MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers



المرض النفسي للأجير: الواقع والقانون

     

الدكتورة سناء بوجلود

باحثة في القانون



 
 
شهد عالم الشغل تحولات كبرى انعكست على ظروف الشغل ووتيرته على الأجراء الذين يساهمون بعملهم وكدهم في رفع وتيرة الانتاج التي تسعى المقاولات إلى تحقيقها. وإذا كان الحصول على منصب شغل، يعتبر فرصة سارة للأجير الذي سيكسب أجرا من عمله يساعده على مجابهة متطلبات الحياة، فإن القيام بالمهام المطلوبة منه قد تجعله حريصا على ارضاء المشغل، بإظهار كل مهاراته المهنية والتفاني في عمله بكل جد وإخلاص سواء من زاوية اثبات الذات، أو من زاوية الطموح في الترقي داخل المقاولة.  
 
وإذا كانت مخاطر الشغل تجلت مع ظهور الثورة الصناعية من خطورة الآلات الميكانيكية التي دخلت المعامل والحقول الفلاحية ووسائل النقل، إلى كثرة المواد الكيماوية التي صار الأجراء يحتكون بها سواء في الأعمال المعدنية والمنجمية أو في أعمال الصناعات التحويلية، فإن سلامة الأجراء في مثل هذه المقاولات أصبحت مهددة بإمكانية تعرض بعضهم إلى حوادث شغل، أو إلى حوادث طريق من جراء التنقل بسبب الشغل وازدحام الطرقات، أو إلى أمراض تصيب جسمهم من جراء تعاطي المهنة.
 
ومع التغيير الكبير الذي عرفه عالم الشغل والتحول الذي طرأ على نمط الإنتاج لدى مختلف المقاولات الصناعية والفلاحية والتجارية والخدماتية وحتى في المهن الحرة، ومع الأزمات الاقتصادية والمالية وكذا بعض الصعوبات الهيكلية أو الظرفية التي صارت تتخبط فيها كثير من المقاولات، لا فرق بين الكبيرة والمتوسطة والصغرى، فقد صارت بعض المقاولات مضطرة إلى فصل بعض أجرائها عن عملهم وبالتالي انهاء عقود شغلهم، أو إلى خفض وتيرة الانتاج مع خفض جزئي للأجور مالم يترتب عن بعض الصعوبات الاغلاق النهائي للمقاولة التي لم تستطع الصمود في وجه المنافسة الشرسة.       
 
ويمكن القول أن الآثار السلبية للعولمة والتطور التكنولوجي السريع، جعل المقاولات تعتمد على وسائل جديدة للتنظيم قصد ركوب التطور الحاصل في عالم الشغل، وقد تسبب ذلك في ظهور أمراض جديدة تتجاوز الصحة البدنية للأجراء، لتتخذ شكل أمراض نفسية نتيجة للضغط والتوتر المهني الذي بات يميز عالم الشغل.
 
وعلى اعتبار أن قواعد القانون الاجتماعي تحتل مكانة متميزة، كونها تشكل مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم العلاقات الشغلية سواء كانت فردية أو جماعية، وتتسم بالمرونة وبتطور قواعده ومكانته المتميزة بين فروع القانون الأخرى، أصبح من القوانين القريبة من الحياة والناس بقوة، باعتباره قانونا مهنياً يسعى إلى استقرار علاقات الشغل واستتباب الأمن الاجتماعي والاقتصادي.
والمشرع الاجتماعي راع في كثير من الدول توفير الحماية الضرورية للأجراء بتوازن مع مصالح المشغلين أو رؤساء المقاولات، والعمل على تحسين ظروف الشغل وشروطه، حتى أنه تم اعتبار قانون الشغل قانون المجتمع بامتياز.
 
وما كان تدخل الدولة في تنظيم علاقات الشغل إلا حماية للأجير، وذلك بسنها لمجموعة من الأنظمة التي تهدف الى الحماية والاستقرار، حيث سنت نظاما للضمان الاجتماعي والتغطية الصحية ضد الأمراض والحوادث التي تصيب الأجراء، ووضع نظام للتقاعد بهدف ضمان العيش الكريم لفئات واسعة من المجتمع. فضلا عن توفير الحماية الاجتماعية للأجراء وتنظيم العلاقات بينهم وبين المشغلين، وكذا توفير أرضية للعمل خالية من النزاعات والصراعات وتشجيع الاستثمار والتشغيل.
 
وأمام انعكاسات العولمة، أصبحت المقاولات تسعى إلى تحقيق التنافسية الاقتصادية وركوب موجة المعلوميات والثورة التكنولوجية للبقاء، غير أن ذلك انعكس على ظروف الشغل وأصبح الأجراء بدورهم مطالبين ببذل المزيد من العطاء وحتى من التضحية أحيانا، مما قد يؤثر على وضعهم الصحي ليس فيما يخص الجانب البدني فقط وإنما حتى في الجانب النفسي.
 
1- الصحة النفسية للأجير:
 
لقد بقيت الصحة زمنا طويلا حبيسة مفهوم ضيق جدا لا يتعدى بدن الانسان دون النظر إلى جانب الصحة النفسية للأجير، ويمكن القول أن التشريعات الاجتماعية جاءت لحماية صحة وسلامة الأجير البدنية فقط. فالمخاطر المهنية كانت لا تخرج عن نطاق الأمراض المهنية وحوادث الشغل والطريق؛ وهي نتيجة مباشرة للثورة الصناعية التي ركزت على حماية الأجير من المخاطر الصناعية، حتى أن كل من قانون الشغل والتأمين الاجتماعي؛ أي التشريع الاجتماعي بني بأكمله على رؤية الأجير من الزاوية الميكانيكية التي تتلخص في اصابة جسد أو بدن الأجير بضرر قد يكون مرضا أو حادثة. 
 
فإذا كان الأجير يتمتع بالحق في الشغل، فإن الحق في تمتعه بصحة جيدة يعد من الحقوق الشخصية المكتسبة، وهي منصوص عليها في التشريعات الوطنية وحتى الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب في المجال الاجتماعي بصفة عامة، وفي مجال الشغل بصفة خاصة. كما أن حق الأجير في الصحة باعتباره انسانا يعد من أهم حقوق الانسان إلى جانب المواطنة والكرامة.
فالأجير باعتباره إنسانا لم يعد يُنظر إليه كأداة من أدوات الإنتاج وإنما مساهما في تحسين مردودية المقاولة، وكقوة عاملة تساهم في التنمية الاقتصادية للبلاد.
ولذلك يمكن القول أن ظهور الاصابات النفسية في الوسط المهني غير من كيان الاصابات التقليدية في الشغل، وطور من مفهوم الصحة في الشغل والذي أصبح يشمل الصحة البدنية والصحة النفسية معا.
 
وإذا كانت مجموعة من دول العالم أضحت في العقود الأخيرة تولي اهتماما بالصحة النفسية للأجراء، فإن منظمة الصحة العالمية لم تغفل في تعريفها للصحة في دستورها لسنة 1948 الصحة النفسية، فقد اعتبرت الصحة حالة من التكامل الجسدي والنفسي وكذا الاجتماعي وليس مجرد خلو من المرض أو العاهة. وهذا هو السياق الذي صارت فيه منظمة العمل الدولية و صار تعريف الصحة في المجال المهني يشمل حتى الصحة النفسية إلى جانب الصحة البدنية منذ سنة 1950، ومن تم وقع التأكيد على وقاية الأجراء من كافة المخاطر في أماكن العمل وتوفير بيئة شغل ملاءمة مع الامكانيات الفسيولوجية والنفسية.
 
غير أنه لم يتم الاهتمام إلا بالصحة البدنية للأجير في الشغل، والعمل على توفير بيئة شغل آمنة من مخاطر الصناعات المختلفة والوقاية من الاصابات والأمراض المهنية وكذا من الحوادث المرتبطة بالشغل، ويرجع ذلك الى ارتباط الصحة بالثورة الصناعية وحتى أن تشريعات الشغل في جل دول العالم كانت مبنية على هذا المفهوم.
 
ومع التطور الاقتصادي والاجتماعي ناهيك عن تحرير الاقتصاد المبني على منطق العولمة والشمولية، تحول عالم الشغل الحديث إلى عالم الشغل المعاصر المتأثر بالتحولات الاقتصادية السريعة وبالتطور المهول في الميدان التكنولوجي، وما رافقه من ثورة معلوماتية غيرت من ملامح المخاطر المهنية من تقليدية الى حديثة تصيب صحة الأجير النفسية بضرر.
 
فصحة الأجير النفسية في الشغل تطرح عدة اشكالات وتساؤلات كونها مازالت غائبة عن التشريع الاجتماعي المغربي. وإذا كانت منظمة الشغل الدولية تعتمد على المفهوم الواسع للصحة المهنية، فإن تشريع الشغل لم يواكب هذا المنظور، بالرغم من حداثة مدونة الشغل إلا أنها أغفلت النص صراحة على الصحة النفسية، كما أغفلت المخاطر المهنية الجديدة التي ظهرت نتيجة تغيير مفهوم الشغل والانتاج والتي تتسبب في اصابة الأجراء بأمراض نفسية.
 
وإذا كانت الصحة في الشغل موضوعا حساسا يهم جميع الأجراء وجميع المشغلين أو رؤساء المقاولات صغيرة كانت أم كبيرة، فإن المرض النفسي من الأمراض الخطيرة التي قد يصاب بها الأجير. وفي قوانين الشغل المقارنة التي أخذت بالمفهوم الواسع للصحة، أصبح معيار المقاولة الناجحة هي المقاولة التي تأخذ بعين الاعتبار الصحة النفسية لأجرائها. 
 
فلقد ظهرت في عالم الشغل مصطلحات جديدة تعبر عن معاناة الأجير النفسية كالتوتر ، والضغط العصبي والقلق والاكتئاب إلى غيرها من المصطلحات المرتبطة بالمرض النفسي، والذي يعبر عن الاضطراب النفسي وعدم التوازن النفسي والذهني الذي يعاني منه الأجير نتيجة مجموعة من العوامل تعبر عن الصعوبات والمعاناة التي يعاني منها داخل محيط العمل.
 
والأجير الذي يصاب باضطراب نفسي أو عدم التوازن النفسي في الشغل ومن جراء شغله، ما هو إلا نتيجة للضغوطات والصعوبات والمعاناة المهنية التي يعيشها داخل المقاولة، هذه الأخيرة تسعى إلى البقاء ومواجهة التنافسية الاقتصادية حيث تكون ظروف الشغل غير صحية، واذا كان سياق الرأسمال العالمي يجعل المقاولات والمشغل في المجهول، فإن الوسائل التي أصبح يعتمد عليها للتسيير والإدارة وتنظيم الشغل تؤثر سلبا على بيئة الشغل التي تتسم بالتوتر والضغط والتي تخلف مخاطر مهنية جديدة كتدهور صحة الأجير النفسية. ولعل هذه المخاطر النفسية هي ما أصبح يعرف في الوقت الحاضر في كثير من الدول المتقدمة بظاهرة « Burn out » أي أعراض الإنهاك المهني.
 
وبالنظر إلى أهمية موضوع المرض النفسي في تشريعات الشغل المقارنة، فإن المغرب بدوره مطالب بالاهتمام بهذا المرض نظرا لآثاره السلبية على صحة الأجير والمقاولة وعلى استقراره في شغله.
 
فإذا كانت مسؤولية المشغل التي نصت عليها مدونة الشغل ألزمته بأن يتخذ كل التدابير اللازمة والضرورية لحماية سلامة الأجراء وصحتهم وكرامتهم، فمن حق الأجير أن يتمتع بصحة جيدة في محيط الشغل، وفي حالة اصابته بضرر نفسي له أن يحصل على التعويضات الكافية لجبر الضرر وليس فقط لتعويض الأجر.
 
وللأجير الحق في انجاز شغله داخل بيئة سليمة من كل ما يهدد صحته سواء البدنية أو النفسية، ومشرع الشغل عليه أن ينتبه إلى الظروف التي تغيرت في المقاولات بسبب إكراهات العولمة وتأثر الظروف بالتطور السريع للتكنولوجيا والاقتصاد والتي أصبحت تولد مخاطر مهنية جديدة. فبالإضافة إلى التوتر والضغط النفسي والصدمة النفسية والقلق والاكتئاب، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار حتى التحرش المعنوي والجنسي وكذا التمييز باعتبارها ظاهرة تعد من المخاطر المهنية التي تصيب الأجير بأضرار نفسية وتهدد استقراره في الشغل.
 
والمشرع عليه التطرق إلى الصحة النفسية للأجير وحمايتها في حالة إصابتها بضرر أثناء قيامه بشغله، ولعل هذا الموضوع له عدة إشكالات يثيرها خاصة على المستوى القانوني، لذا وجب علينا تسليط الضوء على الموضوع وتبسيطه وتقريبه إلى المختصين والمعنيين بالأمر لإدراك أنه حان الوقت لملاءمة تشريعاتنا الوطنية وخاصة تشريع الشغل وقاية وحماية مع الواقع الذي يفرض نفسه وهو واقع الصحة النفسية في مجال الشغل.
 
2- واقعية المرض النفسي للأجير:
 
       قد يولد الشغل للقائم به نتيجة عدة عوامل ضغطا نفسيا وتوترا وارهاقا. وإذا لم يتمكن الأجير من تحقيق التوازن الطبيعي الضروري ما بين الجسدي والنفسي لعدة أسباب؛ كالأرق وفقد الثقة بالنفس والقلق والتشاؤم والاكتئاب، فإن حالته الصحية من الناحية النفسية ستؤثر على مردوديته في العمل داخل المقاولة مما قد يعطي انطباعا سيئا عنه لدى رؤسائه ويقلل من حظوظه في الترقية أو في نيل بعض المكافآت إن لم تخصم من أجرته مبالغ مالية بسبب عدم ضبطه لمواقيت الشغل.
 
       وإذا كانت غالبية  الأمراض العضوية تتطلب فترة من الزمن قصد العلاج ليسترجع الفرد عافيته بشكل لا يؤثر على قدرته على الشغل، فإن المرض النفسي اذا لم يعالج في الوقت المناسب قد يتطلب فترة زمنية للاستشفاء تستغرق عدة أسابيع أو شهور، إن لم تكن سنوات حتى يسترجع المريض توازنه النفسي وكامل قدراته على العمل والانتاج.
 
       فالمرض الذي يصيب الأجير قد يكون مرضا عضويا وقد يكون مرضا نفسيا، والمرض العضوي يظهر إما بسبب عدم قدرة الانسان على مقاومة بعض ما يدخل جسمه من ميكروبات وسموم وجراثيم، أو بسبب سهولة انتقال العدوى إلى الجسم نتيجة البنية الضعيفة للفرد، ففي هذه الحالة يكون المرض عاديا يصاب به أي انسان في أي وقت وفي أي مرحلة من عمره.
 
      وقد يظهر المرض من جراء المهنة التي يتعاطاها الأجير، كاحتكاكه بمواد سامة أو وجوده أثناء عمله في أمكنة موبوءة يكون الوسط المهني هو السبب لإصابة الأجير، ففي هذه الحالة غالبا ما يكون المرض موصوفا بكونه مهنيا، أي مصنفا ضمن لائحة الأمراض المهنية التي تشير إلى نوع المواد الكيماوية الضارة والفترة الزمنية التي يستغرقها ظهور المرض. كذلك قد يصاب الأجير بحادثة شغل تصيب جسمه بضرر كالجروح والكسور أو بتر عضو.
 
      ففي حالة كون المرض عاديا، يستفيد الأجير بعد تقديم شهادة طبية من تعويضات بسبب فقد أجره نتيجة مرضه والمقدمة له برسم ظهير 27 يوليوز 1972 المتعلق بالضمان الاجتماعي، وكذا تعويضات برسم الإعانة عن المصروفات الطبية المقدمة في إطار التأمين الإجباري عن المرض. أما اذا كان المرض مهنيا فإن الأجير يستفيد من تعويضات عن فقده لأجره وكذا التعويضات عن العناية الصحية برسم ظهير 29 ديسمبر 2014 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل، وظهير 31 ماي 1943 المتعلق بالأمراض المهنية.
 
     فالمرض النفسي الذي قد يصيب الأجير بسبب شغله يعرض عقد شغله لخطر الإنهاء ناهيك لما له من الانعكاسات السلبية على وضعية الأجير بالمقاولة، لذلك بعض التشريعات المقارنة نصت في قانونها للشغل على المرض النفسي واعتبرته مرضا مهنيا كقانون الشغل السويدي، وهناك من التشريعات من اعتبرته كحادثة شغل كقانون الشغل الفرنسي الذي يعتبر الأجير المريض نفسيا وكأنه أصيب في حادثة شغل.
 
      وقد أصبح موضوع المرض النفسي الذي يصيب الأجير في هذه الدول، يشغل اهتمام الفرقاء الاجتماعيين والاقتصاديين والمهنيين وأطباء الشغل ومجموعة من الهيئات، نظرا لما تخلفه الاصابة النفسية من آثار سلبية على المصاب وعلى ذويه أحيانا وحتى على سمعة المقاولة خاصة في حالة انتحار الأجراء من جراء مرضهم النفسي.
 
      ولعل موضوع المرض النفسي للأجير وأثره على عقد الشغل موضوع مرتبط بما هو اقتصادي واجتماعي، وأكثر من ذلك مرتبط بالأجير الانسان. ولذلك فطبيعة الموضوع حساسة يشغل اهتمام المنظمات المهنية خاصة منظمة الشغل الدولية، ويشغل اهتمام الباحث القانوني في كيفية تنبيه مشرع الشغل وإقناعه بأهمية الحماية القانونية للصحة النفسية في الشغل ووقايتها من المخاطر المهنية الجديدة، خاصة وأن المرض النفسي قد تنتج عنه آثار بالغة الخطورة، قد تزعزع توازن العلاقة الشغلية واستقرار الأجير بإنهاء عقد شغله من جراء مدة العلاج. 
 
      ومن هنا فإن تدخل الدولة في نطاق تشريع الشغل يبقى ضروريا لتكريس مفهوم الصحة النفسية في الشغل، واستقرار العلاقة العقدية وضمان حقوق الاجير في حالة اصابته بمرض نفسي.
 
 
3- الواقع القانوني للإصابة النفسية للأجير:
 
      قد يصاب الأجير بمرض غير مهني أو حادثة غير حادثة الشغل، وقد يصاب بمرض مهني أو بحادثة شغل، لكن ماذا لو كان عجز الأجير عن القيام بشغله والاستمرار فيه لم يكن بسبب مرض عضوي عادي أو مرض مهني أو حادثة الشغل، وإنما قدرته على العمل تأثرت سلبا بالإصابة النفسية.
 
      صحيح أن الأجير المريض في هذه الحالة سينال من جراء توقفه عن العمل نفس التعويضات اليومية المقدمة من لدن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لفترة محدودة هي مقدرة ب 26 أسبوعا. وحتى إذا كان الأجير المصاب مستفيدا من نظام التأمين الاجباري عن المرض (AMO)، فهل ستصرف له الاعانات الكافية.
 
      إن التغطية الصحية والتعويض عن العجز الناتج عن مرض نفسي هما محددان في الزمن كالمرض العضوي العادي، بخلاف المرض المهني أو حادثة الشغل التي تعطي الحق في نيل التعويضات طيلة مدة العجز الصحي للأجير وإلى غاية شفائه واسترجاع قدرته على العمل، ما لم يتحول حقه هذا إلى ايراد عمري بسبب العجز عن استئناف الشغل.
 
      ومن هنا تظهر أهمية اسناد المرض للمهنة، حيث يترتب عليه اعتبار إصابة الأجير مرضا مهنيا يستوجب تطبيق أحكام ظهير 31 ماي 1943 المتعلق بالأمراض المهنية قصد منح الأجير المصاب التعويض، أو اعتبار الإصابة النفسية حادثة شغل تستوجب صرف التعويضات المقدمة للمصاب في حادثة شغل برسم أحكام ظهير 29 ديسمبر 2014.. 
 
      وإذا كان للمرض النفسي الذي قد يصيب أي شخص عدة أسباب اجتماعية أو أسرية أو اقتصادية أو عاطفية، فإنه قد يجد منشأه أيضا في المحيط المهني حيث يعرض الشغل الأجير إلى ضغوطات عصبية، أو توتر نفسي أو ازعاج نفسي أو صدمة نفسية أو اكتئاب وقلق بسبب ظروف وبيئة الشغل ومن جراء تراكم العمل وشقاوته وصعوبته ومشاكل التنقل إليه، وأيضا بسبب حجم المهام المناطة بالأجير التي تقتضي منه أحيانا اتخاذ قرارات حاسمة، قد لا تكون سليمة في نظر المقاولة، ناهيك عن نوعية العلاقة أو المعاملة التي يعامل بها الأجير من طرف صاحب المقاولة أو من ينوب عنه، والتي قد تتميز بالقساوة والصرامة وعدم الليونة أو المرونة، كما قد يجد المرض النفسي مصدره في التحرش المعنوي أو الجنسي.
 
      وإذا كانت حالة المصاب النفسي تتطلب علاجا قصير المدى فإن ذلك لا يؤثر على علاقات الشغل. لكن إذا كانت الحالة النفسية للأجير المريض تتطلب شهورا طويلة من العلاج، فإن تطبيق مقتضيات مدونة الشغل لن يكون فيه حماية للمصاب ما دام بإمكان مشغله أن يعتبره مستقيلا عن عمله إذا زاد العجز الصحي عن 180 يوما في السنة. أفلا تقتضي العدالة في حالة وجود علاقة سببية بين الشغل والاصابة النفسية للأجير اعتبار مثل هذا العجز مرضا مهنيا أو حادثة شغل؟.
 
      إذا تأملنا في جداول الأمراض المهنية المضافة إلى ظهير 31 ماي 1943 (قرار وزير التشغيل و الشؤون الاجتماعية رقم 14/160 صادر في 19 من ربيع الأول 1435/ الموافق ل 21 يناير 2014)، لا نلاحظ أثرا للتوتر أو الضغط العصبي والنفسي أو العنف والقلق أو الاكتئاب وحتى الحوادث المهنية حصرتها في الاضرار البدنية؛ وبمعنى آخر فإن المرض النفسي يعتبر لحد الآن مرضا أو اصابة عادية.
 
      وإذا تأملنا في مقتضيات الفصل 155 من ظهير 29 ديسمبر 2014، نجده ينص على أن الايرادات والتعويضات التي ينص عليها الظهير لا يمكن منحها للمصاب الذي تسبب عمدا في الحادثة ولا تمنح أيضا لذوي حقوقه رغم أن الاصابة النفسية بسبب الشغل.
 
      فهل إذا انتحر الأجير من جراء مرضه النفسي بسبب الاكتئاب وعدم الثقة في النفس وعدم الرغبة في الحياة سواء تم الانتحار في مكان العمل أو خارجه، يعتبر الأجير المنتحر متسببا عن عمد في الحاق الضرر بنفسه ولا حق لذوي حقوقه كزوجته وأولاده الصغار في التعويضات الممنوحة للمصاب المتوفى في حادثة شغل، أم يا ترى يجب أن نتعامل مع مثل هذه الحالة بمنطق آخر لا يعتمد على القاعدة القائلة بمعاملة الأجير المنتحر بنقيض قصده، ونتوقف عند الاسباب الحقيقية للانتحار والتي كان الشغل أو المهنة من ورائها، فبإثبات العلاقة السببية ما بين المرض النفسي والمهنة تقتضي العدالة اعتبار الانتحار اصابة مهنية كحادثة شغل مميتة.
 
      وإذا ثبت وجود علاقة بين المرض النفسي والشغل، فأية حماية قانونية قد نمنحها للأجير المصاب، وما مدى تأثير الاصابة النفسية على عقد الشغل ؟.



الجمعة 3 أبريل 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter