Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




تأملات في جوانب من مرافعات بديع الزمان النورسي (1) بقلم ذ/ سعيد أرجدان


     

الاستاذ سعيد ارجدان
محام بهيئة الدار البيضاء



تأملات في جوانب من مرافعات بديع الزمان النورسي (1) بقلم ذ/ سعيد أرجدان

يعتبر الفيلسوف الامام بديع الزمان سعيد النورسيمن أعظم من اشتهر ذكره في الافاق من العلماء المسلمين المعاصرين ( ولد سنة 1876 و توفي سنة 1960)، ورغم أنه نشأ في بيئة كردية في الولايات الشرقية من الدولة العثمانية بعيدا عن المدنية الحديثة، الا أنه ملأ الدنيا و شغل الناس، و طار صيته في العالم الاسلامي و في كثير من الدوائر الاستشراقية، فهو فيلسوف بالمعنى الحقيقي للكلمة، رغم أنه لم يتلقى تعليما نظاميا بل إن جل معارفه كانت محصلة تحصيله الشخصي بكيفية عصامية و غريبة، و هذا هو السبب الذي استحق به لقب بديع الزمان.

و لقد تعرض بديع الزمان لمضايقات كثيرة سواء أثناء فترة حكم السلطان عبد الحميد آخر خليفة من خلفاء الدولة العثمانية، أو بعد ذلك طيلة الفترة الجمهورية التي أعقبت إسقاط الخلافة و تولي كمال أتاتورك زمام الحكم و مباشرته لعملية استئصال العادات الاسلامية و تجفيف منابعها، و ظلت المضايقات و الاعتقالات و الاتهامات متواترة و متواترة بعد ذلك حتى بدت كأنها ملازمة لبديع الزمان سعيد النورسي أينما حل و ارتحل، بل إن المضايقات أبت إلا أن تلازمه حتى في قبره، و ذلك عندما نبش قبره من قبل السلطات العسكرية التركية ذات التوجه العلماني المتطرف و تم نقل جثمانه بطائرة عسكرية إلى مكان مجهول إلى غاية كتابة هذه السطور.

و هذا المقال الوجيز محاولة لاستعراض بعض المرافعات التي ألقاها بديع الزمان سواء أمام المحاكم التركية أوفي مناسبات أخرى،و الواقع أنه لولا المعاناة التي لازمت بديع الزمان النورسي و الاضطهاد الذي رافقه طيلة حياته لما تمخض عن مثل هذه المرافعات ذات القيمة الفلسفية و الحقوقية الرفيعة، و هذا هو السبب الذي من أجله كتب لرسائل النور التي قام بديع الزمان بكتابتها في فترات متقطعة هذا الذيوع و الانتشار و القبول و الانبهار، و هو يشير إلى ذلك بقوله

 (إن اكثر أحداث حياتي، قد جرت خارجة عن طوق إقتداري وشعوري وتدبيـري، إذ اُعطيت لها سيرٌ معينٌ ووُجّهت وجهةً غريبةً لتنتج هذه الأنواع من الرسائل التي تخدم القرآن الحكيم. بل كأن حياتي العلمية جميعها بـمثابة مقدمات تمهيدية لبيان إعجاز القرآن  بـالكلمات)..

و هو يعتبر الغربة و العزلة التي فرضت عليه قهرا نوعا من الكرم الالهي الذي مكنه من التفرغ لكتابة رسائل النور، و يقول في ذلك

 (...حتى إنه في غضون هذه السنوات السبع من حياة النفي و الاغتراب وعزلي عن الناس - دون سبب او مبـرر وبـما يخالف رغبتي - أمضي أيام حياتي في قرية نائية خلافاً لـمشربي وعازفاً عن كثير من الروابط الاجتماعية التي ألفتُها سابقاً.. كل ذلك ولّد لي قناعة تامة لا يداخلها شك من أنه تهيئة وتحضير لي للقيام بخدمة القرآن وحده، خدمة صافية لا شائبة فيها.... ).

و يذهب بديع الزمان إلى القول بأن هذه المضايقات التي تعرض لها جعلته يصرف النظر عن مطالعة الكتب و يتفرغ تفرغا تاما للقرآن، و يقول في ذلك

( بل إنني على قناعة تامة من أن المضايقات التي يضايقونني بها في أغلب الأوقات والعنت الذي أرزح تحته ظلماً، إنما هو لدفعي - بيد عناية خفية رحيمة - إلى حصر النظر في أسرار القرآن دون سواها. وعدم تشتيـت النظر وصرفه هنا وهناك. وعلى الرغم من أنني كنت مغرماً بالمطالعة، فقد وُهبتْ لروحي مجانبةً وإعراضاً عن أي كتاب آخر سوى القرآن الكريم.)

المرافعة الاولى// مرافعة بديع الزمان أثناء إحالته على الخبرة النفسية

عندما قدم بديع الزمان لمدينة اسطنبول تحدى جميع العلماء من جميع التخصصات لمناظرته و حجز غرفة بأحد الفنادق و علق عليها لافتة كتب عليه ( هنا يوجد جواب كل سؤال) و شارك في مناظرات كثيرة أفحم فيها جماعة العلماء، فاتهم بالجنون،  و قال  البعض ان هذا الرجل مجنون، لانه يعلم كل شئ! وسجلوا اسم بديع الزمان في سجل المجانين فألقوا به في مستشفى المجاذيب. وبعثوا من القصر طبيباً ليفحص قواه العقلية في المستشفى. ولكن  بديع الزمان تولى الدفاع عن نفسه قائلا

 ( أنني لست مصاباً بالمرض بل الأمة والبلاد كلها. وجئت لأداوي أمراضهم. فالمنطقة الشرقية هي هي مذ خلقها الله سبحانه، وأهلوها غارقون في مستنقع الجهل. وجئت إلى هنا املاً في إنقاذهم. ولكن عندما سعيت في هذا الأمر اُتهمت بالجنون. انه حقاً من عاشر المجانين يكون مجنوناً - فجئت استانبول واصبحت مجنوناً..)

و لما تم عرض بديع الزمان على الطبيب النفسي لإجراء الخبرة القضائية على قواه العقلية ألقى على مسامع الطبيب مرافعة طويلة في غاية الدقة و الرصانة نورد بعضا من جوانبها، يقول في ذلك//
(أيها الطبيب المحترم! استمع أنت، فسأتكلم أنا. أعطيك دليلاً آخر على جنوني! وهو الجواب من دون سؤال! لاشك أنكم ترغبون في الاستماع إلى كلام مجنون غريب. إنني أطلب إجراء الكشف عليّ على صورة محاكمة، وليكن وجدانك هو الحكم. ومن العبث والفضول إلقاء درس في الطب إلى طبيب، ولكن واجب المريض أن يعينه في تشخيص العلة. فأرى من الضروري الاستماع اليّ كيلا يكذّبكم المستقبل)
ثم يوضح بديع الزمان للخبير النفسي أنه لا يمكنه فحصه بالمعايير السائدة لدى ساكنة اسطنبول لأنه ترعرع في كردستان و نشأ في بيئة مختلفة قائلا//

(إني ترعرعت في جبال كردستان، فعليكم ان تزنوا أحوالي التي لا تروق لكم بميزان كردستـان لا بميزان استانبول الحضاري الأنيق، فلو وزنتم بميزانها فقد وضعتم اذاً سداً مانعاً أمامنا نحو منبع سعادتنا استانبول،  ويلزمكم سوق معظم الأكراد إلى مستشفى، ذلك لأن الأخلاق المفضـلة - في الأناضول - هي الجسارة، وعزة النفس، والثبات في الدين، وانطباق اللسـان على ما في القلب. بينما الظرافة والرقة وما شابهها من أمور المدنية تعدّ بالنسبة لهم مداهنة وتزلفاً.)

و يشير بديع الزمان إلى أنه غير معني باتباع العادات و الاهتمامات السائدة بين الناس لأن له اهتماماته الخاصة قائلا

 (إن أحوالي وأخلاقي مخالفة للناس، كما هو الحال في ملابسي. فاتخذوا الأمر الواقع والحق محل النظر وموضع الاعتبار. ولا تتخذوا ما روّجه الزمان او العادات من أخلاق سيئة بتقليد الناس بعضهم بعضاً مقياساً لوزن الأمور.

إنني مسلم، ملتزم، ومكلّف بهذا الالتزام والوفاء به من حيث الإسلام. فعليّ ان أفكر فيما ينفع الأمة والدين والدولة ولا اقول ذلك القول الفاسد المميت: مالي وهذا.. فليفكر فيه غيري.)

و يثير بديع الزمان انتباه الخبير النفسي إلى أن من عادة الناس في كل العصور نعت من يخالفهم بالجنون و لو كان اشد ذكاء منهم قائلا

 (لقد أتى ومضى أشخاص نوادر، كل سبق زمانه، ولكن الناس حملوا أطوارهم على الجنون بادئ بدء، ثم على السحر والخوارق. ان التضاد الموجود بين هاتين النقطتـين إيماء واشارة إلى التضاد الموجود بين مدّعيات الذين حكموا عليّ بالجنون وأدلتهم. إذ قالوا بأفعالهم: إنه مجنون، لأنه يجيب على كل مسألة، ويحلّ كل معضلة! ان الذي يورد مثل هذا الدليل مجنون بلا شك!)

و يوضح بديع الزمان للخبير النفسي كيف أن طبيعة مزاجه الحاد و اهتماماته الفكرية بشؤون الامة هي الاسباب التي تجعله دائم الغضب، يقول في ذلك

(إنه من الضروري ان يحتد ويغضب كل من له مزاج عصبي مثلي. لأن الذي يحمل فكراً رفيعاً - أي الحرية الشرعية - منذ خمس عشرة سنة، وأوشك ان يراه فعلاً، إذا به يرى نفسه على خطر وهلاك من حرمان رؤيته - بانقلاب عظيم - كيف لا يحتد ولا يغضب؟

ثم ان وزير الأمن أشد منى حدّة وغضباً فهو اكثر مني جنوناً إذن. علماً انه لا يسلم إلاّ واحد من ألف من الناس من هذا الجنون الموقت:

      فكل الناس مجنون ولكن           على قدر الهوى اختلف الجنون
فلئن كانت المداهنة والتملق والتزلف وفداء المصلحة العامة في سبيل المصـلحة الخاصة، تعدّ من مقتضى العقل.. فاشهدوا إني أقدم براءتي من هذا العقل، مفتخراً بالجنون الذي هو أشبه ما يكون بمرتبة من مراتب البراءة.)

و يختم بديع الزمان مرافعته كالتالي//

(والآن أظن ان لديكم شكاً في صحة عقلي بعد زوال الشبهة عن شعوري. ويمكن ان يزول ذلك الريب بأدنى محاكمة عقلية. إذ إن رجلاً من الأكراد الجاهلين الطليقين الأحرار، إن لم يكن صاحب وفاء لأمة راقية كالألماس، ولم يكن صاحب فكر رفيع، كيف يستطيع ان يستر حيلته و فكره الفاسد طوال هذا الزمان مع تـميّزه عن الآخرين؟ إنني أعدّ الحيلة في ترك الحيل. فإذن قد شعر بقلبه وفاءً خالصاً صافياً يفوق الجميع حتى وجد نفسه في مثل هذه الأحوال.

وقد صدق الشاعر:
       وكم من عائب قولاً صحيحاً           وآفتُه من الفهم السقيم

بمعنى أن فهم أطبائنا هو فهم سقيم.. فهم مجانين بحكم تقاريرهم الطبية. وان وزير الأمن هو الآخر
مجنون لشدة حدّته وغضبه

أيها الطبيب!

ان كنت طبياً حاذقاً فداو نفسك قبل ان تداويني
ويا أيها الناظرون إلى كلامي هذا! ان كان فيه ما يجرح شعوركم، او لا
تهضمه معدتكم الضعيفة، فاعذروني لأنني قلته في وقت الجنون حينما كنت بين جدران مستشفى المجاذيب... ولا شك ان تأثير المحيط أمر مسلّم به. لان  ديوانه را قلم نسيت بمعنى ان القلم رفع عن المجنون. فالأمي الجـاهل أي الحر، والكردي الذي لا يتقن التركية يمكن ان يبين مرامه بهذا القدر. والسلام)

و بانتهاء هذه المرافعة القيمة يضطر الخبير النفسي إلى إعداد تقريره متضمنا الاشارة التالية ( لا يوجد من هو أعقل من بديع الزمان إنه نادرة العالم).

و سنكتفي بهذا القدر و موعدنا في الحلقة الثانية مع مرافعة أخرى للنورسي.

الثلاثاء 20 أكتوبر 2015
788 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter