أضحت الكوارث الطبيعية، وفي مقدمتها الفيضانات، أحد أبرز التحديات البنيوية التي تواجه الدولة المغربية في سياق التحولات المناخية المتسارعة وما يرافقها من اضطرابات هيدرولوجية حادة وتزايد في تواتر الظواهر المناخية القصوى. فالمعطيات المناخية الوطنية تشير إلى تزايد حدة التساقطات المركزة زمنيا ومجاليا، بما يضاعف من هشاشة بعض المجالات الترابية، خاصة المناطق الجبلية وشبه القروية.
وقد كشفت الفيضانات الأخيرة التي عرفتها عدة أقاليم عن ضرورة الانتقال من منطق التدخل الظرفي القائم على رد الفعل، إلى منطق التدبير الاستباقي المبني على التخطيط الاستراتيجي، وإدماج خرائط المخاطر في السياسات العمومية، وترسيخ حكامة ترابية متعددة المستويات قادرة على التنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها.
إن تدبير الكوارث الطبيعية لم يعد مجرد مسألة تقنية أو إغاثية، بل أصبح موضوعًا قانونيًا ومؤسساتيًا يرتبط مباشرة بحماية الحق في الحياة، والحق في بيئة سليمة، وضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية، وهو ما يثير الإشكالية التالية:
إلى أي حد استطاع الإطار القانوني والمؤسساتي المغربي مواكبة تحديات تدبير الفيضانات، وما هي رهانات بناء نموذج وطني متكامل لإدارة المخاطر الطبيعية في ظل التحولات المناخية؟
المحور الأول: الإطار القانوني والمؤسساتي لتدبير الكوارث الطبيعية – قراءة تحليلية ومقارنة
يستند تدبير الكوارث الطبيعية بالمغرب إلى مرتكزات دستورية واضحة، إذ كرس دستور 2011 مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والحق في التنمية المستدامة والعيش في بيئة سليمة. كما أقر مبدأ التضامن والتكافل بين المواطنين والجهات، وهو ما يؤسس لالتزام الدولة الإيجابي بحماية السكان من المخاطر الطبيعية باعتبارها جزءًا من مفهوم الأمن الإنساني.
ويترجم هذا الالتزام من خلال منظومة قانونية متعددة، تشمل:
-التشريعات المرتبطة بتدبير الموارد المائية وحماية الملك العمومي المائي؛
-النصوص المنظمة للوقاية المدنية والتدخل في حالات الطوارئ؛
-القوانين التنظيمية للجماعات الترابية التي خولت لها اختصاصات في مجال الوقاية من المخاطر؛
-الاستراتيجيات الوطنية المتعلقة بالتغيرات المناخية والتنمية المستدامة.
غير أن هذا التعدد النصي، رغم أهميته، يطرح إشكالية التشتت المعياري وغياب تقنين موحد لإدارة المخاطر الطبيعية، على غرار ما هو معمول به في بعض الدول التي تعتمد "مدونة وطنية للمخاطر".
وتتوزع مسؤوليات تدبير الفيضانات بين عدة متدخلين:
وزارة الداخلية، وزارة التجهيز والماء، المديرية العامة للوقاية المدنية، وكالات الأحواض المائية، الجماعات الترابية، إلى جانب الأجهزة الأمنية والعسكرية عند الضرورة.
وقد أظهرت التجربة العملية أن هذا التعدد المؤسساتي، وإن كان يعكس شمولية التدخل، فإنه يطرح تحديات مرتبطة بسرعة تبادل المعطيات واتخاذ القرار. وتشير تقديرات تقنية إلى أن نسبة مهمة من تدخلات الطوارئ تتم في غياب منصة رقمية موحدة لتقاسم البيانات في الزمن الحقيقي، مما يؤثر على النجاعة العملياتية.
أما على المستوى الكمي، تكشف تقديرات رسمية وتقارير مؤسساتية أن الخسائر المرتبطة بالكوارث الطبيعية بالمغرب تتراوح سنويًا بين 0.3% و0.5% من الناتج الداخلي الخام، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ خلال سنوات التساقطات الاستثنائية. وإذا احتسبنا الناتج الداخلي الخام الذي يفوق 1200 مليار درهم تقريبا، فإن الكلفة السنوية قد تصل في بعض السنوات إلى ما بين 3 و6 مليارات درهم، دون احتساب الخسائر غير المباشرة المرتبطة بتعطل الأنشطة الاقتصادية، وفقدان مناصب الشغل، وتضرر البنيات التحتية.
ويؤكد ذلك أن تدبير الفيضانات ليس مجرد ملف بيئي، بل هو رهان اقتصادي واستثماري، يرتبط بحماية الاستثمار العمومي وضمان استمرارية المرافق الحيوية.
في المقابل، يبرز التحليل المقارن تطورا ملحوظا في نماذج إدارة المخاطر:
في فرنسا، تم اعتماد مخططات الوقاية من المخاطر الطبيعية (PPRN) التي تُدمج إلزاميًا في وثائق التعمير، وتغطي نسبة كبيرة من الجماعات المعرضة للفيضانات، مما ساهم في تقليص الخسائر البشرية بشكل ملحوظ خلال العقدين الأخيرين.
في اليابان، يعتمد نظام الإنذار المبكر على تحليل البيانات المناخية في الزمن الحقيقي باستخدام تقنيات متقدمة، وقد ساهم الاستثمار المكثف في البنيات الوقائية والإنذار المبكر في خفض عدد الضحايا مقارنة بما كان عليه الوضع خلال العقود الماضية.
ويُظهر هذا التحليل أن جوهر التحول يكمن في الانتقال من منطق "التعويض بعد الكارثة" إلى منطق "الوقاية قبل وقوعها"، عبر دمج إدارة المخاطر في التخطيط العمراني والاستثمار العمومي.
المحور الثاني: تحديات تدبير الفيضانات ورهانات النموذج المغربي المستقبلي
أبرزت الفيضانات الأخيرة بعدا تضامنيا قويا تجسد في المبادرة الملكية السامية التي أعلن عنها جلالة الملك محمد السادس، والمتعلقة بتقديم مساعدات مالية مباشرة للأسر المتضررة.
وقد شكل هذا التدخل تجسيدا عمليا لمفهوم "الدولة الاجتماعية في زمن الأزمات"، حيث مكنت المساعدات المباشرة من إعادة التوازن الاقتصادي والاجتماعي داخل المناطق المنكوبة، خاصة أن العديد من الأسر فقدت مصادر دخلها الفلاحية أو التجارية.
حيث تميزت الاستجابة الوطنية بتعبئة منسقة شملت:
-القوات المسلحة الملكية التي اضطلعت بعمليات فك العزلة والإنقاذ الجوي؛
-المديرية العامة للأمن الوطني التي سهرت على تأمين محيط المناطق المنكوبة؛
-الدرك الملكي الذي أمّن المسالك الطرقية؛
-القوات المساعدة التي دعمت العمليات الميدانية؛
-السلطات المحلية التي قامت بعمليات الإجلاء الوقائي.
وقد ساهم الإجلاء الاستباقي لعدد مهم من السكان في تقليص الخسائر البشرية رغم حدة التساقطات، مما يعكس تبني مقاربة أمن إنساني تجعل حماية الأرواح أولوية مطلقة.
ورغم التطور الملحوظ في التدخل العملياتي، فإن التحدي الحقيقي يكمن في:
-توحيد الإطار القانوني ضمن قانون إطار لإدارة المخاطر الطبيعية.
-تطوير نظم إنذار مبكر رقمية موحدة تربط مختلف المتدخلين.
-إدماج خرائط المخاطر في وثائق التهيئة والتعمير.
-تعزيز ثقافة الوقاية لدى المواطنين.
-إحداث آليات تمويل استباقية (صناديق مرونة مناخية، تأمين ضد الكوارث).
فالانتقال من منطق "تدبير الكارثة" إلى منطق "تدبير المخاطر" يقتضي دمج البعد المناخي في السياسات المالية والميزانياتية، وجعل الاستثمار في الوقاية أقل كلفة من إعادة الإعمار.
يتضح من خلال تحليل تدبير الفيضانات الأخيرة أن المغرب قطع أشواطًا مهمة في بناء نموذج قائم على التكامل بين الشرعية الدستورية للتدخل العمومي، والنجاعة العملياتية للمؤسسات، والبعد التضامني الذي يجعل المواطن في صلب السياسات العمومية.
غير أن المرحلة المقبلة تفرض ترسيخ نموذج استباقي دائم، يجعل إدارة المخاطر الطبيعية جزءًا لا يتجزأ من التخطيط التنموي والترابي، في ظل تزايد تواتر الظواهر المناخية القصوى.
إن الرهان الاستراتيجي لا يكمن فقط في سرعة التدخل عند وقوع الكارثة، بل في القدرة على تقليص احتمال وقوعها أو الحد من آثارها عبر التخطيط المسبق والرقمنة والتنسيق المؤسساتي المندمج. وبهذا المعنى، فإن بناء منظومة وطنية مرنة لإدارة المخاطر يشكل اليوم أحد أعمدة السيادة البيئية والأمن الإنساني للمملكة.



الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
تدبير الكوارث الطبيعية بالمغرب في ضوء الفيضانات الأخيرة: نحو نموذج استباقي للحكامة المناخية

