أزمة المحاماة في المغرب: أزمة ما بين سطور مشروع قانون
د. نبيل محمد بوحميدي
مقدمة
لا يبدو أن النقاش الدائر اليوم حول مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة مجرد خلاف عابر حول بعض المواد القانونية أو المقتضيات التنظيمية، فحجم التعبئة التي عرفها الجسم المهني، واتساع دائرة الاعتراض، واللغة غير المسبوقة التي طبعت مواقف مختلف الفاعلين، كلها مؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بأن الأمر يتعلق بأزمة أعمق من مجرد اختلاف حول نص تشريعي.
لقد انصب جانب مهم من النقاش على تفاصيل المشروع، غير أن التركيز على النص وحده قد يحجب عنا السؤال الجوهري الذي تطرحه الأزمة الحالية:
هل يتعلق الأمر فعلاً بمشروع قانون، أم أننا أمام أزمة معنى تمس تصور المحاماة لذاتها ولدورها داخل المجتمع والدولة؟
إن أهمية هذه الأزمة لا تكمن في المواد المختلف بشأنها فقط، بل في كونها أعادت إلى الواجهة أسئلة ظلت مؤجلة لسنوات طويلة حول هوية المحاماة المغربية ومستقبلها ووظيفتها داخل منظومة العدالة.
المحاماة: مهنة أم رسالة؟
يصعب فهم الجدل الحالي دون العودة إلى الطبيعة الخاصة للمحاماة، فالمحاماة ليست مجرد نشاط اقتصادي أو خدمة قانونية تقدم في سوق المهن، بل ارتبطت تاريخياً بالدفاع عن الحقوق والحريات وبفكرة مقاومة التعسف وحماية الإنسان أمام السلطة.
لهذا السبب لم يكن استقلال المحامي في التجارب الديمقراطية مجرد امتياز مهني، وإنما ضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع, ومن هنا نشأ التصور التقليدي للمحاماة باعتبارها رسالة قبل أن تكون مهنة.
غير أن التحولات التي عرفتها الدولة الحديثة أفرزت منطقاً موازياً يقوم على الحكامة والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة ووفق هذا التصور، تصبح المحاماة قطاعاً مهنياً من بين القطاعات المنظمة التي ينبغي أن تخضع للتحديث والتأطير القانوني والتقييم المستمر.
هكذا يجد المحامي نفسه اليوم واقفاً عند تقاطع رؤيتين:
رؤية تعتبر المحاماة سلطة أخلاقية وقانونية مستقلة تستمد مشروعيتها من رسالتها الحقوقية.
ورؤية تعتبرها مهنة حديثة مطالبة بالانخراط في متطلبات التنظيم والحكامة والتحديث.
إن جزءاً كبيراً من الأزمة الراهنة لا يعكس صراعاً حول مواد قانونية، بقدر ما يعكس صراعاً بين هذين التصورين.
ما الذي كشفه مشروع القانون؟
قد يكون من الأدق القول إن مشروع القانون لم يصنع الأزمة بقدر ما كشف عنها.
لقد أخرج إلى العلن تناقضات كانت قائمة داخل الحقل المهني والقانوني منذ سنوات، لكنه منحها شكلاً ملموساً ومباشراً.
فالخلاف حول شروط الولوج إلى المهنة لم يكن مجرد نقاش حول الشهادات أو المباريات، بل كان في جوهره خلافاً حول طبيعة النخبة القانونية التي يراد للمحاماة أن تنتجها في المستقبل.
والخلاف حول بعض الامتيازات أو الاستثناءات لم يكن مجرد نقاش تقني، بل طرح سؤال المساواة داخل الجسم المهني وحدود الاعتراف بالخبرة المهنية السابقة.
أما النقاش المرتبط بالتسيير الذاتي للمهنة، فقد أعاد إلى الواجهة سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بحدود تدخل الدولة في تنظيم المهن التي تشكل جزءاً من منظومة العدالة.
وبالمثل، فإن الجدل الذي صاحب بعض المقتضيات المتعلقة بالحكامة والرقابة لم يكن سوى انعكاس للصراع القائم بين منطق الثقة المهنية ومنطق الضبط المؤسساتي.
ومن ثم فإن المواد القانونية المختلف بشأنها ليست سوى مظاهر خارجية لسؤال أعمق يتعلق بمستقبل المحاماة نفسها.
أزمة ثقة أم أزمة قانون؟
تعلمنا فلسفة القانون أن القاعدة القانونية لا تستمد مشروعيتها من سلطة المشرع وحدها، وإنما من درجة الاعتراف المجتمعي بها.
وعندما ينتقل الخلاف من مضمون النصوص إلى التشكيك في مسار إنتاجها، فإننا نكون أمام أزمة ثقة أكثر من كوننا أمام أزمة قانون.
ولعل أخطر ما أفرزته المرحلة الحالية هو شعور جزء من الجسم المهني بأن الحوار لم يعد كافياً لضمان التوافق، وأن مخرجات التشاور قد لا تعكس دائماً ما تم الاتفاق عليه.
وفي المقابل، ترى الدولة أن الإصلاح لم يعد يحتمل التأجيل، وأن متطلبات تحديث العدالة تفرض مواصلة المسار التشريعي.
بين هذين المنظورين نشأت حالة من التوتر جعلت النقاش يتمحور أحياناً حول النوايا أكثر مما يتمحور حول النصوص.
وهنا تكمن إحدى أخطر تجليات الأزمة، لأن إصلاح العدالة لا يمكن أن ينجح في غياب الثقة المتبادلة بين المؤسسات العمومية والفاعلين المهنيين.
نحو عقد مهني جديد
إن مستقبل المحاماة المغربية لا يمكن أن يبنى على منطق الغلبة.
فلا الدولة قادرة على إنجاح إصلاح عميق دون انخراط الجسم المهني، ولا المهنة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل بمنطق الرفض الجامد لكل تغيير.
الحاجة اليوم ليست إلى انتصار طرف على آخر، بل إلى بناء عقد مهني جديد يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية:
أولها، اعتبار استقلالية المحاماة ضمانة دستورية لحق الدفاع وليست امتيازاً فئوياً.
ثانيها، الانخراط الجدي في تحديث المهنة وتطوير آليات اشتغالها وتكوينها وتأهيلها لمواجهة التحولات الرقمية والمؤسساتية.
ثالثها، مأسسة الحوار والتشاور بوصفهما شرطين لإنتاج إصلاحات مستدامة تحظى بالقبول والثقة.
خاتمة
لعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الجميع اليوم ليس: أي مشروع قانون نريد؟
بل: أي محاماة نريد؟
ذلك أن النصوص القانونية، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها إنقاذ مهنة فقدت وضوح رسالتها، كما أن الاستقلالية، مهما اتسعت، لا تكفي إذا لم تصاحبها قدرة دائمة على التجدد والتكيف مع تحولات العصر.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعديل قانون المحاماة، وإنما في اختزال إصلاح المهنة في إصلاح قانونها. فالمهن لا تتجدد بالنصوص وحدها، وإنما بتجديد رؤيتها لذاتها ولدورها داخل المجتمع.
ومن ثم، فإن الأزمة الحالية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها لحظة صراع حول مشروع قانون، بل باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة التفكير في معنى المحاماة ووظيفتها ومستقبلها داخل الدولة الدستورية الحديثة.
ففي نهاية المطاف، ليست أزمة المحاماة المغربية أزمة نصوص فقط، بل هي أزمة معنى وهوية ودور؛ وهي أسئلة لا يمكن لأي تشريع، مهما بلغت جودته، أن يجيب عنها وحده.
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"