ، وجودا وعدما ، على ضوابط أسند الدستور تحديدها إلى نظام داخلي، يؤدي الإخلال بها إلى مخالفة القاعدة الدستورية نفسها ."
و يستنتج من هذا التعليل، أن المحكمة الدستورية في هذا الباب، قررت شروطا صارمة لفحص دستورية القانون المحال إذا خالف مقتضيات واردة بالنظام الداخلي لمجلس النواب، وهو قانون تنظيمي، و ربط تحقق تلك المخالفة، بمخالفة قاعدة دستورية، و يكون المقتضى المخالف تطبيقا مباشرا للقاعدة الدستورية،و تكون القاعدة الدستورية قد أسندت تحديدها إلى نظام داخلي، ثم أن يكون من شأن الإخلال بها أن يؤدي إلى مخالفة القاعدة الدستورية نفسها .
لذلك فإن طرح أي مخالفة تتعلق بالإجراءات و المسطرة، أمام المحكمة الدستورية متعلقة بإقرار قانون، لمخالفته للنظام الداخلي سواء ذاك الخاص بمجلس النواب أو المستشارين، هو طرح للفحص ، يتطلب شروطا محددة، و يتسم بالدقة و الوضوح في مخالفته للقاعدة الدستورية و ارتباطه بها اختصاصا و أن يكون من شأن خرق المقتضى التنظيمي ، أن يشكل مخالفة للقاعدة الدستورية .
و أنه أيضا ، من خلال نفس القرار ، فقد جاء فيه : " أن رقابة المحكمة الدستورية ، لا تنصرف إلى القرارات المشار إليها ذاتها، وإنما إلى الآثار التي تترتب عن تطبيقها، علاقة بدستورية الإجراءات المتبعة لإقرار القانون المحال أو بجوهره ."
من حيث مخالفة الإجراءات المتبعة لإقرار القانون رقم66.23 لأحكام الفصول 10 و69 من الدستور، و لمقتضيات المادة 188 من النظام الداخلي لمجلس النواب.
أولا: تنص المادة 188 من النظام الداخلي لمجلس النواب على البرنامج الزمني الواجب اعتماده في دراسة النصوص التشريعية داخل اللجان الدائمة، مع النص على أنه لا يجوز الخروج عنه إلا إذا قرر مكتب اللجنة خلاف ذلك.
ثانيا: يتبين من تتبع المسطرة التشريعية لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة أن دراسة المشروع والتصويت عليه في مرحلة القراءة الثانية تمت في آجال وجيزة، وهو ما يثير التساؤل حول مدى احترام البرنامج الزمني المنصوص عليه في النظامين الداخليين.
ثالثا: لا يتبين من الوثائق الرسمية المنشورة المتعلقة بالمسطرة التشريعية ما يفيد صدور قرار عن مكتب اللجنة المختصة يقضي بالعدول عن البرنامج الزمني المنصوص عليه في المادتين المشار إليهما، الأمر الذي يستوجب التحقق من وجود هذا القرار ضمن وثائق المسطرة التشريعية.
رابعا: تكتسي هذه الملاحظة أهميتها بالنظر إلى أن النظامين الداخليين لمجلس النواب ومجلس المستشارين قد صدرت بشأنهما قرارات من المحكمة الدستورية تقضي بمطابقتهما للدستور، عملا بأحكام الفصل 69 من الدستور، مما يجعل مقتضياتهما الإجرائية جزءا من القواعد الواجبة الاحترام أثناء مباشرة السلطة التشريعية لاختصاصها.
خامسا: إن احترام القواعد الإجرائية الواردة في النظامين الداخليين لا يعد مجرد إجراء تنظيمي داخلي، وإنما يشكل ضمانة دستورية لحسن سير المسطرة التشريعية، وكفالة لحقوق أعضاء البرلمان في الدراسة والمناقشة وتقديم التعديلات والمشاركة الفعلية في التشريع.
سادسا: إذا لم يثبت وجود قرار صادر عن مكتب اللجنة يجيز الخروج عن البرنامج الزمني، فإن ذلك قد يشكل مخالفة للمسطرة التشريعية المنصوص عليها في النظام الداخلي، وهو ما يقتضي من المحكمة الدستورية التحقق من مدى احترام الإجراءات المقررة قانونا، وتقدير ما إذا كانت هذه المخالفة تمس سلامة المسطرة التشريعية على نحو يؤثر في دستورية القانون.
سابعا: واستنادا إلى اختصاص المحكمة الدستورية في مراقبة دستورية القوانين، فإن رقابتها لا تنحصر في مطابقة الأحكام الموضوعية للدستور، وإنما تمتد كذلك إلى التحقق من احترام المسطرة التشريعية التي أوجبها الدستور، وما يحيل عليه من مقتضيات النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان بعد التصريح بمطابقتهما للدستور. ومن ثم، فإن التحقق من احترام مقتضيات المادتين 188 من النظام الداخلي لمجلس النواب ، ومن وجود قرار صادر عن مكتب اللجنة يبرر الخروج عن البرنامج الزمني، يعد من المسائل الأولية التي يتعين على المحكمة الدستورية بسط رقابتها بشأنها قبل البت في مدى دستورية القانون.
و حيث أنه لا يتبين من الوثائق الرسمية المنشورة المتعلقة بالمسطرة التشريعية، بما فيها تقرير اللجنة والوثائق المرفقة به، ما يفيد صدور قرار عن مكتب اللجنة بالعمل خلاف البرنامج الزمني المنصوص عليه في المادة 188 من النظام الداخلي، أو الإشارة إليه أثناء أشغال اللجنة، ومن ثم، فإن المحكمة الدستورية مدعوة، في إطار رقابتها على سلامة الإجراءات المتبعة لإقرار القانون، إلى التحقق مما إذا كان هذا القرار قد صدر فعلًا واستوفى الشروط التي يقتضيها النظام الداخلي، وما إذا كان لذلك أثر على دستورية المسطرة التشريعية.
و حيث أن المادة 188 واضحة عندما نصت: " … وما لم يقرر مكتب اللجنة بخلاف ذلك تتم دراسة النصوص التشريعية وفق البرنامج التالي …" و حيث أنه إذا ثبت للمحكمة الدستورية من خلال تفحصها لمحضر الجلسة و تبين لها عدم اتخاذ مكتب اللجنة للقرار الاستثنائي الذي يخول برمجة زمنية مخالفة لتلك المقررة بالمادة 188، و خاصة عندما يتبين ، أنه من خلال ما راج بالجلسة و ما دون بمحضرها، اعتراض بعض الأعضاء حول البرمجة الزمنية، و عدم احترام القانون بهذا الشأن، خصوصا أمام عدم وجود قرار قبلي صادر عن مكتب اللجنة بخصوص تقرير المكتب العمل بخلاف البرمجة المستندة على المادة 188 ، أو تلاوتها بمحضر اجتماع اللجنة ، أو تضمينها بها، و ما تخلل أيضا أعمال اللجنة من طلبات همت التمسك بمهلة قصد دراسة المواد طبقا لما تقتضيه نجاعة العمل البرلماني، فإنه سيثبت وجود مخالفة إجرائية للمادة 188من النظام الداخلي لمجلس النواب، وأن هاته المخالفة هي مخالفة القاعدة الدستورية المقررة بالفقرة الأخيرة من الفصل 69 من الدستور الذي ينص:
يضع كل من المجلسين نظامه الداخلي ويقره بالتصويت، إلا أنه لا يجوز العمل به إلا بعد أن تصرح المحكمة الدستورية بمطابقته لأحكام هذا الدستور.
يتعين على المجلسين، في وضعهما لنظاميهما الداخليين، مراعاة تناسقهما وتكاملهما، ضمانا لنجاعة العمل البرلماني.
يحدد النظام الداخلي بصفة خاصة:
قواعد تأليف وتسيير الفرق والمجموعات البرلمانية والانتساب إليها، والحقوق الخاصة المعترف بها لفرق المعارضة؛
واجبات الأعضاء في المشاركة الفعلية في أعمال اللجان والجلسات العامة، والجزاءات المطبقة في حالة الغياب؛
عدد اللجان الدائمة واختصاصها وتنظيمها، مع تخصيص رئاسة لجنة أو لجنتين للمعارضة، على الأقل، مع مراعاة مقتضيات الفصل 10 من هذا الدستور.
ثامنا: تنص الفقرة الأولى من الفصل 69 من الدستور على أنه: "لا يجوز العمل بالنظام الداخلي لكل من مجلسي البرلمان إلا بعد أن تصرح المحكمة الدستورية بمطابقته لأحكام هذا الدستور"، وهو ما يضفي على مقتضيات النظامين الداخليين، بعد التصريح بمطابقتهما للدستور، قوة إلزامية في تنظيم المسطرة التشريعية، ويجعل احترامها من الضمانات الدستورية الواجبة المراعاة أثناء ممارسة السلطة التشريعية لاختصاصها
تاسعا: كما يضمن الفصل 10 من الدستور للمعارضة البرلمانية المشاركة الفعلية في مسطرة التشريع، وهو حق دستوري لا يقتصر على الحضور والتصويت، وإنما يفترض تمكين أعضاء البرلمان، ولاسيما المعارضة، من الوقت الكافي لدراسة النصوص التشريعية، وإعداد التعديلات، والمشاركة الفعلية في مناقشتها داخل اللجان البرلمانية.
مستنتجات ختامية :
استنادا إلى ما سبق بيانه ، هل تشكل المخالفات السابقة التي يمكن التأكد من تحققها بتفقد وجود قرار مكتب اللجنة من عدمه بخصوص قرار البرمجة الزمنية ، و خلو محضر جلسة اجتماع مكتب لجنة العدل و التشريع في القراءة الثانية بمجلس النواب، من الإشارة إلى ما يفيد اتخاذه التدبير الاستثنائي المقرر بالمادة 188 من النظام الداخلي لمجلس النواب التي تقرر: " … ما لم يقرر مكتب اللجنة خلاف ذلك" و هوالاستثناء الوارد عليها وكيفية تفعيله إجرائيا، إمكانية ربط تحقق تلك المخالفة، بمخالفة قاعدة دستورية، و يكون المقتضى المخالف تطبيقا مباشرا للقاعدة الدستورية،و تكون القاعدة الدستورية قد أسندت تحديدها إلى نظام داخلي، ثم أن يكون من شأن الإخلال بها أن يؤدي إلى مخالفة القاعدة الدستورية نفسها.
الإجابة في نظرنا المقصور على اجتهاد مبدئي ، هي نعم ، و ذلك وفق الصيغة الاستدلالية التالية :
أولا : يثير عدم احترام مقتضيات المادة 188 من النظام الداخلي لمجلس النواب، إن ثبت ، تساؤلا حول مدى احترام الفصل 69 من الدستور الذي أضفى على النظام الداخلي قوة إلزامية بعد التصريح بمطابقته للدستور و مدى تأثير ذلك في الضمانة الدستورية المقررة بالمشاركة الفعلية في مسطرة التشريع المنصوص عليها في الفصل 10 من الدستور.
ثانيا : الفصل 69 من الدستور جاء فيه : " يتعين على المجلسين ، في وضعهما لنظاميهما الداخليين، مراعاة تناسقهما و تكاملهما، ضمانة لنجاعة العمل البرلماني"
و منه يتبين أنه بمخالفة القاعدة الإجرائية التي وضعها النظام الداخلي تنفيذا للفصل 69 من الدستور تحقيقا لنجاعة العمل البرلماني، تكون القاعدة الدستورية المتعلقة بالنجاعة و التي تعني الضمانات المقررة ، بما فيها الآجال و البرمجة الزمنية لدراسة مشاريع القوانين، كون أن هاته الدراسة تتعلق بالعمل البرلماني المذكور بالفصل 69 من الدستور .
ثالثا : بالرجوع و الاستناد إلى تعليل المحكمة الدستورية السابق المحدد في : " أن رقابة المحكمة الدستورية ، لا تنصرف إلى القرارات المشار إليها ذاتها، وإنما إلى الآثار التي تترتب عن تطبيقها، علاقة بدستورية الإجراءات المتبعة لإقرار القانون المحال أو بجوهره ."
فإنه يمكن التأسيس على هذا المبدأ المقرر، و القول بأن المؤاخذة الدستورية، لا تنصرف إلى البرنامج الزمني في حد ذاته، ولا إلى قرار مكتب اللجنة باعتباره قرارًا داخليًا، وإنما إلى الأثر الدستوري المترتب عن تطبيق الاستثناء ، دون ثبوت تحقق شرطه،و أثره على سلامة إجراءات إقرار القانون المحال على المحكمة الدستورية.
فالمادة 188 من النظام الداخلي لمجلس النواب أجازت الخروج عن البرنامج الزمني، بشرط صدور قرار عن مكتب اللجنة، وهو شرط يندرج ضمن القواعد الإجرائية التي أُقرت دستوريتها عملاً بالفصل 69 من الدستور.
ومن ثم، فإن محل رقابة المحكمة الدستورية لا يتمثل في القرار ذاته، وإنما في أثر غيابه – إن ثبت – على سلامة إجراءات إقرار القانون، وهو ما ينسجم مع ما استقر عليه تعليلها في القرار رقم 106/20 في الملف عدد 057/20 القرار رقم 106/20، المتعلق بالقانون 26.20 يقضي بالمصادقة على المرسوم بقانون 2.20.320 الصادر بتاريخ 7 أبريل 2020 ، المتعلق بتجاوز سقف التمويلات الخارجية ،و ذلك من ذكره أن "رقابة المحكمة الدستورية لا تنصرف إلى القرارات المشار إليها ذاتها، وإنما إلى الآثار التي تترتب عن تطبيقها، علاقة بدستورية الإجراءات المتبعة لإقرار القانون المحال أو بجوهره" .
الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
النظام الداخلي للبرلمان بعد الرقابة الدستورية: هل يؤدي الإخلال بمقتضياته إلى عدم دستورية القانون ؟ ملاحظات حول إجراءات إقرار القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة


