المحاماة العمومية المنسية: لماذا يبدو أطر منازعات الدولة أولى بالولوج إلى المهنة؟

     

أثار مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة جدلا واسعا بشأن الفئات التي يمكن أن تستفيد من الولوج إلى المهنة بناء على الخبرة المهنية المكتسبة داخل منظومة العدالة. ومن بين أكثر النقاط إثارة للنقاش، مسألة السماح لبعض فئات كتابة الضبط بالالتحاق بالمحاماة وفق شروط معينة، وهو الاختيار الذي أعاد إلى الواجهة سؤالا جوهريا: ما هو المعيار الحقيقي الذي يجب أن يؤسس للولوج الاستثنائي إلى مهنة الدفاع؟ هل هو مجرد الانتماء الإداري إلى جهاز العدالة، أم الممارسة الفعلية لوظيفة الدفاع القانوني؟
إن مهنة المحاماة ليست مجرد معرفة بالنصوص القانونية أو إلمام بالإجراءات القضائية، وإنما هي ممارسة يومية لفن الدفاع، وصناعة الحجة القانونية، وبناء المرافعة، وحماية الحقوق والمراكز القانونية للأشخاص والمؤسسات. ولذلك، فإن معيار القرب من روح المهنة ينبغي أن يقاس بمدى ممارسة هذه الوظائف الجوهرية، لا بمجرد التواجد داخل المؤسسة القضائية.
وفي هذا السياق، يطرح وضع أطر مصالح منازعات الدولة نفسه بقوة.
فهؤلاء لا يكتفون بتدبير الملفات الإدارية أو تحرير الوثائق، بل يمارسون عمليا ما يمكن وصفه بالمحاماة العمومية؛ إذ يتولون الدفاع عن مصالح الدولة أمام القضاء، ويحررون المذكرات والطعون، ويحضرون الجلسات، ويبنون الحجج القانونية، ويتعاملون مع مختلف فروع القانون الموضوعي والإجرائي، ويواجهون يوميا إشكالات الاجتهاد القضائي وتطوراته.
إنهم، في حقيقة الأمر، يمارسون الدفاع، وإن كانت صفتهم القانونية تختلف عن صفة المحامي الحر.
وفي المقابل، فإن كتابة الضبط، رغم المكانة الاعتبارية والدور الحيوي الذي تضطلع به داخل مرفق العدالة، تظل وظيفة ذات طبيعة إدارية وقضائية مساعدة، ترتبط أساسا بضبط الجلسات، وتحرير المحاضر، وتدبير المساطر والإجراءات، دون أن تكون وظيفتها الأصلية هي بناء الدفاع أو تمثيل المصالح القانونية للأطراف.
ولا ينتقص هذا التمييز من قيمة أي مهنة أو أهميتها، وإنما يكرس مبدأ أساسيا مفاده أن الاستثناءات التشريعية ينبغي أن تبنى على التجانس الوظيفي مع المهنة المراد الولوج إليها.
إن المنطق القانوني السليم يقتضي أن يكون الأقرب إلى مهنة المحاماة هو من مارس الدفاع فعليا، لا من عايش إجراءاته فقط.
ولذلك، فإن التساؤل الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: إذا كان المشرع يرى أن الخبرة القضائية المكتسبة داخل كتابة الضبط تبرر الولوج إلى مهنة المحاماة، أفلا تكون الخبرة التي راكمها أطر منازعات الدولة، وهم الذين يدافعون عن الدولة ويحضرون جلساتها ويصوغون دفوعها ومذكراتها، أولى بالاعتبار وأكثر انسجاما مع فلسفة المهنة؟
إن الجواب عن هذا السؤال لا ينبغي أن يخضع لمنطق الامتيازات الفئوية أو التوازنات الظرفية، وإنما لفلسفة العدالة التشريعية التي تجعل من طبيعة العمل والخبرة المهنية معيارا أساسيا للاستفادة من الأنظمة الاستثنائية.
فالمحاماة، في جوهرها، ليست انتماء مؤسساتيا، بل ممارسة للدفاع، ومن مارس الدفاع لسنوات طويلة داخل مؤسسات الدولة، يظل أقرب إلى روح المهنة ممن اقتصر دوره على توثيق إجراءاتها.
إن الحفاظ على استقلالية المحاماة وخصوصيتها يظل مبدأ لا جدال فيه، غير أن هذا الهدف لا يتعارض مع إعادة النظر في معايير الاستفادة من الولوج المهني الاستثنائي، على أساس الكفاءة والخبرة والممارسة الفعلية، بعيدا عن أي اعتبارات أخرى.
فالعدالة التشريعية الحقيقية لا تقوم على المساواة الشكلية بين المهن، وإنما على الإنصاف القائم على طبيعة الوظيفة وحقيقة الممارسة.
وهنا يكمن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الجميع: من هو الأقرب إلى المحاماة، من يكتب محضر الجلسة، أم من يخوض معركة الدفاع داخلها؟






28 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

Twitter