صلاة الحريديم بمراكش: حين تختبر حرية المعتقد حدود النظام العام
افتتاحية:
ليست كل ممارسة دينية محصنة من المساءلة القانونية، ولا كل استناد الى حرية المعتقد كاف لاضفاء المشروعية على سلوك يمارس في الفضاء العام. فالحق، في جوهره، لا يقاس فقط بوجوده، بل بحدوده.
ان الواقعة التي شهدها محيط باب دكالة بمدينة مراكش تضعنا امام اشكال قانوني دقيق: هل نحن بصدد ممارسة مشروعة لحرية دينية يكفلها دستور المغرب، ام امام استعمال لهذه الحرية خارج سياقها الطبيعي، بما يجعلها اقرب الى فعل يستدعي التقييد لا الحماية؟
ذلك ان الفضاء العام ليس مجالا محايدا بلا ضوابط، بل هو حيز قانوني منظم، تحكمه اعتبارات النظام العام ورمزية الاماكن التاريخية وحقوق الغير. ومن ثم، فان تحويله الى مسرح لممارسات ذات طابع ديني علني يطرح سؤال التناسب: هل نحن امام تعبير مشروع، ام امام سلوك يتجاوز الحد المعقول لممارسة الحرية؟
ان اخطر ما في مثل هذه الوقائع ليس الفعل في حد ذاته، بل ما يكشفه من توتر بين نصوص تضمن الحقوق، وواقع يختبر حدودها. وهنا يتدخل القانون لا لمنع الحرية، بل لاعادة ضبطها داخل اطارها المشروع.
وعليه، فان النقاش الحقيقي لا ينبغي ان ينحصر في الدفاع او الرفض، بل في تحديد القاعدة: متى تكون الحرية حقا مشروعا، ومتى تتحول الى ممارسة قابلة للتقييد؟
مقدمة:
اثارت الواقعة التي شهدها محيط باب دكالة بمدينة مراكش، والمتعلقة بقيام مجموعة من الافراد بممارسة طقوس دينية في الفضاء العام، نقاشا قانونيا ومجتمعيا واسعا. وقد تباينت المواقف بين من اعتبرها تجسيدا لحرية المعتقد، ومن راى فيها اخلالا بالنظام العام او مساسا برمزية الفضاء التاريخي.
وتقتضي هذه الواقعة مقاربة قانونية دقيقة تستحضر التوازن الذي يقيمه المشرع المغربي بين حماية الحريات الاساسية وضمان استقرار النظام العام.
اولا: الاطار الدستوري لحرية ممارسة الشعائر الدينية
يكرس دستور المغرب مبدا حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، في اطار الثوابت الدستورية للمملكة، القائمة على التعدد والانفتاح، مع الحفاظ على الخصوصية الدينية للمجتمع المغربي.
وتشكل هذه الحرية احدى الحريات الاساسية التي لا يمكن تقييدها الا بموجب القانون، ولاسباب مشروعة، وفي حدود الضرورة والتناسب.
ثانيا: حدود ممارسة الحرية الدينية في الفضاء العام
رغم الحماية الدستورية، فان ممارسة الشعائر الدينية تظل خاضعة لجملة من القيود القانونية، اهمها:
1. احترام النظام العام:
يعد النظام العام بمفهومه الثلاثي (الامن، السكينة، الصحة العامة) قيدا جوهريا على ممارسة الحريات. وكل نشاط ديني في الفضاء العام من شانه اثارة التوتر او الاخلال بالسكينة يمكن ان يندرج ضمن الافعال الموجبة للتدخل الاداري.
2. تنظيم التجمعات العمومية:
ان ممارسة طقوس جماعية في الشارع قد تندرج ضمن مفهوم التجمع العمومي، الذي يخضع بدوره لمقتضيات تنظيمية، خصوصا اذا اتخذ طابعا منظما او علنيا.
3. حماية الاماكن التاريخية:
يشكل الفضاء الذي وقعت فيه الواقعة، باعتباره جزءا من التراث المعماري لمدينة مراكش، مجالا محميا بموجب القوانين المتعلقة بحماية التراث الثقافي. وعليه، فان اي استعمال غير ملائم او من شانه المساس برمزيته قد يثير مسؤولية قانونية.
ثالثا: التكييف القانوني للواقعة
انطلاقا من العناصر المتداولة، يمكن تقديم التكييف التالي:
- اذا ثبت ان الممارسة تمت بشكل عفوي وفردي، دون احداث اضطراب، فانها تظل في نطاق الحرية الدينية المكفولة.
- اما اذا اتخذت طابعا جماعيا علنيا واثارت ردود فعل مجتمعية او مست بسكينة الفضاء العام، فقد تكيف كتجمع غير منظم او نشاط مخل بالنظام العام.
- وفي حال اقترانها باستعمال غير لائق لمعلم تاريخي، يمكن اثارة مقتضيات حماية التراث.
رابعا: في ردود الفعل المجتمعية (تنظيف السور)
تشكل المبادرات التي اقدم عليها بعض الشباب لتنظيف السور تعبيرا مدنيا عن موقف رمزي، غير ان هذه الافعال بدورها ينبغي ان تظل مؤطرة باحترام القانون، والا تتحول الى ممارسات قد تفهم كوصاية على الفضاء العام خارج الاطر المؤسساتية.
خاتمة:
تكشف هذه الواقعة عن حساسية التوازن بين الحرية الدينية ومتطلبات النظام العام في مجتمع متعدد، وتؤكد على ضرورة تأطير ممارسة الحريات داخل الفضاء العام بشكل يحفظ كرامة الافراد ويحمي في الان ذاته استقرار المجتمع ورمزية فضاءاته.
كما تبرز اهمية الوعي القانوني الجماعي لتفادي الانزلاق نحو تاويلات متطرفة، سواء في اتجاه التضييق غير المبرر على الحريات، او في اتجاه ممارسات قد تخل بالنظام العام
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"