MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers




العدول والموثقون بين التنافي والتفاني

     

بقلم: توفيق العسري – عدل محلف



رأي مهني في فلسفة الاختصاص ووحدة الغاية

 

في كل محطة نقاش مهني حول منظومة التوثيق بالمغرب، يطفو على السطح سؤال قديم متجدد:
هل العلاقة بين العدول والموثقين علاقة تنافٍ وتزاحم، أم علاقة تكامل وتفانٍ في خدمة الأمن التعاقدي؟

من الناحية القانونية، لا يمكن الحديث عن تنافٍ بالمعنى الصراعي، لأن الإطار التشريعي المنظم لمهنة العدول – بموجب القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة – يختلف في فلسفته ومجاله عن القانون رقم 32.09 المنظم لمهنة التوثيق العصري. لكل إطار مرجعيته، ولكل مهنة خصوصيتها في التكوين، والاختصاص، والرقابة.

غير أن الواقع العملي يكشف عن مساحات تقاطع في بعض المجالات، خاصة في توثيق المعاملات العقارية وبعض التصرفات المالية، وهو ما يخلق أحياناً إحساساً بالمنافسة بدل الإحساس بالتكامل.

لكن، هل الإشكال في النصوص؟
أم في طريقة قراءة النصوص؟
أم في الثقافة المهنية ذاتها؟

إن فلسفة التوثيق في جوهرها ليست فلسفة احتكار، بل فلسفة ضمان. والغاية ليست من يحرر العقد، بل كيف يُحرر، وبأي ضمانات، وتحت أي رقابة، ولصالح من.

العدل يمارس مهامه في إطار منظومة ذات جذور تاريخية عميقة في المجتمع المغربي، تقوم على الثقة المجتمعية، وعلى الرقابة القضائية المتمثلة في قاضي التوثيق، وعلى إجراءات خطاب القاضي التي تضفي الصيغة الرسمية النهائية على الوثيقة العدلية.
أما الموثق العصري، فيشتغل ضمن منظومة قانونية حديثة ذات طابع مؤسساتي ومالي، تقوم على المسؤولية المهنية المشددة، والتأمين، والإيداع، وضمانات مالية خاصة.

الاختلاف هنا ليس ضعفاً في أحد النموذجين، بل اختلاف في الفلسفة والبنية.

الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود مهنتين، بل في غياب رؤية موحدة للأمن التعاقدي كغاية عليا. فحين تتحول المنافسة إلى صراع، يضعف الخطاب المهني، وتضيع البوصلة الأساسية: حماية المتعاقدين.

إن المواطن لا يعنيه الجدل المهني بقدر ما يعنيه عقد صحيح، محصن من الطعن، محكم الصياغة، سليم الأثر.
وهنا يظهر معنى التفاني.

التفاني ليس في الدفاع عن الاختصاص فقط، بل في تطوير الأداء، وتحسين الجودة، والارتقاء بالتكوين، وتعزيز أخلاقيات المهنة.
والتنافي الحقيقي ليس بين العدل والموثق، بل بين المهنية والارتجال، بين الجودة والسطحية، بين روح الرسالة ومنطق السوق.

إن المرحلة الراهنة تستدعي نقاشاً هادئاً وعميقاً حول إعادة تنظيم مجالات الاختصاص، وتوضيح مناطق التقاطع، وإرساء تنسيق مؤسساتي يضمن التكامل بدل التصادم. فالتعدد المهني يمكن أن يكون قوة إذا أحسن تنظيمه، ويمكن أن يتحول إلى مصدر توتر إذا تُرك بدون رؤية استراتيجية.

إن العدول والموثقين ليسوا خصمين في ساحة تنازع، بل شريكين في منظومة واحدة: منظومة الأمن التوثيقي.

وفي تقديري المهني، فإن مستقبل المهنة – بمختلف روافدها – لن يُبنى بمنطق الغلبة، بل بمنطق الجودة.
لن يُبنى بتوسيع المجال فقط، بل بتعميق الثقة.
ولن يُبنى بإقصاء الآخر، بل بالاعتراف المتبادل واحترام الاختصاص.

فالتنافي نص تنظيمي،
أما التفاني فهو موقف أخلاقي.

وبين النص والموقف تتحدد قيمة المهنة.




الاربعاء 18 فبراير 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter