Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



ذ محمد عنبر: ميثاق اصلاح العدالة بين إحباط المهزومين وانتصار المشوشين


     



ذ محمد عنبر: ميثاق اصلاح العدالة بين إحباط المهزومين وانتصار المشوشين

أن ينعتك عدوك بأقبح النعوت ،حينما تنتصر عليه، ويستسلم لرغباتك الخاصة بإصلاح بيتك ليس حسب مزاجه بل حسب رغبة أهله ،فإنه يبخس مجهوداتك وتكون ردة فعله آتية من مكان سقوطه وهو على الارض منبطح، وكما قال الله تعالى في كتابه الحكيم (( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ..)) صدق الله العظيم .
 
وصدق شيخ المغرب المرحوم علي اليوسي حين قال في رسالته التاريخية للسلطان المولى إسماعيل ((....كيف يزيل الظلم من يفعله .........)) وقد تم التنبيه لهذا الأمر عند الإعلان عما يسمى بالحوار الوطني حول العدالة بنشر مقالة تحت عنوان (( زمن الحوار)) ((لابد أن الحكومة الجديدة لتبرهن عن جديتها وعزمها في السير بالحوار الوطني حول العدالة قدما ،أن تهيئ الحقل الذي ستعمل فيه مع القضاة وباقي الفاعلين ،فهو حقل مليء بالألغام المدسوسة والقابلة لإنفجار في أية لحظة ،ولايمكن ان يلجه أي إنسان قبل تنقيته من طرف الحكومة الحالية، والتي تتوفر على كافة المقومات لذلك ،وإلا انها ستجعل من العاملين في حقل العدالة أليات لكشف وإبطال مفعول الألغام ،وهذه الأخيرة هي الخطوة الأولى التي يجب سلوكها قبل المضي في أي حوار  حول العدالة ،فأغلب الجلادين الذين يلبسون المشاكل لضحاياهم ويخلقون لهم مشاكل في مسارهم المهني مازالوا قابعين في كراسيهم ،وهم سائرون في صنع المشاكل وحلها حسب طريقتهم ،فهم الخصم والحكم ،فكيف للقضاة (المفروض فيهم الاستقلالية والتجرد ) أن يحاوروا ويخرجوا عن صمتهم وجلادوهم مازالوا يشخصون أبصارهم فيهم ليرهبونهم....)).
 
كان قرار النادي بالانسحاب من الحوار قرارا حكيما سيشهد التاريخ عليه لصالح هذه الجمعية الفتية التي لم تلطخ يدها بالاجهاد على فرصة عظيمة جاء بها دستور 2011 ولم تفرغ محتوياته من معناها،لفائدة الجناح القديم من القضاة المعادين لإستقلالية القضاء.
 
إنتصر نادي قضاة المغرب في فرض استقلالية النيابة العامة على وزير العدل ،هذه الآلية الفعالة  التي كانت تبطش بها السلطة التنفيذية ضد من يقف أمامها، وخرج الميثاق مهزوما ومنحي الرأس أمام القضاة الشرفاء، لكن المعركة مازالت مستمرة إذ هذا الاستقلال هو عنوان نضال مستميت من اجل قيام دولة الحق والقانون، وسيستتبعه صراع آخر من أجل وضع القانون التنظيمي للسلطة القضائية ،وكذا القوانين التي لها علاقة بالحقوق وحريات المواطنين والجمعيات والمؤسسات  .((المرجوا مراجعة مشروع مسودة القوانين التنظيمية للسلطة القضائية الذي تقدم بها عبد ربه وناقشته جمعية عدالة مع مجموعة الجمعيات المهتمة في يوم دراسي ، والمنشور بكامله بمجلة نادي قضاة المغرب للدار البيضاء العدد الأول )).
وسأحاول من خلال هذه الدراسة المتواضعة ان أقدم تقييما عمليا وعلميا للتوجهات الجوهرية التي جاءت  في ـ التعبير عن النواياـ  للحكومة الحالية  سيرا على نهج التقسيم العددي لما جاء به وهو ترقيم المقترحات.
 
(( فالميثاق هو عقد لتوافق إرادتين او اكثر لإحداث اثر قانوني (التزام ) ونادي القضاة لم يشارك فيه وبالتالي موقفه منه هو انه تعبير عن نوايا من جانب واحد ولو شمل بعض القضاة المشاركين فيه والموالين للسياسي ، وقال عز وجل في كتابه الحكيم ((واخذنا منهم ميثاقا غليظا )) وحتى لا نبخس مجهودات فقهائنا واساتذتنا في القانون الذين نكن لهم الاحترام والتقدير ، ونزيل بعض التأويلات التي ترمي إلى الاستغلال الماكر لبعض التوجهات لفائدة مناهضي استقلال السلطة القضائية ، خصوصا وان عملية اقترحات التشريعات مازالت تحضى بالسرية والكتمان والتلكئ حتى تمر مدة الولاية بسلام ،وكأن الامر لايتعلق بشأن يهم الشعب وإنما يهم تلك الفئة المذكورة آنفا.
 
1.    إعمال الضمانات هي بمثابة تنزيل للضمانات من مستوى الفكر إلى الواقع ،فالضمانات يتم التنصيص عليها قانونا لكنها تجمد ويتم التغاضي عنها وخرقها كأنها حبر على ورق ،ولأدل على ذلك من تنصيص الدستور على حق القضاة في تأسيس جمعيات إلا أن السلطة التنفيذية حالت دون الحرص على تنزيل هذا المقتضى ومنعت القضاة من تأسيس جمعيتهم بتاريخ 20 غشت 2011 ومع ذلك تم تأسيسها بالشارع العام ومازالت الخروقات تطال مسار القضاة (انظر البيان القوي الذي اصدر المجلس الوطني الاستثنائي لنادي قضاة المغرب بتاريخ 14شتنبر 2013 بخصوص تقييم أشغال المجلس الأعلى للقضاء في دورته الأخيرة التي أعلنت نتائجها في بداية شتنبر 2013 .
 
هنا لايكفي التنصيص على  أعمال الضمانات بل يجب تحصينها بالمسائلة والمحاسبة وقيام الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بإعتباره رئيسا للنيابة العامة بدوره المنوط به بحماية النظام العام من الفوضى .(لافرض شروط الخزيرات على تأسيس جمعيات مهنية للقضاة وكأنها احزاب ستزاحم حزب الحكومة في الاستحقاقات المقبلة ،ولايمكن أن تقحم مقتضيات في قانون ينظم الوضعية الفردية للقضاة وليس الوضعية الجماعية والجمعوية ، الاصل فيها  انها منظمة بظهير الحريات العامة والدستور المغربي الجديد ،والحد من هذه الحقوق والحريات لهاجس يشغل المشرع وهو التخوف من جمعية فتية فضحت المستور للعلبة السواد التي تحرك ملفات الحريات والحقوق بالمغرب وتمسح أوساخها في القضاء .
 
2.    هذا مطلب ناضل من اجله عدة حقوقيين ، تحقق بفك الارتباط التام بين قضاء النيابة العامة والسلطة التنفيذية، وذلك توضيحا للنص الدستور الذي نص على عبارة ((...... السلطة التابعين لها )) يعني أعضاء النيابة العامة وحسم الأمر في ذلك ،وان الإضافة الأخرى التي جاء ت بالميثاق هي تحصيل حاصل فوزير العدل العضو في السلطة التنفيذية، هو ملزم سياسيا ومسؤول دستوريا بإعداد سياسة جنائية ترمي إلى الحد من الجريمة وتوفير الأمن للمواطن وتأهيل السجناء ، وهي عملية يثاب عنها او يعاقب أمام صناديق الاقتراع ،ونعطي مثال على ذلك (( قد يعمل حز ب ما في برنامجه السياسي على توفير دعم لموارد الدولة فيلجأ إلى إعفاء الملزمين بالضرائب والمتأخرين عن الأداء مثلا بنسبة مغرية داخل اجل محدد ، وقد يلجأ إلى إلغاء بعض العقوبات الحبسية على بعض الجرائم التي تساهم في اكتضاض السجون مثلا بيع المخدرات بالتقسيط ، وغيرها من الإجراءات وهذه الأفكار المتعلقة بالسياسة الجنائية يدافع عنها وزير العدل أمام البرلمان حتى تصدر بها قوانين يطبقها الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض والنيابة العامة بالمملكة ،ولاشأن للقضاء بتلك السياسة الجنائية، ما لم تصدر بشأنها قوانين أصبحت تكتسي صبغة ملزمة بعد النشر في الجريدة الرسمية يطبقها القضاة ،وبالمقابل ينجز الوكيل العام للملك  تقريرا حول الإشكالات التي تعترض الوصول إلى الغايات المتوخات من بعض النصوص القانونية التي يقترح على السلطة التنفيذية التدخل لتغييرها بمشاريع قوانين .
 
3.    يطرح سؤال عن التنصيص على إنشاء مفتشية عامة بوزارة العدل إلى جانب المفتشية بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية التي تتولى التفتيش القضائي ، التفسير الوحيد لهذا الأمر هو أن هناك مراكز الالتقاء بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية في مجال تنفيذ الأحكام المدنية والجنائية، ولابد من إنشاء مصالح التقاطع والالتقاء المزدوج بين السلطتين ، والإشارة هنا للمتفشية الوزارة لاتعني أي تداخل في السلطة أكثر ما تعني التعاون والتنسيق على مستوى التنفيذ لحل بعض الإشكالات والتجاوزات التي قد تحصل أثناء هذه المرحلة من طرف موظفي السلطة القضائية او موظفي السلطة التنفيذية التابعين لوزارة العدل ونعطي مثال على ذلك (( لجنة العفو على السجناء فهي مكونة من قضاة وموظفين تابعين للوزارة المعنية )).وإضافة التفتيش المالي والاداري للمصالح التابعة لوزير العدل يعني هنا  السلطة التنفيذية ،ولايمكن أن يتجاوز ذلك تلك مصالح ،وإلا سنكون امام إجراء يمس باستقلال السلطة القضائية ،ويتعين انشاء مفتشية مالية وإدارية خاصة بالسلطة القضائية منفصلة عن السلطة التنفيذية ،حتى لاتتخذ مطية للمس بإستقلالية قضاة وموظفي المحاكم، وإن كانت هناك تداخلات ترجح مصالح السلطة القضائية على السلطة التنفيذية التي يجب عليها أن ترفع يدها مادام أن الكل يحتكم في الأخير للقضاء .
 
لقد ناضل القضاة على ان يتم الاستقلال التام على السلطة التنفيذية ،وبالتالي لايمكن لها  كما يقال ((تخرج من الباب لتدخل من النافذة )) فالفصل هو فصل تام بشأن التبعية والإشراف والمسائلة على موظفي المحاكم (( كتابة الضبط )) العمود الفقري للقضاء لايمكن أن يشرف عليه عضو السلطة التنفيذية، بل يجب أن يكون الإشراف التام للسلطة القضائية على موظفي المحاكم، وإن كانت هناك إشكالية حول المصالح المشتركة فإن المفتشية العامة لكتاب الضبط التابعة للسلطة القضائية هي التي تكون لها الأولوية في وضع يدها على الإشكال ،وهذا نفسه يطبق على الآلية التي تعطي لعمل النيابة العامة الحياة، وهي الشرطة القضائية فلايمكن أن تكون هناك ازدواجية في الترؤس بل لابد من فصل تام بين الإدارة العامة للشرطة القضائية التي يجب أن تدخل ضمن هيكلة السلطة القضائية، والإدارة العامة للأمن العمومي  هي التي تكون تابعة للسلطة التنفيذية ،وإلا ستكون المجهودات المبذولة للمطالبة بإستقلال النيابة العامة عن وزير العدل مهدورة وهباء منثورا ،فالشرطة القضائية هي التي تعطي الروح لعمل النيابة العامة وهي التي لها علاقة حميمية بحريات وحقوق المواطنين ،فلا يجب أن تظل تابعة للسلطة التنفيذية .ولو منحت صلاحية التعيين والتنقيط وغيرها للسلطة القضائية فبقاء التعليمات الإدارية سارية من جهة الإدارة سيعطل استقلاليتها واستقلالية القضاء وقد يجعل المسائلة عن بعض الأخطاء غامضة وغير واضحة كما ان تبعيتها للإدارة تابعة للإدارة الداخلية (وزارة الداخلية ) تتنافى  وتخالف صراحة مقتضيات الدستور الذي  إرتقى برقابة عمل الشرطة القضائية  إلى مؤسسة دستورية تمارستها النيابة العامة وقضاء التحقيق ،الفصل 128منه وهذا الامر يستتبع عدة تفريعات لامجال للدخول فيها  الآن.
 
4.جعل الرئيس الأول على رأس المجلس الإداري لمعهد تكوين القضاة وكتاب الضبط لم يحسم في وضعية أعضاء السلطة التنفيذية المكونين للمجلس الاداري للمعهد وعلى راسهم وزير العدل ومن يمثله ، فالاستقلالية تقتضي أن تكون هناك ميزانية خاصة بالمعهد لاتتوقف على تداولها مع باقي أعضاء السلطة التنفيذية ،بل يجب ان تكون هناك حرية تامة في الميزانية تخضع لمتطلبات السلطة القضائية ولتدبيرها للموارد البشرية وكذا للغايات التي ترمي لها من التكوين واعادة التكوين للقضاة ولموظفي كتابة الضبط ولباقي الأطر القضائية ، دون أي تأثير من السلطة التنفيذية التي يحكمها الهاجس السياسي الانتخابي قبل اي شيء ،وتخضع في ذلك للرقابة القضائية للمجلس الأعلى للحسابات كباقي مؤسسات الدولة .
 
4.    استقلال السلطة القضائية وعلى الخصوص النيابة العامة وكتابة الضبط والشرطة القضائية عن السلطة التنفيذية هو أمر يقتضي تعديل عدة قوانين كانت تكرس هيمنة وزير العدل(السلطة التنفيذية ) على مسار وتوجهات السلطة القضائية ،وهذا يستتبع تغير هيكلة بعض الإدارات رأسا على عقب وفصلها الفصل التام عن السلطة التنفيذية، وكذا بعض الأنظمة المتعلقة بحقوق الإنسان وحريات المواطنين والجمعيات والمؤسسات والشركات .
 
5.    الحراسة النظرية كانت هي قطب المرافعات والاحتجاجات من المحامين وجمعيات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية ،هذه المرحلة ((السرية والغامضة )) التي لايستطيع أي مدافع أن يسلط عليها الضوء اويكشف أسرارها أو حتى يلغي مضامنيها ، وانه للخروج من هذا النفق تم اقتراح عدة حلول منها أن تكون مخافر الضابطة القضائية مؤطرة من طرف النيابة العامة أي لابد من تواجد عنصر النيابة العامة بها طيلة يوم العمل 24/24 وطيلة الأسبوع مقابل تعويضات محترمة ، كما يتعين تواجد عناصر الشرطة القضائية بمقرات المحاكم بالنيابات العامة وقضاة التحقيق (للقيام بعمليات التدخل المباغت وضمان سرية التحرك )،وان عملية تواجد  النيابة العامة  ،هو الذي يؤطر قانونا العمل الواقعي للشرطة القضائية ويعطيه الشرعية ويحصنه من الخروقات التي يمكن أن يدعيها المواطنون ،ولغاية أخرى أن يتم حصر عدد المخافر بالمملكة ،وان من يعمل في مخافر سرية يتحمل وزر عمله .كما أنه يتعين تخويل مسألة وضع اي مشتبه فيه في الحراسة النظرية لقضاة الحريات مع قابلية الطعن في ذلك وتنزع هذه الصلاحية من طرف الشرطة القضائية والنيابة العامة مادام ان الدستور الحالي يعطي الصلاحية للمواطنين مطالبة التعويض عن الاخطاء القضائية وان القرار بالوضع تحت الحراسة النظرية وتمديدها يجب ان يصدر بقرار معلل تعليلا كافيا ودقيقا .
 
6.    كما سبق الذكر سالفا ان إعادة النظر في اشتغال الضابطة القضائية وتفعيلها يقتضي فصلها فصلا تاما عن السلطة التنفيذية وخلق إدارة عامة للضابطة القضائية تشرف عليها السلطة القضائية ،وبدون ذلك سيكون استقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية جسد بدون روح والقضاة لايضمنون الرجوع إلى الممارسات السابقة في مجال حقوق الانسان والدخول في نفق مجهول .ويشكل كل تدخل للسلطة التنفيذية في عمل الشرطة توجها مخالفا للدستور وخاصة الفصل 128منه
 
7.    مازال التيار المتمسك بوحدة القضاء ساريا وقويا وان هذا الاقتراح يناقض توجهات الدستورالمغربي خاصة الفصل 117و122 والفصل 114الذي يجعل الطعن في القرارات الفردية المتعلقة بالوضعيات الفردية قابلة للطعن امام اعلى هيئة قضائية إدارية بالمملكة والتي تفسر على أنها ((مجلس الدولة )) فلايمكن أن يتم الطعن أمام محكمة النقض في قرار ساهم فيه رئيسها باعتباره يترأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية ،وهو الذي سيعين الهيئة التي ستبت في الطعن ،مما يجعل حالة التجريح قائمة في حقه وفي حق القضاة العاملين معه بمحكمة النقض أنظر قرار الطعن في نقل احد رؤساء  الغرف بمحكمة النقض تعسفيا إلى النيابة العامة بإحدى المحاكم النائية (( أبي الجعد )) .
 
وارتباط الإدارة المغربية بوحدة القضاء ،هو خشية مسائلة السلطة والدولة والإدارة من طرف المواطنين أمام المحاكم الإدارية وهكذا تم إحباط تجربة 1990 للمحاكم الإدارية وأفرغت من محتواها من طرف مناهضي المسائلة واستقلال  السلطة القضائية  ، والآن يتم التراجع عن ازدواجية القضاء في قمة هرم المحكمة الإدارية العليا .
8.    التقاضي عبر وسائل الاتصال (( الانترنيت)) هو مبتغى حققته بعض الدول مثل ((البرازيل)) لكن هذا يجب أن يسبقه تغطية جميع مواطنين المملكة بضمان حضور محامي عنهم بإنشاء تأمين خاص بالدفاع فكل مواطن اضطر للجوء إلى القضاء،إلا ويكون له محامي يسانده سواء بالمساعدة القانونية أو القضائية .ولايمكن اتخاذ وسيلة إعادة النظر في شروط ولوج بعض المهن القضائية وسيلة لوضع حاجز  يمنع من ولوج المواطنين لهذه المهن ويتعين اعتماد مشروع اقتراحات من المنتمين لتلك المهنة بعيدا عن كل استغلال سياسي أو فئوي.
 
9.    مدونة السلوك لاتخرج عن ميثاق يتفق عليه ذوي الشأن من أصحاب المهن القضائية لممارسة مهماتهم بمنع بعض سلوكات التي تنافي مبادئ التنافس الشريف ،بدون رفع عصى الترهيب والتي هي المسائلة من طرف عضو الحكومة لأنه هو أول من يجب ان يساءل على هذا الوضع الكارثي الذي دخلت فيه العدالة .
 
10.                      تطهير منظومة العدالة يقتضي عدة إجراءات كلها ترمي إلى إلغاء بعض الممارسات التي تنافي تداول السلطة وتغيير النخب والتواصل مع المرتفقين وحقهم في المعلومة ،كما ان الحزم في تطبيق الجزاءات لايعني الشطط في استعمالها وتجاوز بعض الحالات المتعلقة بالردع الخاص لفئة معينة إلى تحويله إلى ردع عام وكأنه يخص المجتمع برمته ،مع انه ليس إلا تشهير بسمعة هيئة وانتقاص من هبتها أمام المجتمع أكثر من إعادة الثقة في مكونتها .
 
مع أن الحكومة هي التي تتصرف في بعض القرارات تعسفيا وضد عن القانون والدستور كحالات تنازع المصالح (الفصل 36من الدستور )مسألة تمديد وزير العدل لقاضي لايمارس مهامه، وكان هو المشرف بحكم مسؤولياته السابقة على الإشراف على الانتخابات التي جاءت بهذه الحكومة الجديد .
 
لن نطيل في كثرة الملاحظات على هذه الأفكار وننتقل إلى مرحلة تنزيلها في القوانين التنظيمية خاصة مسودة مشروع النظام الأساسي لقضاة التي تم حجبها إلى تاريخ 23اكتوبر 2013 بعد تم ترويجها كإشاعة لمعرفة رد فعل القضاة وحتى يتطبعوا مع الخروقات الدستورية التي تضمنتها.وستكون الدراسة تتعلق بالتخوفات والهواجس التي تشغل المشرع المغربي من خلال النصين المتعلقين بالنظام الأساسي لقضاة وتنظيم المجلس الأعلى للسلطة القضائية مع بعض الإشارات الحقوقية لبعض المقتضيات ،مع أن ضيق الوقت وعدم إشراك جمعية نادي قضاة المغرب في وضع التوجهات التي يجب أن تكون مطابقة لروح الدستور ،وعدم اعلان المسودتين إلا بعد الاحتجاج على مايسمى بالتشريع عن طريق الإشاعة والتدخل لعرقلة سير أشغال جمعية نادي قضاة المغرب من طرف بعض المندسين حتى لايتم الإحاطة بكل تفاصيل مسودتين .
 
لأحد ينكر أن التحولات العميقة التي عرفها المجتمع العربي في غضون 2011 قد ساهمت في بلورة فكر جديد يقوم على ان الدولة هي وسيلة لخدمة المواطن واسعاده وليس العكس ،وهذه الفلسفة هي التي جعلت واضعي دستور المملكة المغربية لفاتح يوليوز 2011 يبلورنها في تصديره (( إن المملكة المغربية ،وفاء لاختيارها الذي لارجعة فيه ،في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون ،تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة ، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة ،وارساء دعائم مجتمع متضامن ،يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة ،وتكافؤ الفرص ،والعدالة الاجتماعية ، ومقومات العيش الكريم ،في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة ....))
 
ولعمري ان كل هذه الكلمات العظيمة والجليلة لاتعنى سوى العدالة والفضيلة ،التي تسعى لها كل الأمم بل هي التي أسس عليها ميزان الأرض والسموات وبدونها تختل الموازين وتصبح الفوضى وألا أمن وينتهي الأمر بالخراب .وهذا ماتطرق له العلامة المغربي ابن خلدون في مقدمته ((العدل أساس العمران))وقد سبق السلف الصالح من قضاة المغرب أن هبوا لنصرة العدل عندما تختل الأمور، واذكر هنا العلامة الفقيه شيخ المغرب أبو علي اليوسي  الذي بعث رسالة للسلطان المولى إسماعيل العلوي ، يذكره بالأوضاع الذي تعرفها مملكته آنذاك والتي حددها في ثلاثة أمور :
 
1.    جمع المال من حق وتفريقه في حق
2.    وإقامة الجهاد لإعلاء كلمة الله
3.    الانتصاف من الظالم للمظلوم .
 
فالقضاء هو سلطة عليا ، لايمكن توجيهها لأسباب سياسية أو اجتماعية ،فهي الوسيلة التي تخلق التوازنات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية حين وقوع إختلال في الموازين،وهي التي تحرس على التوازن المجتمعي حتى لايكون هنا خسران للميزان ،وأول فعل مخل هو الإجهاض على الاستقلالية التي جاء بها الدستور من طرف العضو في السلطة التنفيدية المكلف بالعدل أو(( نسميه  الوزارة المكلفة بتنفيذ الأحكام الجنائية والمدنية للسلطة القضائية ) والقضاة الموالين لتوجهه. فهل هناك في البلاد من يخاف من دولة القضاة فالامم السابقة كانت تخاف من دولة الظلم لا من دولة العدل.
 
هذه المقدمة التاريخية لانبغي منها الوقوف على الأطلال بقدر ما نبرز أن البحث عن العدالة هي المشترك الفاضل الذي يجمع بين جميع القضاة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
ولابد ايضا أن أعطى نبذة عن العدالة المغربية وتشخيص بسيط جدا لأسباب جعلها عدالة فاشلة لأنها لاتبتغي خدمة المواطن .
 
كان الهاجس التي يحكم الحكام المغاربة غداة الاستقلال هو وضع مؤسسات الدولة وتوطيدها ولو بإعتماد اناس ذوي دراية بسيطة بشؤون القضاء والفصل بالناس ،وهذا مايبرر الاحتفاظ ايضا بعدة قضاة أجانب بالمغرب فرنسيين واسبان إلى أن أسس قضاء مغربي يعتمد  على نيابة عامة كانت مرتبطة عضويا بوزارة الداخلية، بل كل الخطابات الرسمية كانت تحتهم على التمثيل الأحسن لوزارة الداخلية ،وهذا مقتطف من كلمة المغفور له محمد الخامس عند تعيين أول فوج من نواب وكيل الملك المتخرجين .
 
فكانت الفلسفة التي تطغى على هذه الفئة من القضاة هو حماية النظام وتوطيد أسسه ،وبعد مرور فترة من الزمن تحول  هذا الفكر إلى حماية مؤسسات سياسية واجتماعية وفئوية تستعمل النظام (واقصد هنا الملكية ) كوسيلة للتعسف والتعدي على حريات المواطنين بدعوى الدفاع وحماية المؤسسة الملكية  ،بل لتكميم أفواه القضاة الشرفاء بعدم التكلم وفضح التدخل في القضاء، ومن يغامر وينبس بكلمة يتم الكيد له ،وتنتهي حياته المهنية بشكل سيئ ،وأعطي مثال بسيط هو أنه في المداولات لايتم النص على الرأي المخالف، وكل من تحدث عند ذلك يعتبر مفشيا لسرية  للمداولة ويعاقب بالعزل .وهو ما يعرف في الدستور الحالي بواجب التحفظ ،وإذا لم يتم تنظيم هذا الحق سيكون وبالا على القضاة أكثر من مزية .
 
الدستور الجديد جاء بفلسفة مغايرة هي إستقلال السلطة القضائية والقضاة وذلك بالفصل 107إلى الفصل 128 فهل نجحت الحكومة الجديدة في تدبير المرحلة مابعد هذا الدستور2011 وقبل النصوص التنظيمية  للسلطة القضائية المنتظرة ؟

 
الواقع انه من خلال تجربتي الشخصية ومواكبتي لعمل الحكومة خاصة في قطاع العدل ومنذ تأسيس نادي القضاة ،فإن عضو الحكومة في العدالة لم يوفق في تدبيره للمرحلة وذلك لعدة أسباب واقعية :
 
1.    أولا ممارسته لمهنة المحاماة لاتجعله ملما بخبايا ودهاليز وزارة العدل التي يسيرها أناس راكموا تجارب لاتقل عن 30سنة .
2.    عدم توفره على نظرة مستقبلية للعدالة خارج إطار الفكر السائد الذي يقوم على اساس حماية المؤسسات وليس خدمة المواطن .فالقرارات تطبخ في علبة سوداء منفصلة على الإدارة المركزية الموجودة بقصر المامونية وتنفذها الأجهزة التابعة لوازرة العدل دون البحث في مصدرها أو حتى معرفته ولو تم معرفته يمنع عنهم البوح به، وإلا اعتبر خرقا لسرية تحرم المعني من الريع القضائي الذي يستفيذ منه وقد يوضع حد لمهامه مثال على ذلك (( قولة :هذه تعليمات الديوان الملكي دون تحديد الجهة بالضبط في مؤسسة يعمل فيها آلاف من أعوان الدولة )) وعندما تكون نتيجة تنفيذ تلك التعليمات وخيمة يمسح وسخها في القضاء (سواء النيابة العامة او قضاة الحكم ) ويبقى مصدرها بمنأى عن اية مسائلة بل حتى معرفته .
3.    الفكر الذي يسود في هذه المؤسسة هو الفكر الذي يرجح مسألة حماية النظام (اعني بذلك مصالح فئوية ضيقة وليس النظام الملكي الذي له رجاله الذين يحموه )من اي شيء يغير من هذه الفلسفة او يريد تغيرها وفضحها (( مثال بيان وزير العدل وتصريحات رئيس الحكومة التي تمس بالقضاة منذ الوقفة الناحجة أمام محكمة النقض التي قام بها نادي قضاة المغرب بتاريخ 06اكتوبر 2012 والتي رفع فيها شعار(( لاللرشوة)) ،وهي حملة تحسيسية لاترمي إلى توجيه الاتهام لأية جهة ،فإستغلتها الحكومة للكيد للقضاة وكل مرة يخرج رئيس الحكومة وعضو الحكومة في العدل يسب القضاة والقاضيات بالمرتشين .
4.    هذا الفكر أصبح يعادي نادي القضاة ويسعى لتكميم افواه القضاة المنتمين له  بسلوك مساطرة معيبة ومحاكمات تأديبية كيدية وصورية ،وتجيش المجتمع المدني وسياسي والمؤسساتي ضد بعض قضاة النادي  في مدن نتوفر على تقارير بشأنها، ونستدل على ذلك (ببيان نادي قضاة المغرب الذي رصد خروقات خطيرة في اشغال المجلس الاعلى للقضاء في دورته الأخير لشهر أبريل 2013 والتي نشرت في موقع وزارة العدل أوائل شهر شتنبر 2013).
 
5.     فإذا كانت الفلسفة التي تحكم هذا التوجه والتعبير من الحكومة هو خدمة النظام وليس خدمة المواطن بالأساس فإننا لن نغير في وضع السابق اي شيء سوى تغيير الأسماء والمواقع وسننتظر نتائج سيئة .
6.    لدينا عدة اقتراحات كنا سنبديها للحكومة ،لكنها لم تطلعنا وتشركنا في مسودتها حول القوانين التنظيمية للسلطة القضائية (إلا في اللحظة الأخيرة حتى لايسعنا الوقت لفضحها أمام جزء يسيير من وسائل الإعلام المكتوبة فقط والذي تتحكم فيه الحكومة دون إعطاء السلطة القضائية نفس الامتياز الإعلامي الذي تحضى به السلطة التنفيذية ،ومازالت تتبع التشريع بالسرية والإشاعة،  وكأن شأن القضاء هو شأن النظام وليس شأن  المواطن .
لابد من نهج فلسفة ترمي إلى جعل القضاء في خدمة المواطن ،وليس وسيلة لخدمة مصالح ضيقة لمؤسسات وفئات معينة، وحتى يتم تحقيق هذا الهدف لابد من إعطاء الجمعيات العامة للمحاكم سلطة التسيير والتنظيم لكافة شؤون القضاء بإشراك جميع المتدخلين في العدالة ويكون القاضي وباقي المتدخلين هم الفاعليين الأساسين في العملية ، على أساس الجهوية والإقليمية ونبذ القرارات المركزية ،فالجمعيات العامة للمحاكم لابد أن تعود لها صلاحياتها في تدبير مرفق العدالة، وإلا سنكون كما قلت في الأول أننا لن نكتفي إلا بتغيير الأسماء والمواقع ولم نغير الفسلفة التي ترمي لخدمة المصالح الضيقة إلى فلسفة خدمة المواطن وإسعاده .


وعبد ربه هو في خضم تحرير هذا الموضوع نزلت مسودة مشروع النظام الأساسي للقضاة وتنظيم المجلس الأعلى للسلطة القضائية المشروعين اللذين  هدما كل ماجاء به دستور 2011 من مكاسب وذلك بتاريخ 23 اكتوبر 2013 وكانت نتيجة حلقات مراطونية ضاعت فيها الجهود والأموال وسأقارنها بمسودة لثلاثة قوانين تنظيمة للسلطة القضائية انجزت السنة الفارطة وتم دراستها من طرف اجهزة النادي وجمعية عدالة

الخميس 14 نونبر 2013


تعليق جديد
Twitter