رفقته نسخة حاملة للهوامش قصد التحميل
إذا كان الأصل في السياسة الجنائية المعاصرة أن الشخص لا يفقد قرينة البراءة إلا بمقتضى حكم قضائي نهائي، فإن مقتضى ذلك - من الناحية القانونية - أن تظل جميع الأوصاف المستعملة خلال مراحل البحث والمتابعة والمحاكمة أوصافا احتمالية لا تقريرية، وأن يلتزم المشرع بالحياد الاصطلاحي إلى حين الحسم القضائي في الدعوى العمومية بمقرر نهائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به.
وذلك بما يتماشى مع ما جاء به المشرع ضمن ديباجة قانون المسطرة الجنائية كون "أن كل شخص مشتبه فيه أو متابع تفترض براءته ما دامت لم تتم إدانته بمقتضى مقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به".
بالإضافة إلى ما نصت عليه الفقرة الخامسة من المادة الأولى من نفس القانون، والتي اعتبرت أن: "كل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية".
ومن ثم فإن الخطاب التشريعي الجنائي لا يقتصر أثره على التنظيم الإجرائي وفقط، وإنما يتجاوز ذلك إلى تحديد المركز القانوني للأشخاص خلال مختلف مراحل المسطرة، ومن ثم فإن أي توصيف قانوني ذو طابع تقريري قبل ثبوت المسؤولية الجنائية قد يشكل مسا غير مباشرا بقرينة البراءة المذكورة.
وفضلا عن ذلك، فإذا كان مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص؛ يضفي الشرعية الموضوعية لحق الدولة لإيقاع العقاب على الأشخاص المخالفين للمقتضيات الجنائية، فإن مبدأ قرينة البراءة يكمل تلك الشرعية من الزاوية الإجرائية.
وبناء على ما ذكر، وبقراءة ظاهرية لمختلف نصوص قانون المسطرة الجنائية، يلاحظ أن المشرع تبنى من حيث المبدأ، فلسفة تقوم على حماية قرينة البراءة من خلال اعتماده مفهوم "المشتبه فيه" أو "الشخص المتابع" أو "المتهم"، وهذا هو المنطق الذي يفرضه مبدأ قرينة البراءة، مادام أن الشخص لم يصدر في حقه مقرر نهائي يمكن بموجبة أن نطلق عليه وصف قانوني باعتباره "مجرما"، "فاعل أصلي" في الجريمة أو "مشاركا" أو “مساهما" فيها؛ غير أنه خلافا لما ذكر، نجد المشرع المغربي قد أقدم في مواضع متعددة على إطلاق بعض من هذه الأوصاف الأخيرة) المساهم والمشارك) رغم أن الأمر يتعلق بأشخاص لم يتم بعد إدانتهم جنائيا بحكم نهائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به.
ومن هنا تثار الإشكالية الآتية:
إذا كانت قرينة البراءة تجعل الأصل في الإنسان البراءة لا الإدانة، فهل يستقيم ـ منطقا واصطلاحا ـ وصف شخص بأنه "مساهم" أو "مشارك" في جريمة، بينما لا يزال الحكم القضائي النهائي لم يصدر بعد؟
نشير بداية إلى أنه يقصد بقرينة البراءة أن الأصل في المتهم البراءة مما نسب إليه، استنادا إلى الفطرة السليمة التي جبل الإنسان عليها، وتظل هذه القرينة ملازمة له إلى حين صدور حكم قضائي بات بإدانته استنادا إلى أدلة قانونية مشروعة، أو الحكم ببراءته مما نسب إليه، وبعبارة أخرى، فإن قرينة البراءة تعني افتراض براءة كل شخص مهما حامت حوله الشكوك، ومهما بلغت قوة الأدلة المتوافرة ضده، ولا تزول هذه القرينة إلا بصدور حكم بات من القضاء المختص.
كما يلزم علينا أن نأخذ بعين الاعتبار بأن طبيعة مصطلحي المساهمة والمشاركة ليسوا مجرد وصفين إجرائيين وفقط، وإنما تكييفان جنائيان موضوعيان يرتبطان بقيام الجريمة وثبوتها، كما هو واضح من نص الفصل 128 من القانون الجنائي ـ بخصوص المساهمة - الذي نص على أنه: "يعتبر مساهما في الجريمة كل من ارتكب شخصيا عملا من أعمال التنفيذ المادي لها".
والفصل 129 من نفس القانون - بخصوص المشاركة ـ الذي جاء فيه ما يلي: "يعتبر مشاركا في الجناية أو الجنحة من لم يساهم مباشرة في تنفيذها ولكنه أتى أحد الأفعال الآتية:
1 - أمر بارتكاب الفعل أو حرض على ارتكابه، وذلك بهبة أو وعد أو تهديد
أو إساءة استغلال سلطة أو ولاية أو تحايل أو تدليس إجرامي؛
2 ـ قدم أسلحة أو أدوات أو أية وسيلة أخرى استعملت في ارتكاب الفعل، مع علمه بأنها ستستعمل لذلك. ... ".
فالمساهمة في ارتكاب الجريمة هي أن يقوم عدة أشخاص بارتكاب الجريمة نفسها، وعليه فإن الجاني في هذه الحالة يكون أكثر من شخص كما أن الجريمة المرتكبة هي واحدة.
ومن ثم؛ فالمساهمة أن يقوم كل من الجناة بمباشرة السلوك الذي يدخل في بناء الجريمة (الركن المادي)، ومثال ذلك أن يقوم شخصان بارتكاب جريمة قتل فيقوم الأول بتقييد المجني عليه وربطه ليمنعه من الهرب، فيما يقوم الثاني بإطلاق النار عليه فيردي به قتيلا وهنا نكون أمام فاعلين؛ مساهم وفاعل (أصلي) في الجريمة، حيث نجد أن كلا من الفاعلين قد باشرا السلوك الإجرامي شخصيا وبطريقة مباشرة، مما أدى إلى وقوع النتيجة الجرمية بالشكل الذي وقعت به.
أما المشارك في الجريمة، وخلافا للمساهم، لا يرتكب أي عمل من أعمال التنفيذ المادي للجريمة، وإنما يقتصر دوره على مساعدة الفاعل الأصلي في ارتكاب الجريمة وفق الشروط المحددة في المادة 129 من مجموعة القانون الجنائي؛ أي يقوم بأعمال ثانوية غير داخلة في العناصر التكوينية للجريمة، كأن يقدم شخص سلاحا لشخص آخر ليستعمله في ارتكاب جريمة قتل.
وعليه؛ فالمشاركين هم الأشخاص الذين يساهمون بأعمال ثانوية في إخراج المشروع الإجرامي إلى حيز الوجود، وهم دائما يستمدون صفتهم الإجرامية من الفاعلين الأصليين من حيث المبدأ.
وبالنظر لهذا وذاك؛ فإن الإقدام على وصف شخص ما بكونه "مشاركا" أو "مساهما" في جريمة ما، لا يعني مجرد الاشتباه في تدخله فيها، وإنما يفترض - من الناحية القانونية - تحقق النية الإجرامية التي تقوم عليها المشاركة ذاتها، ومن ثم فإن هذا المفهوم لا يظل مجرد اصطلاح إجرائي ذو طبيعة مؤقتة، بل يحمل في طياته دلالة تقريرية تتجاوز مرحلة الاتهام الأولي الاحتمالي الذي يساير مبدأ قرينة البراءة، وتجزم بإدانة الشخص.
ومن هذا المنطلق فإننا نرى من جانبنا المتواضع، أن استعمال المشرع لهذين المصطلحين - كوصف للمشتبه فيه قبل صيرورة المقرر القضائي نهائيا - على مستوى بعض نصوص قانون المسطرة الجنائية فيه نوع من المساس بقرينة البراءة التي يضمنها الدستور المغربي ومختلف المواثيق الدولية.
وتعزيزا لما سبق، نورد على سبيل المثال بعض مواد قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23، التي استعمل فيها المشرع هذين المصطلحين:
I لمادة3: نصت على أنه: "تمارس الدعوى العمومية ضد الفاعل الأصلي للجريمة والمساهم والمشارك في ارتكابها...”
حيث يلاحظ أن المشرع منذ مرحلة بداية تحريك وممارسة الدعوى العمومية استعمل مباشرة مفهومي المساهم والمشارك، والحال أن الدعوى في هذه المرحلة لا تزال قائمة على مجرد الاتهام، ولم يصدر بعد أي مقرر يثبت قيام الجريمة أو يحدد طبيعة الأدوار الإجرامية، مما يخالف ذلك ما جاء في الدباجة كما أسلفنا الذكر.
ونفس الشيء بالنسبة للمادة 1ـ66 التي جاء فيها: "الحراسة النظرية تدبير استثنائي لا يلجئ إليه إلا إذا تبين أنه ضروري الأحد الأسباب التالية:
1ـ ...؛
2ـ منع المشتبه فيه من التواطؤ مع الأشخاص المساهمين أو المشاركين في الجريمة".
كما نصت المادة 259 على أنه:
"يرجع الاختصاص ... وإما محل إقامة المتهم أو محل إقامة أحد المساهمين أو المشاركين معه في الجريمة...".
وجاء كذلك في المادة 452 ما يلي: "لا يجوز في أي حال أن يترتب عن وجود أحد المتهمين في حالة غياب، إيقاف أو تأجيل التحقيق في حق الحاضرين من المساهمين أو المشاركين معه في الجريمة".
وعموما، فإن وصف الشخص بكونه مشاركا أو مساهما من حيث الأصل، يفترض فيه ضمنيا ثبوت الجريمة الأصلية، لأن المشاركة فرع يتبع الأصل وجودا وعدما، فإذا انتفت الجريمة الأصلية أو ثبت عدم قيامها، فإن وصف المشاركة أو المساهمة يسقط تبعا لذلك، وعليه فإن إطلاق هذا الوصف قبل الحسم القضائي النهائي يجعل التكييف سابقا لأوانه القانوني.
فالمشرع ـ كما مر معنا ـ يستعمل مفهوم "المتهم" أو "المشتبه فيه" لوصف الفاعل الأصلي، وهو وصف ينسجم نسبيا مع قرينة البراءة ما دام أنه لا يفترض الإدانة النهائية، ثم انتقل مباشرة إلى وصف باقي الأطراف بكونهم "مساهمين" أو "مشاركين" وذلك في نفس المرحلة الإجرائية.
وهذا قد تترتب عنه عديد النتائج، كون أن الأوصاف الجنائية ذات الطبيعة التقريرية خاصة خلال مرحلة البحث والتحقيق، قد تؤدي إلى خلق اقتناع ضمني بثبوت الجريمة قبل صدور المقرر القضائي النهائي بالإدانة خاصة وأن هذه الأوصاف تنتقل من النصوص القانونية إلى محاضر البحث ومقررات المتابعة والخطاب الإعلامي المنوط بالنيابة العامة وكذا الشرطة القضائية تحت إشراف هذه الأخيرة.
وبما أنه بالمثال يتضح المقال فلنحاول أن نورد هذا المثال أدناه كي تتضح الصورة أكثر:
لنفترض جدلا أن شخصا يملك محلا تجاريا يزاول من خلاله نشاطه التجاري بصفة اعتيادية، ويكتسب بحكم معاملاته اليومية ثقة الزبناء وسمعة تجارية مستقرة ضمن محيطه المهني والاجتماعي، ثم يتم على إثر ارتكاب جريمة إرهابية أو كيف ما كانت من طرف الغير، الاشتباه في ارتباطه بالوقائع موضوع البحث، ليوصف أثناء مرحلة البحث التمهيدي أو التحقيق بأنه "مساهم" أو "مشارك" في جناية إرهابية أو في أي جناية خطيرة أخرى، وذلك قبل صدور أي مقرر قضائي نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به.
ولا يخفى ما قد يترتب عن هذا الوصف الإجرائي من آثار عملية تمس مركزه القانوني والاجتماعي، إذ قد يؤدي إلى زعزعة ثقة المتعاملين معه، وانصراف الزبناء عن محله التجاري وتضرر سمعته التجارية، وربما توقف نشاطه التجاري بشكل كلي، رغم أن وضعيته القانونية لم تتجاوز بعد مرحلة الاشتباه وقد تنتهي المسطرة لاحقا بصدور حكم يقضي ببراءته... أليس في ذلك مساس بقرينة البراءة التي يتغنى بها المشرع؟
وفي هذا السياق، إذا رجعنا إلى التشريعات المقارنة، نجد أن المشرع المصري مثلا قد تجنب، في الأصل، استعمال وصفي "المساهم" و"المشارك" ضمن أحكام قانون الإجراءات الجنائية، واكتفى في غالبية النصوص باستعمال مصطلح "المتهم" باعتباره الوصف الإجرائي الذي ينسجم مع قرينة البراءة إلى حين صدور حكم قضائي بات، ويتجلى ذلك، على سبيل المثال، في المادة 105 التي نصت على أنه: "لا يجوز لعضو النيابة العامة أن يستجوب المتهم أو أن يواجهه بغيره من المتهمين..."، كما استعمل المشرع المصري في مواضع أخرى، مصطلحات محايدة من قبيل "الخصوم" أو "باقي الأشخاص الذين رفعت عليهم الدعوى" (انظر على سبيل المثال المواد 236 وما يليها من القانون نفسه)، وهو توجه يعكس الحرص على اعتماد أوصاف إجرائية مجردة لا تنطوي على أي حكم مسبق بشأن المسؤولية الجنائية.
غير أن هذا التوجه لم يكن منسجما على نحو كامل، إذ لم يسلم التشريع المصري بدوره من بعض المقتضيات التي قد تثير إشكالا في علاقتها بقرينة البراءة، وذلك عندما أضفى على الأشخاص المحتمل مساهمتهم أو مشاركتهم في الجريمة أوصافا تفترض، ضمنا ثبوت ارتكابهم لها قبل صدور حكم قضائي نهائي، ومن أبرز تجليات ذلك ما ورد في المادة 113 من القانون ذاته، التي نصت بخصوص الحالات التي تستوجب الحبس (الاعتقال الاحتياطي) على ما يلي: "... 3- خشية الإضرار بمصلحة التحقيق، سواء بالتأثير على المجني عليه أو الشهود أو العبث في الأدلة أو القرائن المادية، أو بإجراء اتفاقات مع باقي الجناة لتغيير الحقيقة أو طمس معالمها".
عموما، يعتبر استعمال المشرع المغربي مفاهيم معينة كهذه التي تم الإشارة إليها سابقا، قبل ثبوت الجريمة بصورة نهائية قد يمس بصورة غير مباشرة بالمركز القانوني للشخص وبالضمانات المرتبطة بقرينة البراءة.
ونتيجة لذلك يتبدى لنا أنه يفضل لو استعمل المشرع المغربي، خلال المراحل التي تسبق صدور المقرر النهائي الحائز لقوة الشيء المقضي به بالإدانة أو البراءة التعابير التالية:
• "المشتبه في مساهمته"
• . "المشتبه في مشاركته"
• أو "المنسوب إليه فعل المشاركة أو المساهمة".
• أو أن يستعمل عبارة "الأشخاص الذين يشتبه في تورطهم".
وذلك للدلالة على الأشخاص الذين قد تقوم بينهم وبين الفعل الإجرامي المنسوب للمتهم الأصلي علاقة محتملة، أو أن يكتفي باستعمال مصطلح "باقي المتهمين" كما فعل نظيره المشرع المصري ضمن قانون الإجراءات الجنائية الجديد لسنة 2025، لما يوفره ذلك من ضمانة أوفر لاحترام مبدأ قرينة البراءة.
إذ لا يستقيم قانونا ومنطقا أن يتَحفظ المشرع عن وصف المشتبه فيه الأصلي بـ "المجرم" وغيره من الأوصاف، بذريعة أن إدانته لم تثبت بعد بحكم نهائي، ثم يعود في المقابل إلى وصف باقي الأطراف بكونهم مساهمين أو مشاركين في الجريمة نفسها، رغم أن الأصل الإجرامي الذي تستمد منه هذه الأوصاف وجوده القانوني لم يثبت بعد، فطالما أن المتهم الأصلي لا يزال يتمتع بقرينة البراءة، فإنه لا يمكن الجزم تبعا لذلك بقيام مساهمة أو مشاركة إجرامية في حق باقي الأطراف.
انتهى بإذن الله
فإن أصبت فمن توفيق الله، وإن أخطأت فحسبي انني حاولت.
الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
كيف يصبح الشخص مشاركا أو مساهما قبل ثبوت الجريمة وقبل إدانة الفاعل الأصلي؟ "قراءة في مبدأ قرينة البراءة"


