MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers



تلف المقرر القضائي أو ضياع ملف الدعوى وآثاره القانونية والإجرائية

     

محمد بنسرية
دكتور في الحقوق



رفقته نسخة حاملة للهوامش قصد التحميل

 
شهدت مدينة القصر الكبير- حفظ الله أهلها- تساقطات مطرية تسببت في ارتفاع منسوب المياه بأحياء المدينة ومساكنها وبعض مرافقها العمومية، بما فيها مرفق القضاء، بحيث وثقت فيديوهات وصور متداولة- والعهدة على من نشرها- لمشاهد المحكمة الابتدائية بالقصر الكبير وهي تغرق، ولأرشيف الملفات القضائية وهو يسبح وسط المياه التي تغمره من كل جانب، ويبدو أنه لن ينجو من هذا "الطوفان القضائي المعاصر" إلا الملفات التي ركبت سفينة الرقمنة كوسيلة نجاة تحفظ الذاكرة القضائية وحقوق المتقاضين من الضياع والغرق.
وعلى إثر ذلك، طفا إلى سطح النقاش القانوني موضوع بالغ الأهمية، يتعلق بمآل الدعاوى القضائية في حالة تلف أصول المقررات أو ضياع وثائق ومستندات الملفات، وما يترتب عن ذلك من آثار قانونية وإجرائية على الدعاوى القضائية وأطرافها والأحكام الصادرة فيها.
 
فما هي الآثار القانونية والإجرائية لتلف أصول المقررات القضائية وضياع وثائق ومستندات الملفات؟
 
لقد تنبه قانون المسطرة الجنائية رقم 22.01، منذ صدوره سنة 2003، إلى حالة تلف المقرر القضائي أو ضياع ملف الدعوى، وعالجها ضمن القسم الثاني من الكتاب الخامس منه، وتحديدا بمقتضى المواد من 588 إلى 591، وهي المواد التي لم يمسسها أي تغيير أو تتميم بمقتضى القانون الجديد رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية السالف الذكر، بينما قانون المسطرة المدنية الحالي لم يتطرق لهذه الاشكالية، اللهم إلا فيما يتعلق بضياع النسخة التنفيذية من الحكم القضائي، وقد حاول المشرع تدارك هذا الاغفال في مشروع قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 الذي صادق عليه مجلس النواب وأحيل على مجلس المستشارين بتاريخ 15/01/2026، وذلك بمقتضى مادة فريدة منه، وهي المادة 621، وسنحاول  معالجة إشكالية تلف أصل المقرر القضائي وضياع ملف الدعوى وفقا لما يلي:
 
أولا: تلف النسخة الأصلية للمقرر القضائي.
 
تنتهي كل دعوى قضائية، مدنية كانت أم زجرية، بصدور مقرر قضائي ، يوقعه، حسب الأحوال، رئيس الجلسة الذي تلاه أو القاضي المكلف بالقضية أو رئيس الهيئة والقاضي المقرر، ويوقع أيضا من قبل كاتب الضبط الذي حضر جلسة النطق به ، ويودع أصل هذا المقرر ويحفظ بكتابة الضبط .
وقد يحدث أن يتلف أو يفقد أصل المقرر القضائي لسبب من الأسباب، قد يعزى للقاضي الذي كان بحوزته ملف الدعوى أو إلى كتابة الضبط بعد تسليم الملف إليها، حسب ما هو مثبت بسجل التداول.
وتلف أصل المقرر القضائي يميز فيه بين حالتين، مختلفتي الآثار الإجرائية، وهما:
 
أ‌) حالة وجود نسخة رسمية أو مطابقة للأصل من المقرر المفقود.
 
إذا وجدت نسخة رسمية أو مطابقة لأصل المقرر المفقود فإنها تحل محله، ويحتفظ بها في ملف الدعوى بكتابة الضبط على هذا الاعتبار، وهو ما يستفاد من الفقرة الأولى من المادة 589 من قانون المسطرة الجنائية، التي تنص على أنه " إذا أمكن العثور على نظير أو نسخة رسمية من المقرر، فإنها تحل محل الأصل ويحتفظ بها بهذه الصفة في كتابة الضبط"، وهو المقتضى نفسه الذي جاء به مشروع قانون المسطرة المدنية لأول مرة، حيث جاء في مطلع المادة 621 منه أنه "إذا تلف أصل مقرر قضائي أو ضاع قبل تنفيذه، تم اعتماد نسخة رسمية منه محل الأصل، إن تم العثور عليها...".
وفي سبيل ذلك، يجب على كل من يملك نسخة مطابقة لأصل المقرر المفقود تسليمها طوعا لكتابة الضبط، وذلك بناء على أمر صادر عن رئيس المحكمة، سواء تعلق الأمر بأطراف الدعوى، اللذين قد توجد بحوزتهم نسخا رسمية سبق وأن حصلوا عليها ، كالنسخ العادية أو التبليغية من هذا المقرر، أو غيرهم من الأشخاص العاديين والاعتباريين اللذين قد توضع بين أيديهم نسخا منه بمناسبة القيام بإجراء من الإجراءات المسطرية، سواء لفائدة أطراف الدعوى أو ضدهم.
وإن رفض الشخص الذي توجد بين يديه نسخة المقرر القضائي المفقود تسليمها لكتابة الضبط، فإنها تباشر في حقه مسطرة التفتيش والحجز المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية، وهو ما يستفاد من نص الفقرة الثانية من المادة 589 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أنه "يتعين لهذه الغاية، على كل حائز لنظير أو نسخة رسمية سواء كان شخصا عمومياً أو خاصاً، أن يسلمها بأمر من رئيس المحكمة إلى كتابة الضبط، فإن امتنع من تسليمها طوعا، جاز أن تجرى في حقه تدابير التفتيش أو الحجز المقررة في المادة 101 وما يليها إلى المادة 104 من هذا القانون"، وهو المقتضى نفسه الذي جاء به مشروع قانون المسطرة المدنية، حيث نص في المادة 621 منه على أنه "...يتعين على كل حائز لهذه النسخة أن يسلمها بأمر من رئيس المحكمة إلى كتابة الضبط، فإن امتنع عن تسليمها طوعا، جاز أن تجرى في حقه تدابير التفتيش أو الحجز المقررة في قانون المسطرة الجنائية".
ويستنتج من النصوص الواردة أعلاه، بأن فقدان أو ضياع أصل المقرر القضائي لا يعدم مسطرة التقاضي، ما دامت توجد نسخة رسمية أو مطابقة للأصل من هذا المقرر، بحيث تحل محله، وتكون لها نفس الحجية المعترف بها للمقرر الأصلي وتثبت لها قيمته القانونية ذاتها، وذلك ما لم ينازع أحد الأطراف في مصداقية النسخة التي تم التوصل إليها، كأن يدفع بزوريتها أو أن الجهة المصادقة على مطابقتها للأصل غير مختصة، أو أن هذه النسخة قد سلمها كاتب الضبط قبل توقيع أصل المقرر المفقود ، وغيرها من المنازعات الجدية التي قد تثار بشأنها... .
ويلاحظ بأن مشروع قانون المسطرة المدنية جاء بمستجد مهم، يتعلق بتضمين ورفع المقررات القضائية على النظام المعلوماتي المتعلق بتدبير المساطر والإجراءات القضائية، وكذا توقيعها إلكترونيا عليه، وهو ما يستفاد من نص المادة 632 منه، التي جاء فيها: "تضمن المقررات القضائية على النظام المعلوماتي، ويوقعها إلكترونيا رئيس الهيئة والقاضي أو المستشار المقرر أو القاضي المكلف وكاتب الضبط، حسب الحالة "، وهو ما يعني بأن المغرب سيكون له "بنكا رقميا" من المقررات القضائية الموقعة إلكترونيا موازيا للمقررات الورقية المحفوظة بكتابة الضبط، الأمر الذي سيجعل من تلف المقرر القضائي أو ضياعه وفقده مستبعد جدا وقوعه.
 
ب‌) حالة تعذر الحصول على نسخة مطابقة لأصل المقرر المفقود.
 
قد يتعذر الوصول لأي نسخة رسمية أو مطابقة للأصل من المقرر الأصلي المفقود، وفي هذه الحالة تعيد المحكمة البت في القضية من جديد، وهو ما يستفاد من نص المادة 590 من قانون المسطرة الجنائية، التي نصت على أنه " إذا لم يعثر على أي نظير أو نسخة رسمية من المقرر، بتت المحكمة في القضية من جديد بعد أن تعاد إجراءات المسطرة إن اقتضى الحال...".
وإذا كان قانون المسطرة الجنائية قد حسم في وجوب إعادة البت في القضية من جديد مباشرة بعد التأكد من عدم وجود أي نسخة من المقرر الأصلي المفقود، فإن قانون المسطرة المدنية الحالي لم يشر لذلك مطلقا، في حين أن مشروع قانون المسطرة المدنية في صيغته الجديدة المشار إليها أعلاه جاء بمستجد مهم، وهو إمكانية تحرير المقرر المفقود من جديد من قبل الهيئة المصدرة له، سواء كانت فردية أم جماعية، وذلك إذا كان أعضاء الهيئة أو بعضهم ما زالوا يعملون بنفس المحكمة المصدرة للمقرر المفقود، أما في حالة عدم وجودهم بذات المحكمة، فآنذاك يتم نظر القضية من جديد، وهو ما يستفاد من نص الفقرة الثانية من المادة 621 منه، التي جاء فيها: "وإذا لم يتم العثور على أي نسخة رسمية من المقرر، وكان القضاة المشكلون للهيئة المصدرو له أو يعضهم مازالوا يعملون بنفس المحكمة، أعيد تحريره، من المقرر أو غيره في حالة عدم وجوده، وتوقيعه طبقا لمقتضيات المادتين 110 و367 أعلاه، وفي حالة عدم وجود قضاة الهيئة بالمحكمة، بتت في القضية من جديد".
ونعتقد بأن المقصود بإعادة البت في القضية من جديد بعد فقد المقرر القضائي الأصلي وعدم وجود ما يحل محله من نسخ، لا يعني بالضرورة إعادة البت في القضية ابتداء من الدرجة الأولى، إنما إعادة البت في القضية من جديد من منطلق المرحلة القضائية المفقود المقرر الأصلي الصادر فيها، وهكذا إذا فقد الحكم الابتدائي وكانت القضية لا زالت في طور الاستئناف، فإن نظر القضية يعاد من جديد على مستوى المرحلة الابتدائية، أما إذا كان المقرر المفقود هو القرار الاستئنافي، فإن إعادة البت في القضية يقتصر على المرحلة الاستئنافية فقط ما دام الحكم الابتدائي المستأنف موجود بالملف، والأمر سيان بالنسبة لمرحلة النقض، فإذا قام أحد الأطراف مثلا بالطعن بإعادة النظر في قرار محكمة النقض، وتبين بأن أصل قرار النقض مفقود ولا وجود لنسخة رسمية أو مطابقة للأصل منه، خاصة وأن طالب إعادة النظر غير ملزم بإرفاق نسخة من القرار المطعون فيه بإعادة النظر، فإنه يتعين على محكمة النقض في هذه الحالة أن تبت في النقض المرفوع ضد القرار الاستئنافي من جديد، ما دام البت في الطعن بإعادة النظر غير ممكن، لتعذر الحصول على نسخة من قرار النقض، من جهة، ولعدم جواز مصادرة حق الأطراف في الطعن بإعادة النظر من جهة أخرى، أما الحديث عن إعادة البت في القضية من جديد على مستوى المرحلة الابتدائية بعد نظرها على مستوى المرحلة الاستئنافية والنقض، فلا يمكن تصوره إلا إذا افترضنا ضياع وفقدان جميع المقررات الأصلية الصادرة في الدعوى، ابتدائيا، استنئافيا ونقضا، مع عدم وجود نسخ منها، وهو ما لا يمكن تصوره، خاصة في ظل المستجد المتعلق بتضمين الأحكام القضائية على البرنامج المعلوماتي وتوقيعها إلكترونيا.
وتطبيقا لما تقدم، قضت محكمة النقض المصرية في أحد قراراتها بأن ضياع النسخة الأصلية للحكم الابتدائي مع عدم وجود نسخة منه يجعل القرار الاستئنافي المؤيد له والمتبني لأسبابه معرضا للنقض مع وجوب إعادة البت في القضية ابتدائيا من جديد، وذلك بمقتضى قرار جاء في حيثياته "حيث أنه يتبين من الاطلاع على مذكرة المكتب الفني بمكتب النائب العام أن الدعوى المستأنفة والمرفق بها النسخة الأصلية للحكم الابتدائي الصادر في ذات الدعوى والمؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه قد فقدت، ولما كان لم يتيسر الحصول على صورة رسمية من هذا الحكم الصادر في الدعوى، فإن مجرد صدور حكم لا وجود له لا تنقضي به الدعوى المدنية ولا تكون له قوة الشيء المحكوم فيه مادامت طرق الطعن فيه لم تستنفد، ولما كانت جميع الاجراءات المقررة للطعن بالنقض قد استوفيت، فإنه يتعين عملا بنص المادتين 554 و 557 من قانون الاجراءات الجنائية أن يقضى بإعادة المحاكمة، ولما كان ما تقدم فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه والاعادة في خصوص الدعوى المدنية" .
وقد يحدث أن يضيع ويفقد أصل المقرر القضائي مع عدم وجود أية نسخة منه، لكن يظل بملف الدعوى محضر الجلسة المثبت لهذا الحكم، فهل يمكن لهذا المحضر أن يحل محل الحكم أو القيام مقامه؟
ينص الفصل 51 من قانون المسطرة المدنية على أنه "يثبت كاتب الضبط الحكم في محضر الجلسة ويشار إلى تاريخ صدوره في السجل المنصوص عليه في الفصل 31"، وفي المنحى ذاته تنص المادة 442 من قانون المسطرة الجنائية على أنه "يحرر كاتب الضبط في كل قضية محضرا... يضمنه منطوق المقررات الصادرة عن الهيئة. ويوقع على المحضر كل من الرئيس وكاتب الضبط".
ويستفاد من النصين، بأن منطوق المقررات القضائية الصادرة في المواد المدنية والزجرية يثبتها كاتب الضبط بمحضر الجلسة، ويوقع عليه إلى جانب رئيس الجلسة، فهل يرقى هذا المحضر المتضمن للمنطوق القضائي إلى مستوى القيمة القانونية المعترف بها للأحكام القضائية في حالة ضياعها وعدم وجود نسخ منها؟
لا نعتقد ذلك، فمحضر الجلسة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعوض المقرر القضائي أو يقوم مقامه، ما دام أن المقرر القضائي هو الذي يحوز حجية الأمر المقضي به المعترف بها للأحكام القضائية وليس محضر الجلسة، وذلك ولو كان هذا الأخير متضمنا فعلا لمنطوق الحكم ومثبتا له، وهذا ما يستفاد ضمنيا من قرار قضائي صادر عن محكمة التعقيب-النقض- التونسية، جاء فيه: "إن اكتفاء المعقب(الطاعن بالنقض) بتقديم نسخة من محضر الجلسة الذي تضمن منطوق القرار وعدم إدلائه بنسخة من الحكم المطعون فيه يرتب عدم قبول مطلب التعقيب شكلا حسبما يقتضيه الفصل 185 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية" .
انطلاقا من هذا القرار يتضح بأن محكمة التعقيب التونسية قضت بعدم قبول الطعن بالنقض شكلا نظرا لعدم تقديم الطاعن لنسخة من القرار المطعون فيه واكتفائه فقط بتقديم نسخة من محضر الجلسة، أولا لكون أن المشرع التونسي يشترط لقبول الطعن تقديم نسخة مصادق عليها من الحكم المطعون فيه ، وثانيا لإقرار محكمة التعقيب التونسية بأن محضر الجلسة لا يقوم مقام الحكم القضائي، وهو توجه سليم.
وإذا كان محضر الجلسة المثبت لمنطوق المقرر القضائي لا يقوم مقام هذا المقرر في حالة ضياعه، فهل يجوز إذا التمسك والاحتجاج بهذا المحضر من طرف من له مصلحة أثناء إعادة البت في القضية بسبب ضياع المقرر الأصلي؟
إن محضر الجلسة وإن كان مبدئيا محررا رسميا لا يطعن فيه إلا بالزور وحجة على ما ورد فيه من منطوق، إلا أننا نرى بأن هذا المحضر يجب أن يأخذ حكم المقرر الأصلي المفقود، واعتباره كأن لم يكن في حالة إعادة البت في القضية من جديد، فلا يستقيم أن نغل يد الهيئة التي ستبت في القضية من جديد بمنطوق صادر عن هيئة أخرى في الدعوى نفسها المعاد النظر فيها، خاصة وأن المشرع استعمل عبارة إعادة البت في القضية، وإعادة البت تقتضي إعادة جميع الإجراءات المسطرية بما فيها التأمل إذا تعلق الأمر بقضاء فردي أو التداول بين أعضاء الهيئة إذا تعلق الأمر بقضاء جماعي، وإلا فما كان من داع لإعادة البت في القضية أصلا.
وإذا كان ما من بد من إعادة البت في القضية في الأحوال المشار إليها أعلاه، فإن إعادة البت في القضية من جديد يجب ألا يمس بالحقوق المكتسبة للأطراف، ما بين تاريخ صدور المقرر المفقود وما بين تاريخ إعادة البت في القضية، وأهمها الحقوق المرتبطة بمرور الآجال، كالتقادم والسقوط، سواء تعلق الأمر بتقادم تنفيذ عقوبة صادرة في إطار دعوى عمومية وفقا لأحكام التقادم المنصوص عليها في المواد 649 وما بعدها من قانون المسطرة الجنائية، أو سقوط الحق في تنفيذ الحكم المدني وفقا لما هو مقرر في الفصل 428 من قانون المسطرة المدنية ، ومن ثم وجب أن يستفيد الأطراف مما يخوله مرور الأجل على صدور المقرر المفقود من حقوق، لا أن تتم مواجهتهم بفقدان المقرر وضياعه، ما دام هذا الضياع لا يد لهم فيه.
 
ثانيا: ضياع نسخة الحكم التنفيذية.
 
تطبيقا للفصل 428 من قانون المسطرة المدنية فإنه يحق لكل محكوم له يرغب في تنفيذ الحكم الحصول على نسخة تنفيذية منه، ونسخ عادية بعدد المحكوم عليهم، وتسلم له النسخة التنفيذية مختومة وموقعة من طرف كاتب ضبط المحكمة التي أصدرت الحكم، حاملة العبارة التالية: "سلمت طبقا للأصل ولأجل التنفيذ".
إلا أن النسخة التنفيذية المسلمة للمحكوم له قد تضيع، إما لسبب يعزى له أو لكتابة الضبط، وإذا كان ضياع النسخة الأصلية للمقرر القضائي مع عدم وجود نسخة منه يقتضي إعادة البت في الدعوى من جديد وفق ما تطرقنا إليه أعلاه، فإن ضياع مجرد نسخة تنفيذية، يخول لصاحب المصلحة الحصول على واحدة أخرى، طبقا لمقتضيات الفصل 435 من قانون المسطرة المدنية، الذي جاء فيه ": تسلم نسخة تنفيذية واحدة، ويجوز لمن فقدها أن يحصل على نسخة تنفيذية ثانية بمقتضى قرار يصدره قاضى المستعجلات بعد استدعاء جميع ذوي المصلحة".
وتطبيقا لذلك جاء في قرار صادر عن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف التجارية بأكادير ما يلي: "حيث إن السيد (...) تقدم بطلب سحب نسخته التنفيذية بعد إرجاع الملف إلى المحكمة التجارية بأكادير فتبين أنها غير موجودة ضمن وثائق الملف، وعزز الطالب طلبه بإشهاد عن رئيس مصلحة كتابة الضبط بالمحكمة التجارية بأكادير يؤكد فيه أن النسخة التنفيذية للقرار الاستئنافي الصادر عن محكمة الاستئناف التجارية بمراكش بتاريخ 9/5/2006 تحت عدد 460 في الملف 1179/4/2005 قد ضاعت في ظروف غامضة، وحيث إن مقتضيات الفصل 435 من ق م م تجيز لمن فقد النسخة التنفيذية أن يحصل على نسخة تنفيذية ثانية بمقتضى قرار يصدره قاضي المستعجلات، وحيث إنه بعد استدعاء ذوي المصلحة فإننا لا نرى مانعا من قبول الطلب بتسليم نسخة تنفيذية للقرار الاستئنافي المشار إليه" .
ومن ثم فإن ضياع النسخة التنفيذية للمقررات القضائية لا يترتب عنه أي أثر إجرائي يذكر، ما دام لمن فقدها الحق في الحصول على نسخة تنفيذية أخرى.
 
ثالثا: ضياع ملف الدعوى القضائية.
 
تطرقنا فيما تقدم إلى حالة تلف المقرر القضائي الأصلي، وحالة وجود نسخة منه من عدمه، لكن، قد يحدث أن تضيع مستندات ووثائق ملف الدعوى قبل صدور هذا المقرر أصلا، أو بعده، وهو ما يطرح إشكالية البت في الدعوى أو الطعون في غياب هذه الوثائق والمستندات، خاصة إذا كانت منتجة وحاسمة في الدعوى.
فبخصوص الدعوى العمومية، نجد أن المشرع قد نص في المادة 591 من قانون المسطرة الجنائية على أنه " إذا تلف ملف دعوى لم يحكم فيها نهائيا أو ضاع أو فقد، أعيد تأليفه بواسطة نظير من المحاضر المثبتة لوقوع الجريمة ومن البحث غير الرسمي ومن النسخ المنصوص عليها في المادة 85"، ويستنتج من هذه المادة أنه يمكن تعويض ما ضاع من المحاضر والمستندات الأصلية للملف بنسخ منها، وهي النسخ الموجودة بحوزة المؤسسات المتدخلة بشكل أو بآخر في الدعوى العمومية، وهي: الضابطة القضائية، النيابة العامة، قضاء التحقيق، بل وحتى الطرف المدني إذا كانت بحوزته نسخ هذه الوثائق والمستندات، خاصة إذا كان هو من أقام الدعوى العمومية.
أما في الدعاوى المدنية، فإن قانون المسطرة المدنية الحالي قد سكت عن ذلك، وحاول المشرع معالجة هذا الاشكال في  المشروع الجديد للمسطرة المدنية، حيث نص في الفقرة الثالثة من المادة 621 على أنه "إذا تلف أو ضاع ملف دعوى، سواء قبل أو بعد صدور المقرر فيها، أعيد تكوين نظير له، بواسطة نسخ المقررات والمقالات والمذكرات والمحاضر والوثائق والمستندات والتقارير المحفوظة على المنصة الالكترونية أو الموجودة لدى الأطراف أو المحامين أو الخبراء أو الغير، وكذا من خلال الإجراءات المثبتة بسجلات المحكمة "، ويلاحظ من هذا النص بأن مشروع المسطرة المدنية تبنى نفس النهج المعتمد في قانون المسطرة الجنائية، وهو محاولة إعادة تشكيل الملف من نسخ الوثائق والمستندات الموجودة لدى جميع الجهات التي قد تربطها علاقة إجرائية بملف الدعوى، بشكل مباشر أو بأخر،  كأطراف الدعوى ودفاعهم، والخبراء، المفوضين القضائيين، الموثقين، العدول و غيرهم.
وإذا كان ملف الدعوى في القضايا الزجرية دائما ما توجد نسخا منه بكتابة النيابة العامة باعتبارها خصما يسهر على إقامة وتحريك وممارسة الدعوى العمومية، كما توجد نسخ المحاضر المنجزة على ذمة القضية لدى الجهات المحررة لها، وبهذا يسهل تشكيل نظير منه، فإن ملف الدعوى المدنية على خلاف ذلك، لأن الأطراف هم الملزمين بتقديم المستندات والوثائق تعزيزا وإثباتا لادعاءاتهم، وغالبا ما تكون الوثائق المقدمة من قبلهم أصلية، وهم يقدمونها بغية اقتضاء الحق ثم سحبها من ملف الدعوى بعد صدور المقرر القضائي، نزولا عند مقتضيات الفصل 51 الذي جاء فيه "...ترد المستندات إلى أصحابها مقابل وصل، عدا إذا اعتبرت المحكمة  أن بعضها يجب أن يبقى بالملف" ، وكذا الفصل 346 من قانون المسطرة المدنية الذي جاء فيه "...وتسلم المستندات لأصحابها مقابل وصل منهم ما لم تقرر غرفة الاستينافات بالمحكمة الابتدائية أو محكمة الاستيناف بغرفة المشورة إبقاء بعضها ملحقا بملف القضية"، إلا أن هذه الوثائق قد تضيع من ملف الدعوى قبل صدور المقرر القضائي  وقبل تسليمها لمن له الحق فيها، وقد يتعذر على الأطراف الحصول على نسخ مطابقة لأصل المستند المقدم في الدعوى، خاصة إذا كان مستندا قديما من حيث تاريخ تحريره، وهو ما قد تضيع معه حقوقهم، خاصة إذا كانت التصرفات الثابتة بمقتضى ذلك السند المفقود لا يجوز إثباتها إلا بالكتابة، ما لم يسمح القضاء استثناء بإثبات تلك التصرفات بشهادة الشهود نظرا لفقدان المحرر الكتابي في ظروف خارجة عن إرادة الأطراف .
ونشير أخيرا إلى أن مشروع قانون المسطرة المدنية بمقتضى المادة 631 منه قد جاء بمستجد يتعلق بإمكانية الادلاء بالوثائق والمستندات أمام المحكمة بطريقة الكترونية من خلال المنصة الموضوعة رهن السادة المحامين، مع وجوب تحديد طبيعة المستند المدلى به، ما إذا كان أصليا أم مطابقا للأصل أم مجرد صورة شمسية، والمحكمة لا تطلب المستند ورقيا إلا عند الاقتضاء، كالتحقق من صحته، خاصة في حالة المنازعة فيه من قبل الخصم، وهو مقتضى من شأنه أن يعفي الخصوم من تقديم أصول مستنداتهم أمام المحكمة إلا في حالات خاصة، وهو ما من شأنه أن يعزز حماية هذه المستندات والحيلولة دون ضياعها، ما دام المحامي سيظل محتفظا بها بمكتبه، ما لم تطلبها المحكمة.
كما أن مشروع قانون المسطرة المدنية منح إمكانية استخراج وتسليم نسخ من الوثائق والمستندات المحفوظة بالنظام المعلوماتي، وذلك طبقا للمادة 637 منه التي تنص على أنه "يمكن استخراج وتسليم نسخ من الوثائق والمستندات والمقررات القضائية المحفوظة بالنظام المعلوماتي، وذلك عبر المنصة الالكترونية، وتتضمن هذه النسخ مراجع حفظها، التي تتيح التأكد من صدقيتها". وهو مقتضى مهم من شأنه حماية الوثائق والمستندات من الضياع وجمع قواعد بيانات منها، للرجوع إليها عند الحاجة.
وإذا كان المشرع تحدث عن إمكانية جمع نظير من وثائق الدعوى المفقودة، فإنه لم يتطرق لمدى إمكانية إعادة البت في القضية من جديد في حالة وجود المقرر القضائي وضياع باقي أوراق الدعوى، وكان المقرر القضائي لازال قابلا للطعن، وهي حالة حتى ولو كان المقرر القضائي فيها لازال موجودا، إلا أن ضياع باقي الأوراق المنتجة والحاسمة في الملف من شأنه أن ينسف المسطرة كاملة ويجعل من إعادة البت في القضية إلزاميا، كحالة فقدان محضر الجلسة، بحيث أن فقدان هذه الوثيقة وعدم وجود نظير لها يجعل من إعادة البت في القضية واجبا ولو كان المقرر القضائي الصادر في القضية موجودا، ما دام هذا المقرر لازال قابلا للطعن، إذ أن المحكمة التي ستنظر في الطعن لن تستطيع بسط رقابتها على هذا المقرر في ظل فقدان محضر الجلسة.
ولكل غاية مفيدة، نشير إلى أن إتلاف بعض وثائق ملف الدعوى القضائية قد يكون بأمر القانون، وهذا الإتلاف يخرج عن أحكام المقتضيات الواردة أعلاه، لأنه إتلاف بأمر القانون وتنفيذا له، كحالة إتلاف التسجيلات والمراسلات، طبقا للمادة 113 من قانون المسطرة الجنائية، أو حالة إتلاف محضر تحقيق الهوية طبقا للمادة 82 – 3 – 11 من نفس القانون.
 
رابعا: الحماية المقررة للأرشيف القضائي ووثائق الدعوى.
 
أشرنا فيما تقدم بأن المحامي في ظل مشروع قانون المسطرة المدنية أصبح يجوز له، نيابة عن موكله، تقديم الوثائق والمستندات من خلال الادلاء بها عبر المنصة الالكترونية، دون حاجة لإيداعها ورقيا بكتابة ضبط المحكمة، ما لم تطلبها المحكمة لسبب من الأسباب، وهو بذلك يكون ملزما بالاحتفاظ بهذه الوثائق بمكتبه، كما يحتفظ بباقي الوثائق المقدمة إليه من موكليه، ويبقى مسؤولا عن هذه المستندات والوثائق المسلمة إليه طيلة خمس سنوات، اعتبارا من تاريخ انتهاء القضية أو من آخر إجراء في المسطرة، أو من يوم تصفية الحساب مع الموكل في حالة استبداله لمحاميه، وذلك وفق صريح منطوق المادة 50 من القانون المنظم لمهنة المحاماة.
وإذا كان القانون قد ألزم المحامي بوجوب الاحتفاظ بالمستندات والوثائق طيلة خمس سنوات تسري من التواريخ المشار إليها أعلاه، فإنه يلاحظ بأن المسطرتين، المدنية والجنائية، لم تشر لأي نص يتعلق بإلزامية الاحتفاظ بوثائق الملف، اللهم ما عدا ما أشرنا إليه سابقا فيما يتعلق بالوثائق التي قد تقرر المحكمة الإبقاء عليها بملف الدعوى ورفض تسليمها للأطراف، كما أن المسطرتين لم تحددا أي أجل لكتابة الضبط يتعلق بالاحتفاظ بملف الدعوى أو وثائقه.
وهو ما يجعل ملف الدعوى القضائية بمختلف وثائقه، خاضع للقواعد العامة المنظمة للأرشيف العام العادي والوسيط الممسوك لدى الدولة وإداراتها ومرافقها ومؤسساتها، طبقا لأحكام القانون رقم 69.99 المتعلق بالأرشيف  ولمرسومه التطبيقي عدد 2.14.267 القاضي بتحديد شروط وإجراءات تدبير وفرز وإتلاف الأرشيف العادي والوسيط وشروط وإجراءات تسليم الأرشيف النهائي .
ويراد بالأرشيف بمقتضى المادة الأولى من قانون الأرشيف السالف الذكر، جميع الوثائق كيفما كان تاريخها وشكلها وحاملها المادي التي ينتجها أو يتسلمها كل شخص طبيعي أو معنوي وكل مصلحة أو هيئة عامة أو خاصة خلال مزاولة نشاطهم، وهو التعريف الذي يسري على وثائق الدعوى القضائية.
وبذلك يكون مرفق العدالة ملزما بمسك أرشيف الدعوى والمحافظة عليه، تحت طائلة ترتيب المسؤولية المرفقية، وأحيانا ترتيب المسؤولية الزجرية أيضا في حق الشخص المسؤول عن الارشيف، حيث تنص المادة 02 من قانون الأرشيف السالف الذكر على أن كل موظف أو مستخدم تابع للأشخاص الطبيعيين أو المعنويين المشار إليهم في المادة 3 بعده يعتبر مسؤولا عن الوثائق التي أنتجها أو تلقاها أثناء ممارسة مهامه، كما يسأل جنائيا عن أي سرقة أو اختلاس أو إتلاف لذا الأرشيف .
وتطبيقا للمادة الأولى من المرسوم عدد 2.14.267 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات تدبير وفرز وإتلاف الأرشيف العادي والوسيط وشروط وإجراءات تسليم الأرشيف النهائي، قد تم إحداث لجنة الأرشيف القضائي ولجان أرشيف المحاكم المحدثة لدى هذه اللجنة، وكذا وضع جدول زمني لحفظ الأرشيف المتعلق بسجلات المحكمة والملفات القضائية المعروضة أمامها، وذلك بمقتضى القرار عدد 300.22 المشترك بين وزير العدل والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، الصادر في 31 ماي 2022.
وهذا القرار ينظم حالة الأرشيف العادي الموجود بالمحكمة، وحالته بمستودعات الحفظ الجهوية التابعة لوزارة العدل بعد أن يصير أرشيفا وسيطا بمرور الأجل المحدد في الجدول الزمني للحفظ، الخاص بكل سجل من سجلات المحكمة، وكل قضية من القضايا المعروضة أمامها، ثم حالته بعد انصرام الأجل المحدد للحفاظ عليه كأرشيف وسيط، والتي يتخذ بشأنها قرارا إما بإتلاف الأرشيف، أو تسليم عينة منه كأرشيف نهائي إلى مؤسسة أرشيف المغرب، وفق منطوق المادة 10، من القرار المشترك المشار إليه.
وعلى سبيل المثال، فإن عمر ملف القضية المدنية، ابتدائية كانت أم استئنافية، هو 10 سنوات بالأرشيف العادي بالمحكمة، أما بالأرشيف الوسيط لدى المستودعات الجهوية لوزارة العدل فهو 20 سنة، بينما عمر الملف الجنحي الاستئنافي هو 05 سنوات بالأرشيف العادي وسنتين بالأرشيف الوسيط. أما الاحكام القضائية فيحتفظ بها ورقيا بشكل دائم باعتبارها وثيقة أساسية حسب ما هو مضمن بالجدول الزمني، ومن ثم وجب على صاحب المصلحة الذي أدلى بوثيقة من الوثائق بملف الدعوى، أن يسترجعها بعد صدور المقرر القضائي، آخذا بعين الاعتبار الآجال المنظمة لحفظ ملفات الدعاوى القضائية بالأرشيف، سواء تعلق الأمر بالارشيف العادي أم الوسيط.
وأخيرا، إذا كان هناك ما يهدد وثائق الأرشيف القضائي، كحالة وقوع قوة قاهرة أو ظروف طارئة، فإن لجنة أرشيف المحكمة تقوم فورا، بإنجاز محضر معاينة معززا بالصور وبكل وسيلة إثبات أخرى، واتخاذ، بالموازاة مع ذلك، جميع التدابير والإجراءات اللازمة للحفاظ عليه، وإذا تعذر إنقاذ الأرشيف المتضرر، وتقرر إتلافه، وجب تحرير محضر بذلك، وذلك وفق ما تنص عليه المادة 10 من القرار المشترك نفسه.
وفي كل الأحوال، تظل مسؤولية مرفق العدالة قائمة عن تلف المقررات أو ضياع وثائق ومستندات الملفات القضائية، إذا ما تسببت بضرر لأطراف الخصومة، مدنية كانت أم زجرية، سواء كان هذا التلف أو الضياع بسبب يعزى إلى أحد الموظفين التابعين لهذا المرفق، أو بسبب خارجي، كهطول الأمطار، ما دام هذا السبب من الأمور التي يمكن توقعها، وما دام المرفق يتوفر على آليات استباقية للحيلولة دون ضياع الأرشيف وأهمها تكوين قواعد بيانات رقمية منه للرجوع إليها عند الحاجة.
 
خاتمة
 
مما تقدم يستنتج بأن المشرع المغربي، سواء في قانون المسطرة الجنائية أو في مشروع قانون المسطرة المدنية، حاول قدر الإمكان إيجاد حلول عملية لحالة تلف المقرر الأصلي أو ضياع ملف الدعوى، إلا أنه في سبيله لذلك، لم ينظمهما بنصوص قانونية كافية ترفع اللبس عن الآثار القانونية والاجرائية لهتين الحالتين، وتحفظ حقوق المتقاضين، وهو ما يقتضي إعادة النظر في النصوص الحالية الواردة في قانون المسطرة الجنائية، أو تلك التي جاء بها مشروع قانون المسطرة المدنية.
ويلاحظ أيضا، بأن المشرع يتحدث فقط عن الحالة التي يتلف فيها المقرر  القضائي أو يضيع فيها ملف الدعوى قبل التنفيذ، أما حالة فقدان المقرر أو ضياع الملف بعد التنفيذ فهو لا يتطرق إليها، والحال أن الاشكال سيظل مطروحا حتى بعد تنفيذ المقرر المفقود، إذ أن هذا المقرر قد يكون محلا للطعن بعد تنفيذه، والطعن لا يمكن تصور البت فيه في ظل فقدان المقرر المطعون فيه أو ضياع وثائق الملف، وذلك ولو كان المقرر منفذا، إذ سيصعب على المحكمة التي تنظر في الطعن أن تبسط رقابتها على مقرر مفقود أو ملف خال من وثائقه الحاسمة، كمحاضر الجلسات، وهو ما يقتضي التدخل لتقنين حالة فقدان ملف الدعوى أو المقرر القضائي بعد تنفيذه.
أما بخصوص المستجد الذي جاء به مشروع قانون المسطرة المدنية والمتعلق بإعادة تحرير المقرر القضائي المفقود من طرف نفس الهيئة المصدرة له أو بعض أعضائها إذا كانوا لازالوا يعملون بنفس المحكمة التي أصدرت المقرر المفقود كبديل عن إعادة البت في القضية، فإننا نتفق مع هذا التوجه الذي تبناه المشرع، شريطة أن يكون على الأقل عضوين من أعضاء الهيئة المصدرة للمقرر المفقود ما زالا متواجدين بالمحكمة، وليس عضو واحد فقط، ما لم يتعلق الأمر بمقرر صادر عن قضاء فردي، وذلك لكون أن الأحكام القضائية بالمغرب تصدر إما بإجماع الهيئة أو بأغلبيتها نزولا عند مقتضيات المادة 16 من التنظيم القضائي الجديد، ومن ثم فإن كان عضو واحد فقط من أعضاء الهيئة هو المتبقي بالمحكمة فإنه لا يستقيم أن نمنحه سلطة تحرير الحكم من جديد، ومن ثم لا بد من إعادة البت في القضية من جديد.
ثم إن إغفال المشرع التنصيص على إعادة البت في القضية من جديد في حالة وجود مقرر قضائي قابل للطعن مع فقدان وثائق الدعوى الحاسمة وعدم وجود نظير منها، يقتضي تدخله للتنصيص عليها صراحة، ما دامت محكمة الطعن سيتعذر عليها الرقابة على صحة المقرر المطعون فيه في ظل غياب باقي أوراق الملف، خاصة إذا تعلق الأمر بمحضر الجلسة.
وأخيرا، فإن مرفق العدالة يظل مسؤولا اتجاه أطراف الخصومة، عن أي تلف أو ضياع قد يلحق المقررات القضائية أو مستندات ملف الدعوى.
 
والله ولي التوفيق



الخميس 26 فبراير 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter