مسطرة الأمر بالأداء في قانون الملكية المشتركة للعقارات المبنية بين منطق الوساطة وإكراهات التحصيل: قراءة ميدانية في ضوء المادة 13 والمادة 25 من القانون 18.00
الأستاذ رشيد بن احسين
باحث ميداني في قضايا الملكية المشتركة للعقارات المبنية
مؤسس مجموعة مشاكل وحلول الملكية المشتركة بالمغرب
وصاحب كتاب: الملكية المشتركة للعقارات المبنية من التسيير إلى الحلول القانونية والمحاسبية
مقدمة
يشكل نظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية أحد أهم الأنظمة القانونية المنظمة للسكن الجماعي بالمغرب، إلا أنه ما يزال يطرح إشكالات عملية معقدة تتعلق بتدبير النزاعات وتحصيل الديون داخل الإقامات السكنية.
وقد جاء القانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة[1] كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 39.24[2] ليعيد ترتيب مجموعة من المقتضيات القانونية، وعلى رأسها المادة 13 والمادة 25، في محاولة لتحقيق توازن بين ثقافة الوسائل البديلة من جهة، وفعالية التحصيل الجبري من جهة ثانية.
غير أن الإشكال المركزي الذي يطرح اليوم يتمثل في:
هل يمكن اعتبار الصلح والوساطة شرطًا قبليًا حتى في مسطرة الأمر بالأداء داخل الملكية المشتركة؟
أم أن الأمر يتعلق بمسارين قانونيين مستقلين رغم انتمائهما لنفس المنظومة؟
المحور الأول: المادة 13 بين تكريس الوساطة وحدود الإلزام
تعد المادة 13 من القانون 18.00 كما تم تعديلها[3] من أهم المقتضيات التي أعادت تشكيل فلسفة تدبير النزاعات داخل الملكية المشتركة، حيث نصت على إمكانية اللجوء إلى الصلح والوساطة قبل التقاضي.
وقد ذهب بعض الفقه إلى اعتبار هذا التوجه تكريسًا لثقافة الحلول الودية داخل الإقامات السكنية، انسجامًا مع التوجه العام لإصلاح العدالة بالمغرب.
وفي هذا الإطار، يؤكد الباحث سعيد أبوري أن التعديل الأخير يروم بالأساس تعزيز الوسائل البديلة لفض النزاعات، وخاصة الوساطة، باعتبارها مدخلًا لتخفيف العبء عن القضاء، دون أن يعني ذلك تحويلها إلى شرط إلزامي في جميع الحالات، خاصة في المساطر ذات الطبيعة التحصيلية[4].
غير أن غياب التنصيص على جزاء قانوني لعدم سلوك الوساطة، وعدم استعمال المشرع لصيغة الإلزام، يجعل من المادة 13 آلية توجيهية وتحفيزية أكثر منها إلزامية[5].
المحور الثاني: المادة 25 ومسطرة الأمر بالأداء كآلية مستقلة للتحصيل
في مقابل منطق الوساطة، نجد المادة 25 من نفس القانون[6] التي تنظم تحصيل ديون اتحاد الملاك، وخاصة عبر مسطرة الأمر بالأداء المنصوص عليها في الفقرة الثالثة.
وتقوم هذه المسطرة على شروط دقيقة، من أهمها:
محضر الجمع العام المصادق عليه؛
كشف حساب دقيق للديون؛
شهادة الملكية؛
الإنذار المسبق للمالك المدين.
وتتميز هذه المسطرة بأنها:
مسطرة كتابية بسيطة؛
لا تقوم على مناقشة موضوع النزاع؛
يبت فيها رئيس المحكمة الابتدائية؛
تهدف إلى استصدار سند تنفيذي سريع.
وبذلك فهي لا تُعد نزاعًا قضائيًا بالمعنى التقليدي، بل مسطرة ذات طبيعة تحصيلية/إجرائية خاصة.
المحور الثالث: الإشكال القانوني – هل تخضع مسطرة الأمر بالأداء للوساطة؟
يثير التطبيق العملي سؤالًا محوريًا:
هل يمكن اشتراط المرور عبر الصلح أو الوساطة قبل سلوك مسطرة الأمر بالأداء؟
إن القراءة المنهجية للنصوص تقود إلى نتيجة أساسية:
المادة 13 تتعلق بالنزاعات التواجهية؛
المادة 25 تتعلق بالديون الثابتة والمحددة سلفًا؛
الأمر بالأداء لا يناقش أصل الدين بل يثبت وجوده.
وبالتالي، فإن إدخال الوساطة كشرط قبلي في مسطرة الأمر بالأداء يُعد خلطًا بين:
منطق النزاع (Dispute)
ومنطق الدين الثابت (Debt)
وهو ما لا يستقيم قانونًا ولا عمليًا، لأن لكل مسطرة فلسفتها الخاصة.
المحور الرابع: وجهة نظر ميدانية – تصحيح الفهم حول المادة 13
انطلاقًا من الممارسة الميدانية في تتبع نزاعات الملكية المشتركة، يتبين أن بعض التطبيقات العملية وسعت من نطاق المادة 13 بشكل غير دقيق، واعتبرتها شرطًا عامًا حتى في مساطر تحصيل الديون.
غير أن الفهم الصحيح يقتضي التمييز بين:
الوساطة كآلية لحل النزاعات التواجهية؛
ومساطر التحصيل الجبري المنصوص عليها في المادة 25.
وقد أكدت دراسات حديثة أن الهدف من إدراج الوساطة هو تعزيز ثقافة الحلول الودية، وليس تعطيل مساطر التحصيل أو تقييدها[7].
وفي هذا السياق، يمكن التأكيد أن مسطرة الأمر بالأداء ليست “دعوى قضائية تقليدية”، بل هي مسطرة مبسطة تهدف إلى تمكين اتحاد الملاك من استخلاص مستحقاته في وقت وجيز وبإجراءات محددة قانونًا.
المحور الخامس: التوازن التشريعي بين المادة 13 والمادة 25
يحاول المشرع من خلال القانون 39.24 تحقيق توازن دقيق بين:
الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي داخل الإقامة (المادة 13)
وضمان استمرارية التمويل والتسيير (المادة 25)
لكن هذا التوازن ما يزال يطرح إشكالات عملية، من أبرزها:
اختلاف التفسير القضائي؛
غياب توحيد العمل القضائي؛
غموض العلاقة بين الوسائل البديلة ومساطر التحصيل.
خاتمة
إن مسطرة الأمر بالأداء داخل قانون الملكية المشتركة تظل آلية أساسية وفعالة لضمان تحصيل الديون، في حين تبقى الوساطة والصلح أدوات موازية تهدف إلى تخفيف حدة النزاعات الاجتماعية داخل الإقامات السكنية.
غير أن الخلط بين المسارين – كما يظهر في بعض التطبيقات – يؤدي إلى إضعاف الأمن القانوني وإرباك العمل الميداني.
لذلك، فإن التمييز بين المادة 13 والمادة 25 ليس مجرد نقاش نظري، بل ضرورة عملية لضمان فعالية نظام الملكية المشتركة واستقراره.
الهوامش
[1] القانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.298 بتاريخ 3 أكتوبر 2002.
[2] القانون رقم 39.24 القاضي بتعديل وتتميم القانون رقم 18.00، الجريدة الرسمية عدد 7328.
[3] المادة 13 من القانون 18.00 كما تم تعديلها بالقانون 39.24.
[4] سعيد أبوري، “نظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية بالمغرب: أي آفاق من خلال القانون الجديد؟”، مجلة القانون والأعمال الدولية، 2025.
[5] عشبوش محمد ورايس محمد، منظومة الوساطة في القانون المغربي، مجلة الأستاذ الباحث، 2021.
[6] المادة 25 من القانون 18.00 كما تم تعديلها.
[7] عبد المجيد غميجة، مبدأ الأمن القانوني وضرورة الأمن القضائي، مجلة الملحق القضائي، 2009.
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"