MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers



المحكمة الدستورية

     

أحمد الزجاري

باحث في القانون الدستوري وعلم التشريع



المحكمة الدستورية


تجديد تعيين أو انتخاب بعض أعضاء المحكمة الدستورية ومدى مطابقتها لروح الدستور: قراءة في قرار المحكمة الدستورية رقم 262.26 بشأن القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية
يشكل القضاء الدستوري أحد أهم الضمانات المؤسساتية لسمو الدستور وصون مبادئه الجوهرية. وفي هذا الإطار، تضطلع المحكمة الدستورية المغربية بدور محوري في مراقبة مدى مطابقة القوانين التنظيمية والعادية لأحكام الوثيقة الدستورية، وهو ما يجعل اجتهاداتها مرجعا أساسيا في بناء دولة الحق والقانون.

غير أن ممارسة هذا الاختصاص الرقابي تطرح، بين الفينة والأخرى، تساؤلات جوهرية حول مدى التزام القاضي الدستوري نفسه بروح الدستور وغاياته، وعما إذا كانت بعض القرارات تتجاوز حدود التأويل المشروع لتبرير خيارات المشرع على حساب الضمانات الدستورية. ويتعلق الأمر هنا بما يمكن تسميته بالتأويل الغائي (interprétation téléologique) في مقابل التفسير الحرفي.

ويأتي قرار المحكمة الدستورية رقم 262.26 الصادر بتاريخ 2 مارس 2026، والذي صرحت بمقتضاه بأن القانون التنظيمي رقم 36.24 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، ليس فيه ما يخالف الدستور، ليثير تساؤلا حول حدود الاجتهاد القضائي الدستوري ومدى تقيده بروح الدستور.

ويتعلق الأمر هنا بما تم التنصيص عليه في التغيير الذي تم إدخاله على المادة 14 من القانون التنظيمي والمتمثل في عدم إمكانية إعادة تعيين أو انتخاب العضو المعين أو المنتخب الذي أكمل الفترة المتبقية من مدة عضوية سلفه، إذا كانت مدة عضويته خلال هذه الفترة المتبقية تفوق ثلاث سنوات.

والملاحظ أن المشرع لم ينص صراحة على إمكانية التجديد، بل اختار التنصيص على منع مشروط، وهو ما يعني، بمفهوم المخالفة، أنه يمكن إعادة تعيين أو انتخاب الخلف المذكور إذا كانت مدة عضويته خلال هذه الفترة المتبقية تقل عن ثلاث سنوات (ولو بيوم واحد). وهذه الصياغة توحي بنوع من حرج المشرع في سن هذا المقتضى، لأن التنصيص على المنع يعني أن الأصل هو الإباحة، وهو أمر مردود عليه في حالتنا هذه.

فبالرجوع إلى الدستور نجده ينص في الفصل 130 منه على أن المحكمة الدستورية تتألف من اثني عشر عضوا، “يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد”. كما نص في الفصل 131 منه على أن قانونا تنظيميا يحدد، من بين ما يحدده، وضعية أعضاء المحكمة، وكيفيات تعيين من يحل محل أعضائها الذين استحال عليهم القيام بمهامهم، أو استقالوا أو توفوا أثناء مدة عضويتهم.

وكما هو معلوم، فإن قيمة القواعد الدستورية لا تكمن فقط في صياغتها الحرفية، بل ايضا في غاياتها وروحها. فالدستور عندما قرر قاعدة عدم تجديد أعضاء المحكمة، فإن ذلك كان عن بينة واختيار ولغاية نبيلة، ألا وهي ضمان استقلاليتهم وإبعادهم عن كل محاباة طمعا في إعادة تعيينهم.

ومع ذلك، فإن المحكمة خلصت بأن ” الفقرة المضافة على المادة 14 ليس فيها ما يخالف أحكام الدستور”، مستندة في ذلك على مجوعة من الأسباب يمكن التعقيب عليها، واحدة واحدة، على النحو التالي:

السبب الأول المستمد من كون الدستور لم ينظم مسطرة تعيين أو انتخاب عضو في حالة شغور منصب قبل انقضاء الولاية الأصلية:

فعلا، إن الدستور لم ينظم هذه المسطرة في صلبه، لكنه أحال في الفصل 131 منه إلى قانون تنظيمي لتحديد “كيفيات تعيين من يحل محل أعضائها (المحكمة) الذين استحال عليهم القيام بمهامهم”.

وهذا بالفعل ما نظمه القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية في المادة 14 منه والتي تنص في الفقرتين الأولى والثانية منها على ما يلي: ” في حالة وفاة عضو أو استقالته أو إعفائه، تباشر مسطرة تعيين من يخلفه خلال مدة خمسة عشر (15) يوما من تبليغ الحالة إما إلى الملك إن كان أمر تعيين الخلف يرجع إلى جلالته وإما إلى رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين في الحالات الأخرى.

وفي حالة عدم انعقاد أحد مجلسي البرلمان أو هما معا، يحتسب الأجل المذكور أعلاه، ابتداء من تاريخ انعقاد المجلس أو المجلسين المذكورين مع مراعاة أحكام الفقرة الثانية من الفصل 130 من الدستور”.

وهذا يعني، دون جدال، أنه ليس هناك فراغ بشأن مسطرة التعيين أو الانتخاب. بل، وحتى على فرض ذلك، فإن مسطرة التعيين أو الانتخاب لا علاقة لها بمسألة التجديد من عدمه.

السبب الثاني المستمد من كون الدستور لم ينص على منع إعادة تعيين الخلف أو انتخابه لولاية كاملة، واكتفى بإسناد تحديد وضعيته لقانون تنظيمي:

يستنتج من تعليل المحكمة أنه “طالما أن الدستور لم يمنع تجديد تعيين أو انتخاب الخلف المعني، وترك الأمر إلى قانون تنظيمي لتحديد وضعيته”، فإن هذا يعني أن القانون التنظيمي حر في ان ينص على هذا التجديد.

لكن، بغض النظر عن مفهوم ومضمون “الوضعية” وما إن كانت تمتد إلى التطرق إلى تجديد مدة المهمة، فإنه، من جهة، لم يميز الدستور، عند حديثه عن الوضعية، بين الأعضاء الذين أكملوا مدة انتدابهم وأولئك الذين تم تعيينهم أو انتخابهم لتعويص أعضاء انتهت مدة انتدابهم قبل أوانها (الفقرة الأولى من الفصل 131)، ومن جهة أخرى إحالته إلى القانون التنظيمي بالنسبة لهؤلاء، اقتصرت على “تحديد كيفيات تعيينهم”، لا غير (الفقرة الثانية من الفصل 131). والإحالة، في علم التشريع، تعتبر تفويضا يتعين على المفوض له ألا يتعدى الحدود التي رسمها له المفوض (بكسر الواو)، مما يستنج معه أن القانون التنظيمي تجاوز مجال تدخله المحدد له بالدستور.

بل أكثر من ذلك، فإن سكوت الدستور عن مسالة التجديد لا تعني عدم منعه لها، خلافا لما ذهبت إليه المحكمة. بل على العكس من ذلك، هو دليل على أنه لا يسمح بها، وإلا لتطرق لها بالنظر لأهميتها.

قد يقول قائل بأن الإضافة التي أتى بها القانون التنظيمي الجديد سبقتنا إليها فرنسا منذ عقود، بدليل أن المادة 12 من القانون التنظيمي (ordonnance portant loi organique) رقم 58-1067 بتاريخ 7 نونبر 1958 تتضمن مقتضى مماثل.

ونفس الأمر بالنسبة لإسبانيا التي ينص قانونها التنظيمي 1979/2 ، في المادة 16 منه، على أنه “لا يمكن اقتراح أي قاض [بالمحكمة الدستورية] على الملك لفترة أخرى مباشرة (immédiate) ، ما عدا في الحالة التي يكون فيها [القاضي المعني] قد شغل منصبه خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات”.

لكن مثل هذا الدفع يمكن الرد عليه كالتالي:

فبالنسبة للنموذج الفرنسي، يجدر التذكير بأن القانون التنظيمي المذكور لم يعرض على المجلس الدستوري للنظر في مدى مطابقته للدستور، وذلك لسببين أساسين هما:

– أن القانون التنظيمي المذكور صدر في شكلordonnance أي نص تشريعي متخذ، كتدبير انتقالي، من طرف رئيس الدولة بناء على تأهيل مباشر من الفصل 92 من الدستور؛

– أن القانون التنظيمي لم يعرض على المجلس الدستوري لكون هذا الأخير لم يتم تنصيبه إلا لاحقا بتاريخ 13 مارس 1959.

واعتبارا لشجاعة القرارات التي تصدر عن المجلس، فإنه شبه مؤكد أنه ما كان ليترك الفرصة تمر دون أن يثير ملاحظات بشأن المقتضى لو عرض عليه.

أما بالنسبة للنموذج الإسباني، فإنه لا يطرح نفس الإشكالية التي يثيرها نظيره الفرنسي، وذلك لسبب بسيط، وهو أن الدستور الإسباني، عكس الدستورين المغربي والفرنسي، لم يتطرق بتاتا لمسالة تجديد تعيين خلفاء القضاة الذين لم يكملوا مدة ولايتهم الأصلية، ولم ينص على أن مدة تعيين أعضاء المحكمة غير قابلة للتجديد، وشتان بين التنصيص الصريح على عدم التجديد والسكوت عن هذه المسألة. ألم يقل الفقهاء أنه لا اجتهاد مع وجود نص صريح؟

كما أن هناك تفكيرا في بعض الدول نحو التراجع عن إمكانية إعادة تعيين القضاة الدستوريين، مع تمديد مدة انتدابهم.

السب الثالث المستمد من كون التعيين أو الانتخاب لتعويض عضو انتهت مدة مهامه قبل الأجل القانوني لا ينشئ ولاية دستورية ولا يعد انتدابا دستوريا كاملا بالمعنى المقصود في الفصل 130 من الدستور، وإنما يشكل آلية استثنائية تفرضها ضرورة استمرارية عمل المؤسسة الدستورية وانتظام سيرها، لأنه انتداب مرتبط عضويا بالمدة التي تم تعيينه لإتمامها:

بخصوص هذا التعليل، فإن لا أحد يجادل في أن الانتداب الجزئي لا ينشئ ولاية كاملة، فهذا أمر بديهي. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحا حول علاقة الانتداب الجزئي مع تجديد التعيين أو الانتخاب لولاية أخرى كاملة. فالأمر يتعلق بانتداب خاص فرضته ظروف خاصة وينتهي وجوبا بانتهاء المدة المتبقية من الانتداب الأصلي.

وإذا كان الهدف من شرعنة التجديد هو الاستفادة من خبرات وقدرات الخلف، فإن هذا التبرير صالح كذلك بالنسبة لباقي أعضاء المحكمة، ومع ذلك، لم يسمح الدستور بتجديد انتدابهم، تحصينا لهم من كل محاباة لسلطة تعيينهم.

أما بخصوص مبرر استمرارية المؤسسة، فإنه بدوره لا علاقة له بالتجديد من عدمه. فالاستمرارية التي سعى إليها الدستور لضمانها من خلال تقرير إمكانية تعويض عضو المحكمة للفترة المتبقية من انتدابه، ومن خلال التجديد الجزئي للمحكمة كل ثلاث سنوات.

فالخلف، بمجرد تعيينه، يصبح عضوا كامل العضوية، له نفس الحقوق وعليه نفس واجبات الأعضاء الأخرين. فلماذا يتم السماح له بقضاء فترة أطول من زملائه كقاض دستوري؟ من خلال التنصيص على إمكانية تجديد تعيينه أو انتخابه.

لقد حاولت المحكمة الإجابة على السؤال بالقول بأنه “في غياب أي منع صريح أو ضمني وارد في الدستور، فإن ما جاءت به الفقرة المضافة إلى المادة 14 من القانون التنظيمي المعروض، لا يعتبر تجديدا للولاية المحددة دستوريا، ما دام أن تعيينه [الخلف] لإكمال المدة لا يتعلق بأول تعيين لولاية كاملة”.

لكن، وبغض النظر عن تحفظنا عن غياب “أي منع ضمني” للتجديد، فإن غاية الدستور، واختياره، هي ألا يتم تعيين أو انتخاب أي شخص مرتين. فالعبرة بالشخص المعين أو المنتخب، وليس بالمدة التي قضاها كقاض دستوري، سواء كانت كاملة أم لا، لأن الدستور لم يميز، في مسألة التجديد، بين ولاية كاملة واخرى غير كاملة.

كما أن تجديد التعيين أو الانتخاب سيخلق وضعية أقل ما يقال عنها أنها شاذة عن قاعدة صريحة قررها الدستور. ذلكم أن الخلف الذي تمت إعادة تعيينه أو انتخابه سيقضي، كقاض دستوري، فترة تتجاوز التسع سنوات المحددة في الدستور، بحيث قد تصل إلى 12 سنة، إذا كانت فترة خلافته لسابقه لا تتجاوز ثلاث سنوات.

السبب الرابع المستمد من كون تحديد المشرع التنظيمي لسقف أقصاه ثلاث سنوات لمدة التعيين أو الانتخاب لإكمال مدة ولاية السلف، إنما يندرج ضمن سلطته التقديرية لتأطير وضعية قانونية محددة، ويتوخى ملء فراغ تشريعي وضمان توازن بين احترام الأحكام الدستورية المتعلقة بعدم تجديد الولاية ومتطلبات استمرار عمل المحكمة الدستورية:

لقد حاولت لمحكمة، من خلال التعليل الذي أوردته، أن تجيب على سؤال بديهي، ألا وهو لماذا سمح القانون التنظيمي بإمكانية تجديد ولاية الخلف إذا كانت مدة عضويته خلال الفترة المتبقية من مدة عضوية سلفه لا تفوق ثلاث سنوات، حيث صرحت بأن تحديد سقف أقصاه ثلاث سنوات يدخل ضمن السلطة التقديرية للمشرع سنوات، ولكن يبدو أنها لم تكن مقنعة بهذا التبرير، بدليل أنها سعت إلى تبريره بالقول بأن المشرع سعى إلى توخي “ملء فرغ تشريعي، وضمان توازن بين احترام الأحكام الدستورية المتعلقة بعدم تجديد الولاية ومتطلبات استمرار عمل المحكمة الدستورية”.

لكن السلطة التقديرية لا تعني السلطة الاعتباطية، بل سلطة لها حدود معقولة. فما الذي يمكن أن يسمح بتجديد ولاية الخلف الذي قضى ثلاث سنوات (كحد أقصى) في ولايته، ورفضها بالنسبة لمن قضى أكثر من ذلك ولو بيوم واحد؟

ومن جهة أخرى، وعكس ما ذهبت إليه المحكمة، فإنه ليس هناك أي فراغ تشريعي حتى يسعى القانون التنظيمي إلى سده. فالدستور والقانون التنظيمي في صيغته السابقة، وضعا كل الاحتياطات لضمان استمرار عمل المحكمة الدستورية. بدليل أنه لا شيء يفرض على سلطات التعيين تجديد ولاية الخلف المعني، دون ان يكون لذلك أي تأثير على أداء المؤسسة الدستورية.

وأخيرا، فإنه من الغرابة أن تصرح المحكمة بأن المشرع سعى، من خلال المقتضى، إلى ضمان “توازن” بين احترام الأحكام الدستورية المتعلقة بعدم تجديد الولاية ومتطلبات استمرار عمل المحكمة الدستورية، لأن مجرد الحديث عن التوازن، فيه مساس بسمو أحكام الدستور، طالما أن التوازن يعني، إلى حد كبير، المساواة.

الخاتمة:
خلاصة القول، إن قرار المحكمة الدستورية رقم 262.26 يثير تساؤلات جوهرية حول حدود الاجتهاد القضائي الدستوري ومدى التزامه بروح الوثيقة الدستورية ومقاصدها.

فإباحة تجديد ولاية الخلف الذي قضى أقل من ثلاث سنوات كمدة تكميلية يشكل مساسا واضحا بمبدأ عدم التجديد المكرس في الفصل 130 من الدستور، ولو حاولت المحكمة تبرير ذلك بأن الأمر لا يتعلق بولاية دستورية كاملة. فالعبرة ليست بتكييف الولاية بل بالغاية الدستورية من منع التجديد ألا وهي ضمان استقلالية القاضي الدستوري وإبعاده عن كل شبهة محاباة لسلطة تعيينه.

ويجب ألا يفهم من تحليلنا أننا نعارض، من حيث المبدإ، قاعدة التجديد، لأنه منصوص عليها ومعمول بها في العديد من الدول الديموقراطية. فهذا اختيار حر لكل بلد، له حسناته، وله كذلك نواقصه. لكننا ننتقد إقرار المبدإ دون تأهيل من الدستور.

ولا شك أن المحكمة الدستورية وجدت نفسها في وضعية الحكم والخصم في آن واحد، لكونها كانت تبت في دستورية مقتضيات تتعلق مباشرة بأعضائها ووضعيتهم. وكان عليها، ولو لهذا السبب فقط، أن تتحلى بمزيد من الحذر والصرامة في التعليل، لا أن تحاول تبريرها، بأي ثمن، بدليل المجهود الخاص الذي بذلته في سبيل التصريح بأنه ليس فيها ما يخالف الدستور.



السبت 11 أبريل 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter