MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers



المغرب من دبلوماسية الحضور إلى هندسة النفوذ القاري.

     

د/ الحسين بمار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي



المغرب من دبلوماسية الحضور إلى هندسة النفوذ القاري.
منذ العودة المظفرة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وما رافقها من خطاب إستراتيجي لجلالة الملك محمد السادس بأديس أبابا، دشن المغرب مرحلة جديدة في تموقعه القاري، قوامها الإنتقال من منطق الحضور الرمزي إلى هندسة نفوذ متكامل يقوم على الفعل الميداني وتكثيف الشراكات وبناء المصالح المتبادلة. لم تكن العودة مجرد تصحيح لمسار مؤسساتي، بل كانت إعلان عن رؤية دولة تعتبر إفريقيا امتداد طبيعي لعمقها الإستراتيجي، وفضاء حيوي لتجسيد مشروعها التنموي والسياسي.

لقد تميزت الإستراتيجية المغربية داخل القارة بدينامية دبلوماسية متعددة الأبعاد، جمعت بين السياسي والإقتصادي والثقافي والروحي، وأحسنت توظيف اللحظات المفصلية كأدوات لتعزيز المكانة. فالمغرب لم يعد يتعامل مع الأحداث بوصفها وقائع ظرفية، بل باعتبارها فرص لإعادة تثبيت صورته كفاعل موثوق، قادر على التنظيم والتأثير وصياغة المبادرات. من هذا المنطلق تحول الخطاب الدبلوماسي المغربي من لغة المجاملة السياسية إلى منطق الشراكة الإستراتيجية القائمة على الإستدامة وتقاسم المنافع، في توازن دقيق بين صيانة المصالح الوطنية والإنخراط الصادق في قضايا القارة.

إن الحضور المغربي في المحافل القارية والدولية لم يكن أبدا مجرد عمل ديبلوماسي شكلي، بل أصبح مؤطر برؤية شمولية تتكامل فيها أدوات الدولة. فالمشاركة الفاعلة داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي، والانخراط في آليات التعاون جنوب جنوب، وتكثيف الزيارات الملكية والإتفاقيات الثنائية، كلها تعكس وعي إستراتيجي بأن النفوذ في إفريقيا لا يبنى بالخطاب السياسي وحده، بل بترسيخ الثقة عبر المشاريع الملموسة والإلتزامات التنموية الطويلة الأمد. وهنا تتبدى ملامح نضج دبلوماسي يشتغل على المدى البعيد، ويستحضر التحولات الجيوسياسية التي تعرفها القارة في ظل تنافس دولي متصاعد عليها.

ويشكل التعاون الاقتصادي والثقافي رافعة مركزية في هذا المسار. فالمغرب من خلال استثماراته البنكية والطاقية والفلاحية ومشاريعه اللوجستية الكبرى، يراهن على خلق ترابط إقتصادي فعلي بين شمال القارة وعمقها جنوب الصحراء، بما يعزز الإعتماد المتبادل ويؤسس لتكامل إقليمي حقيقي. إن منطق “رابح رابح” لم يعد شعار لإستهلاك الإعلامي ، بل أصبح إطار عملي يحكم العلاقات المغربية الإفريقية، حيث تبنى الشراكات على نقل الخبرة وتقاسم التجربة التنموية، لا على منطق الهيمنة أو الإحسان السياسي.

أما البعد الثقافي والروحي، فيمثل أحد أهم عناصر القوة الناعمة المغربية. فالمملكة تستثمر في الروابط التاريخية والدينية التي تجمعها ببلدان إفريقيا، وتعمل على تأطيرها في مؤسسات تكوين علمي وروحي تعزز الإعتدال وتحصن المجتمعات من التطرف، بما يرسخ صورة المغرب كجسر حضاري بين شمال القارة وجنوبها، وبين إفريقيا وامتداداتها المتوسطية والأطلسية. إن هذا العمق الثقافي يمنح الدبلوماسية المغربية بعد إنساني يكمل بعدها الإقتصادي والسياسي.

وفي ما يتعلق بالتحديات الإقليمية، وعلى رأسها التنافس مع الجزائر، فقد إختار المغرب مقاربة تتجاوز منطق الثنائية الصراعية إلى توسيع دائرة الحضور داخل القارة. فبدل الدخول في سجالات إقليمية، عمل على تعميق علاقاته الثنائية مع دول إفريقيا جنوب الصحراء، وعلى تثبيت موقعه كشريك تنموي موثوق، بما يفرغ محاولات عزلها أو التشويش على أدواره من مضمونها. إن إدارة التحدي هنا تقوم على عقلانية استراتيجية تعتبر أن أفضل رد على المنافسة هو توسيع شبكة الشراكات، وترسيخ الحضور الإيجابي داخل المؤسسات القارية.

 يبدو أن الدور المغربي اليوم ، مرشح لمزيد من التعاظم في المبادرات الإفريقية المشتركة، سواء في مجالات البنية التحتية العابرة للحدود، أو في آليات التمويل القاري، أو في مشاريع الطاقة المتجددة والأمن الغذائي. كما أن مساهمة القوات المسلحة الملكية في عمليات حفظ السلام الأممية، وإنخراط المغرب في جهود مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل، يعكسان استعداده لتحمل مسؤوليات أمنية تتجاوز حدوده الوطنية، من خلال قناعته بأن إستقرار إفريقيا شرط لاستقرار المغرب نفسه.

ختاما، إن العلاقات المغربية الإفريقية اليوم لم تعد علاقات تضامن عاطفي أو تقارب ظرفي، بل أضحت شراكة إستراتيجية متعددة المستويات، تتأسس على رؤية واضحة ومتماسكة، قوامها بناء نفوذ هادئ ومتدرج وترسيخ إندماج قاري يخدم مصالح الشعوب الإفريقية مجتمعة.  فالمغرب لا يسعى فقط إلى تعزيز موقعه داخل إفريقيا، بل إلى الإسهام في إعادة تشكيل معادلة القوة داخلها، عبر نموذج يقوم على التنمية والإستقرار والتكامل، ويؤمن بأن المستقبل الإفريقي يبنى بالفعل المشترك لا بالشعارات والمكائد المكشوفة.
 



الاحد 29 مارس 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter