ديباجة
ليست الغاية من هذه المرافعة المطالبة بامتياز تشريعي لفئة مهنية بعينها، ولا الدعوة إلى توسيع دائرة الإعفاءات على حساب جودة التكوين أو مكانة مهنة المحاماة، فذلك لا يخدم لا المهنة ولا العدالة.
كما أن هذه المرافعة لا تروم الدفاع عن أشخاص، وإنما تدافع عن فكرة، وتلك الفكرة تتمثل في أن التشريع الجيد لا يقاس فقط بما يقرره من أحكام، وإنما يقاس قبل ذلك بمدى انسجامه الداخلي، واحترامه للمبادئ الدستورية، وقدرته على بناء قواعد قانونية تقوم على المنطق والموضوعية والتناسب، لأن النص التشريعي لا يفقد قوته عندما يتعرض للنقد، وإنما يفقدها عندما يعجز عن تفسير منطقه الداخلي.
ومن هنا، فإن هذه المرافعة لا تنطلق من معارضة قانون تنظيم مهنة المحاماة، ولا من التشكيك في مشروعية السلطة التقديرية للمشرع، وإنما تنطلق من الإيمان بأن المشرع الدستوري المغربي نفسه جعل من جودة التشريع، والمساواة، وتكافؤ الفرص، والأمن القانوني، مرتكزات لا يجوز لأي نص قانوني أن ينفصل عنها.
ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه هذه المرافعة ليس:
من يستحق الإعفاء من الحصول على شهادة الكفاءة لولوج مهنة المحاماة؟
وإنما:
هل ظل القانون وفيا للفلسفة التي اختارها بنفسه؟
وهل بقيت المادة 13 منسجمة مع التحول الجوهري الذي أحدثته المادة 7؟
وهل احترم القانون معيار الكفاءة الذي يفترض أن يكون أساس الولوج إلى المهن القانونية؟
أم أنه انتقل دون تعليل ظاهر، من معيار الكفاءة إلى معيار الانتماء إلى فئات مهنية محددة؟
مقدمة
يعد تنظيم الولوج إلى مهنة المحاماة من أكثر المجالات حساسية داخل المنظومة القانونية، لأنه يقع عند نقطة التقاء ثلاث قيم دستورية كبرى:
أولها، حماية حق المتقاضين في الاستفادة من دفاع مؤهل وكفء.
وثانيها، ضمان استقلال مهنة المحاماة باعتبارها شريكا أساسيا في تحقيق العدالة.
وثالثها، احترام المبادئ الدستورية للمساواة وتكافؤ الفرص والاستحقاق.
ولذلك فإن أي تدخل تشريعي لتنظيم شروط الولوج إلى المهنة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد تنظيم إداري لمهنة، وإنما باعتباره اختيارا تشريعيا يعكس تصور الدولة لمفهوم الكفاءة المهنية، وللقيمة القانونية للخبرة، وللعلاقة بين الوظيفة العمومية والمهن القضائية.
ومن هذه الزاوية، جاء قانون تنظيم مهنة المحاماة بمستجد بالغ الأهمية، تمثل في المادة السابعة، التي لم تعد تعتبر أن التكوين المهني للمحامي يتم حصرا داخل مكتب المحامي، وإنما قررت أن جزءا من هذا التكوين يجب أن يتم داخل الإدارات والمؤسسات العمومية وأشخاص القانون العام والمقاولات العمومية.
وللوهلة الأولى، يبدو هذا المقتضى مجرد تعديل في كيفية تنظيم التمرين غير أن القراءة المتأنية تكشف أنه يمثل تحولا عميقا في فلسفة القانون.
ذلك أن المشرع لم يعد ينظر إلى الإدارة باعتبارها مجرد طرف يتعامل مع المحامي، وإنما ارتقى بها إلى مرتبة مؤسسة تشارك في تكوينه، وهذا الاعتراف التشريعي يحمل دلالة قانونية بالغة، فالمشرع لا يختار أماكن التكوين اعتباطا لأنه مبدئيا منزه عن العبث.
وعندما يقرر أن يقضي المحامي المتمرن جزءا من تكوينه داخل الإدارة، فإنه يكون قد اعترف صراحة بأن هذه البيئة تنتج معرفة قانونية، وخبرة عملية، ومهارات مهنية، يرى أنها ضرورية لممارسة المحاماة.
وهنا يبدأ الإشكال الحقيقي.
فإذا كانت الإدارة قادرة، في نظر المشرع، على إنتاج الكفاءة المهنية للمحامي خلال مدة التمرين، فإن المنطق التشريعي ذاته يفرض التساؤل حول القيمة القانونية للخبرة التي راكمها داخل هذه الإدارة أشخاص مارسوا العمل القانوني سنوات طويلة.
فبينما اعترفت المادة السابعة بالإدارة باعتبارها فضاء للتكوين، لم تجعل المادة الثالثة عشرة الخبرة القانونية المكتسبة داخل هذا الفضاء معيارا عاما للاعتراف بها عند تنظيم الإعفاء من التمرين، وإنما حصرت الإعفاء في فئات محددة، وفق اعتبارات لا يظهر من القانون أنها ترتبط دائماً بطبيعة الخبرة القانونية ذاتها.
ومن هنا تبرز الإشكالية التي تؤسس هذه المرافعة، إنها ليست إشكالية الإعفاء من التمرين، وليست إشكالية الدفاع عن فئة مهنية، بل هي إشكالية الانسجام الداخلي للتشريع، فهل يجوز أن يعترف المشرع بقيمة مؤسسة في إنتاج الكفاءة، ثم يتغافل عن الاعتراف بالكفاءة التي أنتجتها تلك المؤسسة؟
وهل يمكن أن يعتبر أربعة أشهر داخل الإدارة جزءا أساسيا من تكوين المحامي، ثم لا يرتب، كقاعدة عامة، أي أثر قانوني على خبرة قانونية امتدت لسنوات طويلة داخل البيئة نفسها؟
إن هذه المرافعة ترى أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الأشخاص الذين شملهم الإعفاء أو الذين لم يشملهم، وإنما يكمن في المعيار الذي اعتمده القانون، فالغاية من التمرين ليست التمرين في حد ذاته، وإنما اكتساب الكفاءة.
فإذا اعترف القانون بأن الكفاءة يمكن أن تكتسب داخل الإدارة، فإن المنطق القانوني يقتضي أن يعترف كذلك، وفق ضوابط موضوعية، بالخبرة التي اكتسبت داخلها.
ومن ثم، فإننا نتسعى إلى بيان أن القراءة المشتركة للمادتين 7 و13 تثير نقاشاً تشريعياً ودستورياً حول ما يمكن تسميته بالانحراف التشريعي في معيار الاعتراف بالكفاءة، والتغافل التشريعي عن الأثر القانوني للخبرة المهنية المكتسبة داخل المرافق العامة، بما يستوجب إعادة النظر في فلسفة المادة 13، تحقيقاً للانسجام التشريعي، وترسيخاً لمبادئ المساواة، وتكافؤ الفرص، وجودة التشريع.
المادة السابعة لم تعد مجرد تنظيم للتمرين، بل أصبحت إعلاناً تشريعياً عن فلسفة جديدة للتكوين، قد تبدو هذه المادة، عند القراءة الأولى، مجرد مقتضى ينظم مدة التمرين وكيفية توزيعه بين مكتب المحامي وبعض الإدارات والمؤسسات العمومية غير أن القراءة القانونية المتأنية تكشف أن هذه المادة تجاوزت بكثير بعدها التنظيمي، وأصبحت تحمل إعلاناً تشريعياً جديداً بشأن فلسفة تكوين المحامي بالمغرب.
لقد كان التصور التقليدي، الذي استقر لعقود، يقوم على أن التكوين المهني للمحامي لا يتحقق إلا داخل مكتب محام ممارس، باعتبار المكتب المدرسة الوحيدة التي تنتقل فيها تقاليد المهنة وأخلاقياتها ومهاراتها.
غير أن القانون هدم هذا الاحتكار التشريعي للتكوين، فحين ألزم المحامي المتمرن بقضاء أربعة أشهر داخل الإدارات والمؤسسات العمومية وأشخاص القانون العام والمقاولات العمومية، فإنه لم يضف مجرد مرحلة تدريبية، وإنما أقر لأول مرة بأن إنتاج الكفاءة المهنية للمحامي لم يعد حكراً على مكتب المحاماة.
وهذا تحول تشريعي بالغ الأهمية، فالقانون لا يختار فضاءات التكوين اعتباطا.
ولا يمكن افتراض أن القانون ألزم المحامي بقضاء أربعة أشهر داخل الإدارة لمجرد ملء مدة زمنية، لأن الأصل في التشريع أنه يفترض العقلانية ومنزه عن العبث، ولذلك فإن اختيار الإدارة كمكان للتمرين لا يمكن تفسيره إلا بكون المشرع أصبح يعتبرها بيئة منتجة للمعرفة القانونية والخبرة المهنية.
وبعبارة أخرى، فإن المادة السابعة لا تقول صراحة إن الإدارة تنتج الكفاءة، لكنها تقرر ذلك ضمنا.
الاعتراف بالمؤسسة هو اعتراف ضمني بقيمة الخبرة المنتجة داخلها
إذا كان المشرع قد اعترف بأن الإدارة قادرة على تكوين المحامي، فإنه يكون قد اعترف ضمناً بأن الأعمال القانونية التي تمارس داخلها تشكل جزءاً من المهارات التي ينبغي للمحامي اكتسابها.
وهذه النتيجة ليست استنتاجاً نظرياً، وإنما تفرضها طبيعة العمل القانوني داخل المرافق العامة، فالإدارات والمؤسسات العمومية لا تمارس أعمالاً إدارية مجردة فحسب، بل تنتج يومياً عملاً قانونياً معقداً، يتمثل في:
• إعداد وصياغة العقود والاتفاقيات؛
• تدبير المنازعات الإدارية والمدنية والتجارية؛
• إعداد المذكرات القانونية؛
• دراسة النصوص التشريعية والتنظيمية؛
• إبداء الرأي القانوني للإدارة؛
• تتبع تنفيذ الأحكام القضائية؛
• إعداد ملفات الدفاع التي يعتمد عليها المحامي عند تمثيل الإدارة أمام القضاء.
فأي معنى يبقى لإرسال المحامي المتمرن إلى الإدارة إذا لم تكن هذه الأعمال نفسها جزءاً من تكوينه؟
إن المادة السابعة، في حقيقتها، تعترف بأن الإدارة ليست مجرد متقاض، وإنما شريك في صناعة الكفاءة القانونية، وهذا الاعتراف يعد من أهم مستجدات القانون.
الانفصال بين فلسفة التكوين وفلسفة الاعتراف بالخبرة
أول نقطة ضعف في القانون، أنه اعترف بالمكان، ولم يعترف بالخبرة التي ينتجها المكان، اعترف بالإدارة باعتبارها فضاء لتكوين المحامي، لكنه لم يجعل الخبرة القانونية المتراكمة داخل الإدارة معيارا عاما عند تنظيم الإعفاء من التمرين.
وهذا ليس مجرد نقص في الصياغة، بل هو انقطاع في البناء المنطقي للنص، فالقاعدة القانونية يجب أن تكون منسجمة مع مقدماتها، فإذا كانت المقدمة تقول إن الإدارة تنتج الكفاءة،فلا يجوز أن تكون النتيجة هي تجاهل الكفاءة التي أنتجتها الإدارة نفسها.
إن هذا الانفصال بين مقدمة النص ونتيجته هو ما نطلق عليه في هذه المرافعة الانحراف التشريعي.
ولا نقصد بذلك الانحراف بمعناه المرتبط برقابة القضاء الإداري على السلطة، وإنما نقصده بوصفه انحرافاً في المنطق التشريعي ذاته، حيث لا تعود النتائج منسجمة مع المقدمات التي أقامها المشرع بنفسه.
ليست المشكلة في المادة 13... بل في الفلسفة التي بُنيت عليها
قد يظن البعض أن المشكلة تكمن في أن المادة الثالثة عشرة لم تشمل فئة معينة بالإعفاء،لكن هذا في نظرنا تبسيط للإشكال، إن المرافعة لا تدافع عن إضافة فئة جديدة إلى لائحة الإعفاءات، ولو قمت بذلك، لتحولت إلى دفاع فئوي، بينما نحن ندافع عن مبدأ.
المشكلة ليست أن فئة أُدرجت وأخرى لم تُدرج،المشكلة أن القانونلم يعتمد معياراً عاماً مجرداً يمكن تطبيقه على الجميع، لقد جعل معيار الإعفاء هو الانتماء إلى فئة مهنية محددة، وليس مقدار الخبرة القانونية التي راكمها الشخص، وهنا انتقل القانونمن معيار موضوعي إلى معيار وصفي.
وأصبح السؤال الذي يطرحه النص ليس: هل اكتسب المترشح الكفاءة التي تغني عن التمرين؟
بل أصبح: إلى أي فئة تنتمي؟
وهذا هو جوهر الانحراف التشريعي، فالقاعدة القانونية لا تبنى على الأوصاف الشخصية، وإنما على تحقق الغاية التي من أجلها شرع الحكم،والغاية من التمرين ليست البقاء في التمرين بل اكتساب الكفاءة، فإذا أثبت الواقع أن الكفاءة قد اكتسبت من خلال ممارسة قانونية فعلية، فإن تجاهلها يحتاج إلى مبرر موضوعي واضح.
وهنا يطرح السؤال الذي نطرحه:
ما هو الأساس الموضوعي الذي يجعل أربعة أشهر من التدريب داخل الإدارة ذات قيمة تكوينية، بينما لا تجعل سنوات من الممارسة القانونية داخل الإدارة ذات أثر قانوني عام في نظام الإعفاء؟
إن الجواب عن هذا السؤال لا نجده في القانون، ولهذا فإن النقاش لا يتعلق بمدى استحقاق فئة معينة للإعفاء، وإنما بمدى انسجام القانون مع فلسفته التي اختارها بنفسه.
المادة 13 لم تبن على معيار موضوعي
إن القراءة الدقيقة للمادة 13 تكشف أنها لم تعتمد معياراً عاماً يمكن تطبيقه على جميع المراكز القانونية المتشابهة، بل اعتمدت أسلوباً آخر حددت فئات ثم رتبت لكل فئة نظاماً خاصاً، لكنها لم تقدم قاعدة عامة تفسر سبب اختيار هذه الفئات دون غيرها.
وهنا يطرح السؤال التشريعي نفسه:
لماذا تعتبر الخبرة القضائية سببا للإعفاء؟
ولماذا تعتبر الخبرة الجامعية سببا للإعفاء؟
ولماذا تعتبر بعض الخبرات الإدارية سببا لإعفاء مشروط؟
وفي المقابل لماذا لا تصبح طبيعة العمل القانوني نفسه هي معيار الإعفاء؟
القانون لا يقدم جواباً، ومن ثم فإن معياره يبدو أقرب إلى معيار الانتماء المهني منه إلى معيار الكفاءة المهنية.
الانحراف التشريعي في بناء معيار الإعفاء
إننا لا نستعمل مصطلح "الانحراف التشريعي" هنا استعمالاً إنشائيا بل نقصد به معنى محددا وهو أن المشرع يضع لنفسه مقدمة تشريعية، ثم ينتهي إلى نتيجة لا تنسجم معها لقد قررت المادة السابعة أن الإدارة فضاء لتكوين المحامي.
وكان ينبغي أن تكون النتيجة هي الاعتراف - وفق ضوابط موضوعية - بالخبرة القانونية المكتسبة داخل هذا الفضاء،لكن المادة الثالثة عشرة قطعت الصلة بين المقدمة والنتيجة.
فاعترفت بالمؤسسة، ولم تعترف - كقاعدة عامة - بخبرة من راكموا تجربة قانونية داخلها، وهذا ما نسميه بالانحراف في المنطق التشريعي.
التغافل التشريعي... حين يعترف القانون بالمكان ويتغافل عن الإنسان
إذا كان الانحراف التشريعي يتعلق بمنطق النص، فإن التغافل التشريعي يتعلق بما أغفله النص، ولعل أخطر ما أغفلته المادة الثالثة عشرة أنها لم تلتفت إلى التحول الذي أحدثته المادة السابعة، لقد نظرت إلى الإعفاء بمنطق الفئات، ولم تنظر إليه بمنطق الخبرات، وبذلك وقع القانونفي تغافل تشريعي مزدوج.
التغافل الأول:
أنه لم يضع تعريفا تشريعيا للخبرة القانونية التي يمكن أن تعادل التمرين.
والتغافل الثاني: أنه لم يضع آلية لتقييم هذه الخبرة، وفي التشريعات الحديثة لا يعد الاعتراف بالخبرة استثناء بل أصبح اتجاها تشريعيا يقوم على تقييم الكفاءة الفعلية، وليس مجرد النظر إلى المسار الوظيفي، وكان بإمكان القانونأن يسلك هذا الطريق.
كان بإمكانه أن ينص على أن: "كل من راكم خبرة قانونية فعلية لمدة معينة في ممارسة أعمال قانونية مرتبطة بالمحاماة يستفيد من الإعفاء الكلي أو الجزئي من الحصول على شهادة الكفاءة ومن التمرين بعد الخضوع لتقييم موضوعي أمام لجنة مختلطة تحدد بقرار وزاري."
وبذلك كان القانون سيحقق ثلاث غايات في آن واحد:
يحافظ على جودة المهنة.
ويحترم الخبرة المهنية.
ويضمن المساواة بين جميع أصحاب الكفاءات.
أما الاقتصار على تعداد الفئات، فإنه يجعل النص عرضة لتجدد المطالب الفئوية كلما ظهرت فئة جديدة ترى نفسها في وضع مماثل، وهذا ما لا يخدم استقرار التشريع.
الإشكال ليس إداريا... بل دستوري أيضا
إن هذه المرافعة لا تدعي أن المادة الثالثة عشرة مخالفة للدستور بصورة قطعية، لأن الفصل في دستورية القوانين يظل من اختصاص المحكمة الدستورية، غير أن القراءة الدستورية للنص تثير تساؤلات مشروعة تستحق التأمل.
فالفصل السادس من الدستور لا يكتفي بإعلان مبدأ المساواة، بل يجعل القانون معبرا عن الإرادة العامة، ويلزم السلطات العمومية بضمان مساواة الجميع أمامه.
كما أن الفصل الحادي والثلاثين يوجب على الدولة والمؤسسات العمومية تعبئة الوسائل لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحقوق والفرص التي يكفلها الدستور.
وقد استقر اجتهاد المجلس الدستوري، ثم المحكمة الدستورية، على أن المساواة لا تمنع التمييز بين المراكز القانونية المختلفة، لكنها تمنع التمييز الذي لا يستند إلى مبرر موضوعي يرتبط بالغاية التي شرع من أجلها النص.
وهنا يبرز السؤال الدستوري الحقيقي:
إذا كانت الغاية من التمرين هي اكتساب الكفاءة العملية، وإذا كانت المادة السابعة نفسها تقر بأن جزءاً من هذه الكفاءة يكتسب داخل الإدارة، فما هو المبرر الموضوعي الذي يفسر الاعتراف بالتكوين داخل الإدارة دون الاعتراف - وفق معيار عام - بالخبرة القانونية المتراكمة داخلها؟
إن هذا السؤال لا يستهدف التشكيك في السلطة التقديرية للمشرع، وإنما يدعو إلى إعادة مواءمة النص مع المبادئ الدستورية التي تقوم على المساواة، وتكافؤ الفرص، وجودة التشريع، والانسجام الداخلي للقواعد القانونية.
إن قوة التشريع لا تقاس بعدد الفئات التي يذكرها، وإنما بقدرته على وضع معيار عام ومجرد يصلح للتطبيق على كل من تتوافر فيه شروطه، وهذا هو جوهر الفرق بين التشريع الذي يخاطب الأشخاص، والتشريع الذي يخاطب الوقائع القانونية، فحين ينص القانون على أن فئة معينة تعفى لمجرد انتمائها المهني، فإنه يبني الحكم على الصفة، أما حين ينص على أن كل من راكم خبرة قانونية فعلية تحقق الغاية من التمرين يستفيد من نظام خاص للاعتراف بهذه الخبرة، فإنه يبني الحكم على الكفاءة.
والتشريع الحديث، وخاصة في المهن القانونية والقضائية، يتجه إلى ترجيح الكفاءة على الصفة، ذلك أن الوظائف قد تختلف، لكن الخبرة القانونية قد تتقارب.
فقد يكون إطار مكلف بالمنازعات داخل مؤسسة عمومية مارس طيلة خمسة عشر أو عشرين سنة، أعمالا في المنازعات والعقود والاستشارات القانونية، أكثر اتصالا بالعمل اليومي للمحامي من شخص لم يمارس سوى جانب محدود من العمل القانوني، ومع ذلك يعاملان معاملة مختلفة لا بسبب اختلاف الخبرة، وإنما بسبب اختلاف الصفة الوظيفية.
وهنا لا يكمن الخلل في الفئات التي استفادت من الإعفاء، وإنما في المعيار الذي اختير للإعفاء.
الدولة لا يجوز أن تنتقص من قيمة الخبرة التي صنعتها بنفسها
وهنا تبرز مفارقة أخرى، لا تقل أهمية عن سابقتها، إن الدولة المغربية تستثمر عبر مؤسساتها في تكوين أطرها القانونية، وتسند إليهم مسؤوليات جسيمة.
فهم الذين يصوغون العقود الإدارية.
ويعدون مشاريع الاتفاقيات.
ويؤطرون الصفقات العمومية.
ويتولون تدبير المنازعات.
ويقدمون الرأي القانوني للإدارة.
ويواكبون تنفيذ الأحكام القضائية.
بل إن المحامي الذي يتولى الدفاع عن الإدارة يعتمد، في كثير من الملفات، على العمل القانوني الذي أنجزه هؤلاء الأطر قبل وصول الملف إلى مكتبه.
فكيف يستقيم أن تعتبر الدولة هذه الكفاءات جديرة بحماية المال العام وصيانة المشروعية، وتدبير النزاعات المعقدة ثم لا تعترف - تشريعيا - بأن هذه الخبرة يمكن أن يكون لها أثر عند الولوج إلى مهنة المحاماة؟
إننا لا ندعو إلى إعفاء تلقائي ولا إلى فتح باب المحاماة دون ضوابط.
وإنما نقول إن الدولة لا ينبغي أن تقلل، من خلال نص تشريعي، من القيمة القانونية لخبرة هي نفسها من صنعتها، وأشرفت على تكوين أصحابها، وحمّلتهم مسؤولية الدفاع عن مصالحها، فذلك يبعث برسالة تشريعية متناقضة.
الاعتراف بالخبرة لا يهدد المحاماة... بل يحميها
قد يقال إن توسيع الاعتراف بالخبرة قد يمس جودة المهنة، وهذا التخوف مشروع إذا كان الاعتراف يتم دون ضوابط، لكن هذا ليس ما ندعو إليه، إن المرافعة لا تطالب بإلغاء التمرين، ولا بإلغاء شهادة الأهلية، ولا بتحويل المحاماة إلى مهنة مفتوحة، بل تدعو إلى إقامة نظام موضوعي لتقييم الخبرة القانونية فالخبرة ليست ادعاء، بل يمكن قياسها ويمكن إخضاعها لاختبار ويمكن أن تقدر بواسطة لجنة مستقلة.
ويمكن أن يترتب عليها:
• إعفاء كلي؛
• أو إعفاء جزئي؛
• أو تقليص مدة التمرين؛
• أو إخضاع صاحبها لاختبار مهني خاص.
وهكذا تتحقق غايتان في وقت واحد:
حماية المهنة.
واحترام الخبرة.
أما الاقتصار على منطق الفئات، فإنه لا يحمي المحاماة، وإنما يؤجل ظهور الإشكال، لأن كل فئة قانونية ستجد نفسها تتساءل: لماذا أعفيت هذه الفئة ولم تعف فئة أخرى تمارس عملاً قانونياً مماثلاً؟
خلاصة:
دعوة إلى مراجعة فلسفة النص لا إلى توسيع الامتيازات.
إن هذه المرافعة لا تنتهي بطلب إضافة فئة جديدة إلى المادة 13، لأن ذلك لن يحل الإشكال، بل سيؤدي إلى إعادة إنتاجه مع فئات أخرى مستقبلا إنها تدعو إلى مراجعة الفلسفة التي بُني عليها النص.
لقد اعترف القانون، من خلال المادة 7، بأن الإدارة والمؤسسات العمومية وأشخاص القانون العام فضاءات تساهم في تكوين المحامي، وهو اعتراف تشريعي متقدم يستحق التنويه.
غير أن هذا الاعتراف بقي معلقا، لأنه لم يجد امتداده الطبيعي في المادة 13، التي لم تجعل الخبرة القانونية المكتسبة داخل هذه الفضاءات معياراً عاماً للاعتراف القانوني، وإنما بقيت رهينة الانتماء إلى فئات محددة.
ومن هنا، فإن المراجعة المطلوبة ليست مراجعة للإعفاءات، وإنما مراجعة لمعيار الإعفاء، فالغاية من التمرين ليست التمرين في ذاته، وإنما إعداد محامٍ كفء.
وإذا كان القانون قد اعترف بأن الكفاءة يمكن أن تُكتسب داخل الإدارة، فإن المنطق التشريعي يقتضي أن يعترف، وفق ضوابط دقيقة، بالكفاءة التي اكتسبت داخلها.
الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
تأملات في عدم دستورية منع الخبرة المهنية الإدارية من الولوج للمحاماة: قراءة في ضوء المادتين 7 و13 من قانون تنظيم مهنة المحاماة

