MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers




رسالة للسيد رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب وأعضاء مكتبها، خيار الاستقالة الجماعية، تهرب غير محسوب نحو المجهول

     

النقيب عبد الرحيم الجامعي

الرباط: 17 ماي 2026

السيد الرئيس والسادة الأعضاء،

من الأكيد أن الدفاع عن المحاماة وعن استقلالها وأدوارها الكبرى في مجال العدالة ودولة القانون، ما هو سوى إحدى تجليات مسؤوليات كل محامية ومحامي وفي مقدمتهم النقباء و المجالس.

ومن الأكيد أن المحاماة كانت منذ القدم معرضة لمؤامرات ودسائس تريد مسخها و إبعادها عن الفعل القانوني والمجتمعي و الأخلاقي الجاد و الضروري في بناء مسار الديمقراطية والعدالة والاستقرار، وهي المحاماة التي يعرف عنها التاريخ و الحضارات أنها مهنة المقاومة و المعارضة والبناء، توظف مقامها و مقوماتها بذكاء و بيقين في تنزيل حماية وتطبيق حكم القانون و سيادته، و اسس المحاكمة العادلة ولا تخشى من أجل ذلك سُيوف السلطة وحُكامها.

وليس الصراع من أجل الحفاظ على المكتسبات التاريخية التي تحققت بفضل عمل شاق و طويل للمحامين/ت في ميدان المحاماة بل في مجالات إصلاح القوانين وترشيد نزاهة المؤسسات وإشاعة قيم حقوق الإنسان ومحاربة الفساد، بالأمر البسيط و الهين.

غير أننا في المواجهات التي دفعت المحامين/ت فتحها كانت وسيلة دفاع اولا عن المؤسسات المهنية، ثم عن مهنة المحاماة واخيرا عن مؤسسات العدالة نفسها ومعهم المرتفقين المستهلكين لخدمات العدالة و قراراتها، وكان من الضروري قيادة المعارك المشروعة بكل مسؤولية و بكل اليقظة والحيطة، مع التوقع أن خصوم المهنة ليسوا أشباحا بل لهم مصالح وحسابات أكبر من المحاماة ينطلقون منها، ولهم سقف لن يسمحوا للمهنة ولا للمحامين تجاوزه، سواء كان الحوار مع وزير أو كان مع غيره من المسؤولين الحكوميين بما فيهم رئيس الحكومة، الذي هو قائد الفريق الحاكم ومهندس المواقف ومخطط التوجهات، ومن الخطأ التفريق بينه وبين غيره من أعضاء الحكومة، فهذا القول ضعيف في بنائه ومن أوله لنهايته، مما يجعل خطاب الدفاع عن رئيس الحكومة خطابا لا يرى الأمور على حقيقتها، ومن الخطأ الاستنتاج بأن الفرق البرلمانية لا تتوصل بتوجيهات الاغلبية الحاكمة ، وكأن البرلمان مستقل عن الحكومة وكأن البرلمان مستعد أن ينتحر في سبيل الجمعية أو المحامين أو النقباء…

لقد كان من الضروري في اعتقادي، أن يتم التفكير بعد نقل مشروع القانون للبرلمان، في منهجية تعامل جديدة وبلغة تتناسب مع أغلبية برلمانية لها التزامات سياسية مع الحكومة، و لا يمكنها أن تذهب بعيدا ضد توجهاتها وتحالفاتها، لكنكم اخترتم الصمت مع الأسف وعدم الظهور على الواجهة لأسباب ربما اقـتنعتم بها لوحدكم، وفَهِم العديد من المحاميات ومن المحامين بأن الهدنة اختيار سياسي منكم، و أمر نابع من اتفاق بينكم بالجمعية و الحكومة، غير أنني أعتقد بأن توجهكم هذا لم يكن موفقا، لان الصمت وقطع العلاقة مع الرأي العام المهني لعبة خطيرة، لأنها كادت أن تفجر صبر جمهور المحامين/ت، و شكلت مصدر قلق بل انشقاقات مهنية، وضعتكم الجمعية بسببها في قفص التساؤلات عن خلفياتكم التكتم عما جرى بينكم وبين رئيس الحكومة وبينكم و بين البرلمانيين وعلى ماذا اتفـقتم وعلى أية قضايا اختـلفـتكم…، فـتحملنا كمحميات ومحامين متاعب مواقفكم وآثار سياستكم، وبالرغم من ذلك التجأنا للحِكمة وصمتنا بدورنا وتجرعنا أوجاع دواء الصبر، وتركناكم بالجمعية تمسكون بالتستر ومنهجية الاستفراد بالمعلومة، وتَركتم حَماس المحاميات والمحامين يتوارى وراء الانتظار، و كانت النتيجة أن تم التصويت وإخراج النص من لجنة العدل بمجلس النواب كما هو عليه باغلبية 16 صوتا ضد 7 أصوات.

لقد جاء ببلاغ مكتب الجمعية يوم الجمعة الخامس عشر ماي، وكأنه يُعلن الندم على مسار التفاوض وحيثياته ونتائجه، و ليقدم الدواء الذي قد يشفي أو يخفف الصدمة على المحاميات والمحامين، ويعلن عن رفع مستوى الاحتجاج لمرحلة التهديد بالاستقالة الجماعية للهيئات نقباء ومجالس.

إن الإعلان عن احتمال الاستقالة الجماعية، موقف أراه شخصيا هروبا من المسؤولية من قبل مؤسسات الهيئات المنتخبة، وتخليهم عن مهام أسندت إليها في إطار اختيار انتخابي مهني ديمقراطي للمجالس و للنقباء.

كما أن الاعلان عن موقف الاستقالة أو التهديد بها، أمر غير مفهوم وغير محسوب الابعاد، و سيشكل ضربة لِهُوية المحاماة وهُوية المحامين لانهم نساء و رجال الصمود وعدم الاستسلام أمام ملفاتهم المعقدة مهنية كانت أم سياسية، كما ن التهديد بالاستقالة أو الدعوة إليها يعتبر في اعتقادي عزلا لممثلي الهيئات عن جذورهم، و تنازلا منهم عن أمانة التمثيل المؤسساتي، بل هو موقف سيُضعف الهيئات بدل تقويتها، وسيفجر تناقضات في أوساط المحامين و سيخلق فرصة لإضعاف الهيئات و تجاوزها .

إن رفع شعار تقديم الاستقالة، خطأ قَاتل و هَدية لمن يُريد المزيد من السطو على المهنة وعلى مقاليد القرار فيها، فضلا عن أن خيار الاستقالة سيعـبر بوضوح عن عدم قدرة مكتب الجمعية تدبير الصراع و ابداع أنجع القرارات التي لا تقسم الوسط المهني و لا تُبعد القيادات عن مقاليد المسؤولية، إلا إذا كان الأمر مجرد فلتة قلم واو تجربة اعلامية لا غير… وحتى هذا الاستنتاج لن يقبل منا ومن مكتب الجمعية في ظرف تاريخي وسياسي يجتـازه المغرب، و تكثر فيه التجاوزات ضد حقوق الانسان وحرياته الأساسية، ويحتاج فيه المرتفقون لرجال ونساء المحاماة الدرع المهني و الضامن للأمن القانوني لهم، ناهيكم عن أن مقترح الاستقالة المطروح هو قرار سياسي بقوة يحتاج إلى نقاش عميق وواسع غير مقتصر على عدد قليل و محدد من أعضاء مكتب الجمعية، بل هو قرار يخرج اصلا عن صلاحيات النقباء ولا علاقة له بمهامهم لأن من منحهم الثقة هم المحاميات و المحامون، وهؤلاء هم أصحاب الكلمة في موضوع الاستقالة.


إن شعار الاستقالة الجماعية للنقباء و للمجالس موقف سياسي كبير، معقد وغير سهل، قد يشكل خطرا على المهنة نفسها وعلى بقائها وعلى مصيرها عكس ما قد يمكن أن يكون إيجابيا فيها، وهو موقف كان من الممكن أن يكون مناسبا لو توفرت أسبابه السياسية، و ظروف اصطدام قوية أخرى، مثل الظروف التي أشعل فتيلها الرئيس أنور السادات سنة 1981 لما قرر حل نقابة المحامين بمصر بسبب مواقفها من اتفاقيات كامب ديفيد اساسا، واعتقال النقيب وأعضاء المجلس و اتهامهم بمعارضة السلطة وتوجهاتها بعد زيارة السادات لتل ابيب، حيث فجر القرار الغضب الشعبي و المهني، و تصدى له نقيب المحامين بمصر المرحوم أحمد الخواجة ومعه مجلس الهيئة، حيث التجأوا لقضاء المحكمة الدستورية التي انتصرت للشرعية وصرحت بعدم دستورية قرار الحل رغم أن القرار صدر بعد اغتيال الرئيس، ومثل السابقة المهنية التي دفعت نقابة المحامين بدولة كوادلوب سنة 1935 إلى الاستقالة الجماعية احتجاجا على وضعية المحامين المهددين من قبل المستعمر وبسبب محاصرة الحريات، وبالتالي فرفع شعار الاستقالة الجماعية للهيئات بقدر قوته ومخاطره المبدئية ، بقدر ضعفه في أسبابه وتوقيــته.

كان عليكم بمكتب الجمعية في اعتقادي، السيد رئيس، أن تعلنوا في بلاغكم و تقدموا كل الأسباب التي كانت وراء النتيجة التي انتهت إليها مسارات التفاوض، وأن تُ ت تـلَخصوا النقاش المؤسساتي بينكم وبين فريق الحكومة تحت رئاسة رئيسها، فقد بشرتم بالتفاهم و بالحوار الصادق، ولكنكم غفلتم اشعارنا بضعف أو بأخطاء المكتب في بناء خطط المفاوضات، واخبارنا بما أنتم مختلفون فيه بينكم كمكونات مكتب الجمعية، و لا شك أنه كانت هناك اجتهادات لم تكن محط إجماع بينكم، ولا شك أنه كانت هناك مصالح ربما لم تنتبهوا إلى تسربها وسط مكتبكم...الخ.، هذه وغيرها عناصر حدتت أو حدث بعضها، و كان من الضروري تقديرها في النتيجة التي انتهت بها المناقشات مع الطرف الحكومي.

كما أن المكتب لم يعلن خلاصاته بعد مداولاته مع الفرق البرلمانية ومع لجنة العدل و حقوق الإنسان بالبرلمان بانتماءاتهم السياسية المختلفة، وما هي الضمانات التي قدمت إليه وما هي حدود الثقة التي كانت لديه في بلوغ انتصار محقق، وكيف يفسر نتيجة التصويت بالعدد المعروف في نهاية النقاش…

أنه في اعتقادي يرجى منكم، وبلغة الاقتراح، أن تتجنبوا المزايدات وألا تركبوا على الانفعال، وأن تتـفادوا الدخول في حسابات خاسرة مثل الاستقالة الجماعية، لأنني أشعر بأن خطورتها أكثر من وقعها السياسي الظرفي و الحماسي، ومن هنا لابد في رأيي من عقد جموعات عامة للهيئات مع المحاميات و المحامين، للجواب عن تساؤلاتهم، و بيان مكامن غموض بعد حيثيات القرار ومبرراته، وشرح أسباب فشل التعامل مع الحكومة ومع البرلمان رغم الصور اللامعة التي التقطت لمكتب الجمعية ليظهر لنا الارتياح والرضا، وأن تعتبروا و تعترفوا أنكم ضعافا من دون المحامين، وأن ترجعوا لتعبئة المحامين حتى يشعروا بأنهم يقودون مصيرهم مع النقباء وانهم غير مقـتادين من تلابيبهم وراء المجالس بل هم اطراف اساسية في اتخاذ القرارات المصيرية.

عليكم بمكتب الجمعية أن تعبئوا المحاميات والمحامين و ان ترجعوا للتواصل الحقيقي و المهني معهم بعد أن قطعتم الصلة بهم ومنعتم المعلومة عنهم، ليظلوا بدورهم على تواصل وثقة بكم ومعكم، عليكم أن تبثـوا الحياة في الهيئات من جديد، بعد أن دب الضعف لبعضها، فالهيئات المهنية ومؤسساتها الحية والحيوية واستمرارها وتصديها لضربات السلطة و التسلط هي وحدها القادرة على خلق المستقبل، والاستمرار في صمودها وثباتها في مكانها، هو التعبير عن هوية المحاميات والمحامين.

إن التفكير أو الاشارة الى انسحاب النقباء و المجالس من مسؤولياتهم إن حصل، لن يسجله التاريخ إلا في صفحات الفشل، ولن يقراه الرأي العام إلا القراءة السلبية، لأن المحامين لا يتركون الفراغ ولا يتهربون من تحمل المسؤولية، فلن ينتصروا إلا وهم في مواقعهم و مؤسساتهم يمارسون واجباتهم و معهم كل المحامين.

اناديكم عدم الدخول في تجربة لن نحصد من ورائها سوى الانتصار المزيف.

النقيب عبد الرحيم الجامعي



رسالة للسيد   رئيس جمعية  هيئات المحامين بالمغرب  وأعضاء مكتبها، خيار الاستقالة الجماعية، تهرب غير  محسوب  نحو  المجهول



الاثنين 18 مايو 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter