المحاماة بالمغرب وسؤال الوجود، بين رسالة الدفاع وتغول التشريع
د/ الحسين بكار السباعي
محام بهيئة اكادير وكلميم والعيون.
مقبول لدى محكمة النقض.
تتجاوز الأزمة الراهنة التي تعيشها مهنة المحاماة في المغرب حدود الخلاف العابر حول مسودة قانون، إنها تمظهر بنيوي لجدلية تاريخية معقدة بين سلطة سياسية تنزع نحو الضبط والإحتواء، و رسالة وجدت تاريخيا للدفاع عن الحقوق كقوة موازية للسلطة. وفي عمق هذا الصدام، تتداخل القراءات القانونية الدستورية بالخلفيات السياسية الإستراتيجية للدولة، لتعيد إلى الأذهان ما نبه إليه النقيب عبد الرحمن بنعمرو في أطروحته التاريخية "المحاماة في المغرب: نضال في خضم الأزمة".
و إذا أردنا تفكيك هذا المشهد التشريعي، فإن الرهان الحاصل اليوم على المحكمة الدستورية لتقويم الإنحراف التشريعي في مشروعي القانون رقم 66/23، يحمل الكثير من التفاؤل غير المضمون. فالقضاء الدستوري المغربي يتحرك في سياق رقابة معيارية جافة، تلتزم بنصوص الوثيقة الدستورية لسنة 2011 دون أن تملك سلطة خلق ما يطلق عليه في حقل الفقه الدستوري بالملاءمة السياسية أو إبداع حقوق غير منصوص عليها صراحة.
وهنا تبرز العقدة البنيوية بخلاف بعض الدساتير المتقدمة ومنها الدستور الإيطالي لسنة 1948 و الذي كان يضمن حق الدفاع في كل مرحلة من مراحل التقاضي المادة 24، غير أن الجدل الفقهي والمهني الذي فرضه التطور المجتمعي قاد إيطاليا في العقود الأخيرة إلى تعزيز هذا المقتضى عبر تعديل المادة 111 لدسترة مبدأ "المحاكمة العادلة والتنافسية الكاملة." كما أن التجربة البرازيلية وفي دستور 1988 إعتبرت أن المحاماة لا غنى عنه لإقامة العدل. وتعد تجربة من أرقى النماذج العالمية في هذا الباب. فبعد عقود من الديكتاتورية العسكرية، جاء دستور عام 1988 ليعيد بناء الدولة على أسس حقوقية متينة، وأفرد فصل خاص للمحاماة الفصل 133.
إسبانيا الجارة الشمالية والتي سنتقاسم معها تنظيم كأس العالم سنة 2030، وفي دستورها لسنة 1978 عملت على دسترت رسالة الدفاع، في سياق الإنتقال الديمقراطي الإسباني بعد عهد الجنرال فرانكو، حيث ثم تحصين شروط المحاكمة العادلة من خلال دسترة وظيفة المحامي بشكل وثيق، ونجد الفصل 24 لوحده يتص على أنه لكل شخص الحق في الحصول على المساعدة القضائية من محام "Defensa y asistencia de letrado". كما عملت المحكمة الدستورية الإسبانية، وبناءا على ذات النص الدستوري أعلاه على تطوير إجتهادات قضائية إعتبرت فيها أن حق الدفاع ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو حق أساسي و مطلق يفرض على الدولة توفير الحماية للمحامي أثناء أداء مهامه، ويمنع القاضي أو النيابة العامة من إتخاذ أي تدبير يمس بسرية الإتصالات بين المحامي وموكله، معتبرة أن أي مساس بها مس بالعملية القضائية برمتها.
إن استقراء هذه النماذج الدستورية الدولية المتقدمة، ولا سيما التجربتين البرازيلية والإسبانية، يكشف عن عمق الفجوة البنيوية في الوثيقة الدستورية المغربية، إذ نجحت تلك الأنظمة في الإرتقاء بالمحاماة من مجرد إجراء حمائي للمتقاضي إلى مرتبة "المؤسسة الدستورية المستقلة" والسلطة المضادة الحامية للديمقراطية، مسبغة حصانة وظيفية مطلقة على المحامي وسرية إتصالاته، بل ومخولة هيئاته المهنية حق الطعن المباشر بعدم الدستورية ضد تغول التشريع. وفي المقابل يظل غياب مثل هذه "المظلة الدستورية الصريحة" في الحالة المغربية ثغرة إستراتيجية. تترك رسالة الدفاع مجرد شريكة شكلية في حقل العدالة، ومكشوفة أمام تقلبات الأغلبيات الحكومية التي تستسهل الإرتداد التشريعي وتسييج إستقلال المهنة المالي والمهني عبر قوانين عادية.
نعم ،لقد ترك المشرع المغربي المهنة تحت رحمة القوانين العادية الخاضعة لمنطق الأغلبية العددية والتوازنات الحكومية، مما شرعن ما يمكن تسميته "بالغلو المؤسساتي" الذي يستهدف تجريد المهنة من عناصر قوتها وتدبيرها الذاتي المالي والمهني.
هذا "التضييق التشريعي" ينظر إليه من خلال أي قراءة سياسية على أنه إختيار دولة إستراتيجي ممتد ومكتمل الأركان، فبعد دستور 2011، قطعت الدولة أشواط حاسمة في إستقلال السلطة القضائية عبر تأسيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة. غير أن هذه الهندسة الجديدة لحقل العدالة ظلت محكومة بهواجس ضبط الإيقاع، وبإعتباى أن المحاماة تمثل جناح الدفاع العصي على التدجين والمزعج حقوقيا وسياسيا، فقد بدا من الملح من منظور السلطة إعادة تشكيل موازين القوى عبر إضعاف هذا الجسم. ويأتي التدخل في التدبير المالي والإجتماعي للهيئات كأداة ناعمة وخطيرة للضبط والاحتواء من خلال تجفيف الموارد المالية المستقلة لهيئات المحامين والذي يعني شل قدرتها على القيادة والنضال المهني المستقل، وتحويل المحامي من درع حصين للمواطن وضمانة للمحاكمة العادلة، إلى مجرد فاعل إجرائي ملحق بالجهاز القضائي كغيره من المهن القضائية العادية.
هذا التراجع التشريعي الخطير يعيدنا بالضرورة إلى الجذور الإستشرافية التي صاغها النقيب بنعمرو في كتابه المذكور. لقد كتب ذلك المؤلف في سياق زمني إتسم بمواجهة مباشرة بين المحاماة وسلطة سنوات الرصاص وما بعدها، حيث كانت المهنة ملاذ للحركات الحقوقية والسياسية المعارضة، ودفع المحامون الثمن الباهظ من حرياتهم و مكاتبهم دفاعا عن إستقلاليتهم. والمفارقة التاريخية اليوم هي أن الأزمة لم تتغير في جوهرها بل أستبدلت أدواتها، فبينما كان التضييق في الماضي يتم عبر أدوات أمنية ومحاكمات إستثنائية، يلبس التراجع اليوم لبوس تشريعي ناعم ومقنن عبر البرلمان. إن الأزمة في عمقها ثابتة من خلال رغبة السلطة في تسييج المهنة مقابل إصرار المهنة على التحرر والإستقلالية.
إن قراءة التاريخ علمتنا أن القوانين الاستبدادية، وعلى رأسها ظهير 1935 الاستعماري، والمشهور بظهير "كل ما من شأنه"، والذي أصدرته سلطات الحماية الفرنسية في المغرب بتاريخ 29 يونيو 1935،شرع بالأساس كأداة قمعية لقمع الحركة الوطنية المغربية وإخماد الإحتجاجات والمظاهرات الشعبية المطالبة بإستقلال البلاد. أقول أن القوانين الإستبدادية تحمل دائما بذور فنائها في بطنها،لأنها تولد مشوهة ضدا على بيئتها التي ستحتضنها، فالنصوص التي تفتقر إلى روح العدالة والقبول المجتمعي تولد ميتة، حتى لو مرت عبر القنوات التشريعية، لأنها تصطدم بحتمية كل عصيان المدني المهني وشلل للمحاكم عند أدنى تجاوز في تطبيقها.
ختاما، تشهد المحاماة في مغرب اليوم تراجع تشريعي غير مسبوق، يتطلب قدرة الجسم المهني على تدبير أزمته الداخلية. فالانتقال من ردود الفعل العفوية والموسمية إلى التخطيط الإستباقي لما بعد قرار المحكمة الدستورية بتحصين البيت الداخلي ضد إستراتيجيات التفتيت واللعب على تباين المصالح بين جيل شيوخ المهنة وشبابها هو الرهان الحقيقي. إنها معركة سياسية بإمتياز مصوغة في وعاء قانوني لن تحسمها ردهات المحكمة الدستورية بل سيحسمها التلاحم الداخلي للجسم المهني ومدى وعيه بأن إستهدافه هو إستهداف لآخر قلاع الحقوق والحريات.
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"