Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



نظرية البيروقراطية


     

محمد احديدو
طالب باحث ماستر القانون العام للاعمال
كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية
سطات



نظرية البيروقراطية

مقدمـــة:


تعبر السياسة الاقتصادية عن التوجه العام للدولة في المجال الاقتصادي، فهي تتضمن كافة الوسائل و الأهداف التي تسعى إليها الدولة في هذا المجال، لكنها مع ذلك تقع تحث تأثير البيروقراطية باعتبارها نمطا من أنماط التسيير الإداري، و موضوعا من موضوعات علم الإدارة، وتستمد للبيروقراطية جذورها التاريخية من الحضارة المصرية القديمة (الفراعنة)، و قد اقترن مفهوم البيروقراطية بالجهاز الإداري لأول مرة بواسطة "كارل ماركس" ولم يستعمل هذا المفهوم بشكل واسع إلا مع الباحث الألماني "ماكس فيبر" بشكل ايجابي من خلال نموذجه المثالي للبيروقراطية.
إن كلمة البيروقراطية من الناحية اللفظية تعبير لاتيني مشتق من كلمتين، bureau وتعني المكتب، و cracy و تعني القوة أو السلطة أو الحكم، و يقصد بدلك أن البيروقراطية تعني تسيير إدارات و مصالح الدولة عن طريق المكاتب، و تعدد تعاريف البيروقراطية يؤدي إلى نوع من الخلط في التفسير، إلا أن اغلب المعاني المباشرة التي يستخدم فيها اصطلاح البيروقراطية تشير إلى جهاز من الموظفين أو إلى النشاط الذي يباشره الموظفون العموميون لكي تعكس نظاما إداريا محددا، وموجها بطريقة عمل المكاتب، أو تشير إلى معنى ضيق عندما تتضمن الطرق التي يستخدمها الموظفون والتي تعتمد على العمل الروتيني .
ويمكن التمييز في البيروقراطية بين معنيين: الأول ايجابي و هو الطرح المثالي "الفيبري"، و الثاني يتمثل في كونها حالة من حالات الفساد الإداري، وهو الأمر الذي يدفعنا لطرح الإشكالية التالية:

كيف تؤثر البيروقراطية على القرار العمومي و السياسة الاقتصادية؟
للإجابة عن هذه الإشكالية ارتأينا الاعتماد على التصميم التالي:
التصميـــــــــم
مقدمـــة:
المبحث الأول: الأساس النظري للبيروقراطية
المطلب الأول: التصور البيروقراطي لماكس فيبر
المطلب الثاني: الأبعاد الرئيسية لمفهوم البيروقراطية
المطلب الثالث: الانتقادات الموجهة لنظرية البيروقراطية

المبحث الثاني: تأثيرات البيروقراطية على السياسة الاقتصادية
المطلب الأول: علاقة البيروقراطية بالتنمية
المطلب الثاني: البيروقراطية: أية سياسة اقتصادية
المطلب الثالث: مداخل الإصلاح الإداري
خاتمــــة


المبحث الأول: الأساس النظري للبيروقراطية



التنظيم البيروقراطي، هو ذلك التنظيم الذي يسير وفق قواعد و إجراءات محددة، يلتزم بها الموظفون أثناء أدائهم للمهام المخصصة لهم بحيث إن التطبيق الصارم لهذه القوانين، يولد الروتين و الجمود في التنظيم، كما يتميز هدا الأخير بالرسمية كون اللوائح المعتمدة في العمل، بالإضافة إلى طرق الاتصال فيه تكون ذات طابع رسمي، أين يتم التعامل بين المستويات الإدارية المختلفة من جهة، و بين الموظفين و الجمهور من جهة ثانية، وفق هذا النمط من الاتصال .

المطلب الأول: التصور البيروقراطي لماكس فيبر


استعمل مفهوم البيروقراطية بشكل واسع بواسطة الباحث الألماني"ماكس فيبر" بعد الثورة الصناعية وفق ما اسماه بالنموذج المثالي ، و يقوم هذا النموذج على الأسس التالية:
1- توزيع الأعمال داخل التنظيم البيروقراطي على أساس وظيفي دقيق يستند على:
- مبدأ التخصص و توزيع العمل على أساسه.
- تنمية خبرة الأفراد العاملين في الإدارة و إبرازها فيما يعهد به إليهم من أعمال.
2- تنظيم علاقات شاغلي الوظائف على أساس التدرج المستند على السلطة الإدارية وهذا يدعم بالاتي:
- تقسيم المنظمة إلى مستويات تشبه الهرم.
- تبعية المستوى الأدنى إلى المستوى الأعلى وصولا إلى أعلى الهرم.
- عدم جواز الاتصال الإداري أو ممارسة الأعمال إلا من خلال قنوات هذا التدرج.
3- وجود مجموعة قواعد وتعليمات إدارية تنظم العمل بحيث تكون مستندة على تقسيم السلطة وتدريجها وهدا يستند على:
- تطبيق هذه القواعد و التعليمات بمنتهى الموضوعية بغض النظر عن أي اعتبار أخر.
- الاعتماد الكامل في اتخاذ القرارات على هده القواعد لضمان وحدة التنفيذ في الإدارة مما يؤدي إلى التنسيق التلقائي.
- التركيز على هذه القواعد و تدريب الموظفين عليها حتى يؤدي ذلك إلى الاستمرار في عمليات الإدارة بغض النظر عن أي تغيير في الأشخاص.
4- إيجاد مجموعة من أفراد موظفين موضوعيين غير متأثرين بأي اعتبارات شخصية في معاملاتهم داخل المنظمة أو عملائها و هدا يستلزم:
- التعامل مع عملاء الإدارة يكون على أساس القواعد العامة للعمل بغض النظر عن المراكز الاجتماعية.
- التعامل مع أفراد الإدارة على أسس غير شخصية بالمرة.
5- إيجاد نظام للخدمة في الإدارة يقوم على أساس اعتبار الخدمة فيها مهنة العمر لمن يلتحق بها و هدا يتحقق عن طريق:
- إيجاد نظام موضوعي في الاختيار و التعيين.
- إيجاد نظام مستقر وثابت للأجور.
- وضع نظام واضح لمرتبات التقاعد و مكافآت نهاية الخدمة .
وبالتالي فان مسألة البيروقراطية تتحدد في عدم رغبة الموظف في تحمل المسؤولية واتخاذ القرار بحيث يحتمي بالقواعد والتعليمات ويحمل المسؤولية والسلطة لمن هم أعلى منه في المستوى لهذا نجد الموظف في التنظيم البيروقراطي يحتمي تحت غطاء الروتين، ويحمي نفسه من رؤسائه وزملائه في العمل.
وعليه فان البيروقراطية تتخذ عدة أبعاد كما سنرى ذلك في المطلب الثاني.

المطلب الثاني: الأبعاد الرئيسية لمفهوم البيروقراطية:


على الرغم من أن المقدمة السابقة توحي بأن مفهوم البيروقراطية ينطوي على معنيين ، يشير أحدهما إلى "التنظيم" وهو المفهوم الإيجابي للبيروقراطية ، والأخر يشير إلى "المعوقات" وهو المفهوم السلبي لها ، إلا أنه يمكن في الواقع التمييز بين أربعة أبعاد للتعامل مع مفهوم البيروقراطية ، ويبدو أن التعرض لهذه الأبعاد ولو بنبذة قصيرة أمر ضروري لتحديد المفهوم ، وتعريفه بشكل يتيح سهولة الانتقال للنقاط التالية:
وهذه الأبعاد الأربعة هي :
1) البعد التنظيمي . 2) البعد السياسي .
3) البعد الطبقـي . 4) البعد السلوكي .

أولا : البعد التنظيمي :


يقصد بالبيروقراطية وفقا لهذا البعد " البناء التنظيمي "، ويشمل الاهتمامات التي تدور في نطاق علمي " الإدارة العامة " و " الاجتماع "، حيث ينصب الاهتمام على مختلف القواعد الإجرائية التي تحكم العمل ، أو بمعنى أخر العلاقة الشرعية بين الرئيس ومرؤوسيه ، وقواعد الثواب والعقاب ، وأساليب الالتحاق بالخدمة في الجهاز البيروقراطي .
وربما كان " ماكس فيبر " من أبرز مستخدمي المفهوم للدلالة على هذا المعنى ، فالبيروقراطية من وجهة نظره ظاهرة ترتبط ببعض العناصر والأبعاد، كتقسيم العمل وتوزيع الأدوار والتخصص والقواعد واللوائح .... الخ ، وهو يستخدم تعبير "التنظيم البيروقراطي" للإشارة إلى الوحدة التي تقام لخدمة هدف معين ، وتستعين لتحقيق ذلك بمجموعة من الإجراءات كبناء السلطة والتخصص والقواعد ..الخ ، كالهيئات الحكومية والجيوش والمستشفيات والجامعات ، إذ من المفترض أن تسعى هذه التنظيمات البيروقراطية لخدمة أهداف بعينها يصعب تحقيقها دون الأخذ بنمط معين من التنظيم الإداري .

ثانيا : البعد السياسي :


يتعامل البعض مع مفهوم البيروقراطية وفقا لهذا البعد ، وفيه يقصد بالبيروقراطية إحدى سلطات الدولة الحديثة ، وبالتحديد السلطة التنفيذية التي تزايد دورها في المجتمع المعاصر مما أدى إلى نمو هيئة الموظفين العموميين ، وتضخم الجهاز الإداري وتزايد سلطاته .. ووفقا لهذا المعنى فالبيروقراطية هي " قوة سياسية " أو " سلطة سياسية " مسؤولة عن تحقيق أهداف الدولة ، وترجمة السياسة العامة إلى برامج تنفيذية لتحقيق الأهداف العامة المتفق عليها .


ثالثا : البعد الطبقي :


قد يقصد بالبيروقراطية من ناحية ثالثة طبقة اجتماعية متمايزة داخل المجتمع تضم كبار الموظفين والمديرين ، وهو المعنى الذي تطرحه الدراسات الماركسية حول المفهوم ، ووفقا لهذا البعد تعرف البيروقراطية بأنها " الطبقة التي تتألف من أولئك المتمتعين بامتيازات خاصة و أفضليات بسبب الاحتكار الإداري الذي يقومون به "، ويتزايد دور هذه الطبقة في المجتمع كلما تزايد ضعف وعدم استقرار السلطـة السياسية وأتسع اعتمادها على البيروقراطية .

رابعا : البعد السلوكي :

وفيه يمكن معالجة البيروقراطية باعتبارها نمطا سلوكيا يؤدي إلى خفض الكفاية الإنتاجية للتنظيمات والمؤسسات ، والاستخدام غير الرشيد لموارد الثروة المتاحة ، والتهرب من المسئولية ، والاهتمام الزائد بالشكليات .
ويعبر هذا السلوك عن نفسه بمظاهر خارجية عديدة أهمها المبالغة في التمسك بحرفية اللوائح والقوانين دون الاهتمام بالهدف من وضع هذه القوانين ، وخصوصية الحالات المختلفة – المعبر عنها أحيانا بـ "روح القانون" – بالإضافة إلى المغالاة أيضا في إتباع الإجراءات والتعليمات ، والنزعة نحو السيطرة .
وواقع الأمر أن هذا البعد هو بيت القصيد.. ومن ثم سوف نستخدم مصطلح البيروقراطية كنقيض للحيوية الإدارية ، وكمعبر عن كل جوانب النقص في بناء التنظيمات ووظائفها ، ومؤدي إلى كبح المبادرة ، وتبديد الجهد والطاقة ، وتفتيت العمليات دون مبرر .
وعليه يمكن تعريف البيروقراطية بأنها :
" المظاهر التنظيمية المعقدة التي تتصف بعدم المرونة ، وعدم الاهتمام بالأشخاص والجمود ، والتهرب من المسئولية ، وعدم الالتجاء للتجارب والتجديد ، والبطء في إنجاز الأعمال " .
كما أننا سوف نتعامل مع " الموظف البيروقراطي" وفقا لنفس البعد من حيث كونه:
" ذلك الفرد الذي ينتمي إلى هيئة أو مصلحة أو مؤسسة خدمية ، ويحول دون إتمام مصالح الجماهير ، ويميل إلى عرقلتها متذرعا بالقوانين واللوائح والقواعد والتعليمات بما يثير سخط المتعامل معه " .

إذن نستطيع أن نخلص من النقطة السابقة بأن هناك أربع زوايا للتعامل مع مفهوم البيروقراطية هي :
• البيروقراطية من حيث هي بناء تنظيمـي له خواصه .
• البيروقراطية من حيث هي طبقة سياسـية لها دورها .
• البيروقراطية من حيث هي طبقة اجتماعية لها سماتها .
• البيروقراطية من حيث هي آفة إدارية لها عيــوبها .
و بذلك فأي إدارة لا يمكن أن تكون بيروقراطية بمفهوم ماكس فيبر، وإنما كل إدارة يمكن أن تحمل بعض المعاني البيروقراطية حتى انه شاع استخدام كلمة بيروقراطية فيما بعد حتى أصبحت تقترن بكل إدارة تتصف بالجمود و المبالغة في التمسك بالإجراءات و القواعد وعدم السماح للابتكار و التجديد لدى الإفراد، وقد عرفها ''هارولد لاسكي'' بأنها حالة تصل إليها الإدارة التي يسيطر عليها شكل قانوني يصعب تعديله حتى ولو تعارض مع مصالح حيوية لا تقبل المناقشة فهي في تحليله تعكس حالة من حالات إساءة استعمال السلطة وهي كلها انتقادات موجهة لنظرية البيروقراطية كما سنرى ذلك في المطلب الثالث.


المطلب الثالث: الانتقادات الموجهة لنظرية البيروقراطية:


يحمل النموذج ''الفيبري'' العديد من المتناقضات بين الكفاءة وهو مطلب ''فيبر''الأساسي و الهدف الذي يدعو إلى تحقيقه من الناحية و عناصر الإدارة البيروقراطية التي يدعو إليها من الناحية الأخرى فهذه العناصر قد لا تؤدي إلى الكفاءة بل على العكس يمكن أن تكون عقبة أمامها، فالنموذج ''الفيبري'' يجعل من الموضوعية في الإدارة تحل محل العواطف و الارتباطات الشخصية و التقديرية و هو بهذا يعتقد أن الإدارة البيروقراطية تستطيع أن تحل كافة إشكالاتها فهي تستطيع اتخاذ قرارات موضوعية تتطلب الكفاءة ولا تهتم بأي اعتبارات أخرى حتى ولو كانت اعتبارات إنسانية يصعب تجاهلها.
و يلاحظ أن''فيبر'' الذي يعطي أهمية كبرى للخبرة ولا يهتم إلا بالقواعد و التعليمات و الإجراءات الرسمية وهذا يجعل من الإدارة مكانا غير ملائم لنمو الخبرة و الموضوعية و إنما هي المكان الذي تضعف فيه الخبرة.
ومن بين الانتقادات الموجهة للبيروقراطية :
الانحراف الإداري و العمل لحساب المصلحة الفردية بدل المصلحة العامة، و الانحراف بالسلطة البيروقراطية واستخدامها في غير مجالاتها المشروعة، أو العمل على عدم تنفيذ القرارات الإدارية و خلق قوى للضغط المعاكس. وذلك راجع إلى عدم تحديد القاطع للمسؤولية و فقدان التوازن بين السلطة الممنوحة والمسؤولية وضعف القيادة الإدارية .
بالإضافة إلى ذلك انخفاض مستوى الكفاءة الإدارية وهو مشكل يواجه الإدارات البيروقراطية الشيء الذي يؤثر على الأداء العام و نقص الخدمات و فعاليتها و ذلك راجع إلى عدم وجود معايير واضحة لقياس الكفاءة في الإدارات البيروقراطية و كذا التعقيد ألمسطري و الإداري الذي يصعب الحصول على خدمة معينة بالإضافة إلى التشبث بحرفية النصوص دون مضمونها، ناهيك عن عدم التقدير الكافي لقيمة الوقت في العمل الإداري فحينما تضع الدولة برامج معينة لتنفيذ سياساتها العامة تضع هذه البرامج وفق قيد زمني، ويترتب على عدم تقدير العاملين في الأجهزة البيروقراطية لقيمة الوقت التأثير في تنفيذ هذه البرامج مما ينعكس ذلك سلبا على الأداء.
كما أن إساءة استعمال السلطة وذلك عن طريق التطلع إلى السلطة في ظل الإدارة البيروقراطية إلى سلطات أخرى، ومن مظاهر ذلك تعمد إساءة معاملة المواطنين وتأخير مصالحهم إمعانا في إظهار السلطة وان الأعمال يجب أن تمر من خلالهم.
ثم صعوبة التأقلم مع المتغيرات الخارجية إذ أن الإدارة البيروقراطية تعمل في ظل بيئة تتسم بالتغير السريع سياسيا و اجتماعيا واقتصاديا، وتواجه هذه الإدارات مشكل التجاوب البطيء و عدم الرغبة في التغيير السرية التي تتأثر بها الإدارة البيروقراطية مع التغيرات التي تحدث في البيئة الخارجية بسبب حجم الإدارة (تنظيم ضخم وهو ما يحتاج إجراءات معينة ) بالإضافة إلى التردد في التغيير من جانب الإدارة البيروقراطية و إبداء التحفظ و هو ما يخلق فجوة بين السياسات و البرامج المتبعة في الأجهزة البيروقراطية وبين الواقع الخارجي وهو ما يؤدي إلى فشل هذه الأجهزة وانخفاض قدرتها على الأداء وفقدان ثقة الرأي العام .

المبحث الثاني: تأثيرات البيروقراطية على السياسة الاقتصادية

تؤثر البيروقراطية بشكل أو بأخر، سلبا أو إيجابا على الاقتصاد و على العملية التنموية من خلال القرار المتخذ من لدن الفاعلين المعنيين عن طريق توجيه القرار خدمة لمصالح معينة.

المطلب الأول: علاقة البيروقراطية بالتنمية:


سنحاول من خلال هذا المطلب أن نتطرق إلى الجوانب الايجابية للبيروقراطية، قبل ان ننتقل إلى البحث في عيوبها و أخطائها. فالأجهزة البيروقراطية تلعب دورا هاما في تحقيق الأهداف التنموية، سواء كانت هذه التنمية سياسية، اجتماعية، او اقتصادية.
و تحقيق الأهداف التنموية بمختلف صورها أصبح الشغل الشاغل للمجتمعات المعاصرة، ويظهر هذا الاهتمام بصفة خاصة في حالة المجتمعات المتخلفة و النامية حيث تكون الممارسات السياسية ضعيفة، بالإضافة إلى ضعف تأثير الرأي العام و غياب مشاركته الفعلية في عمليات الحكم، هذا بالإضافة إلى مظاهر التخلف الاقتصادي كزيادة أعباء الديون الخارجية و انخفاض مستوى دخل الفرد و انخفاض معدلات الإنتاج و استغلال الطاقات الإنتاجية المتاحة.
ومن هذا المنطلق فان الدول و الحكومات على اختلاف أنواعها تسعى إلى تحقيق التنمية الاقتصادية كدرجة أولى وهامة. و العمل على رفع المستوى المعيشي للأفراد و تحقيق درجات مرتفعة من النمو الاقتصادي بما يضمن تقدمها و تحقيق رفاهية شعوبها. وتتحقق التنمية الاقتصادية من خلال رسم تنفيذ العديد من السياسات و البرامج الاقتصادية التي تؤدي إلى رفع قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية الأخرى، و تشجيع الصناعات المحلية و الصادرات، و وضع السياسات و البرامج الكفيلة بالتحول من الزراعة إلى الصناعة و إقامة قاعدة صناعية ضخمة...، بالإضافة إلى العديد من السياسات الاقتصادية الأخرى. و يتوقف تحقيق هذه السياسات على كفاءة الجهاز البيروقراطي في استغلال الموارد الطبيعية و المادية المتاحة أفضل استغلال ممكن و بالتالي فالبيروقراطية تحاول تغيير الأنماط وضع السياسات العامة من اجل أن تناسب الواقع المعاش، وتلبي جميع الطلبات سواء العمة للدولة وتتجلى في تحقيق النمو ، والطلبات الخاصة التي يحتاجها المواطنون...، وذلك بالاعتماد على الفعالية وكفاءة الأداء.
من هنا يمكن أن نلخص ايجابيات الجهاز البيروقراطي في التنمية على النحو التالي:
- أن الجهاز البيروقراطي يكمن أن يستخدم كأداة للتوعية و الاقتناع بأهمية التغيير ضرورياته في بعض الجوانب التي تستهدفها عملية التنمية في الدولة.
- يمثل الجهاز البيروقراطي في بعض المجتمعات أكثر الأدوات فعالية نحو تحقيق المستوى المفترض من التجانس و الاندماج الاجتماعي.
- تحقق الكفاءة في استخدام الإمكانيات المتاحة عن طريق التدبير الرشيد للموارد الطبيعية و المالية والبشرية للمجتمع و يحقق ذلك برامج التنمية الاقتصادية التي تصبو إليها الدولة مما يؤدي إلى زيادة الرفاهية.
- تعميق الاقتناع بإيديولوجية الدولة السياسية ترسيخ القيم والتقاليد الاجتماعية والسلوكية المتطورة في عمل الأجهزة البيروقراطية و يؤدي ذلك إلى تعميق الإيمان بمبدأ التسيير من خلال المؤسسات في النظام السياسي و ليس من خلال الأشخاص .
وبالرغم من هذه الايجابيات التي تقدمها البيروقراطية فهذا لا يعني خلو التنظيم البيروقراطي من العيوب والسلبيات التي قد يكون لها الأثر السلبي و النتيجة الوخيمة على السياسات العمومية للدولة و خصوصا الاقتصادية منها، وهذا ما سنتطرق إليه من خلال المطلب الثاني.

المطلب الثاني: البيروقراطية، أية سياسة اقتصادية


على الرغم من أهمية الصناعة ودورها في الاقتصاد الوطني، إلا أنها تواجه العديد من المعوقات البيروقراطية التي تؤثر على نموها مثل نظام الضرائب و نظام التأمينات الاجتماعية ، وارتفاع سعر الاشتراك في التأمينات الاجتماعية و تكاليف بدأ النشاط و التشغيل، مما يؤدي إلى إفلاس المشروع و إغلاقه، ويؤدي تعقد الإجراءات الحكومية و ارتفاع تكلفة انجازها، فضلا عن تعدد الجهات التي يتعامل معهما أصحاب المشروعات الصغيرة و المتناهية الصغر و ذلك بداية من الحصول على التراخيص و الموافقات المتعددة اللازمة لإقامة المشروع من الوزارات المختصة طبقا لنوعية النشاط، ثم الحصول على ترخيص تشغيل المشروع من وحدات الإدارة المحلية مرورا بتدبير التمويل اللازم له. وهي بيئة تتسم بالتعقيد و عدم الاتساق و عدم الاتساق و ارتفاع تكلفة إتمامها. و يدخل في هذا السياق أيضا تعدد جهات الإشراف على المشروعات الصغيرة، وسنعرض فيما يلي مجموعة من العوائق و مدى تأثيرها على الاقتصاد الوطني .

1- البيروقراطية: وقائية، أم تعقيد مسطري:


وذلك راجع إلى تعدد الوثائق المطلوبة وارتفاع تكاليفها و المدة التي تستغرقها هذه الإجراءات. ففيما يتعلق بالمرسوم 02.00.895 الصادر في 31 يناير 2001 لتطبيق المادتين 17و 19 من القانون الإطار رقم 18.95 بمثابة ميثاق للاستثمارات حيث تنص المادة 4 منه على ما يلي" تودع الطلبات المتعلقة بإبرام عقد خاص مع الدولة مقابل وصل لدى الوزارة المعهودة إليها الوصاية على القطاع المعني بالاستثمار المزمع انجازه مشفوعة بملف يتعلق ببرنامج الاستثمار المراد تحقيقه وذلك قبل الشروع في انجاز برنامج الاستثمار المذكور
ويجب ان يتضمن الملف المشار إليه أعلاه وصفا دقيقا للمشروع ومؤهلات المستثمر أو المستثمرين و المكان المحدد لإقامة المشروع وقوائم التجهيزات النوعية و جميع الإثباتات التي تؤكد ان برنامج الاستثمار المراد تحقيقه يتوفر على واحد أو أكثر من المقاييس المشار إليها في المادة 3 من هذا المرسوم وكذا دراسة جدوى المشروع من الوجهة التقنية و الاقتصادية و المالية والحسابات التقديرية على امتداد خمس سنوات على الأقل.
في حين تنص المادة 5 على ما يلي: " تقوم الوزارات المعهود إليها بالوصاية، بعد دراسة الطلبات المودعة وفقا المادة 4 من هذا المرسوم بإعداد مشروع عقد خاص تحدد فيه المنافع المخولة للمنشأة فيما يتعلق بإنجاز الاستثمار المقترح من جهة أخرى.
و يجب إلا يزيد اجل بحث الطلب وتحضير مشروع العقد على 30 يوما من ايام العمل تبتدئ من تاريخ إيداع الملف المثبت بوصل.
و تضيف المادة 6 :"تصادق على مشاريع العقود التي تم إعدادها وفقا للمادتين 4 و5 أعلاه لجنة تسمى اللجنة الوزارية للاستثمارات يرأسها الوزير الأول وتضم الأعضاء التالي بيانهم:
- الوزير المكلف بالداخلية،
- الوزير المكلف بإعداد التراب الوطني والبيئة و التعمير و الإسكان،
- الأمين العام للحكومة،
- الوزير المكلف بالمالية،
- الوزير المكلف بالصناعة،
- الوزير المكلف بالسياحة،
- الوزير المكلف بالشؤون العامة للحكومة،
- الوزير المكلف بالتوقعات الاقتصادية و التخطيط،
يمكن أن تضيف اللجنة إليها باعتبار طبيعة الاستثمار الوزير المسئول عن القطاع المعني و كذا الممثلين في اعلي مستوى لجميع الهيئات و المؤسسات و السلطات المحلية الأخرى التي تعتبر مساعدتها ضرورية، و تتولى سكرتارية اللجنة الوزارة المكلفة بالشؤون العامة للحكومة".

2- البيروقراطية في التمويل:


إذ تعاني المشاريع الصغرى و المتوسطة من كثرة الإجراءات البنكية في الضمانات و التشدد فيها و كثرة ما يتم تقديمه من أوراق و مستندات تمثل روتينا، و هو الأمر الذي يقود إلى التخبط و عدم التأكد و خاصة مع الإصرار على عدم الاعتراف بالتأثير السلبي للبيروقراطية و القيود الإجرائية على إنتاجية و تنافسية المشاريع الصغرى و المتوسطة ، بل يصل الأمر إلى ان الدعم الذي تقدمه الدولة إلى هذه المشاريع يبقى رهين بعدة شروط .
ولا شك ان البيروقراطية قادرة على ممارسة رغباتها و فرض مشيئتها، اذ تمارس البيروقراطية من خلال انسياب المعلومات عبر مستوى كل سلطة في توجيه القرار، ذلك أنها لا تسمح إلا بمرور المعلومات التي تخدم إغراضها و لعل هذا ما يبرز سلطة البيروقراطية في اختيار البرامج و في تحديد المخصصات أو الاعتماد المالية لها من خلال القرار الذي تتخذه السلطة السياسية .

3- ارتفاع تكاليف الرسوم الضريبية و مركزية القرار:


تعاني العديد من المشاريع الصغرى و المتوسطة من المشاكل، ترتبط اغلبها بالسياسة الضريبية، فبعض هذه المشاريع تعاني من القيود الإجرائية في هذا المجال، و قد كثرت الشكاوى مما يضطر أصحاب هذه المشروعات إلى التعامل مع المسؤولين الحكوميين و المكاتب المركزية و المحلية، وعدم توافر المعلومات، وعدم الرغبة في تقديم المساعدة و المغالاة في الرسوم دون تبرير، في حين نجد في ارض الواقع التنمية الاقتصادية داخل أية دولة رهين بمدى تساهل دواليبها مع المستثمرين و من بين هذه التساهلات تخفيض نسبة الضريبة وتبسيط المساطر و تقريب الإدارة. كما يؤخذ على البيروقراطية أنها تؤثر على العلاقة القائمة بين الأفراد و الإدارة عن طريق غياب أدوات التواصل، فعلى الإدارة إن تتواصل مع المستثمرين وتقوم باستقبالهم وتقديم الدعم لهم بعيدا عن مركزية القرار.
و إذا كان الأمر كذلك فلابد من مداخل للإصلاح الإداري في مواجهة المرض البيروقراطي لتأثيره على صناعة القرار العمومي و السياسة الاقتصادية الشيء الذي ينعكس تبعا لذلك على التنمية.


المطلب الثالث: مداخل الإصلاح الإداري:


يتعاظم الدور الذي تقوم به الإدارة في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية بصرف النظر عن المنهج الاقتصادي الذي تتبناه الحكومة و لهدا فانه في كل الدول لم تعد المهام التي تضطلع بها الإدارة قاصرة على المهام التقليدية و إنما تجاوزتها كثيرا وأصبحت الحكومة في كثير من الدول هي اكبر ممول وصانع و صاحب عمل، و تبقى الإدارة هي العنصر الحاسم في عملية التنمية و تؤكد الدراسات عادة على ان القدرة الإدارية و ليست الموارد المالية هي التي تتحكم في القدرة على تحقيق التنمية و ان مقدرة الدولة على استخدام مواردها استخداما أفضل يعتمد على مقدرتها الإدارية و يكاد يكون هناك اتفاق على أن التنمية الإدارية شرط أساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية.
يقول احد الخبراء العرب مؤكدا هده النتيجة:"لقد رأيت رؤية العين دولا نامية تنفق الملايين لإقامة المشروعات و لاستيراد احدث الآلات و المعدات ثم تعجز عن إدارة المشروعات لعدم توافر الإدارة السليمة القادرة الواعية، و رأيت دولا أخرى يقل ما تنفقه من أموال على المشروعات الجديدة و لكنها تنجح في تنفيذها و تحقيق أهدافها بسبب الإدارة السليمة" .
و تظل هده الأجهزة تعاني نفس الإشكال فحتى استيراد احدث الأجهزة في مجال الصحة ما تزال الرعاية الصحية متدنية، و المؤسسات الحكومية قد تحمل كل دلائل التقدم بأجهزتها و أدائها و لكن الطريقة و الأسلوب و الهدف الإداري ما يزال مشدودا إلى الخلف.
و إذا كانت الظروف قد جعلت الإدارة العامة هي إدارة التنمية فان هناك تناقضا كبيرا بينهما ,و تتميز الإدارة العامة بطبيعتها بكونها محافظة تركن الى القيود الروتينية و تناهض التغيير و إدارة التنمية بطبيعتها متجددة و ديناميكية تحبذ التغيير و لدلك فان الإدارة العامة تتبنى إدارة التنمية و لكنها تحاربها في عقر دارها .فعلى الرغم من الاتجاه نحو إنشاء المؤسسات العامة و الشركات العامة هو اتجاه طبيعي حين تخوض الحكومة العديد من المجالات و التي لا يمكن إدارتها بنفس الأسلوب الذي تتبعه الأجهزة الحكومية فهدا الاتجاه هو اعتراف بعجز الإدارة أن تكون إدارة تنمية و تأكيد على أن إدارة التنمية من صفاتها المرونة و القدرة و الكفاءة في الأداء، و المؤسسات العامة و الشركات العامة هي أنماط تأخذ من صفات المؤسسات و الشركات الخاصة مرونتها و قدرتها و الكفاءة في الأداء، غير أن ذلك يبوء بالفشل في أخر المطاف ويتضح من ذلك عدم فعالية الإدارة.
ولهذا فمن بين مداخل الإصلاح الإداري لتجاوز كل هذه الاكراهات و النهوض بالتنمية الاقتصادية، ضرورة اعتماد المقاربة التشارك في صناعة القرار العمومي والاعتماد على تقييم واقع الحال الذي يمكن على ضوءه معرفة الاختلالات و تصحيحها، تبسيط المساطر الإدارية تشجيعا للاستثمارات الوطنية و الخارجية، و العمل على تدعيم المشاريع الصغرى و المتوسطة لأجل الرفع من قدرتها التنافسية و خلق مناخ اقتصادي للإعمال، يعتمد السرعة و يستجيب للمتغيرات الداخلية والخارجية.
و لم لا اعتماد الإدارة الالكتروقراطية بدل الإدارة البيروقراطية لما تفرضه المعاملات من سرعة في اتخاذ القرار، حيث تعمل على إلغاء دور الموظفين الوسطاء القائمين بعمليات التعامل مع المعلومات و حفظها و توزيعها و تبادلها و نقلها بين الإدارات الحكومية المختلفة، فهي تلبي حاجة المواطنين و تنال رضاهم عن الاعتماد على البساطة و القرب و الشفافية في تبادل المعلومات

خاتمة:


تحلم جميع الحكومات بأن تصبح أكثر كفاءة، و أكثر فعالية و أكثر استجابة لاحتياجات مواطنيها، و أكثر توافقا مع متطلبات العصر. فعلى الرغم من بدل الكثير من الجهد في سبيل التطوير الإدارة، فان توقعات المواطنين لما يمكن ان تحققه الحكومات ما زال اكبر بكثير مما تحقق.
لذلك فان التوجه الحالي يذهب إلى نهج أسلوب أكثر فعالية و اقتصاد من البيروقراطية، كما يواكب العصر بجميع تطوراته ويستجيب للحاجيات اللامتناهية للأفراد و التي يتم صياغتها في شكل برامج و سياسات عامة. أن هذا الأسلوب الجديد قد يمكن من الحد او القضاء على المرض البيروقراطي بالإدارة، لكن مع ذلك يطرح السؤال التالي،
هل بالامكان اعتماد هذا الأسلوب بالإدارة المغربية؟ و ماهي أفق نجاعته؟

لائحة المراجع:

1) الكتب
- محمد سعيد عبد الفتاح- محمد فريد الصحن: الإدارة العامة المبادئ والتطبيق.
- احمد رشيد.إدارة الأفراد في الحكومة و القطاع العام.
- حسين عبد المطلب الاسرج، مستقبل الصناعات الصغيرة في مصر، سلسلة كتاب الأهرام الاقتصادي.
- محمد نجيب بوليف، الاستثمار و التمويل بالمغرب بين تحديات الواقع و ضعف التشريع، الطبعة الاولى2010.
- بوتو مور ، النخبة والمجتمع ، ترجمة جورج جميل ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر1972 ، بيروت.
- يوسف خلوصي ، البيروقراطية ما لها وما عليها ، مجلة الإدارة ، المجلد السابع ، يوليو 1974 ، القاهرة.

2) المجلات
- أسامة عبد الرحمان البيروقراطية النفطية و معضلة التنمية، سلسلة عالم المعرفة، العدد 57
- عبد المنعم القيسوني،أهمية الإدارة السليمة من اجل التنمية، مجلة الإدارة، طبعة 1970
- رتشارد هيكس، مجلة خلاصات كتب المدير و رجل الأعمال، العدد 259 ،الشركة العربية للإعلام العلمي، القاهرة
- سلسلة أوراق سياسات تعزيز الشفافية و مكافحة الفساد. الإصلاح الإداري و تحسين مناخ الاستثمار في مواجهة البيروقراطية، مركز المشروعات الدولية الخاصة بمصر 2009.

النسخة الحاملة للهوامش


الثلاثاء 4 ديسمبر 2012


تعليق جديد
Twitter