Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الدعم العمومي للفعل الجمعوي بالمغرب وسؤال الرقابة المالية ( قراءة في منشور رئيس الحكومة رقم 2014/2 بشأن مراقبة المجلس الأعلى للحسابات لاستخدام الأموال العمومية)


     

الجزء الاول
د. محمد البكوري






إن محاولة تطبيق مبادئ الحكامة الجيدة على مستوى المجتمع المدني  ، خاصة في أبرز مكوناته المتمثلة في الجمعيات، يفرض علينا الوقوف على بعض مؤشرات قياس هذه المبادئ بالتنظيمات الجمعوية، اذ أنه وحتى تتوطد معالم حكامة جيدة بهذه التنظيمات، لابد من الأخذ بمبادئ هذه الحكامة ، وجعلها منطلقات حقيقية لممارسة جمعوية دينامية وفعالة، وبالتالي القدرة والتمكن من وضع تشخيص عميق للحاجيات وبلورة محددة للغايات التي ترسم ملامح حكامة جيدة على مستوى الفعل الجمعوي،

ومن ثم ضخ هذا الأخير بإمكانيات حقيقية وتزويده بطاقات فائقة، تساعده وبمرونة متواصلة وفعالية مستمرة على التمظهر والتبلور في جل المناحي وشتى التواجدات .في هذا الصدد تبدو مؤشرات من قبيل الشراكة ، الرؤية الإستراتيجية ، الفعالية ، الكفاية،سيادة القانون ، الشفافية والمساءلة من أبرز المؤشرات التي يمكن الارتكاز عليها لضمان اعمالات ملموسة وتنزيلات ناجعة لميكانيزمات الحكامة الجيدة على مستوى الممارسة الجمعوية  لبلادنا. من هنا،  وحتى يتسم الفعل الجمعوي بنوع من الضبط الحكاماتي على مستوى غاياته المتوخاة والأهداف التي يصبو إلى تحقيقها، من اللازم الأخذ بهذه المؤشرات، وجعلها نبراسا منيرا، يرسم المعالم المضيئة للفعل الجمعوي الجاد ويرسخ دعائمه، وعلى رأسها الدعائم الحيوية الضامنة لصيرورته وكينونته وهويته ، ومنها بطبيعة الحال، الدعائم المالية، بحيث أنه "بدون المال، لا يمكن أن نحقق أي شيء"،

كما يؤكد على ذلك السيد اسماعيل العلوي ، رئيس لجنة الحوار الوطني حول المجتمع المدني و الادوار الدستورية الجديدة في سياق تدخله ابان اليوم الدراسي المنظم  من طرف هذه اللجنة في موضوع "التمويل و الشراكة مع المجتمع المدني" ، يوم الثلاثاء 08 فبراير2014 بالرباط ،و الذي كان بمثابة لقاء تشخيصي ، وضع على طاولة "التشريح" مسألة التمويل العمومي للجمعيات ببلادنا،

و التي تعتبر – كما ر أى ذلك السيد لحبيب الشوباني وزير العلاقات مع البرلمان و المجتمع المدني في نفس اليوم الدراسي – اشكالا حقيقيا ، وان العالم المرتبط "بتمويل الفعل الجمعوي بقي أقرب ما يكون الى الغموض ، باستثناء بعض الارقام التي تبقى عامة ، ولا يملك لها الفاعلون عموما اي تفاصيل قد تجعل الامور واضحة و شفافة". ان هذه الخاصيات المرتبطة بتمويل الفعل الجمعوي ببلادنا ، و المتسمة بالضبابية و الغموض و العمومية  وغياب الوضوح و الشفافية ، هي التي جعلت رئيس الحكومة يلتقط و بسرعة الاشارات التنبيهية المتعلقة بتشخيص مسأ لة الدعم العمومي للجمعيات (خاصة بعد مرور اكثر من عشر سنوات على تطبيق دورية الوزير الاول المتعلقة بالشراكة بين الدولة و الجمعيات) ليعلن وفي خطوة استشرافية ، استبقت مخرجات الحوار الوطني حول المجتمع المدني على صعيد التمويل العمومي الجمعوي ،اصدار منشور يحمل رقم 2014/2 بتاريخ 05 مارس  2014في موضوع مراقبة المجلس الاعلى للحسابات لاستخدام الأموال العمومية ، و المرتبطة بالفاعل الجمعوي المغربي. و عليه فدراستنا هاته ستقف على ثلاثة مسارات تحليلية لهذا المنشور ، بدءا من التمويل العمومي كامتياز من الامتيازات الممنوحة للجمعيات ، مرورا الى الرقابة المالية كالتزام من الالتزامات  المفروضة على الجمعيات الممنوحة ،  ووصولا في الاخير الى الابعاد و الرهانات المرتبطة بهذا المنشور.    

 اولا : التمويل العمومي كامتياز من الامتيازات الممنوحة للجمعيات

ما فتئت الجمعيات كسلطة خامسة منبثقة في الكيان المجتمعي،  تشكل المحرك الاساسي للصيرورة التنموية ببلادنا. وعلى ضوء ذلك فأ نشطتها لا تعتمل بمعزل عن المحيط الذي تشتغل في سياقاته المتعددة و المتغيرة باستمرار ، وهو المحيط الذي يشمل في كل جمعي ، جل الفاعلين في الميدان التنموي ، اي أولئك الذين يحرصون و بشكل دائم و متواصل على المساهمة في بلورة البرامج التنموية للجمعيات ، التي لا يمكن ان تقوم لها قائمة ان لم تستند على تضافر جهود مختلف المتدخلين ومنهم الفئات المستهدفة ، اي السكان باعتبارهم الطرف الاول في معادلة هذه البرامج ، ولكونهم المعنيين اصلا بالمشاريع الانمائية للجمعيات ، ومن ثم من الواجب اشراكهم في مختلف المراحل و المسارات المرتبطة بانجازها  ومن المتدخلين الرئيسيين ايضا نجد السلطات ، بالنظرالى دورها المحوري في توفير الظروف المواتية و الاجواء المناسبة على مستوى تيسير عملية تدخل الفاعلين من أجل تحقيق الاهداف المرجوة من البرامج و المشاريع التنموية الجمعوية ، وذلك كله عبر منح الفاعل الجمعوي كل المعطيات التي يمكن ان تساعد ه على الاداء الايجابي على مستوى هذه البرامج و المشاريع. وهو الاداء الذي يفرض الاستعانة بتدخل فاعلين اخرين وهم الممولين ، الذين قد يكونوا اشخاصا طبيعيين او اشخاص معنويين تحرص الجمعيات على الدخول معهم في شراكات ، لتستفيد من دعمهم الذي قد يكون ماليا او تقنيا او هما معا من أجل بلوغ الأهداف المتواخاة من مشاريعها و برامجها التنموية. في هذا الصدد يتبلور الدعم العمومي للجمعيات كألية من الاليات التمكينية ، توفرها الدولة و مؤسساتها للفاعل الجمعوي من أجل مساعدته في اطار تشاركي/تعاقدي على ضمان انخراطه في الصيرورة التنموية للبلاد ويعتبر التمويل العمومي الموجه لهذا الفاعل من أبرز مكونات نظام الامتيازات المالية القانونية الممنوحة له ، وهو النظام الذي يؤطره قانونيا الظهير المتعلق بحق تاسيس الجمعيات ل 15نونبر1958 في عدة فصول (6و9و10و11و12و13) وكذا بعض النصوص القانونية الاخرى كالمرتبطة بالمدونة العامة للضرائب ، وبعض الدوريات الوزارية ، كدورية الوزير الاول عدد7/2003 بتاريخ 27يونيو2003 والمتعلقة بالشراكة بين الدولة و الجمعيات.      

 هكذا يعتبر الدعم العمومي للجمعيات حقا من الحقوق المخولة لها بحكم القانون ، وذلك بموجب الفصل السادس من ظهير 15نونبر1958 الذي ينص من بين ما ينص عليه " ان كل جمعية صرح بتأسيسها بصفة قانونية ، يحق لها ان تترافع امام المحاكم ، وان تقتني بعوض وان تمتلك و تتصرف فيما يلي:

ثانيا: الاعانات العمومية
 
ورغم أهمية هذا السند القانوني لمسألة الدعم القانوني للجمعيات ، فيمكن القول أن المنطلق الحقيقي لهذه المسألة وجد مرجعيته التأسيسية المفصلة مع اصدار دورية الوزير الاول عدد 7/2003  بتاريخ 27يونيو2003 ، والمتعلقة بالشراكة بين  الدولة و الجمعيات, وهي الدورية التي شكلت مقاربة شاملة و الية حديثة لتدبير المال العمومي ، مرتكزة في ذلك على جملة من المبادىء: المرونة  ، حسن التدبير ، تخليق الحياة العامة، التعاقد ، التوازن ، اللامركزية ، اللاتمركز ، الشمولية ، الدقة، الافتحاص ، التدقيق،  تقريب الادارة ، تبسيط المساطر، التقويم، التقييم ، الوضوح ، الشفافية ، المساواة ، تكافؤ و تبادل المعلومة. وتكمن اهمية هذه الدورية بالاساس في تحديدها لمجالات تطبيق الشراكة بين الدولة و الجمعيات على مستوى القطاعات ذات الاولوية في العمل الحكومي وهي:

محاربة الفقر و التهميش الاجتماعي ، مساعدة النساء و الاطفال في وضعية صعبة ، تعليم الكبار ، التربية غير النظامية ، الشباب الرياضة ، ادماج الشباب في التكوين ، الانشطة المدرة للدخل و تنمية البنيات و الخدمات الاجتماعية الاساسية ، مما يبرز النفحة الاجتماعية التي تغلب على مجالات تدخل التمويل العمومي ، وهي النفحة الدالة على تغيير في ادوار الفعل العمومي و التخفيف من الحضور الكثيف للدولة ، ونقل بعض الاختصاصات الى مستويات تدخل الفعل الجمعوي ، مع الالتزام بالابعاد التعاقدية ، خاصة اذا كانت المساهمة العمومية تعادل او تفوق مبلغ 50.000 درهم على مستوى المجالات ذات الاولوية الاجتماعية المتحدث عنها انفا ، اذ ينبغي ان تتم هذه المساهمة التمويلية في اطار تعاقدي (اي التوقيع على عقدة، والتي تحولت فيما بعد بحكم الواقع والمستجدات المرتبط به الى عقدة – برنامج).

اما بالنسبة لكل تمويل لا يدخل في المجالات ذات الاولوية الاجتماعية بالنسبة لبعض القطاعات العمومية او الذي تقل تكلفته عن 50.000 درهم ، يجب ان يكون موضوع قرار موقع من طرف الامر بالصرف المعني،  وفق ملف متكامل ، يشتمل مجمل الوثائق المرتبطة بالجمعية طالبة المنحة او التمويل. و بصفة عامة وفي كل الحالات يشترط التمويل العمومي تطابق و توافق اهداف المشاريع المقترحة من طرف الجمعيات مع اهدافها الاساسية ، مما يبرهن عن جدوى هذه الشراكة على مستوى تنفيذ البرامج التنموية ،وجعل الفاعل الجمعوي عن طريق تزويده بالاليات التمويلية ، شريكا استراتيجيا لاخراج هذه البرامج الى حيز الوجود و ضمان استدامتها،

وهو المعطى الذي يستشف من خلال الارتفاع النسبي لعدد الجمعيات التي تعمل حاليا في اطار الشراكة مع الدولة او مع المؤسسات العمومية او الجماعات المحلية ، كما انه نفس المعطى الذي يلاحظ مع تبني المبادرة الوطنية للتنمية البشرية منذ 2005 ( تجدر الاشارة الى ان نسبة الجمعيات التي انشأ ت من 2005 الى 2007 بعد اعلان المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بلغت 4 من %10) و التي جعلت التمويل العمومي للجمعيات الشريكة في المبادرة يرتفع و يبحث عن اليات جديدة تمكنه من ان يصبح تمويلا قارا و دائما ، وهي المسأ لة التي أكد عليها الملك محمد السادس في خطابه المؤسس للمبادرة من خلال حثه ان " يقوم التمويل على ايجاد اليات ملائمة و متميزة تضمن استمرارية الموارد و تسهيل و نجاعة مساطر التنفيذ".                    

 ان كل ما سبق يؤكد بما لا يدع مجالا للشك مدى نجاعة التمويل العمومي في جعل جمعيات المجتمع المدني تشجع ثقافة التشارك من خلال اتخاذ المبادرات ودعم الاقتراحات و انجاز البرامج و بلورة المشاريع التي تدخل كلها في سياق الرفع من القدرات التنموية لبلادنا ، بيد ان هذه النجاعة تفترض القيام برقابة مالية مستمرة ان هي ارادت اطالة أمد حيويتها الناضجة ونبضها المتدفق،  وهو ما سنتطرق اليه في الجزء الثاني من هذه الدراسة.
  
                     


الثلاثاء 25 مارس 2014


تعليق جديد
Twitter