Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية





تقديم مؤلف جماعي حول مسودة القانون الجنائي


     



تقديم 
 
هذا الكتاب 
 
  أعلنت وزارة العدل عن مسودة مشروع القانون الجنائي الجديد والمُتضمّن لعدد كبيرٍ ومهمٍ من التعديلات والإضافات المُدخَلة على النصوص الجاري بها العمل لحد الآن .

والمؤكد أن هذه المسودة شكّلت ولا تزال موضوعاً خصباً للنقاش العام ولتدخّل المهنيين في قطاعات العدالة والمجتمع المدني والحقوقيين والجامعيين.

 وإذا كان التوجه نحو التكييف الجنائي لعديد من الجرائم الجديدة المتعلقة بالتحرش الجنسي أو بانتهاك الحياة الشخصية والخصوصية، أو ذات العلاقة بالارهاب، أو بعالم الانترنيت، سيُقرأ على أنه رغبة من المشرع في الجواب على طلب مجتمعي بتجريم بعض الممارسات الاجتماعية، أو كمحاولة لتطويق الآثار السلبية لانتشار وسائل التواصل الحديثة، أو بما هو بحث عن تطويق تحولات الجريمة الإرهابية. فإن العديد من المقتضيات الجديدة طرحت نقاشات واسعة، سواءٌ في علاقتها بحرية المعتقد وبنزعة ليبرالية - تتسع قاعدتها الاجتماعية- لا تخفي دفاعها عن الحريات الفردية، أو في تماسٍّ مع الحق في الرأي والتعبير.  

إننا لسنا أمام تعديلات عابرة وجزئية، وقطعاً الأمر لا يتعلق بقانون بأثر هامشي على المجتمع، بل إننا أمام القانون الجنائي: القانون المُنظم للجريمة وللعقاب، والتشريع الذي يمس مَباشرة أمن واستقرار وحرية المواطن، والذي يتوخّى حماية المُجتمع والدولة.

إن النقاش حول القانون الجنائي المغربي هو فرصة للتفكير في السياسة الجنائية للحكومة  عموماً، وعن سياساتها التجريمية والعقابية، عن منطلقاتنا ومقاصدها، فلسفتها وغاياتها، مرجعياتها العلمية والسوسيولوجية، وقيمها المُوّجهة. هذه السياسة، التي قلّما كانت موضوعاً للحوار والتداول الواسع، بالقدر الذي يُوازي أهميتها وحيويتها بالنسبة للمواطن وللمجتمع. وهي السياسة التي ظلت،عموماً، مطبوعة بالفشل والعجز وانعدام الفعالية، سواءٌ على مستوى مؤشّرات ارتفاع الجريمة، أو على مستوى بطء مسار العدالة، وارتباك المضمون الإصلاحي والتربوي لمؤسسة العقاب. 

ويُمكن لهذا النقاش العام لمسودة المشروع أن يسمح بمعالجة شمولية لتصورنا للظاهرة الإجرامية ولآليات العقاب التي يقترحها القانون نيابةً عن المجتمع ودفاعاً عن حقه في الأمن والإستقرار، بعيداً عن التدخلات التشريعية المُستعجلة والطارئة والجزئية التي تفرضها بعض الحالات الخاصة.

إن إشكاليات  القانون الجنائي لا يمكن أن تُختزل - فقط- في القضايا المثيرة للتّقاطب السياسي والحقوقي، مثل مسألة الموقف من الإعدام أو الإجهاض، إنها  بالاضافة الى ذلك، وأساساً، هي الهاجس الكبير لمواجهة الظاهرة الإرهابية، وأولوية مُحاربة الجريمة ورصد تحولاتها ومظاهرها الجديدة، والتفكير في العقوبات البديلة، وسُبل إحقاق العدالة، وآليات حماية الاقتصاد الوطني، وقضية ملاءمة القوانين الجنائية المغربية مع الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. 

إن القوانين الجنائية تٌعدّل وتراجع وتُغيّر، لأن الجريمة تتغيّر وتتطور وتأخد أشكالاً جديدة، ولكنها تُراجَع كذلك لأن المجتمعات تُطوّر تصوراتها للعقاب ولنجاعة المؤسسات العقابية، ولأن قضايا مستجدّة تطرأ على المجتمع ويجب على القانون مواكبتها، ولأن قضايا لم تعد تطرح أية إشكاليات ينبغي على القانون أن يتوقف عن تجريمها، فاتحا المجال لسُبلٍ أخرى لمعالجتها.    

 تحتاج الدول والمجتمعات الى لحظات تعيد من خلالها التفكير في نظرتها لكلٍ من الجريمة والعقاب. ولأن هذا الأمر لا يقعُ كل يوم، فان مناقشة المسودة التي تقترحها وزارة العدل تحتاج إلى ما يكفي من العمق والذكاء والحكمة لإخراج قانون جنائي قادرٍ على حماية المجتمع والمواطن،وتحصين الأمن والحريات.
ضمن هذا الأفق، تماماً، يأتي هذا الإصدار الخاص، ليعيد تركيب جزء مهم من الحوار العمومي الذي يرافق هذا النص المهم، انطلاقا من أصواتٍ متعددة لباحثين، فاعلين في مجال العدالة، حقوقيين، برلمانيين ..، تُساءل وتنتقد وتحلل وتُقدم حُججها ووجهات نظرها في موضوع أساسي من زاويتي الحقوق والحرية. 

إنه إصدار يروم تحقيق العديد من الأهداف والمرامي؛ فهو وثيقة من شأنها تقديم بعض الأفكار، وتسجيل بعض الملاحظات، وإبداء بعض التصورات التي تساعد الهيئة التشريعية على تَبيُّن آراء بعض الفعاليات المُجتمعية، والاطلاع على أفكارها وتصوراتها، وهواجسها إرهاصاتها. وهو آلية ممن آليات أْرْشَفة الأعمال المُواكِبة للنقاش العمومي حول التشريع الجنائي المغربي، حتى يبقى شاهدا على مرحلة من السجال والنقاش الذي استبقت التعديل الأكثر شمولية للقانون الجنائي المغربي منذ صدوره، وهذا ما كانت الساحة الفكرية والعلمية تفتقد إليه فيما يخص العديد من النقاشات والأعمال التحضيرية للقوانين السابقة. كما يرمي هذا العمل إلى التأسيس لعرفٍ علميٍّ من شأن تعميمه على باقي الحوارات والعمومية أن يساعد على الحفاظ على الذاكرة الجماعية، ويقدّم أوراقا تؤرّخ لمرحلة معينة من تاريخ المغرب بالنسبة للأجيال القادمة، وتمنح للبحوث الأكاديمية وظيفة رفد العمل التشريعي والنقاش السياسي بدل الاكتفاء بشرح النصوص الصادرة عن المؤسسات التشريعية، وتسجيل الملاحظات البَعدية، إذ أن البحث العلمي له مُواكَبة ومُجايلة اللحظة التشريعية، لا الاكتفاء بقراءتها بعد أن تتجاوز جميع مراحلها، وتصبح قانونا نافذا.
  

الاربعاء 24 يونيو 2015
407 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter







Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter