أزمة المحاماة في المغرب: اختبار حقيقي لاستقلال العدالة وحدود السلطة التنفيذية
حوار مع ذة. جميلة السيوريمحامية بهيئة الرباطرئيسة جمعية عدالةمن أجل الحق في محاكمة عادلة “سابقا”
أولًا: بداية هل ما شهدناه من الأزمة الناتجة عن مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة يتعلق بدينامية دستورية عادية تعكس حيوية المؤسسات، أم أننا أمام خلل في ميزان السلطة؟
لا يمكن توصيف ما يجري اليوم باعتباره “خلافًا عاديا” بين فاعلين داخل منظومة العدالة، بل نحن أمام اختبار حقيقي لمدى احترام مبدأ فصل السلط واستقلال المهن القضائية كما كرسه الدستور.
فالعلاقة بين وزير العدل وهيئات المحامين ليست علاقة تراتبية أو خضوع إداري، بل علاقة توازن دستوري بين سلطة تنفيذية تملك حق المبادرة التشريعية، ومهنة مستقلة تؤدي وظيفة جوهرية في ضمان المحاكمة العادلة.
وعليه، فإن أي محاولة لإدارة هذا الخلاف بمنطق الغلبة أو فرض الأمر الواقع تُعد انحرافًا عن روح الإصلاح، وتكشف عن خلل في استيعاب طبيعة الأدوار داخل منظومة العدالة. فالخاسر هنا ليس هيئة مهنية بعينها، بل مبدأ استقلال العدالة ذاته.
ثانيًا: هل مقاطعة أداء خدمات الدفاع… احتجاج مشروع أم إنذار دستوري؟
قرار جمعية هيئات المحامين مقاطعة أداء خدمات الدفاع لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقه البنيوي. فنحن أمام فعل احتجاجي مهني مشروع، يستند إلى شعور جماعي بأن استقلال مهنة المحاماة بات مهددًا، سواء عبر مقاربات تشريعية غير تشاركية، أو عبر خطابات رسمية تُفرغ دور الدفاع من محتواه الدستوري.
فالمحاماة، وفق المعايير الدستورية والدولية، ليست مهنة تقنية، بل وظيفة حقوقية تضطلع بدور محوري في حماية الحقوق والحريات، وضمان التوازن داخل المحاكمة الجنائية والمدنية.
وعليه، فإن مقاطعة الدفاع تشكل رسالة إنذار دستورية مفادها أن أي إصلاح يُبنى دون إشراك فعلي للدفاع، أو يتم بمنطق الإملاء، سيؤدي حتمًا إلى تصدع داخل منظومة العدالة.
غير أن هذا الاحتجاج، رغم مشروعيته، يظل محكومًا بضوابط دستورية صارمة، في مقدمتها عدم المساس بالحقوق غير القابلة للتقييد، وعلى رأسها الحق في الحرية والمحاكمة العادلة.
ثالثًا: ما هي حدود الاحتجاج المهني في ضوء الحق في المحاكمة العادلة؟
الحق في المحاكمة العادلة ليس حقًا نسبيا أو قابلًا للتفاوض، بل هو حق دستوري سامٍ يفرض التزامات إيجابية على الدولة وعلى جميع الفاعلين داخل العدالة.
ومن ثمّ، فإن أي شكل احتجاجي، مهما كانت دوافعه مشروعة، يجب ألا يؤدي إلى تعطيل كلي لسير العدالة، خصوصًا في القضايا الجنائية، وقضايا الاعتقال، والفئات الهشة.
غير أن تحميل المحامين وحدهم مسؤولية هذا التوازن يُعد تبسيطًا مخلًا، لأن:
الدولة مسؤولة عن ضمان استمرارية المرفق القضائي، والسلطة التشريعية ملزمة بإنتاج نصوص تشاركية تحترم استقلال الدفاع، والسلطة القضائية مطالبة بضمان الحد الأدنى من الحماية القضائية، والتوازن هنا ليس تنازلًا، بل واجبًا دستوريًا مشتركا.
رابعًا: إلى أي حد أصبح المتقاضي عالقا بين مطرقة الاختلالات البنيوية وسندان الاحتجاج؟
لا شك أن المتقاضين هم أول من يتأثر بأي تعثر في السير العادي للعدالة، خاصة الفئات الهشة التي تعتمد على المساعدة القضائية. وتأجيل الملفات أو إطالة أمد النزاعات يمس جوهر الحق في الإنصاف القضائي.
غير أن اختزال معاناة المتقاضين في الاحتجاج المهني للمحامين يُخفي الحقيقة الأعمق، وهي أن الأزمة تكشف هشاشة بنيوية في تدبير إصلاح العدالة، حيث يُطرح الإصلاح أحيانًا بمنطق تقني معزول عن الفاعلين الأساسيين.
خامسًا: ما تقييمكم للصمت داخل منظومة العدالة، اتجاه الأزمة؟
من أخطر ما يميز هذه المرحلة هو الصمت المريب لبعض مكونات العدالة، وعلى رأسها الجمعيات المهنية للقضاة، فهذا الصمت، في سياق يمس التوازن البنيوي للمنظومة، لا يمكن اعتباره حيادًا إيجابيًا.
فالمحامون كانوا تاريخيًا في طليعة المدافعين على استقلال السلطة القضائية، وتحسين النظام الأساسي للقضاة، وصيانة الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة.
وعليه، فإن غياب مواقف واضحة اليوم ينتج فجوة خطيرة داخل العدالة، ويقوض فكرة التضامن الوظيفي بين مكوناتها، وهو ما قد يفهم كقبول ضمني بإضعاف الدفاع كركيزة أساسية للعدالة.
سادسًا: هل آن الأوان لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة التنفيذية ومهن العدالة؟
الأزمة الحالية تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن العلاقة بين السلطة التنفيذية ومهن العدالة تحتاج إلى إعادة تأطير دستوري-وظيفي صارم، يقطع مع منطق الوصاية، ويؤسس لشراكة مؤسساتية حقيقية.
فالسلطة التنفيذية، وإن كانت تملك سلطة المبادرة، إلا أنها لا تملك حق إفراغ الاستقلال المهني من مضمونه، والإصلاح التشريعي، متى تعلق بمهن العدالة، لا يمكن أن يُنجز دون إشراك فعلي، مسبق، وملزم للفاعلين المعنيين.
إن إعادة تعريف هذه العلاقة لا تعني صراع سلطات، بل ترسيخ قاعدة واضحة:
لا إصلاح للعدالة دون دفاع مستقل، ولا دولة قانون دون احترام التوازن بين السلط.
كما ان ما يجري اليوم ليس أزمة فئوية، بل لحظة دستورية فاصلة تختبر مدى جدية الدولة في تكريس استقلال العدالة، وتحويل الخطاب الإصلاحي إلى ممارسة مؤسساتية فعلية.
فإما أن يُستثمر هذا التوتر لإعادة بناء الثقة والتوازن، وإما أن يتحول إلى سابقة خطيرة تُفرغ إصلاح العدالة من روحه.
سابعا: ما جوهر الاعتراضات على مشروع القانون رقم 66.23؟
جوهر الاعتراض على مشروع القانون رقم 66.23 لا ينحصر في ملاحظات تقنية معزولة، بل يتعلق بمنحى عام يُخشى أن يؤدي إلى إضعاف استقلال مهنة المحاماة وإعادة تشكيلها بمنطق إداري-تنظيمي، بدل مقاربتها كوظيفة دستورية لصيقة بحق الدفاع، فالاعتراض ينصب أساسًا على:
• شروط الولوج والتكوين التي تُقيِّد حق الولوج إلى المهنة دون مبرر موضوعي كافٍ، وتربط التكوين بمعهد خاضع لوصاية السلطة التنفيذية، بما يثير مخاوف من التحكم في مدخل المهنة.
• توسيع تدخل السلطة التنفيذية، بشكل مباشر أو غير مباشر، في التأديب والتنظيم، وهو ما يتعارض مع مبدأ التنظيم الذاتي للمهن القضائية المستقلة.
• المساس بحصانة الدفاع، من خلال مقتضيات تمس سرية العلاقة بين المحامي وموكله، أو توسّع من إمكانيات التفتيش والمتابعة خارج الضمانات الصارمة المفروضة دوليًا.
• تقييد حرية التعبير المهني داخل فضاءات المحاكم، وهو ما يُضعف الدور النقدي والحقوقي للمحامي في الدفاع عن العدالة نفسها.
هذه المقتضيات، حين تجمع، لا تمس المحامي كفرد فقط، بل تخل بتوازن المحاكمة العادلة، لأن الدفاع المستقل ليس امتيازًا مهنيًا، بل ضمانة أساسية لحقوق المتقاضين.
ثامنا: هناك حديث عن اختلال في منهجية الحوار بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين، كيف تقيّمون ذلك؟
الإشكال المنهجي في تدبير الحوار كان عميقا ومركزيا، وربما لا يقل خطورة عن مضمون المشروع نفسه.
فالحوار اتسم بدرجة عالية من السرية غير المبررة، دون نشر محاضر، أو توضيح رسمي لما تم الاتفاق عليه وما بقي محل خلاف، وهو ما أضعف الثقة داخل الجسم المهني.
كما أن:
نطاق التفويض الممنوح للمتحاورين لم يكن واضحا، مما فتح الباب للتشكيك في تمثيلية الحوار.ولم يعلن عن جدول أعمال مضبوط، ولا عن مرجعيات دستورية ومعيارية متفق عليها تحكم النقاش.
والأهم هو أن الصيغة النهائية للمشروع تضمنت مقتضيات لم تكن موضوع توافق، بل بعضها لم يناقش أصلًا خلال جلسات الحوار.
تاسعا: ما رايك في مبادرة رئيس الحكومة ؟
في تقديري، الطريقة التي يُدار بها الحوار بعد تدخل رئيس الحكومة تُظهر تحسّنًا شكليًا أكثر مما تعكس تحوّلًا منهجيًا عميقًا.
صحيح أن تدخل رئيس الحكومة أسهم في تهدئة التوتر وفتح قناة تواصل على أعلى مستوى سياسي، وهو تطور إيجابي من حيث المبدأ، لأنه يعكس اعترافًا ضمنيا بجدية الأزمة وباستحالة تدبيرها بمنطق تقني أو أحادي. غير أن هذا التدخل، في صيغته الحالية، لم يُترجم بعد إلى إطار مؤسساتي واضح وملزِم للحوار.
ما يلاحظ اليوم هو أن الحوار:
ما يزال يفتقر إلى إعلان رسمي عن منهجيته وحدوده وسقفه الزمني، ولم يُدعم بضمانات صريحة لاحترام مخرجاته أو إدماجها في الصيغة النهائية لأي نص تشريعي، كما لم يُؤطر بإشراك موسع ومنظم لمختلف مكونات المهنة وهيئاتها التمثيلية.
وبالتالي، فإننا نخشى أن يتحول هذا الحوار إلى آلية لامتصاص الاحتقان بدل أن يكون مسارا حقيقيا لإعادة بناء الثقة وتصحيح الاختلالات البنيوية التي شابت إعداد المشروع.
لان الحوار، حتى يكون منتجا، لا يكفي أن يُفتح سياسيا، بل يجب أن يُؤسَّس دستوريا ومنهجيا، على قاعدة الشفافية، والتكافؤ بين الأطراف، والالتزام المسبق بنتائجه.
والا والحالة هذه، يفقد الحوار جوهره كمقاربة تشاركية منصوص عليها دستوريا، ويتحول من آلية لبناء النص المشترك إلى إجراء شكلي لتدبير الاختلاف.
ودون ذلك، يبقى التدخل، رغم أهميته السياسية، غير كافٍ لضمان إصلاح تشريعي متوازن ومستدام.
في الأخير، كيف يمكن الخروج من هذه الأزمة بشكل مسؤول، على ضوء تدخل رئيس الحكومة؟
الخروج المسؤول من هذه الأزمة لا يمكن أن يتحقق عبر حلول ترقيعية أو تدبير ظرفي للتوتر، بل يقتضي تأسيس مسار حوار مؤسساتي صلب ينسجم مع دلالة تدخل رئيس الحكومة، ويحوّله من مبادرة سياسية للتهدئة إلى إطار عملي لإصلاح تشاركي حقيقي.
وفي هذا السياق، فإن منهجية الحوار المطلوبة ينبغي أن تقوم على الأسس التالية:
أولًا: قرار سياسي واضح بإعادة ضبط المسار وذلك عبر تجميد أو سحب مشروع القانون إلى حين استكمال الحوار، باعتباره إجراءً ممكنًا دستوريًا، ومشروعًا ديمقراطيًا، ورسالة ثقة أساسية تعكس حسن النية، وتُعيد الاعتبار لمبدأ الشراكة في إصلاح العدالة.
ثانيًا: تأطير الحوار بإطار مؤسساتي معلن من خلال الإعلان الرسمي عن:
تركيبة أطراف الحوار، ونطاق التفويض الممنوح لهم، وجدول أعمال واضح يحدد المواد محل النقاش والخلاف، بما يمنع أي التباس حول طبيعة الحوار أو مخرجاته.
ثالثًا: اعتماد مرجعيات دستورية ومعيارية ملزمة
على رأسها: الدستور المغربي، خصوصًا ما يتعلق بالحق في التقاضي واستقلال العدالة، المعايير الدولية المنظمة لدور المحامين وحق الدفاع، حتى لا يتحول النقاش إلى مقاربة تقنية معزولة عن بعدها الحقوقي.
رابعًا: إحداث آلية مشتركة للتتبع والصياغة
تُشرك ممثلين عن جمعية هيئات المحامين ووزارة العدل، وتتكفل بتدقيق الصياغة النهائية للنص، وضمان إدماج مخرجات الحوار بشكل فعلي، وتفادي تكرار سيناريو إدراج مقتضيات لم تكن محل توافق.
خامسًا: الالتزام العلني بمخرجات الحوار
عبر تعهد سياسي واضح باحترام نتائجه، وربط أي إحالة تشريعية نهائية بمدى التوافق المحقق، بما يحصّن الإصلاح من العودة إلى منطق الأمر الواقع.
وفي العمق، لا يمكن لأي منهجية أن تنجح دون اعتراف صريح بأن الدفاع ليس عبئًا على العدالة ولا فاعلًا ثانويًا فيها، بل أحد شروط قيامها وتوازنها.
فالدفاع عن مهنة المحاماة اليوم هو دفاع عن المحاكمة العادلة، وعن دولة القانون، وعن ثقة المواطنين في القضاء، وليس مجرد نزاع مهني أو تنظيمي.
شكرا لكم ذة جميلة السيوري



الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
حوار مع ذة. جميلة السيوري : أزمة المحاماة في المغرب: اختبار حقيقي لاستقلال العدالة وحدود السلطة التنفيذية


