Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الرقميات وصفة النموذج التنموي لمعضلة تحديث الإدارة القضائية


     

سعاد أغانيم
باحثة بسلك الدكتوراه
كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية بسلا



شكل تقرير "النموذج التنموي الجديد لتحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وثيرة التقدم وتحقيق الرفاهية للجميع"، المرفوع الى جلالة الملك نصره الله يوم 25 ماي 2021 من طرف رئيس اللجنة المحدثة لهذا الغرض بتاريخ 12 ديسمبر 2019، وثيقة مرجعية هامة وخارطة طريق للإجابة على العديد من الاشكاليات التي تعرفها بلادنا، والتي تساهم بشكل سلبي في عرقلة مسيرة التنمية.
 
ومن التيمات المهمة التي جاءت في مخرجات التقرير يحضر بقوة موضوع التحول الرقمي، الحكامة في الأداء الحكومي، وأيضا رقمنة الخدمات، والرفع من جودة الولوجية للإنترنت. حيث اعتبر الرقميات رافعة أفقية للتغيير، وآلية لبلوغ اهداف استراتيجية أهمها جعل المغرب رائدا جهويا في مجال التكنولوجيات وتحويله إلى قطب كفاءات ومعرفة رقمية.

بالإضافة الى تطوير نموذج رقمي ذو ولوج عام موجه للمواطن، ويتضمن نوعا من السيادة الرقمية، وتطوير قطب للخبرة في الخدمات المندمجة للأمن الرقمي.

وبقراءة تقنية للتقرير، نلاحظ أن محرري التقرير اعتمدوا منهجية المؤشرات لقياس مدى تطوير نموذج رقمي مغربي، وذلك من خلال:
 
  • التصنيف في مجال البنيات التحتية الرقمية: اللحاق بالخمسين الأوائل في أفق 2030؛
  • التصنيف في المؤشر العالمي للبيانات المفتوحة والصعود ل 30 الأوائل في أفق سنة 2030؛
  • نسبة الاقتصاد الرقمي بالنسبة الناتج الداخلي الخام 5% في افق 2030؛
  • الكفاءات في المجال الرقمي من 11000 في السنة (جميع التخصصات والمستويات مجتمعة) إلى 50000 في أفق 2035.
 
وانطلاقا من التقرير تم تحديد منهجية التنزيل العملي للرهان عن طريق:
  • اعتماد استراتيجية طموحة للتحول الرقمي وتقوية الإطار المؤسساتي والتنظيمي لتنفيذها؛
  • تأهيل البنية التحتية الرقمية للمغرب: الصبيب العالي والعالي جدا وتطوير قدرات التخزين تسمح بمواكبة التحول الرقمي؛
  • تطوير التكوين والبحث حول الرقميات؛
  • اعتماد مقاربة المنصات للخدمات لأجل تطوير الاستعمالات من طرف الإدارة والمقاولة والمواطن؛
  • الاستفادة الكاملة من إمكانيات الاقتصاد الرقمي في السوق الدولية والوطنية.
 

وقطاع العدالة لا يشكل استثناء، ولم يكن بمنأى عن التحولات الرقمية، حيث قدم التقرير مجموعة من الإجراءات، التي ستساهم في تكريس عدالة رقمية لفائدة المرتفقين، عدالة تخدم أهداف المغرب التنموية وتساهم في الرفع من تصنيفه دوليا في مؤشرات النزاهة والشفافية والحكومة الإلكترونية، وتتمثل أهم الإجراءات المقترحة في:
 
  • تحديد آجالات قانونية للحكم في القضايا الجنائية بما يكفل ضمان حقوق المتهمين وتجنيب المتقاضين الضرر الناتج عن طول مدة البت في القضايا؛
  • إحداث محاكم إلكترونية وتعميم استعمال التكنولوجيا الرقمية من لدن كل الفاعلين في منظومة العدالة من اجل مكافحة الرشوة وضمان السرعة في معالجة القضايا؛
  • الحرص على التنفيذ الممنهج لجميع الأحكام الصادرة في حق الإدارة العمومية، وذلك في إطار مقاربة شفافة ومنسقة، وداخل آجال معقولة يتم إبلاغها للمتقاضين بشكل قبلي؛
  • تعزيز شفافية منظومة العدالة بما يجعلها أكثر احتراما لكرامة وحقوق المتقاضين (تصوير المحاكمات)؛
  • مأسسة وتوحيد اللجوء الى الاجتهاد القضائي وذلك بغية تقليص هامش تأويل النصوص القانونية.
 
كما حدد التقرير مجموعة من التدابير لتسريع تنفيذ العدالة الرقمية عبر مجموعة من التدابير ذات الأولوية:
 
  • إنشاء منصة فريدة مخصصة للعدالة تضم كل المواقع الالكترونية الموجود حاليا من قبيل: موقع محاكم، موقع عدالة.....؛
  • تعميم رقمنة إجراءات تبادل المذكرات وتقارير الخبرات؛
  • نشر جميع القوانين والأنظمة السارية والاجتهادات القضائية بصيغة تتيح البحث، مع تضمينها التعديلات الضرورية، وكذا الإشارة إلى تاريخ اخر تحديث لكل نص؛
  • نشر منتظم للأحكام والقرارات داخل آجال معقولة مع التحديث المنتظم لها؛
  • رقمنة تبليغ الاستدعاءات والأحكام مع الحفاظ على الأمن القضائي وحماية الحقوق من خلال رمز فريد وأمن.
 
 
 
وبقراءة مدققة ومتفحصة للتوصيات والمقترحات التي جاء بها التقرير في الشق المتعلق بعدالة رقمية تستجيب لمتطلبات المتقاضين، وتوطد مبادئ الشفافية والمحاكمة العادلة، نستشف أن التدابير المقترحة من طرف اللجنة خاصة فيما يتعلق بإحداث بوابة مندمجة للولوج الى العدالة، ونشر المعلومة القانونية والقضائية والعمل على تعميم التبادل الالكتروني للوثائق بين مختلف المتدخلين، تتماشى ورزمة المشاريع والبرامج التي جاء بها المخطط التوجيهي للتحول الرقمي للعدالة لسنة 2020، وميثاق اصلاح العدالة لسنة 2013.

ويمكن القول على أن المقترحات المضمنة بالتقرير تعد نوعا ما متجاوزة مقارنة مع ما وصلت إليه العدالة الرقمية ببلادنا، إذ لم يقدم التقرير تدابير جديدة، ولم يعرض إجراءات تنفيذية قصيرة ومتوسطة المدى تتلائم والتطور الذي عرفته الإدارة القضائية ببلادنا على مستوى التحول الرقمي وما راكمته من تجارب وممارسات في هذا الشأن، خاصة فيما يتعلق بتقريب الخدمات الالكترونية للمرتفقين، وحوسبة الإجراءات القضائية.

 كما  يطرح اشكال استعمال المصطلحات وتداخلها لبس في تحديد الأهداف والغايات، خاصة فيما يتعلق باستعمال مفهوم العدالة الرقمية عوض مفاهيم أخرى  تتقاطع  معه من قبيل القضاء الإلكتروني، التقاضي عن بعد، الإدارة القضائية الذكية، خاصة وأن التوصيات المضمنة بالتقرير تتماشى أكثر ومفهوم التقاضي عن بعد أكثر منه بمفهوم العدالة الرقمية والتي  لا تتحقق حسب اعتقادنا  إلا بإيجاد التدابير الكفيلة بتنفيذ الاحكام الصادرة عن محاكم المملكة والتصدي لما يعانيه المتقاضون في هذا الاطار، ولا تتوقف عند تقديم الخدمات عن بعد، ورقمنة الإجراءات والمساطر الإدارية والقضائية وتبليغ الاستدعاءات والأحكام بطريقة رقمية.
 
كما أن التقرير وتوصياته الإصلاحية لم يوضح الكيفية التي يمكن من خلالها تنزيل هذه العدالة الرقمية بالشكل الأنجع، والتي تعد الإدارة القضائية جوهرها في ظل التجاذب القائم بين الأقطاب الثلاث المتدخلة: المجلس الأعلى للسلطة القضائية، رئاسة النيابة العامة، السلطة التنفيذية المكلفة بقطاع العدل، في ظل غياب آليات التنسيق بين مختلف المتدخلين في حقل العدالة.
 
 

الجمعة 4 يونيو 2021


تعليق جديد
Twitter