Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



في الطريق إلى البيان القضائي ( على هامش القانونين التنظيميين المتعلقين بالسلطة القضائية ) بقلم د.عبد الحكيم الحكماوي


     

قاض، وأستاذ زائر بكلية الحقوق بسلا



في الطريق إلى البيان القضائي  ( على هامش القانونين التنظيميين المتعلقين بالسلطة القضائية ) بقلم د.عبد الحكيم الحكماوي

مناسبة المقال :

في ظل النقاشات التي تدور حول مشروعي القانونين التنظيميين للمجلس الأعلى للسلطة القضائية و النظام الأساسي لرجال القضاء ارتأيت كقاضي أن أساهم في تنوير الرأي العام بمجموعة من المسائل المرتبطة بما قد تؤول إليه الأمور في حال الموافقة على المشروعين المذكورين في صيغتهما المتداولة حاليا . لذلك فقد عملت على صياغة هذه الورقة كمقدمة لورقات لاحقة مرتبطة ب " انتكاسات دستورية حقيقية " و " تراجعات حقوقية خطيرة " عبَّرت عنها صياغة المشروعين المذكورين . و قد اخترت لهذا المقال عنوان " في الطريق إلى البيان القضائي " للتعبير من الداخل القضائي عن رؤية قاض للمشروعين و نتائجهما السلبية و ما سيترتب عنهما من تراجع عن الحقوق و الحريات ستمس المواطن أولا وقبل كل شيء.

في الطريق إلى البيان القضائي

على هامش القانونين التنظيميين المتعلقين بالسلطة القضائية


يبدو أن الحراك الذي شهده المغرب خلال سنة 2011 يتبخر . إذ أنه في الوقت الذي كان المغرب يعبر فيه عن الطبيعة الاستثنائية لحراكه والتي تجسدت في التجاوب التلقائي والإيجابي من جلالته لمطالب الشعب المغربي من خلال خطاب 9 مارس 2011 ، نجد أن هناك مجموعة من الجهات غير قادرة على استيعاب حجم التغيير الذي ينتظره الشعب المغربي و الذي جسدته الوثيقة الدستورية باعتبارها نظرة متوافق عليها من قبل كل الفاعلين الاجتماعيين بدون استثناء .

فالدستور الذي أقره الشعب المغربي في ظرف حساس من تاريخ المغرب خصوصا والمنطقة عموما ، أُدخل من قِبل الحكومة الجديدة في ثلاجة إلى أن مرت مدة غير يسيرة في عرف الزمن الدستوري المتعارف عليه من طرف خبراء الشأن الدستوري و السياسي ، و كأننا بهذه الحكومة أرادت أن تنتظر إلى أن تفتُر همة الشعب المغربي حتى تستطيع جهد الإمكان الالتفاف على مقتضيات الوثيقة الدستورية في كل جوانبها .
و قد لاحظ المراقبون هذا السلوك الحكومي و وجهوا له انتقادات وجيهة ، خاصة و أن من بين النتائج المترتبة عن تأجيل تنزيل المقتضيات الدستورية حرمان الهيئات و المؤسسات التي شمل التعديل الدستوريُّ بِنيتَها من ممارسة حقها كما هو مرسوم في الوثيقة الدستورية . و على رأس الجهات التي نعنيها المعارضة التي يجب أن يخرج قانونها التنظيمي إلى حيز الوجود و القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية و غيره المتعلق بكيفية ممارسة حق الطعن في دستورية القوانين و ذلك المرتبط بحق المواطنين في تقديم ملتمسات تشريعية و ما إلى ذلك من المقتضيات الدستورية التي يتوقف عليها تفعيل الدستور الجديد و ينتج عنها تكريس و صيانة حقوق المواطنين .
و لا يمكنني كمراقب أن أفهم هذا السلوك إلا من خلال ما صرح به السيد رئيس الحكومة وتداولته وسائل الإعلام حينها من كون حالة الاستعجال في تنزيل الانتخابات الجماعية قد زالت بعدما هدأ الشارع المغربي ولم تعد أية مبررات للعجلة . ففي طيات هذا الكلام يُفهم أن نية الحكومة كامنة في إجهاض كل المكتسبات التي تحققت للشعب المغربي بموجب الوثيقة الدستورية ، ليبدأ بعد ذلك مسلسل الإجهاز على الحقوق و الحريات واحدة تلو الأخرى في صورة فريدة تؤكد عزم و قوة الحكومة المغربية في صيغتها المفرزة بعد انتخابات 2011 على وأد التجربة المغربية الفريدة في مجال ترسيخ حقوق الإنسان وتكريسها في الواقع اليومي للمواطن المغربي, و هو ما يؤكد ليس الطبيعة الاستثنائية للتجربة المغربية و إنما الطبيعة الاستثنائية للحكومة التي نصبت نفسها فوق الدستور ضاربة بعرض الحائط كل الخطب و التوجيهات الملكية السامية حول ضرورة اعتماد مبدأ التأويل الديمقراطي للدستور.

فإذا كان اعتماد هذا المبدأ يعني إشراك كل الفاعلين في مختلف الحقول و المجالات في صنع الخطوط العريضة للتنزيل الدستوري ، فإن ما شهدناه و ما نشهده يوميا من ممارسة للفعل الحكومي يكرس تطاولا لا مثيل له على إرادة الشعب و فرضا للأمر الواقع على قطاعات عريضة من مؤسسات الدولة المغربية ، و كأننا نعيش في بيئة لا يحكمها القانون و لا تدين لدولة المؤسسات إلا على مستوى الشعارات .

و إذا كان من الممكن باعتباري مراقبا كباقي المراقبين أن نسرد العديد من التجاوزات الدستورية في مجالات متعددة و متشعبة و من خلال سلوكيات لا تدخل في دائرة حصر ، فإنني سأكتفي فقط بالتركيز على النية المبيَّة في إجهاض تجربة استقلال السلطة القضائية ، و التي عبرت عنها الحكومة المغربية من خلال اللعب غير الموَفق في إطار ما يصطلح عليه بالزمن الدستوري و السياسي .

ففي الوقت الذي كان منتظرا من هذه الحكومة التي أتت بإرادة شعبية من أجل المساهمة في التغيير المنشود، نجد أنها أصبحت تتغافل عن التفعيل الدستوري، وأقصد بالتغافلِ النية والقصد في تجاوز الدستور و ليس عدم استيعاب مقتضياته كما يذهب إلى ذلك العديد من الملاحظين .

فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أن منهجية إعداد و تحضير مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية و النظام الأساسي للقضاة ، و التي تم اعتمادها من قبل وزارة العدل و الحريات باعتبارها الواجهة الحكومية " لتدبير قطاع العدل " ، منهجية مقصودة لم ترق بأي حال من الأحوال إلى مستوى التوجيهات الملكية المتجسدة في الدعوة إلى اعتماد مبدأ التنزيل الديمقراطي للدستور ، إذ لا يمكن أن يكون " الحوار الوطني " حسب ما تدعيه الحكومة مستمرا في أشغاله و بحضور مجموعة من القطاعات حسب بلاغات الوزارة و ما تطالعنا به وسائل الإعلام ، و لا تكاد تمر إلا أياما معدودات على تسريب و إخراج مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين المذكورين , فهل هذا يعني أن المشروعين كانا موجودين قبل انتهاء الحوار ؟

هذا السؤال يبدو وجيها بالنظر لسرعة إخراج المشروعين من غير أية استشارة أو دعوة يمكن أن تتلقاها الجمعيات المهنية الممثلة للقضاة على اختلاف مشاربها و تصنيفاتها . ومن غير أخذ رأي أية واحدة من الجمعيات المذكورة فيما يتعلق بالخطوط العريضة التي يجب أن يتضمنها المشروعين بناء على الخلاصات و التوصيات التي خرج بها ما يمكن أن نسميه " الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة " و هو الحوار الذي قاطعته جل إن لم نقل كل الجهات الفاعلة في القطاع و لم يشارك فيه إلا من هم خارج القطاع .

إن المنهجية التي تم التعامل بها من طرف وزارة العدل و الحريات مع ملف السلطة القضائية لا يمكن وصفها إلا بالمنهجية غير الديمقراطية ، و على المواطنين و الرأي العام عموما و الرأي العام القضائي على وجه الخصوص أن يعرف أن تلك المنهجية لا يمكن أن تؤديَ إلى أية نتائج إيجابية ملموسة ، و يمكن إبراز ذلك من خلال النقاط التالية :

أولا : أن مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية و النظام الأساسي للقضاة لا يعبران عن التنزيل الحقيقي للدستور فيما يتعلق باستقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية ، بل إن ما جاء بالمشروعين المذكورين يعبر و بشكل قاطع عن التراجع حتى على هامش الاستقلال الذي كان يتمتع به القضاء قبل دستور 2011 ، و هو ما يضع العديد من علامات الاستفهام حول مصير الحقوق و الحريات التي أضحى المواطن يتمتع بها في ظل الدستور الجديد باعتبار أن الدستور نفسه أناط بالقضاء مهمة الحفاظ على الحقوق و الحريات المُعترف بها للمواطن .

ثانيا : أن التنزيل " الفوقي " لمشروعي القانونين التنظيميين المذكورين مآله الفشل لعلتين بسيطتين أولهما أنه لا يمكن إجبار فئة مهمة و نخبة متميزة من المجتمع على القبول بالأمر الواقع في ظل حقوق و حريات أعطاها لهم الدستور وهي حقوق و حريات غير قابلة للتراجع عنها و لو تمت مراجعة الدستور نفسه ؛ و ثانيهما أنه على فرض إقرار المشروعين فإن القضاة سوف لن يتوانوا عن تكريس الرغبة في الاستقلال عن السلطة التنفيذية التي خرجت من الباب بموجب منطوق الدستور و روحه و دخلت بقوة من النافذة عبر مشروعي القانونين التنظيميين .

ثالثا : أن مآل مشروعي القانونين التنظيميين هو الإهمال و عدم الاكتراث من قبل ليس القضاة وحدهم ، و لكن من طرف الجميع بما فيهم المواطنين . فالمواطن الذي سيكتشف أن قضاءه الذي يرغب و يأمل في أن يُرجِع إليه حقه أصبح مقيدا و غير قادر على أداء وظيفته في إقامة العدل ، سيكتشف أن أسطوانة محاربة الفساد التي تروج لها الحكومة ما هي إلا وسيلة لاستمالة الرأي العام من أجل أغراض انتخابية لا تأثير لها على الواقع المعاش للمواطن اللهم ما تحققه من مصالح للسياسيين المنتفعين من ترديد تلك الأسطوانة . و لستُ في هذا المقام في معرض تبيان مظاهر صحة ما ذَكرت لأن لشواهد على ذلك كثيرة ؛ و لكنني أذكر المواطن بأن القضاء لن يكون بخير في المستقبل ما لم تتحقق استقلاليته المطلقة عن السلطة التنفيذية و أهوائها . فقد تُصَفِّق أيها المواطن وأيتها المواطنة اليوم للقرار و لكنك غذا عندما تكتشف فوات الأوان لن ينفعك الندم . ولعلك قد تأخذ كلامي هذا مأخذ الاستهزاء أو التقليل من الأهمية أو يجول في خاطرك أننا كقضاة نسعى إلى التحرر أكثر من أجل خلع كل رقابة عنا و أن وزارة العدل يجب أن تبقى هي الرقيب ، لكنني أقول لك و أنا صادق و لعلك تُحسُّ بصدق كلامي أن القاضي الذي يدافع عن استقلاليته فمن أجل الدفاع عن حقوق و حريات المواطنين أولا و في ظروف تسمح له بالعمل من أجل ذلك ، و لو كان همنا كقضاة مطالبين بالاستقلالية التامة عن السلطة التنفيذية غير ذلك و كانت بالفعل تهمنا مصالحنا لما فكرنا في خوض معارك الاستقلال و نحن نعلم أن مصائرنا مهددة من أن نحقق لك كمواطن أبسط حقوقك التي يتعين أن تتمتع بها و نحافظ لك على حريتك التي يجب أن تصان و ألا تدوسها المصالح خاصة و أننا نعي جيدا أن رواتبنا من مالك الذي يجب أن يرجع عليك بالنفع ، كما أنه لو كنا نفكر بالفعل ، كما يُقال لك يوميا ، في مصالحنا لكنا قضيناها من غير تعب و لا كلل و لو قمنا باستغلال صفتنا كقضاة ، فأنت أيها المواطن و أيتها المواطنة تعلمان أكثر من خلال تجربتكما أن هذه الإمكانية ممكنة و لكننا لم نأثر ذلك و آثرنا كقضاة مطالبين بالاستقلال أن نقدم مصالح الوطن و المواطنين فوق كل اعتبار ، من غير أن نكون أداة طيعة بيد السياسيين يلعبون بنا كما يريدون .

رابعا : أن مصير مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية و النظام الأساسي للقضاة سيكون في حالة إقرارهما على حالهما هو حصان طروادة الذي من خلاله سيتأثر الوضع الدولي للمغرب من خلال التقارير التي سترفعها المنظمات الحكومية و غير الحكومية ، الوطنية و عبر الوطنية عن الوضع العام لحقوق الإنسان بالمغرب و عجز القضاء المغربي عن حماية تلك الحقوق و الحريات في ظل دستور متقدم في احترام استقلال السلطة القضائية و قوانين مكبلة لعمل تلك السلطة و مقيدة لها .

خامسا : أن ما يمكن أن يُثبت أن المنهجية التي سارت عليها وزارة العدل و الحريات منهجية خاطئة و متعمدة ، هو أنها كان عليها أن تعمل و بإشراك للقضاة و جمعياتهم على إخراج القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أولا و تنصيبه من طرف جلالة الملك حتى يكون طرفا أساسيا و معبرا عن توجهات القضاة فيما يتعلق برسم معالم مسارهم المهني بعد أخذ رأي الجمعيات المهنية ، و هو حق أصيل ليس للقضاة فقط و إنما للمواطنين الذين من حقهم أن يضمنوا قضاء مستقلا و نزيها . و أن وزارة العدل لما تصرفت على غير ذلك النحو تكون قد عبَّرت بصورة جلية على نيتها في التدبير الانفرادي للمسار المهني للقضاة و هو ما لا يمكن أن يبشر بخير على اعتبار أن السلطة التنفيذية لا ترغب و بنية واضحة في تحقيق استقلال حقيقي للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية من شأنه أن يُدخِل المغرب في مصاف الدول الديمقراطية الحقيقية التي تُحترم فيها حقوق الإنسان و حرياته ، و يسود فيها القانون و تشيع ثقافة المؤسسات . و أنه زيادة على ما ذكر فإن إعطاء الصفة التشاورية مع القضاة لمشروعي القانونيين التنظيميين عن طريق عقد لقاءات للسيد الوزير مع القضاة ليس الغرض منه إلا التسويق السياسي للهروب من المأزق الذي وجدت وزارة العدل نفسها فيه بعد أن ظهر استفرادها بتقرير مصير سلطة مستقلة عنها أصلا و أساسا .

و ختاما نقول إن كانت كل القوانين التنظيمية التي نص عليها الدستور مهمة للغاية بالنسبة للمواطن ، فإن القانونين التنظيميين للمجلس الأعلى للسلطة القضائية و النظام الأساسي للقضاة أكثر أهمية لأنهما يؤسسان لسلطة قضائية يمكن الرجوع إليها في كل شاردة و واردة متى ما تعلق الأمر بخرق الحقوق و الحريات سواء تلك المتعلقة بالمؤسسات الدستورية بما فيها الحكومة و المعارضة ، أو ما ارتبط منها بمنظمات و هيئات المجتمع المدني أو ما كان متصلا بالمواطنين ذاتهم . فمعركة استقلال القضاء معركة وطن و معركة مواطن في مواجهة سلطة تنفيذية متغولة ، و ليست معركة فئة تدافع عن حقوقها .

الثلاثاء 5 نونبر 2013


تعليق جديد
Twitter