القانون والعدالة في الفكر القانوني المعاصر: من نقد العدل الشكلي إلى مقاربة الفعل القانوني في زمن العولمة
محمد لكموش دكتور في العلوم السياسية
مقدمة:
تُعد العلاقة بين القانون والعدالة من أكثر الإشكالات تعقيداً في فلسفة القانون، إذ تثير سؤالاً جوهرياً يتعلق بمدى قدرة القاعدة القانونية على تجسيد القيم التي تسعى المجتمعات إلى تحقيقها. فالقانون لا يقتصر على كونه منظومة من القواعد المنظمة للسلوك الاجتماعي، بل يرتبط أيضاً بوظيفة معيارية تتمثل في تحقيق العدالة وصون الحقوق والحريات. غير أن التجربة القانونية المعاصرة أبانت عن وجود توتر مستمر بين مقتضيات الشرعية القانونية ومتطلبات العدالة، بحيث قد يؤدي التطبيق الحرفي للنصوص إلى نتائج تتعارض أحياناً مع الإحساس بالإنصاف والعدالة.
وقد ازدادت حدة هذا الإشكال مع تطور الدولة الحديثة وهيمنة النزعة الوضعية التي فصلت بين القانون والأخلاق، ثم مع التحولات العميقة التي أفرزتها العولمة وتعدد الفاعلين القانونيين وتنامي أنماط الحوكمة العابرة للحدود، الأمر الذي أعاد طرح التساؤل حول مصادر مشروعية القانون وحدود قدرته على الاستجابة للمطالب المتزايدة بالعدالة.
ومن هذا المنطلق، تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن أزمة القانون المعاصر لا ترجع إلى نقص القواعد القانونية أو قصور الآليات التنظيمية، بقدر ما ترتبط باتساع الفجوة بين القانون وغايته القيمية المتمثلة في تحقيق العدالة. كما تفترض أن فهم هذه الأزمة يقتضي الجمع بين التحليل الفلسفي الذي يبحث في أسس العدالة ومشروعيتها، والمقاربة السوسيولوجية التي تدرس القانون باعتباره فعلاً اجتماعياً يتأثر بالسياقات الثقافية والسياسية والمؤسساتية التي ينتج ويطبق في إطارها.
وتأسيساً على ذلك، يثار التساؤل الآتي: إلى أي حد استطاع القانون المعاصر تحقيق العدالة في ظل هيمنة العدل الشكلي والتحولات التي فرضتها العولمة؟ وكيف يمكن إعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة بما يضمن التوفيق بين مقتضيات الشرعية القانونية ومتطلبات الإنصاف؟.
للإجابة عن هذه الإشكالية، سيتم تناول الموضوع من خلال أربعة محاور أساسية: التمييز بين العدل والعدالة وأثره في فهم وظيفة القانون، ثم مظاهر أزمة القانون في العصر الحديث، فالجذور الفلسفية لهذه الأزمة من خلال نقد الوضعية القانونية، وأخيراً استشراف مستقبل القانون وإمكانات إعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة في عصر العولمة.
المحور الأول: التمييز بين العدل والعدالة وأثره في فهم وظيفة القانون
تُعدّ مسألة العدالة من القضايا المركزية في فلسفة القانون الحديثة، حيث تتداخل فيها الاعتبارات الفلسفية مع الإشكالات القانونية العملية. ويتأرجح مفهوم العدالة بين بعدين أساسيين: العدل الشكلي الذي تبنته المدرسة الوضعية، والإنصاف الموضوعي الذي دافعت عنه اتجاهات القانون الطبيعي. غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في تحديد مفهوم العدالة فحسب، بل في كيفية تحقيقها بما يوازن بين صرامة القاعدة القانونية واعتبارات الواقع الاجتماعي، خاصة في ظل عجز النصوص القانونية عن الإحاطة بجميع الحالات الممكنة.
وفي هذا السياق، يشكل التمييز بين العدل والعدالة مدخلاً ضرورياً لفهم حدود القانون ووظيفته. فالعدل، في معناه القانوني، يقوم على مبدأ المساواة الشكلية، أي التطبيق المجرد والموحد للقاعدة القانونية على جميع المخاطبين بها دون تمييز، وهو ما يعكس ما يسميه الفقه بـ“العدالة الحسابية” أو المساواة الرياضية. وتكمن أهمية هذا التصور في ضمان الأمن القانوني واستقرار المعاملات، غير أنه يظل قاصراً عن استيعاب التفاوتات الواقعية بين الأفراد واختلاف ظروفهم.
في المقابل، تحيل العدالة في بعدها الموضوعي، أو ما يُقارب مفهوم الإنصاف، إلى مساواة مادية تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الحالات الفردية وملابساتها. وقد بلور أرسطو هذا المعنى حين اعتبر أن الإنصاف (epieikeia) يمثل تصحيحاً للقانون العام كلما أدى تطبيقه الحرفي إلى نتائج جائرة، بما يجعله وسيلة لتكييف القاعدة القانونية مع روحها الغائية لا مع حرفيتها الشكلية. ومن ثم، فإن الإنصاف لا يُعد خروجاً عن القانون، بل آلية داخلية لاستكماله وتوجيهه نحو تحقيق العدالة في بعدها الموضوعي، وهو ما يجعله “روح القانون” التي تكمل “حرفه”.
وعليه، يمكن القول إن القانون يحقق العدل بوصفه حداً أدنى معيارياً يقوم على المساواة الشكلية، بينما تظل العدالة أفقاً معيارياً أعلى يتجاوز النص نحو تحقيق الإنصاف بوصفه مساواة واقعية وموضوعية.
ومن جهة أخرى، تقوم المدرسة الوضعية على الفصل بين القانون والأخلاق، بحيث يُقاس القانون بصدوره عن سلطة مختصة لا بمدى عدالته المعيارية. ورغم ما يوفره هذا التصور من وضوح وصرامة، فإنه يثير إشكالاً يتعلق بإمكانية إنتاج ما يُعرف بـ“الظلم القانوني”. ويتجلى هذا الظلم في صور متعددة، منها صدور أحكام منسجمة شكلياً مع النصوص لكنها مجحفة من الناحية الأخلاقية، أو سوء تطبيق القانون بفعل الفساد أو الانحراف في الممارسة، أو وجود نصوص قانونية ذاتها تتسم بعدم العدالة. وفي هذه الحالات يبرز إشكال شرعية السلطة، حيث قد يتحول القانون إلى أداة لإضفاء المشروعية على ممارسات غير عادلة.
في المقابل، قدمت نظريات القانون الطبيعي تصوراً مغايراً للعدالة، يقوم على وجود قيم معيارية سابقة على التشريع الوضعي ومرجعية له. فمنذ الفكر الأرسطي، اعتُبر القانون الطبيعي قانوناً عقلياً ثابتاً يُدرك بالعقل ويعلو على التشريعات الوضعية. وقد تطور هذا الاتجاه مع نظريات الحقوق الطبيعية في القرن الثامن عشر، التي أكدت أن للفرد حقوقاً سابقة على الدولة لا يجوز انتهاكها. كما سعت بعض المقاربات الحديثة، مثل تصور “ستاملر”، إلى التوفيق بين ثبات فكرة العدالة وتغير الوسائل القانونية، من خلال فكرة “القانون الطبيعي ذي المضمون المتغير”، الذي يحافظ على جوهر العدالة مع مرونة في آليات تحقيقها.
ويبرز مبدأ الإنصاف بوصفه آلية مركزية لتجاوز حدود العدالة الشكلية، إذ يؤدي دوراً وظيفياً في أنسنة القانون وإعادة توجيهه نحو مقاصده. فهو يساهم أولاً في سد الفراغات التشريعية ومعالجة غموض النصوص، كما يمنح القاضي سلطة تقديرية تسمح بتكييف القاعدة القانونية وفق خصوصيات كل حالة، اعتماداً على إدراك قضائي يوازن بين النص والواقع. كما يتجلى دوره في إضفاء المرونة على النظام القانوني عبر مفاهيم مفتوحة مثل النظام العام والآداب العامة، بما يسمح بتلطيف صرامة القاعدة القانونية دون المساس بمبدأ المشروعية.
المحور الثاني: مظاهر أزمة القانون في العصر الحديث
ما القانون؟، فإذا استعملنا كلمات مونتسكيو فهو تعبير عن روح المجتمع والثقافة، أم هو تقنية علم اجتماعي لحل المشكلات الاجتماعية، من هنا كانت المحاكم تقوم بدور الوسيط بين المصالح المتضاربة في النزاعات الاجتماعية، ويجب أن تحمل العدالة الاجتماعية والجنائية على أنها وسائل اجتماعية لتحسين الرفاه الاجتماعي على المدى الطويل، حسب منظر القانون الأمريكي روسكو باوند.
غير أن هذا التصور الذي يجعل القانون معبراً عن روح المجتمع وأداة لتنظيم العلاقات الاجتماعية وتحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة، عرف تحولات عميقة في الدولة الحديثة. فمع تزايد التعقيد المؤسسي وتنامي النزعة القانونية الشكلية، أصبح القانون يميل تدريجياً إلى الانفصال عن محيطه الاجتماعي والثقافي، بحيث لم يعد يُنظر إليه باعتباره نتاجاً للتفاعلات الاجتماعية بقدر ما أصبح يُقدَّم بوصفه نسقاً تقنياً مستقلاً من القواعد والإجراءات. وقد نبهت المقاربة السوسيولوجية للفعل القانوني إلى أن فعالية القانون لا تتحدد فقط بمضمون قواعده، وإنما أيضاً بمدى ارتباطه بالبنيات الاجتماعية والثقافية التي تمنحه الشرعية والقبول داخل المجتمع. ومن هذا المنطلق يمكن فهم مظاهر الأزمة التي يعرفها القانون المعاصر.
تتجلى أزمة القانون المعاصر في مجموعة من التحولات البنيوية التي مست وظيفته ومشروعيته، وذلك من خلال ما يلي:
أولاً: أدى تراجع الضوابط الاجتماعية التقليدية – كالأخلاق والدين والأعراف – إلى تضخم دور القانون، بحيث أصبح الأداة شبه الوحيدة لتنظيم المجتمع، مما أفقده سنده القيمي وحوّله إلى جهاز تقني للضبط.
ثانياً: شهد القانون تحوّلاً من كونه مرآة تعكس قيم المجتمع إلى منظومة مغلقة من القواعد المجردة، وهو ما يمكن وصفه بـ"تشييء القانون" أو استبداد عقل المشرع، حيث لم يعد القانون "مرآة المجتمع"، بل تحول إلى "كتلة من القواعد القانونية المجردة". في ظل هذا الاستبداد، تُصاغ القوانين بهدف "تأطير وتسييج تحركات" المجتمع وحياته "دون روح اجتماعية أو ثقافية". وبهذا يفقد القانون قدرته على مخاطبة وجدان المجتمع ويصبح مجرد أداة تنظيمية خارجية لا تنبع من قيمه وتطلعاته، ومن ثم يغدو النص غاية في ذاته بدل أن يكون وسيلة لتحقيق العدالة.
ثالثاً: أفرزت هيمنة العدل الشكلي ما يُعرف بـ"الظلم القانوني"، أي حالات يكون فيها الحكم مطابقاً للقانون لكنه مجحف من الناحية الأخلاقية، وهو ما يعكس حدود المقاربة الشكلية في تحقيق العدالة.
ولا تتجلى هذه الأزمة فقط في هيمنة العدل الشكلي، بل تكشفها أيضاً المحددات الاجتماعية للفعل القانوني، من خلال ما أفرزته من تفاوت في الوصول إلى العدالة، ومن فجوات بين النص القانوني والممارسة الواقعية، ومن هشاشة بعض المؤسسات القضائية والإدارية أمام ضغوط السلطة، الأمر الذي يجعل القانون أحياناً أقرب إلى أدوات الضبط الاجتماعي منه إلى أدوات تحقيق العدالة.
المحور الثالث: الجذور الفلسفية للأزمة – نقد الوضعية القانونية
ترتبط الأزمة الراهنة بهيمنة المدرسة الوضعية التي كرّست الفصل بين القانون والأخلاق. فقد اعتبر جون أوستن أن القانون ليس سوى أوامر صادرة عن السلطة، بينما دعا جيريمي بنثام إلى إقصاء فكرة القانون الطبيعي، وهو ما أدى إلى اختزال القانون في بعده الشكلي.
وقد بلغ هذا التوجه ذروته مع أطروحة توماس هوبز التي ترى أن معيار العدل هو القانون ذاته، وهي أطروحة تبرر، في أقصى صورها، هيمنة السلطة وتفرغ العدالة من مضمونها القيمي. وهو الأمر الذي أنتج عند بعض الفقهاء بالدكتاتورية الاستبدادية تحت يافطة السلطة القانونية المجردة من كل نزوع أخلاقي.
في مقابل ذلك، أعادت نظرية القانون الطبيعي الاعتبار لفكرة العدالة بوصفها معياراً أعلى للقانون، حيث أكد جون لوك أن هناك حقوقاً طبيعية تسبق وجود الدولة، بينما شدد إيمانويل كانط على أن مصدر القانون الطبيعي هو العقل، في مقابل القانون الوضعي الذي يستمد مشروعيته من إرادة المشرّع.
وفي هذا السياق، يندرج موقف رينتورف من خلال تحليل التحولات التي عرفتها الفلسفة القانونية الحديثة، وخاصة الانتقال من التصور الشكلي للقانون إلى فهمه باعتباره ممارسة اجتماعية وتأويلية مرتبطة بالعدالة والقيم الإنسانية. وينطلق الباحث من نقد الواقعية القانونية، خاصة عند ألف روس، التي اعتبرت أن القانون الحقيقي ليس ما تتضمنه النصوص المجردة، بل ما تفعله المحاكم فعلياً في الواقع القضائي. فالقانون، وفق هذا الاتجاه، يتمثل في التنبؤ بما سيقرره القاضي، ووصف السلوك القضائي، وتحليل الممارسة القانونية باعتبارها ظاهرة اجتماعية قابلة للملاحظة والتجريب.
وقد تأثرت الواقعية القانونية بالبراغماتية الأمريكية والوضعية المنطقية وعلم الاجتماع القانوني، وهو ما أدى إلى تحويل القانون من منظومة معيارية مرتبطة بالعدالة إلى علم اجتماعي تجريبي يهتم بسلوك القضاة والمؤسسات القضائية والعوامل الاجتماعية المؤثرة في إصدار الأحكام. وبهذا أصبح القاضي يُنظر إليه باعتباره فاعلاً اجتماعياً يتأثر بالسياق الثقافي والأيديولوجي، لا مجرد آلة لتطبيق النصوص القانونية بصورة آلية.
وفي هذا الإطار، تبنت الواقعية القانونية ما يعرف بـ "نظرية التنبؤ"، المتأثرة بأفكار أوليفر ويندل هولمز، والتي ترى أن معنى القاعدة القانونية يتحدد من خلال ما يُتوقع أن تفعله المحكمة عند تطبيقها. فالقانون ليس نصاً جامداً، بل احتمال عملي لتطبيقه داخل الواقع القضائي، لذلك أصبحت المحكمة محور التحليل القانوني بدل النص القانوني المجرد.
ومن جهة أخرى، وجهت الواقعية القانونية نقداً حاداً لنظريات القانون الطبيعي، لأنها تقوم – في نظرها – على مفاهيم ميتافيزيقية مجردة مثل العدالة المطلقة والحقوق الطبيعية والقيم الكونية السابقة على المجتمع. ويرى ألف روس أن هذه المفاهيم لا تصلح أساساً علمياً للقانون، لأن القانون ينبغي أن يُدرس بوصفه واقعة اجتماعية لا مثالاً أخلاقياً مجرداً.
غير أن رينتورف لا يكتفي بعرض أطروحات الواقعية القانونية، بل يوجه إليها نقداً أساسياً يتمثل في رفض اختزال القانون في الوصف التجريبي أو الفعالية القضائية وحدها. فهو يؤكد أن العلم القانوني لا يستطيع الهروب من أسئلة العدالة والأخلاق، لأن القاضي يتأثر دائماً بخلفيات معيارية وقيمية، ولأن عملية إصدار الحكم تتضمن بالضرورة نوعاً من التأويل والاختيار. لذلك فإن الفصل الحاد بين القانون والأخلاق أو بين القانون والسياسة يظل – في نظره – أمراً غير ممكن عملياً.
وينتهي رينتورف إلى تصور تأويلي للقانون قريب من فلسفة رونالد دوركين، يقوم على أن القاضي لا يطبق النصوص بصورة ميكانيكية، بل يؤولها في ضوء مبادئ العدالة والإنصاف والكرامة الإنسانية. فالقانون ليس مجرد وقائع اجتماعية أو أوامر صادرة عن المشرع، بل هو بناء تأويلي يتحدد من خلال التفاعل بين النص والقيم والسياق الاجتماعي.
كما يرفض الباحث اختزال شرعية القانون في مجرد فعاليته أو قدرة الدولة على فرضه، مؤكداً أن القانون يحتاج إلى أساس أخلاقي ومشروعية معيارية تحترم الحرية والكرامة والعدالة. ولهذا يبرز أن الواقعية القانونية، رغم نقدها للوضعية الشكلية، كشفت أيضاً الطابع الاجتماعي والسياسي للقانون، وأثرت في العديد من الاتجاهات الفكرية المعاصرة، مثل الماركسية القانونية، والنظريات النقدية، والتأويلية، وما بعد الحداثة.
وخلاصة القول، يسعى رينتورف إلى تجاوز التصور الوضعي والواقعي الضيق للقانون، من خلال الدفاع عن فهم تأويلي يربط بين الواقع الاجتماعي والعدالة والأخلاق. فالقانون، في نظره، ليس مجرد نظام من القواعد أو تنبؤاً بسلوك القضاة، بل ممارسة إنسانية وتأويلية تهدف إلى تحقيق العدالة داخل المجتمع.
المحور الرابع: مستقبل القانون في عصر العولمة
أحدثت العولمة تحولات عميقة في بنية القانون ووظائفه وآليات إنتاجه وتطبيقه، فلم يعد القانون مرتبطاً حصرياً بالدولة الوطنية أو معبراً فقط عن سيادتها، بل أصبح جزءاً من فضاء عالمي تتداخل فيه فواعل متعددة ومرجعيات متباينة وأنماط جديدة من التنظيم والحوكمة. وقد انعكست هذه التحولات ليس فقط على مصادر القاعدة القانونية ومجالاتها، وإنما أيضاً على الفعل القانوني ذاته وعلى الكيفية التي تُفهم بها العدالة وتُمارس داخل المجتمعات المعاصرة. ومن ثم، يقتضي فهم مستقبل القانون في عصر العولمة الوقوف عند التحولات التي مست بنيته ووظائفه، ورصد آثارها على الفعل القانوني، ثم استشراف السبل الكفيلة بإعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة في ظل عالم يتسم بالتعددية والتعقيد وتداخل المرجعيات.
أولاً: تحولات القانون في ظل العولمة وإعادة تشكيل مصادره
أفرزت العولمة تحولات عميقة مست بنية الدولة ووظائفها التقليدية، وأعادت طرح إشكالية التوازن بين الكونية والخصوصية القانونية. فقد أدت العولمة إلى تفكيك المرجعيات القانونية التقليدية، وأدخلت القانون في زمن ما بعد السيادة، حيث تعددت مصادر القواعد، وتداخلت المرجعيات، وبرز فاعلون جدد خارج الدولة، وهو ما جعل القانون المعاصر يشهد انتقالاً من النموذج الدولتي التقليدي إلى أنماط جديدة من الحوكمة القانونية العالمية.
ويرتكز هذا التحول على فكرة أساسية مفادها أن القانون لم يعد حكراً على الدولة الوطنية أو مجرد تعبير عن سيادتها، بل أصبح ظاهرة اجتماعية عالمية تتداخل فيها فواعل متعددة عابرة للحدود، تشمل المؤسسات الاقتصادية الدولية، والشركات متعددة الجنسيات، والمنظمات فوق القومية، والمجتمع المدني، بل وحتى الفضاءات الرقمية.
وقد ارتبط هذا التحول التاريخي بصعود مفهوم الحوكمة منذ ثمانينيات القرن العشرين، حيث لم تعد الحوكمة مرتبطة فقط بالدولة ومؤسساتها، بل أصبحت تشمل حوكمة الشركات والحوكمة الاجتماعية والحوكمة العالمية، بما يعكس انتقال مراكز القرار من الدولة الوطنية إلى شبكات معقدة من الفاعلين والمؤسسات الدولية والخاصة.
وفي هذا السياق، يبرز تناقض جوهري بين الطابع الواحدي للحوكمة العالمية والطبيعة التعددية للمجتمعات المحلية والثقافات والأنظمة القانونية المختلفة. فالعولمة، رغم خطابها الكوني، لم تؤد إلى توحيد العالم قانونياً، بل أفرزت أشكالاً جديدة من التعددية القانونية وعدم التجانس المعياري.
ومن أبرز مظاهر هذه التحولات ما يعرف بتجزؤ القانون، حيث ظهرت أنظمة قانونية متخصصة ومستقلة نسبياً، كالقانون البيئي الدولي، وقانون حقوق الإنسان، والقانون التجاري الدولي، والقانون الرقمي، مما أدى إلى تعدد المرجعيات القانونية وتداخلها.
كما برزت ظاهرة تهجين القانون الناتجة عن التداخل المتزايد بين القانون والمنطق الاقتصادي في ظل العولمة النيوليبرالية، بحيث تحول القانون تدريجياً إلى آلية لإدارة المصالح الاقتصادية وفق منطق السوق والكفاءة والعائد، بدل أن يكون أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية أو حماية الصالح العام.
ثانياً: العولمة وتحديات العدالة القانونية
لا تتوقف آثار العولمة عند حدود إعادة تشكيل مصادر القانون وبنيته المؤسسية، بل تمتد إلى إعادة صياغة مفهوم العدالة ذاته. فمع تراجع الاحتكار التقليدي للدولة في إنتاج القواعد القانونية، أصبح تحقيق العدالة رهيناً بتفاعل فاعلين متعددين ينتمون إلى فضاءات قانونية ومؤسساتية مختلفة.
وفي هذا السياق، ينتقد بعض الباحثين ما يسمى بالنيوشمولية، أي هيمنة الخطاب الاقتصادي النيوليبرالي على مختلف المجالات الاجتماعية والقانونية، بما يؤدي إلى تغليب منطق السوق والكفاءة على قيم العدالة والتضامن الاجتماعي.
كما أدى صعود الحوكمة العالمية إلى بروز أشكال جديدة من التنظيم تتجاوز الدولة، وإلى ظهور ما يسمى بالقانون الإداري العالمي، فضلاً عن تنامي ظاهرة النشاط خارج القانون من خلال أنظمة الضبط الذاتي والمعايير المهنية والتقنية العابرة للحدود.
ومن ثم، أصبح مستقبل القانون في عصر العولمة يقتضي إعادة النظر في مفهوم العدالة ذاته، بحيث لا يُفهم فقط في إطار الدولة الوطنية أو ضمن التصورات التقليدية للسيادة، بل باعتباره مفهوماً مرتبطاً بالتعددية الاجتماعية والحوكمة العالمية.
وفي هذا الإطار، يستحضر التحليل تصور كارل بولاني حول الحركة المزدوجة، حيث أدى تحرير السوق من القيود الاجتماعية إلى ظهور حركة مضادة تسعى إلى إعادة حماية المجتمع من هيمنة السوق عبر آليات قانونية وحوكمية جديدة، بما يفرض تجاوز نموذج الإنسان الاقتصادي نحو الاعتراف بالإنسان الاجتماعي باعتباره فاعلاً ثقافياً وأخلاقياً يساهم في إنتاج القواعد والمعايير داخل المجتمع.
ثالثاً: تحولات الفعل القانوني في زمن العولمة
غير أن أثر العولمة لم يقتصر على إعادة تشكيل بنية القانون ومرجعياته، بل امتد إلى طريقة ممارسة القانون نفسها، أي إلى الفعل القانوني باعتباره عملية حية ومتجددة تنطوي على التأويل والتفاعل الاجتماعي المستمر.
فمع تزايد انفتاح الأنظمة القانونية على المعايير الدولية، وصعود فاعلين جدد، ودخول تكنولوجيا المعلومات إلى صلب التنظيم القانوني، أصبح الفعل القانوني المعاصر محكوماً بإعادة التكيف مع سياق عالمي معقد وغير متجانس.
ولا يعني هذا التحول تغيراً في مضمون القاعدة القانونية فحسب، بل يفرض على الفاعلين القانونيين – قضاة ومشرعين ومحامين وإداريين وفاعلي مجتمع مدني – اعتماد أشكال جديدة من الأداء القانوني للتوفيق بين المرجعيات المختلفة والمتعارضة أحياناً.
ويتمثل أحد أبرز مظاهر هذا التحول في الانتقال من التأويل القانوني الأحادي إلى فضاء متعدد التأويلات، حيث تلعب المحاكم الدولية والهيئات الأممية والشبكات المهنية القانونية أدواراً متزايدة في إنتاج المعنى القانوني وتوجيه تطبيق القواعد القانونية.
ويفرز هذا الوضع تداخلاً في الشرعيات القانونية بين المستوى الوطني والمستوى الدولي، بما يجعل الفاعل القانوني أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في الحفاظ على الانسجام الداخلي للنظام القانوني والاستجابة في الوقت نفسه للالتزامات والمعايير الدولية.
وبذلك أصبح الفعل القانوني اليوم في موقع تفاوض دائم بين الامتثال والمعارضة، وبين التقليد والتحديث، وبين السيادة والتدويل، مما يجعل التحدي الأساسي هو ضمان أن تظل الممارسة القانونية أداة لخدمة العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، لا مجرد امتثال تقني لنموذج قانوني مفروض من الخارج.
رابعاً: نحو إعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة
إن التحولات التي عرفها القانون المعاصر، سواء بفعل هيمنة النزعة الوضعية والشكلية أو تحت تأثير العولمة الاقتصادية والحوكمة العالمية، أفرزت نوعاً من التباعد بين القانون وغايته الأصلية المتمثلة في تحقيق العدالة. فقد أصبح القانون في كثير من الأحيان يُقاس بمدى فعاليته التقنية وقدرته على تنظيم السلوك وضبط العلاقات الاجتماعية، أكثر مما يُقاس بقدرته على تحقيق الإنصاف وصون الكرامة الإنسانية. ومن ثم، فإن تجاوز أزمة القانون لا يقتضي مجرد إصلاح النصوص القانونية أو الزيادة في عددها، وإنما يستلزم إعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة على أسس تجعل من القاعدة القانونية وسيلة لخدمة الإنسان لا غاية في ذاتها.
ويقتضي ذلك، أولاً، إعادة الاعتبار لمبدأ الإنصاف باعتباره آلية لتصحيح النتائج التي قد يفضي إليها التطبيق الحرفي للقواعد القانونية. فالإنصاف لا يشكل خروجاً عن القانون، وإنما يمثل استكمالاً له حين تعجز القاعدة العامة والمجردة عن استيعاب خصوصية الحالات الفردية.
كما يقتضي، ثانياً، الانتقال من منطق القواعد الجامدة إلى منطق المبادئ والمعايير المرنة، بما يسمح للقانون بالتكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة دون أن يفقد استقراره. فالمبادئ الكبرى، مثل الكرامة الإنسانية والمساواة والتضامن والعدالة الاجتماعية، تمنح القاعدة القانونية بعداً قيمياً يوجه تفسيرها وتطبيقها.
ويستلزم ذلك، ثالثاً، تعزيز مكانة الحقوق والحريات الأساسية داخل المنظومة الدستورية والقانونية، باعتبارها الضمانة الأساسية لحماية الفرد من تعسف السلطة ومن اختزال القانون في مجرد أداة للضبط والتنظيم. فكلما ارتبط القانون بحماية الحقوق الأساسية ازدادت مشروعيته الاجتماعية والأخلاقية.
كما تبرز أهمية توسيع المجال التأويلي للقاضي في حدود المشروعية القانونية، حتى يتمكن من المواءمة بين مقتضيات النص ومتطلبات العدالة في الحالات المعروضة عليه. فالقاضي لا يقتصر دوره على التطبيق الآلي للقانون، بل يساهم من خلال التفسير في تحقيق الانسجام بين القاعدة القانونية والغاية التي شرعت من أجلها.
وأخيراً، فإن إعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة تقتضي تجاوز التصور الذي يجعل القانون مجرد أداة لخدمة السوق أو الإدارة أو السلطة السياسية، نحو تصور يعتبره آلية لتحقيق التوازن بين الحرية والنظام، وبين المصلحة الفردية والصالح العام، وبين الكونية القانونية والخصوصيات الاجتماعية والثقافية. فالقانون لا يكتسب شرعيته من القوة التي تفرضه، بل من اقتناع المجتمع بعدالته ومن قدرته على تجسيد القيم التي يؤمن بها الأفراد والجماعات.
خاتمة:
إن أزمة القانون المعاصر هي في جوهرها أزمة معنى، ناتجة عن اختزال القانون في بعده الشكلي وفصله عن غايته الأخلاقية. وبينما يظل العدل الشكلي ضرورياً لضمان الاستقرار، فإنه لا يكفي لتحقيق العدالة التي تظل مطلباً إنسانياً يتجاوز النصوص.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنتاج المزيد من القوانين، بل في إعادة توجيهها نحو تحقيق الإنصاف، بما يعيد للقانون وظيفته الأصلية كأداة لخدمة الإنسان لا كوسيلة للهيمنة عليه.
إن مقاربة الفعل القانوني في زمن العولمة تفرض تجاوز النظرة التقنية الضيقة، والانخراط في تحليل سوسيولوجي معمق يربط بين النص والمجتمع، بين المحلي والعالمي، بين القانوني والسياسي، بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين. فالقانون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط مجموعة قواعد، بل هو حقل للصراع، للتفاوض، للتأويل، ولإنتاج الرمزية والشرعية.
غير أن إعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة لا تنهي الجدل الفلسفي حول طبيعة القانون ووظيفته، بل تفتح آفاقاً جديدة للتفكير والبحث. فإذا كانت العدالة تمثل الغاية النهائية للقانون، فهل يمكن الحديث عن عدالة كونية في عالم تتعدد فيه الثقافات والقيم والأنظمة القانونية؟ وهل يظل القانون الوطني قادراً على حماية العدالة الاجتماعية في ظل تنامي الحوكمة العالمية وصعود الفاعلين العابرين للحدود؟ ثم إلى أي مدى يمكن توسيع السلطة التأويلية للقاضي لتحقيق الإنصاف دون المساس بالأمن القانوني ومبدأ المشروعية؟ وأخيراً، هل سيظل القانون في عصر الذكاء الاصطناعي فعلاً إنسانياً قائماً على التأويل والمسؤولية الأخلاقية، أم أننا بصدد ولوج مرحلة جديدة تعيد تعريف معنى العدالة ذاتها؟.
إن هذه الأسئلة تؤكد أن البحث في العلاقة بين القانون والعدالة سيظل مفتوحاً ومتجدداً، وأن مستقبل الفلسفة القانونية لن يتحدد بقدرتها على تفسير القانون فحسب، بل بمدى نجاحها في إعادة وصل القانون بغايته الأساسية: تحقيق العدالة وصون الكرامة الإنسانية في عالم تتسارع فيه التحولات وتتزايد فيه التحديات.
محمد لكموش دكتور في العلوم السياسية
مقدمة:
تُعد العلاقة بين القانون والعدالة من أكثر الإشكالات تعقيداً في فلسفة القانون، إذ تثير سؤالاً جوهرياً يتعلق بمدى قدرة القاعدة القانونية على تجسيد القيم التي تسعى المجتمعات إلى تحقيقها. فالقانون لا يقتصر على كونه منظومة من القواعد المنظمة للسلوك الاجتماعي، بل يرتبط أيضاً بوظيفة معيارية تتمثل في تحقيق العدالة وصون الحقوق والحريات. غير أن التجربة القانونية المعاصرة أبانت عن وجود توتر مستمر بين مقتضيات الشرعية القانونية ومتطلبات العدالة، بحيث قد يؤدي التطبيق الحرفي للنصوص إلى نتائج تتعارض أحياناً مع الإحساس بالإنصاف والعدالة.
وقد ازدادت حدة هذا الإشكال مع تطور الدولة الحديثة وهيمنة النزعة الوضعية التي فصلت بين القانون والأخلاق، ثم مع التحولات العميقة التي أفرزتها العولمة وتعدد الفاعلين القانونيين وتنامي أنماط الحوكمة العابرة للحدود، الأمر الذي أعاد طرح التساؤل حول مصادر مشروعية القانون وحدود قدرته على الاستجابة للمطالب المتزايدة بالعدالة.
ومن هذا المنطلق، تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن أزمة القانون المعاصر لا ترجع إلى نقص القواعد القانونية أو قصور الآليات التنظيمية، بقدر ما ترتبط باتساع الفجوة بين القانون وغايته القيمية المتمثلة في تحقيق العدالة. كما تفترض أن فهم هذه الأزمة يقتضي الجمع بين التحليل الفلسفي الذي يبحث في أسس العدالة ومشروعيتها، والمقاربة السوسيولوجية التي تدرس القانون باعتباره فعلاً اجتماعياً يتأثر بالسياقات الثقافية والسياسية والمؤسساتية التي ينتج ويطبق في إطارها.
وتأسيساً على ذلك، يثار التساؤل الآتي: إلى أي حد استطاع القانون المعاصر تحقيق العدالة في ظل هيمنة العدل الشكلي والتحولات التي فرضتها العولمة؟ وكيف يمكن إعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة بما يضمن التوفيق بين مقتضيات الشرعية القانونية ومتطلبات الإنصاف؟.
للإجابة عن هذه الإشكالية، سيتم تناول الموضوع من خلال أربعة محاور أساسية: التمييز بين العدل والعدالة وأثره في فهم وظيفة القانون، ثم مظاهر أزمة القانون في العصر الحديث، فالجذور الفلسفية لهذه الأزمة من خلال نقد الوضعية القانونية، وأخيراً استشراف مستقبل القانون وإمكانات إعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة في عصر العولمة.
المحور الأول: التمييز بين العدل والعدالة وأثره في فهم وظيفة القانون
تُعدّ مسألة العدالة من القضايا المركزية في فلسفة القانون الحديثة، حيث تتداخل فيها الاعتبارات الفلسفية مع الإشكالات القانونية العملية. ويتأرجح مفهوم العدالة بين بعدين أساسيين: العدل الشكلي الذي تبنته المدرسة الوضعية، والإنصاف الموضوعي الذي دافعت عنه اتجاهات القانون الطبيعي. غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في تحديد مفهوم العدالة فحسب، بل في كيفية تحقيقها بما يوازن بين صرامة القاعدة القانونية واعتبارات الواقع الاجتماعي، خاصة في ظل عجز النصوص القانونية عن الإحاطة بجميع الحالات الممكنة.
وفي هذا السياق، يشكل التمييز بين العدل والعدالة مدخلاً ضرورياً لفهم حدود القانون ووظيفته. فالعدل، في معناه القانوني، يقوم على مبدأ المساواة الشكلية، أي التطبيق المجرد والموحد للقاعدة القانونية على جميع المخاطبين بها دون تمييز، وهو ما يعكس ما يسميه الفقه بـ“العدالة الحسابية” أو المساواة الرياضية. وتكمن أهمية هذا التصور في ضمان الأمن القانوني واستقرار المعاملات، غير أنه يظل قاصراً عن استيعاب التفاوتات الواقعية بين الأفراد واختلاف ظروفهم.
في المقابل، تحيل العدالة في بعدها الموضوعي، أو ما يُقارب مفهوم الإنصاف، إلى مساواة مادية تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الحالات الفردية وملابساتها. وقد بلور أرسطو هذا المعنى حين اعتبر أن الإنصاف (epieikeia) يمثل تصحيحاً للقانون العام كلما أدى تطبيقه الحرفي إلى نتائج جائرة، بما يجعله وسيلة لتكييف القاعدة القانونية مع روحها الغائية لا مع حرفيتها الشكلية. ومن ثم، فإن الإنصاف لا يُعد خروجاً عن القانون، بل آلية داخلية لاستكماله وتوجيهه نحو تحقيق العدالة في بعدها الموضوعي، وهو ما يجعله “روح القانون” التي تكمل “حرفه”.
وعليه، يمكن القول إن القانون يحقق العدل بوصفه حداً أدنى معيارياً يقوم على المساواة الشكلية، بينما تظل العدالة أفقاً معيارياً أعلى يتجاوز النص نحو تحقيق الإنصاف بوصفه مساواة واقعية وموضوعية.
ومن جهة أخرى، تقوم المدرسة الوضعية على الفصل بين القانون والأخلاق، بحيث يُقاس القانون بصدوره عن سلطة مختصة لا بمدى عدالته المعيارية. ورغم ما يوفره هذا التصور من وضوح وصرامة، فإنه يثير إشكالاً يتعلق بإمكانية إنتاج ما يُعرف بـ“الظلم القانوني”. ويتجلى هذا الظلم في صور متعددة، منها صدور أحكام منسجمة شكلياً مع النصوص لكنها مجحفة من الناحية الأخلاقية، أو سوء تطبيق القانون بفعل الفساد أو الانحراف في الممارسة، أو وجود نصوص قانونية ذاتها تتسم بعدم العدالة. وفي هذه الحالات يبرز إشكال شرعية السلطة، حيث قد يتحول القانون إلى أداة لإضفاء المشروعية على ممارسات غير عادلة.
في المقابل، قدمت نظريات القانون الطبيعي تصوراً مغايراً للعدالة، يقوم على وجود قيم معيارية سابقة على التشريع الوضعي ومرجعية له. فمنذ الفكر الأرسطي، اعتُبر القانون الطبيعي قانوناً عقلياً ثابتاً يُدرك بالعقل ويعلو على التشريعات الوضعية. وقد تطور هذا الاتجاه مع نظريات الحقوق الطبيعية في القرن الثامن عشر، التي أكدت أن للفرد حقوقاً سابقة على الدولة لا يجوز انتهاكها. كما سعت بعض المقاربات الحديثة، مثل تصور “ستاملر”، إلى التوفيق بين ثبات فكرة العدالة وتغير الوسائل القانونية، من خلال فكرة “القانون الطبيعي ذي المضمون المتغير”، الذي يحافظ على جوهر العدالة مع مرونة في آليات تحقيقها.
ويبرز مبدأ الإنصاف بوصفه آلية مركزية لتجاوز حدود العدالة الشكلية، إذ يؤدي دوراً وظيفياً في أنسنة القانون وإعادة توجيهه نحو مقاصده. فهو يساهم أولاً في سد الفراغات التشريعية ومعالجة غموض النصوص، كما يمنح القاضي سلطة تقديرية تسمح بتكييف القاعدة القانونية وفق خصوصيات كل حالة، اعتماداً على إدراك قضائي يوازن بين النص والواقع. كما يتجلى دوره في إضفاء المرونة على النظام القانوني عبر مفاهيم مفتوحة مثل النظام العام والآداب العامة، بما يسمح بتلطيف صرامة القاعدة القانونية دون المساس بمبدأ المشروعية.
المحور الثاني: مظاهر أزمة القانون في العصر الحديث
ما القانون؟، فإذا استعملنا كلمات مونتسكيو فهو تعبير عن روح المجتمع والثقافة، أم هو تقنية علم اجتماعي لحل المشكلات الاجتماعية، من هنا كانت المحاكم تقوم بدور الوسيط بين المصالح المتضاربة في النزاعات الاجتماعية، ويجب أن تحمل العدالة الاجتماعية والجنائية على أنها وسائل اجتماعية لتحسين الرفاه الاجتماعي على المدى الطويل، حسب منظر القانون الأمريكي روسكو باوند.
غير أن هذا التصور الذي يجعل القانون معبراً عن روح المجتمع وأداة لتنظيم العلاقات الاجتماعية وتحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة، عرف تحولات عميقة في الدولة الحديثة. فمع تزايد التعقيد المؤسسي وتنامي النزعة القانونية الشكلية، أصبح القانون يميل تدريجياً إلى الانفصال عن محيطه الاجتماعي والثقافي، بحيث لم يعد يُنظر إليه باعتباره نتاجاً للتفاعلات الاجتماعية بقدر ما أصبح يُقدَّم بوصفه نسقاً تقنياً مستقلاً من القواعد والإجراءات. وقد نبهت المقاربة السوسيولوجية للفعل القانوني إلى أن فعالية القانون لا تتحدد فقط بمضمون قواعده، وإنما أيضاً بمدى ارتباطه بالبنيات الاجتماعية والثقافية التي تمنحه الشرعية والقبول داخل المجتمع. ومن هذا المنطلق يمكن فهم مظاهر الأزمة التي يعرفها القانون المعاصر.
تتجلى أزمة القانون المعاصر في مجموعة من التحولات البنيوية التي مست وظيفته ومشروعيته، وذلك من خلال ما يلي:
أولاً: أدى تراجع الضوابط الاجتماعية التقليدية – كالأخلاق والدين والأعراف – إلى تضخم دور القانون، بحيث أصبح الأداة شبه الوحيدة لتنظيم المجتمع، مما أفقده سنده القيمي وحوّله إلى جهاز تقني للضبط.
ثانياً: شهد القانون تحوّلاً من كونه مرآة تعكس قيم المجتمع إلى منظومة مغلقة من القواعد المجردة، وهو ما يمكن وصفه بـ"تشييء القانون" أو استبداد عقل المشرع، حيث لم يعد القانون "مرآة المجتمع"، بل تحول إلى "كتلة من القواعد القانونية المجردة". في ظل هذا الاستبداد، تُصاغ القوانين بهدف "تأطير وتسييج تحركات" المجتمع وحياته "دون روح اجتماعية أو ثقافية". وبهذا يفقد القانون قدرته على مخاطبة وجدان المجتمع ويصبح مجرد أداة تنظيمية خارجية لا تنبع من قيمه وتطلعاته، ومن ثم يغدو النص غاية في ذاته بدل أن يكون وسيلة لتحقيق العدالة.
ثالثاً: أفرزت هيمنة العدل الشكلي ما يُعرف بـ"الظلم القانوني"، أي حالات يكون فيها الحكم مطابقاً للقانون لكنه مجحف من الناحية الأخلاقية، وهو ما يعكس حدود المقاربة الشكلية في تحقيق العدالة.
ولا تتجلى هذه الأزمة فقط في هيمنة العدل الشكلي، بل تكشفها أيضاً المحددات الاجتماعية للفعل القانوني، من خلال ما أفرزته من تفاوت في الوصول إلى العدالة، ومن فجوات بين النص القانوني والممارسة الواقعية، ومن هشاشة بعض المؤسسات القضائية والإدارية أمام ضغوط السلطة، الأمر الذي يجعل القانون أحياناً أقرب إلى أدوات الضبط الاجتماعي منه إلى أدوات تحقيق العدالة.
المحور الثالث: الجذور الفلسفية للأزمة – نقد الوضعية القانونية
ترتبط الأزمة الراهنة بهيمنة المدرسة الوضعية التي كرّست الفصل بين القانون والأخلاق. فقد اعتبر جون أوستن أن القانون ليس سوى أوامر صادرة عن السلطة، بينما دعا جيريمي بنثام إلى إقصاء فكرة القانون الطبيعي، وهو ما أدى إلى اختزال القانون في بعده الشكلي.
وقد بلغ هذا التوجه ذروته مع أطروحة توماس هوبز التي ترى أن معيار العدل هو القانون ذاته، وهي أطروحة تبرر، في أقصى صورها، هيمنة السلطة وتفرغ العدالة من مضمونها القيمي. وهو الأمر الذي أنتج عند بعض الفقهاء بالدكتاتورية الاستبدادية تحت يافطة السلطة القانونية المجردة من كل نزوع أخلاقي.
في مقابل ذلك، أعادت نظرية القانون الطبيعي الاعتبار لفكرة العدالة بوصفها معياراً أعلى للقانون، حيث أكد جون لوك أن هناك حقوقاً طبيعية تسبق وجود الدولة، بينما شدد إيمانويل كانط على أن مصدر القانون الطبيعي هو العقل، في مقابل القانون الوضعي الذي يستمد مشروعيته من إرادة المشرّع.
وفي هذا السياق، يندرج موقف رينتورف من خلال تحليل التحولات التي عرفتها الفلسفة القانونية الحديثة، وخاصة الانتقال من التصور الشكلي للقانون إلى فهمه باعتباره ممارسة اجتماعية وتأويلية مرتبطة بالعدالة والقيم الإنسانية. وينطلق الباحث من نقد الواقعية القانونية، خاصة عند ألف روس، التي اعتبرت أن القانون الحقيقي ليس ما تتضمنه النصوص المجردة، بل ما تفعله المحاكم فعلياً في الواقع القضائي. فالقانون، وفق هذا الاتجاه، يتمثل في التنبؤ بما سيقرره القاضي، ووصف السلوك القضائي، وتحليل الممارسة القانونية باعتبارها ظاهرة اجتماعية قابلة للملاحظة والتجريب.
وقد تأثرت الواقعية القانونية بالبراغماتية الأمريكية والوضعية المنطقية وعلم الاجتماع القانوني، وهو ما أدى إلى تحويل القانون من منظومة معيارية مرتبطة بالعدالة إلى علم اجتماعي تجريبي يهتم بسلوك القضاة والمؤسسات القضائية والعوامل الاجتماعية المؤثرة في إصدار الأحكام. وبهذا أصبح القاضي يُنظر إليه باعتباره فاعلاً اجتماعياً يتأثر بالسياق الثقافي والأيديولوجي، لا مجرد آلة لتطبيق النصوص القانونية بصورة آلية.
وفي هذا الإطار، تبنت الواقعية القانونية ما يعرف بـ "نظرية التنبؤ"، المتأثرة بأفكار أوليفر ويندل هولمز، والتي ترى أن معنى القاعدة القانونية يتحدد من خلال ما يُتوقع أن تفعله المحكمة عند تطبيقها. فالقانون ليس نصاً جامداً، بل احتمال عملي لتطبيقه داخل الواقع القضائي، لذلك أصبحت المحكمة محور التحليل القانوني بدل النص القانوني المجرد.
ومن جهة أخرى، وجهت الواقعية القانونية نقداً حاداً لنظريات القانون الطبيعي، لأنها تقوم – في نظرها – على مفاهيم ميتافيزيقية مجردة مثل العدالة المطلقة والحقوق الطبيعية والقيم الكونية السابقة على المجتمع. ويرى ألف روس أن هذه المفاهيم لا تصلح أساساً علمياً للقانون، لأن القانون ينبغي أن يُدرس بوصفه واقعة اجتماعية لا مثالاً أخلاقياً مجرداً.
غير أن رينتورف لا يكتفي بعرض أطروحات الواقعية القانونية، بل يوجه إليها نقداً أساسياً يتمثل في رفض اختزال القانون في الوصف التجريبي أو الفعالية القضائية وحدها. فهو يؤكد أن العلم القانوني لا يستطيع الهروب من أسئلة العدالة والأخلاق، لأن القاضي يتأثر دائماً بخلفيات معيارية وقيمية، ولأن عملية إصدار الحكم تتضمن بالضرورة نوعاً من التأويل والاختيار. لذلك فإن الفصل الحاد بين القانون والأخلاق أو بين القانون والسياسة يظل – في نظره – أمراً غير ممكن عملياً.
وينتهي رينتورف إلى تصور تأويلي للقانون قريب من فلسفة رونالد دوركين، يقوم على أن القاضي لا يطبق النصوص بصورة ميكانيكية، بل يؤولها في ضوء مبادئ العدالة والإنصاف والكرامة الإنسانية. فالقانون ليس مجرد وقائع اجتماعية أو أوامر صادرة عن المشرع، بل هو بناء تأويلي يتحدد من خلال التفاعل بين النص والقيم والسياق الاجتماعي.
كما يرفض الباحث اختزال شرعية القانون في مجرد فعاليته أو قدرة الدولة على فرضه، مؤكداً أن القانون يحتاج إلى أساس أخلاقي ومشروعية معيارية تحترم الحرية والكرامة والعدالة. ولهذا يبرز أن الواقعية القانونية، رغم نقدها للوضعية الشكلية، كشفت أيضاً الطابع الاجتماعي والسياسي للقانون، وأثرت في العديد من الاتجاهات الفكرية المعاصرة، مثل الماركسية القانونية، والنظريات النقدية، والتأويلية، وما بعد الحداثة.
وخلاصة القول، يسعى رينتورف إلى تجاوز التصور الوضعي والواقعي الضيق للقانون، من خلال الدفاع عن فهم تأويلي يربط بين الواقع الاجتماعي والعدالة والأخلاق. فالقانون، في نظره، ليس مجرد نظام من القواعد أو تنبؤاً بسلوك القضاة، بل ممارسة إنسانية وتأويلية تهدف إلى تحقيق العدالة داخل المجتمع.
المحور الرابع: مستقبل القانون في عصر العولمة
أحدثت العولمة تحولات عميقة في بنية القانون ووظائفه وآليات إنتاجه وتطبيقه، فلم يعد القانون مرتبطاً حصرياً بالدولة الوطنية أو معبراً فقط عن سيادتها، بل أصبح جزءاً من فضاء عالمي تتداخل فيه فواعل متعددة ومرجعيات متباينة وأنماط جديدة من التنظيم والحوكمة. وقد انعكست هذه التحولات ليس فقط على مصادر القاعدة القانونية ومجالاتها، وإنما أيضاً على الفعل القانوني ذاته وعلى الكيفية التي تُفهم بها العدالة وتُمارس داخل المجتمعات المعاصرة. ومن ثم، يقتضي فهم مستقبل القانون في عصر العولمة الوقوف عند التحولات التي مست بنيته ووظائفه، ورصد آثارها على الفعل القانوني، ثم استشراف السبل الكفيلة بإعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة في ظل عالم يتسم بالتعددية والتعقيد وتداخل المرجعيات.
أولاً: تحولات القانون في ظل العولمة وإعادة تشكيل مصادره
أفرزت العولمة تحولات عميقة مست بنية الدولة ووظائفها التقليدية، وأعادت طرح إشكالية التوازن بين الكونية والخصوصية القانونية. فقد أدت العولمة إلى تفكيك المرجعيات القانونية التقليدية، وأدخلت القانون في زمن ما بعد السيادة، حيث تعددت مصادر القواعد، وتداخلت المرجعيات، وبرز فاعلون جدد خارج الدولة، وهو ما جعل القانون المعاصر يشهد انتقالاً من النموذج الدولتي التقليدي إلى أنماط جديدة من الحوكمة القانونية العالمية.
ويرتكز هذا التحول على فكرة أساسية مفادها أن القانون لم يعد حكراً على الدولة الوطنية أو مجرد تعبير عن سيادتها، بل أصبح ظاهرة اجتماعية عالمية تتداخل فيها فواعل متعددة عابرة للحدود، تشمل المؤسسات الاقتصادية الدولية، والشركات متعددة الجنسيات، والمنظمات فوق القومية، والمجتمع المدني، بل وحتى الفضاءات الرقمية.
وقد ارتبط هذا التحول التاريخي بصعود مفهوم الحوكمة منذ ثمانينيات القرن العشرين، حيث لم تعد الحوكمة مرتبطة فقط بالدولة ومؤسساتها، بل أصبحت تشمل حوكمة الشركات والحوكمة الاجتماعية والحوكمة العالمية، بما يعكس انتقال مراكز القرار من الدولة الوطنية إلى شبكات معقدة من الفاعلين والمؤسسات الدولية والخاصة.
وفي هذا السياق، يبرز تناقض جوهري بين الطابع الواحدي للحوكمة العالمية والطبيعة التعددية للمجتمعات المحلية والثقافات والأنظمة القانونية المختلفة. فالعولمة، رغم خطابها الكوني، لم تؤد إلى توحيد العالم قانونياً، بل أفرزت أشكالاً جديدة من التعددية القانونية وعدم التجانس المعياري.
ومن أبرز مظاهر هذه التحولات ما يعرف بتجزؤ القانون، حيث ظهرت أنظمة قانونية متخصصة ومستقلة نسبياً، كالقانون البيئي الدولي، وقانون حقوق الإنسان، والقانون التجاري الدولي، والقانون الرقمي، مما أدى إلى تعدد المرجعيات القانونية وتداخلها.
كما برزت ظاهرة تهجين القانون الناتجة عن التداخل المتزايد بين القانون والمنطق الاقتصادي في ظل العولمة النيوليبرالية، بحيث تحول القانون تدريجياً إلى آلية لإدارة المصالح الاقتصادية وفق منطق السوق والكفاءة والعائد، بدل أن يكون أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية أو حماية الصالح العام.
ثانياً: العولمة وتحديات العدالة القانونية
لا تتوقف آثار العولمة عند حدود إعادة تشكيل مصادر القانون وبنيته المؤسسية، بل تمتد إلى إعادة صياغة مفهوم العدالة ذاته. فمع تراجع الاحتكار التقليدي للدولة في إنتاج القواعد القانونية، أصبح تحقيق العدالة رهيناً بتفاعل فاعلين متعددين ينتمون إلى فضاءات قانونية ومؤسساتية مختلفة.
وفي هذا السياق، ينتقد بعض الباحثين ما يسمى بالنيوشمولية، أي هيمنة الخطاب الاقتصادي النيوليبرالي على مختلف المجالات الاجتماعية والقانونية، بما يؤدي إلى تغليب منطق السوق والكفاءة على قيم العدالة والتضامن الاجتماعي.
كما أدى صعود الحوكمة العالمية إلى بروز أشكال جديدة من التنظيم تتجاوز الدولة، وإلى ظهور ما يسمى بالقانون الإداري العالمي، فضلاً عن تنامي ظاهرة النشاط خارج القانون من خلال أنظمة الضبط الذاتي والمعايير المهنية والتقنية العابرة للحدود.
ومن ثم، أصبح مستقبل القانون في عصر العولمة يقتضي إعادة النظر في مفهوم العدالة ذاته، بحيث لا يُفهم فقط في إطار الدولة الوطنية أو ضمن التصورات التقليدية للسيادة، بل باعتباره مفهوماً مرتبطاً بالتعددية الاجتماعية والحوكمة العالمية.
وفي هذا الإطار، يستحضر التحليل تصور كارل بولاني حول الحركة المزدوجة، حيث أدى تحرير السوق من القيود الاجتماعية إلى ظهور حركة مضادة تسعى إلى إعادة حماية المجتمع من هيمنة السوق عبر آليات قانونية وحوكمية جديدة، بما يفرض تجاوز نموذج الإنسان الاقتصادي نحو الاعتراف بالإنسان الاجتماعي باعتباره فاعلاً ثقافياً وأخلاقياً يساهم في إنتاج القواعد والمعايير داخل المجتمع.
ثالثاً: تحولات الفعل القانوني في زمن العولمة
غير أن أثر العولمة لم يقتصر على إعادة تشكيل بنية القانون ومرجعياته، بل امتد إلى طريقة ممارسة القانون نفسها، أي إلى الفعل القانوني باعتباره عملية حية ومتجددة تنطوي على التأويل والتفاعل الاجتماعي المستمر.
فمع تزايد انفتاح الأنظمة القانونية على المعايير الدولية، وصعود فاعلين جدد، ودخول تكنولوجيا المعلومات إلى صلب التنظيم القانوني، أصبح الفعل القانوني المعاصر محكوماً بإعادة التكيف مع سياق عالمي معقد وغير متجانس.
ولا يعني هذا التحول تغيراً في مضمون القاعدة القانونية فحسب، بل يفرض على الفاعلين القانونيين – قضاة ومشرعين ومحامين وإداريين وفاعلي مجتمع مدني – اعتماد أشكال جديدة من الأداء القانوني للتوفيق بين المرجعيات المختلفة والمتعارضة أحياناً.
ويتمثل أحد أبرز مظاهر هذا التحول في الانتقال من التأويل القانوني الأحادي إلى فضاء متعدد التأويلات، حيث تلعب المحاكم الدولية والهيئات الأممية والشبكات المهنية القانونية أدواراً متزايدة في إنتاج المعنى القانوني وتوجيه تطبيق القواعد القانونية.
ويفرز هذا الوضع تداخلاً في الشرعيات القانونية بين المستوى الوطني والمستوى الدولي، بما يجعل الفاعل القانوني أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في الحفاظ على الانسجام الداخلي للنظام القانوني والاستجابة في الوقت نفسه للالتزامات والمعايير الدولية.
وبذلك أصبح الفعل القانوني اليوم في موقع تفاوض دائم بين الامتثال والمعارضة، وبين التقليد والتحديث، وبين السيادة والتدويل، مما يجعل التحدي الأساسي هو ضمان أن تظل الممارسة القانونية أداة لخدمة العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، لا مجرد امتثال تقني لنموذج قانوني مفروض من الخارج.
رابعاً: نحو إعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة
إن التحولات التي عرفها القانون المعاصر، سواء بفعل هيمنة النزعة الوضعية والشكلية أو تحت تأثير العولمة الاقتصادية والحوكمة العالمية، أفرزت نوعاً من التباعد بين القانون وغايته الأصلية المتمثلة في تحقيق العدالة. فقد أصبح القانون في كثير من الأحيان يُقاس بمدى فعاليته التقنية وقدرته على تنظيم السلوك وضبط العلاقات الاجتماعية، أكثر مما يُقاس بقدرته على تحقيق الإنصاف وصون الكرامة الإنسانية. ومن ثم، فإن تجاوز أزمة القانون لا يقتضي مجرد إصلاح النصوص القانونية أو الزيادة في عددها، وإنما يستلزم إعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة على أسس تجعل من القاعدة القانونية وسيلة لخدمة الإنسان لا غاية في ذاتها.
ويقتضي ذلك، أولاً، إعادة الاعتبار لمبدأ الإنصاف باعتباره آلية لتصحيح النتائج التي قد يفضي إليها التطبيق الحرفي للقواعد القانونية. فالإنصاف لا يشكل خروجاً عن القانون، وإنما يمثل استكمالاً له حين تعجز القاعدة العامة والمجردة عن استيعاب خصوصية الحالات الفردية.
كما يقتضي، ثانياً، الانتقال من منطق القواعد الجامدة إلى منطق المبادئ والمعايير المرنة، بما يسمح للقانون بالتكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة دون أن يفقد استقراره. فالمبادئ الكبرى، مثل الكرامة الإنسانية والمساواة والتضامن والعدالة الاجتماعية، تمنح القاعدة القانونية بعداً قيمياً يوجه تفسيرها وتطبيقها.
ويستلزم ذلك، ثالثاً، تعزيز مكانة الحقوق والحريات الأساسية داخل المنظومة الدستورية والقانونية، باعتبارها الضمانة الأساسية لحماية الفرد من تعسف السلطة ومن اختزال القانون في مجرد أداة للضبط والتنظيم. فكلما ارتبط القانون بحماية الحقوق الأساسية ازدادت مشروعيته الاجتماعية والأخلاقية.
كما تبرز أهمية توسيع المجال التأويلي للقاضي في حدود المشروعية القانونية، حتى يتمكن من المواءمة بين مقتضيات النص ومتطلبات العدالة في الحالات المعروضة عليه. فالقاضي لا يقتصر دوره على التطبيق الآلي للقانون، بل يساهم من خلال التفسير في تحقيق الانسجام بين القاعدة القانونية والغاية التي شرعت من أجلها.
وأخيراً، فإن إعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة تقتضي تجاوز التصور الذي يجعل القانون مجرد أداة لخدمة السوق أو الإدارة أو السلطة السياسية، نحو تصور يعتبره آلية لتحقيق التوازن بين الحرية والنظام، وبين المصلحة الفردية والصالح العام، وبين الكونية القانونية والخصوصيات الاجتماعية والثقافية. فالقانون لا يكتسب شرعيته من القوة التي تفرضه، بل من اقتناع المجتمع بعدالته ومن قدرته على تجسيد القيم التي يؤمن بها الأفراد والجماعات.
خاتمة:
إن أزمة القانون المعاصر هي في جوهرها أزمة معنى، ناتجة عن اختزال القانون في بعده الشكلي وفصله عن غايته الأخلاقية. وبينما يظل العدل الشكلي ضرورياً لضمان الاستقرار، فإنه لا يكفي لتحقيق العدالة التي تظل مطلباً إنسانياً يتجاوز النصوص.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنتاج المزيد من القوانين، بل في إعادة توجيهها نحو تحقيق الإنصاف، بما يعيد للقانون وظيفته الأصلية كأداة لخدمة الإنسان لا كوسيلة للهيمنة عليه.
إن مقاربة الفعل القانوني في زمن العولمة تفرض تجاوز النظرة التقنية الضيقة، والانخراط في تحليل سوسيولوجي معمق يربط بين النص والمجتمع، بين المحلي والعالمي، بين القانوني والسياسي، بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين. فالقانون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط مجموعة قواعد، بل هو حقل للصراع، للتفاوض، للتأويل، ولإنتاج الرمزية والشرعية.
غير أن إعادة بناء العلاقة بين القانون والعدالة لا تنهي الجدل الفلسفي حول طبيعة القانون ووظيفته، بل تفتح آفاقاً جديدة للتفكير والبحث. فإذا كانت العدالة تمثل الغاية النهائية للقانون، فهل يمكن الحديث عن عدالة كونية في عالم تتعدد فيه الثقافات والقيم والأنظمة القانونية؟ وهل يظل القانون الوطني قادراً على حماية العدالة الاجتماعية في ظل تنامي الحوكمة العالمية وصعود الفاعلين العابرين للحدود؟ ثم إلى أي مدى يمكن توسيع السلطة التأويلية للقاضي لتحقيق الإنصاف دون المساس بالأمن القانوني ومبدأ المشروعية؟ وأخيراً، هل سيظل القانون في عصر الذكاء الاصطناعي فعلاً إنسانياً قائماً على التأويل والمسؤولية الأخلاقية، أم أننا بصدد ولوج مرحلة جديدة تعيد تعريف معنى العدالة ذاتها؟.
إن هذه الأسئلة تؤكد أن البحث في العلاقة بين القانون والعدالة سيظل مفتوحاً ومتجدداً، وأن مستقبل الفلسفة القانونية لن يتحدد بقدرتها على تفسير القانون فحسب، بل بمدى نجاحها في إعادة وصل القانون بغايته الأساسية: تحقيق العدالة وصون الكرامة الإنسانية في عالم تتسارع فيه التحولات وتتزايد فيه التحديات.


الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
القانون والعدالة في الفكر القانوني المعاصر: من نقد العدل الشكلي إلى مقاربة الفعل القانوني في زمن العولمة


