شكــل قانون المسطرة الجنائية، في تعديلاته الجديدة بموجب القانون رقم 03.23، منعطفا تشريعيا هاما سعى من خلاله المشرع المغربي إلى إعادة صياغة العديد من الآليات الإجرائية، بهدف ترسيخ مبدأ المحاكمة العادلة وتحقيق الأمن القانوني للمتقاضين .
فالشكاية المباشرة تشكل احد موضوعات هذا التعديل باعتباره الية من اليات تحريك الدعوى العمومية ذات الطبيعة الاستثنائية التي خولها المشرع المغربي للمتضرر، خروجا عن القاعدة العامة التي تجعل من النيابة العامة صاحبة الاختصاص الاصيل في تحريك وممارسة الدعوى العمومية . وقد استمد هذا الاستثناء مشروعيته من اعتبارات جوهرية تتصل بحقوق المتقاضين، وفي مقدمتهم المتضرر من الجريمة، في الولوج الى العدالة وعدم ارتهان حقه في المتابعة الجنائية لملاءمة النيابة العامة وحدها . وانطلاقا من خطورة هذا المسار الاجرائي وحساسيته، فقد احاطه المشرع بضمانات دقيقة توازن بين حق المتضرر في جبر الضرر، وحقوق المتهم في المحاكمة العادلة، وحسن سير العدالة .
أولا : الإطار القانوني للشكاية المباشرة
أولى المشرع المغربي عناية خاصة للشكاية المباشرة ضمن قانون المسطرة الجنائية الجديد، من خلال الباب الثالث المتعلق بتنصيب الطرف المدني، ولاسيما المواد من 92 الى 98، حيث اعاد تنظيم هذا النظام الاجرائي بشكل أكثر دقة وصرامة مقارنة بما كان معمولا به سابقا. وقد نصت المادة 92 على حق كل شخص يدعي تضرره من جناية او جنحة قابلة للتحقيق في ان ينصب نفسه طرفا مدنيا عند تقديم شكايته امام قاضي التحقيق المختص، ما لم يوجد نص خاص يقضي بخلاف ذلك .
ويتضح من هذا المقتضى ان المشرع ربط مباشرة هذا الحق بشرط جوهري يتمثل في قابلية الجريمة للتحقيق، وهو قيد لم يكن منصوصا عليه بهذا الوضوح في التشريع السابق، الامر الذي يعكس ارادة تشريعية تهدف الى ترشيد اللجوء الى الشكاية المباشرة والحد من استعمالها التعسفي .
ثانيا : الشروط الشكلية للشكاية المباشرة
ألزم المشرع الطرف المشتكي باحترام مجموعة من الشروط الشكلية تحت طائلة عدم القبول، وهو ما كرسه صراحة في المادة 92 من قانون المسطرة الجنائية الجديد، ويتعين ان تتضمن الشكاية هوية المشتكي الكاملة، بما في ذلك اسمه الشخصي والعائلي، مهنته، عنوانه، ورقم بطاقة تعريفه الوطنية، فضلا عن عرض دقيق لوقائع القضية وتحديد تاريخ ومكان ارتكاب الفعل الجرمي .
كما أوجب المشرع بيان هوية المتهم كلما امكن ذلك، مع الاشارة إلى مهنته وعنوانه، والتكييف القانوني للوقائع موضوع الشكاية . ولم يكتف المشرع بذلك، بل قيد المشتكي بإرفاق شكايته بما يدعمها من أدلة ووثائق ومستندات، في توجه تشريعي يروم الحد من الشكايات الكيدية أو غير الجدية .
أما من حيث الجهة المختصة بتلقي الشكاية، فقد ميز المشرع بين الجنح والجنايات، حيث تودع الشكاية المتعلقة بالجنح لدى رئيس المحكمة الابتدائية، بينما تودع شكايات الجنايات لدى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، الذي يعين بدوره قاضي التحقيق المختص لمباشرة إجراءات التحقيق .
ثالثا : دور النيابة العامة وقاضي التحقيق
نظمت المادة 93 من قانون المسطرة الجنائية الجديد العلاقة بين قاضي التحقيق والنيابة العامة في إطار الشكاية المباشرة، حيث يتعين على قاضي التحقيق تبليغ الشكاية إلى الوكيل العام للملك أو وكيل الملك حسب الحالة، قصد تقديم ملتمساته، وتحتفظ النيابة العامة بحقها في التماس إصدار أمر بالتحقيق ضد شخص معين أو ضد شخص مجهول .
غير أن المشرع قيد سلطة النيابة العامة في التماس عدم إجراء التحقيق، حيث لا يقبل هذا الملتمس إلا إذا كانت الوقائع لا تستوجب قانونا إجراء المتابعة، أو لا تقبل أي تكييف جرمي، أو كانت الجريمة خاضعة لمسطرة خاصة، أو غير قابلة للتحقيق بالنظر إلى طبيعتها أو صفة مرتكبها.
وفي حالة مخالفة قاضي التحقيق لملتمسات النيابة العامة، الزمه القانون بتعليل قراره، تكريسا لمبدأ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة .
كما خول المشرع للنيابة العامة، في حالة تقديم شكاية غير مدعمة بأسباب كافية، أن تلتمس من قاضي التحقيق فتح تحقيق تمهيدي مؤقت، يستمع فيه إلى الأشخاص المشار إليهم في الشكاية بصفتهم شهودا، وذلك إلى حين توجيه التهم أو اتخاذ ملتمسات جديدة، وفقا لما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 93 من قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23
رابعا : الآثار الإجرائية لتنصيب الطرف المدني
خولت المادة 94 من قانون المسطرة الجنائية الجديد للطرف المدني حق التقدم بطلباته في أي مرحلة من مراحل التحقيق، كيفما كان نوع الجريمة، مع منح باقي الأطراف، بما فيهم النيابة العامة والمتهم، حق المنازعة في قبول هذه الطلبات، ويبت قاضي التحقيق في هذه المنازعات بموجب أمر قضائي بعد الاطلاع على ملتمسات النيابة العامة .
ومن أهم المستجدات التي اقرها المشرع في هذا السياق، ما نصت عليه المادة 95 من قانون المسطرة الجنائية الجديد بخصوص إلزام الطرف المدني الذي يقيم الدعوى العمومية بأداء مبلغ يحدده قاضي التحقيق لتغطية مصاريف الدعوى، مع مراعاة وضعيته المادية، وتمكينه عند الاقتضاء من أجل إضافي أو من الاستفادة من المساعدة القضائية . ويشكل هذا المقتضى ضمانة مزدوجة، من جهة يحد من الشكايات الكيدية، ومن جهة أخرى لا يحرم المتضرر المعسر من حقه في اللجوء الى القضاء .
خامسا : الشكاية المباشرة ومسؤولية الدولة والجماعات الترابية
عالج المشرع حالة إقامة الدعوى العمومية عن طريق الشكاية المباشرة ضد موظف عمومي أو عون تابع للسلطة أو القوة العمومية، حيث ألزم قاضي التحقيق بإشعار الوكيل القضائي للمملكة متى تبين احتمال قيام مسؤولية الدولة عن اعمال تابعها، وذلك طبقا للمادة 95 من قانون المسطرة الجنائية الجديد .
كما نص على إجراء مماثل في حالة متابعة موظفي الجماعات الترابية أو أحد أعضاء مجالسها، مع اشعار الوكيل القضائي للجماعات الترابية وفقا للمادة 351 من قانون المسطرة الجنائية، في انسجام مع قواعد المسؤولية الإدارية وضمان حقوق الدفاع .
ختاما يمكن القول؛ بأن القراءة التحليلية للمقتضيات المتعلقة بالشكاية المباشرة في قانون المسطرة الجنائية المغربي تظهر أن المشرع سعى إلى إقامة توازن دقيق بين تمكين المتضرر من اليات فعالة لتحريك الدعوى العمومية، وبين حماية المتهم من تعسف المتابعة، وضمان حسن سير العدالة، حيث اسهمت الشروط الشكلية والموضوعية الصارمة، إلى جانب الرقابة القضائية والنيابية، في اضفاء طابع الجدية والانضباط على هذا المسار الإجرائي .
ونسجل في هذا المقام قاعد مفاده أن حسن تفعيل هذه الالية يظل رهينا بوعي المتقاضين، وحكمة القضاة، ونزاهة الفاعلين القضائيين، بما يحقق الغاية الأسمى للعدالة الجنائية، وهي الانصاف وحماية الحقوق والحريات وضمان المحاكمة العادلة .



الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
الشكاية المباشرة في ضوء القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية

