MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers



التقاعد بين المكتسب والمأمول

     

وسيمة الخزروني

باحثة في العلوم القانونية



لقد صار التقاعد اليوم ملفا ملفتا للنظر حيث حظي باهتمام شديد من طرف جل الفاعلين خاصة بعد صدور مجموعة من الدراسات والتقارير المرتبطة بهذا الشأن، والتي أظهرت حجم وعمق أزمة الصناديق والتطورات الخطيرة التي طالتها في السنوات الأخيرة في إغفال تام للواقع الاجتماعي المأساوي الحالي.

وعليه، فملامسة هذا الموضوع تتداخل فيه أبعاد سياسية اقتصادية واجتماعية لا سيما بعد المقترحات التي طرأت على الساحة لحل معضلة بعض الصناديق وشيكة النفاذ. ولعل من أنشط مقترحات الإصلاح تلك التي تتم على مستوى تقليص المعاشات والرفع من نسبة الإقتطاعات والرفع أيضا من سن التقاعد.

و من المعلوم أن معظم العمال والموظفين سواء في القطاع العام أو الخاص تشرئب أعناقهم بترقب شديد للحياة الكريمة لما بعد انتهاء المسار المهني الدؤوب أملا في غد أفضل واطمئنانا على حياة جديدة بعد التوقف عن العمل.

حقيقة توجد العديد من التعديلات الطفيفة لهذه الصناديق إلا أنها لم ترقى لمستوى الشمولية في الإصلاح، حيث لم تعدو سوى إجراءات مرحلية مؤقتة لم تسد رمق الأفواه التي أضحت تطالب بالإسراع في معالجة الإختلالات البنيوية التي طالت هذه الصناديق.

وفي نفس الوقت صارت تدق ناقوس الخطر حول الوضعية المتدهورة التي تعرفها من ناحية سوء التدبير المالي مما خلق أزمة وعجزا مهولين يعيقان استدامة هذه الصناديق واستثمار احتياطاتها.

وفي ظل هذه الأزمة هل في مقدورنا أن نتصور دولة قوية وديمقراطية ذات مردودية وفعالية واقتصادا يتمتع بمناعة وعافية، إذا كان المجال الإجتماعي ممزق الأوصال مفتت المصالح ويعيش حالة من الفوضى والتضارب في القناعات والقيم والسلوكات وكانت تنهشه الفوارق الاجتماعية؟ وهل بالإمكان أن نجزم بأن رهانات التحديث والتنافسية والمصداقية المؤسساتية قابلة للتحقيق والتجسيد إذا ظلت المشاكل الإجتماعية بدون تدبير ومعالجة.            

وفي هذا السياق نشير إلى أن ضرب المكتسبات لم يعد وصفة لاعتماد إصلاح جديد بل المطلب الملح هو التركيز على تصور شامل يرتكز على مقاربة توفق بين الجوانب السياسية والإقتصادية والإجتماعية و الديموغرافية وبين حقوق المتقاعدين المكتسبة.

وهكذا في هذه المرحلة،علينا أن نهتم بالحفاظ على التوازنات المالية بإرادة محضة والإستناد على دعامة الحكامة الجيدة،وحسم الأمر مع عهد الخروقات والبحث عن وسائل ناجعة تواجه التحديات الآنية بشتى الآليات في محاولة  لتخفيف العبء على المتقاعدين والعمل على تقديم تنازلات لصالح التوافقات التي تصب في إطار المصلحة العامة.

ورغم وجود مجموعة من العوائق التي تأجل التحسين الجذري لأحوال الصناديق إلا أننا لا يمكن أن ننكر أن المغرب يتميز بوجود كفاءات متخصصة في المجال وذو خبرات متنوعة، بيد أنه لا يمكن أن ننكر أيضا مساهمة  سوء التدبير والتسيير المستشري داخل المؤسسات في الإفتقار لطرق معالجة الأزمات وضعف أساليب المراقبة والتتبع وأدوات المحاسبة لتجنب غالبية التجاوزات.
اللآ توازن بين مصلحة المتقاعد والمصلحة العامة :

إنها معادلة غير منصفة في ظل وجود سوء تدبير مالي واضح، وضعف ربط المسؤولية بالمحاسبة، وغياب الحكامة الجيدة، علاوة على عدم التزام الدولة بالمسؤوليات لا سيما الدين الحكومي ثم قصور في الرؤية المستقبلية الإستشرافية،إلى جانب تقليص عدد التوظيفات وهشاشة الوضع المالي، وضعف مردودية الإستثمارات الخاصة باحتياطات صناديق التقاعد، كل هذا يقابله إصلاحات تحمل المتقاعد وحده كلفة الأزمة وتبعاتها.

كما أن أعباء هذه الأزمة لزاما على السياسات العمومية تحملها والتوصل لحلول توافقية بين الحكومة والمركزيات النقابية بمقاربة تشاركية فعالة. فاستمرارية صناديق التقاعد رهين بتدبير ترافقه شفافية حقيقية والقطع مع سنوات التجاوزات والحسم في اختيار الهيئات المكلفة بالمراقبة والمحاسبة دون التشويش على الحقوق المكتسبة والخوض في مناقشتها.

إن السياسات العمومية هي حصيلة عمل الدولة وليس الحكومة فقط ، فالتوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة يتم الإشراف عليها من أعلى سلطة في البلاد وعلى أساسها يتم صياغة البرنامج الحكومي والسياسات العمومية والسياسات القطاعية، إلا أن تفعيل خاصية المراقبة والمحاسبة لم ترقى للمستوى المأمول، وبالتالي راكمنا سنوات أخرى من الإختلالات التي تجاهلت نوعا ما تحقيق بعض الأهداف المتوخاة من هذه السياسات والتي منها تحقيق الأهداف العامة المتمثلة في العدالة الإجتماعية وتوفير الخدمات الأساسية للمواطن وتعزيز النمو الاقتصادي ثم التنمية المستدامة.... 

والجدير بالملاحظة، أن الجوانب المرتبطة بالوضع الاجتماعي للمتقاعدين بشكل عام كانت دائما من بين القضايا التي تطرح باستمرار في الحوارات الاجتماعية و النقاشات العمومية لكن دون اعتبار لهذا المعطى. فكيف إذن ستتم الزيادة في نسبة الإقتطاعات من رواتب الموظفين والعمال وتخفيض المعاشات والرفع من سن التقاعد من 60 الى 65 سنة في ظل أوضاع اجتماعية يشوبها القلق والنقص؟
ومن ناحية هذا المعطى، ألا يمكن أن نلحق ضررا بليغا بالتوازنات الإجتماعية مستقبلا لا سيما مع ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة؟  فمن الصعب أن تصمد معاشات المتقاعدين أمام عاصفة التحولات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية خاصة وأن سن التقاعد سن الضعف بعد القوة. مما يعني معه إن الامر يتطلب صياغة إصلاحات ملموسة وواقعية

وأن يتم إدماج العدالة الاجتماعية في صلب إصلاح أنظمة التقاعد،ثم البحث عن حلول جذرية لضمان استدامة صناديق التقاعد.
مداخل الإصلاح و التغيير المنشود :

ولذلك، كان لا بد من ذكر مجموعة من التدابير التي نعتقد بأهميتها فيما يتعلق بالتخفيف من أزمة هذه الصناديق والحفاظ على حقوق المتقاعدين من قبيل : 

- شرعية الإصلاحات تقتضي وجود التوافق والتراض بين المركزيات النقابية والحكومة.
- استحضار التحولات الإقتصادية والإجتماعية والسياسة عند أي اصلاح جذري.
- العمل على تقوية منظومة الحماية الإجتماعية مما يساهم في الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي.
- الإسراع بالإصلاحات البنيوية والهيكلية قبل استنفاذ أرصدة الصناديق.
- استثمار احتياطات صناديق التقاعد بمشاريع منتجة مدرة للأرباح الجيدة.
- ترشيد النفقات وإيلاء عناية دقيقة بالتوازنات المالية والإجتماعية.
- اعتماد آليات رقابية صارمة وجادة تضمن الشفافية.
خلق التوازن بين عدد المتقاعدين وعدد المساهمين.
- إيجاد حلول لظاهرة البطالة للرفع من نسبه انخراطات وتوسيع قاعد المساهمين.

- توحيد أنظمة التقاعد وإدماجها في صندوق واحد وذلك بسن إصلاح منظومي يتجاوز الإصلاحات المقياسية الجزئية وتوظيف المدخرات المؤسسية عبر استثمارها لصالح مستحقيها وفق استراتيجية مضبوطة وتحت إشراف هيئة استثمارية تابعة للصندوق المذكور..

وأخيرا إذا لم تحمي الدولة حقوق العمال اضطرب المجتمع وانضر الإقتصاد واستفحلت فرص الإستغلال.

إذن، لابد من التشخيص الدقيق للتحديات التي تواجه هذه الصناديق ومحاولة التخفيف من حدتها لضمان المحافظة عليها والتوفيق ما بين ضرورة مراجعة الأوضاع القانونية والمراقبة لهذه الصناديق والبحث عن حلول استراتيجية تعيد البوصلة وتقوم المسار.

وتأسيسا على ما سبق، يجب أن توفر الدولة للمتقاعدين حقوقهم الملموسة إضافة إلى حقهم في التكرمة التي يستحقونها لشرف عملهم فتكون الحقوق العادلة عنوانا على ذلك التكريم و برهانا.

وعلى الدولة أيضا أن تقدر مصالح هؤلاء وتحميها وتجانب الإعتداء على المكتسبات حتى لا تنطمس المصلحة العامة في جشع المصلحة الفردية..

ونختم بكلام ابن خلدون في أثار الظلم والتسلط على الإقتصاد حيث قال في الفصل 43 : 

﴿في أن الظلم مؤذن بخراب العمران، واعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم، وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك، وعلى قدر الإعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الإكتساب ،فإذا كان الإعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها......... فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران وانقبضت الأحوال وابذعر الناس أي تفرقوا في الآفاق ﴾.

و من هنا تأتي الحاجة الملحة للتغيير واعتماد مقاربة توافقية و توازنية لحقوق وواجبات المتقاعدين خاصة وأن الدينامية الداخلية للمجتمع المغربي تعرف تحولات عميقة وتغيرات مهمة على كافة المستويات الإجتماعية والإقتصادية و السياسية والثقافية و الديموغرافية، ومن ناحية أخرى هو مجتمع أنماط عيشه تتغير بسرعة و تتطلب مقدرة ومعاشا محترما يليق بمستوى عيش المتقاعد وفق متطلبات العصر.



الجمعة 2 يناير 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter