في غشت 2022، كتبت مقالا "منشور على موقع هسبريس" و"منصة ماروك دروا" انطلق من إشكال عملي أثار، ولا يزال يثير، كثيرا من النقاش داخل عدد من الإقامات الخاضعة لنظام الملكية المشتركة: هل من العدل أن يتحمل المالك الذي يقيم في شقته طوال السنة الأعباء نفسها التي يتحملها مالك لا يعود إلى عقاره إلا لأسابيع محدودة، رغم اختلاف درجة انتفاع كل منهما ببعض الخدمات المشتركة؟
كان ذلك في سياق استثنائي فرضته تداعيات جائحة كوفيد-19، وطول مدة غياب عدد كبير من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وما ترتب عن ذلك في بعض الحالات من تراكم واجبات السنديك.
وقد اقترحت آنذاك، من باب البحث عن حل تشريعي منصف، أن يتم اعتماد معاملة خاصة للشقق المملوكة لمغاربة العالم، تقوم على تخفيض مساهمتها في الواجب الشهري للسنديك إلى النصف مقارنة بالمساهمة المعتمدة بالنسبة إلى الشقق المشغولة بصورة دائمة.
اليوم، وبعد التعديلات التي طرأت على القانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، يبدو من الضروري العودة إلى ذلك النقاش، ولكن بعد تصحيح نقطة أساسية في التسلسل التشريعي.
فمعيار «منفعة أو الاستفادة من الخدمات والتجهيزات» لم يستحدثه المشرع سنة 2024، وإنما أقره منذ تعديل سنة 2016 بموجب القانون رقم 106.12.
ومن هنا يصبح السؤال اليوم أكثر دقة:
أولا: سنة 2016 أو عندما دخل معيار «المنفعة» إلى صلب توزيع التكاليف.
كان تعديل القانون رقم 18.00 بموجب القانون رقم 106.12 سنة 2016 محطة تشريعية أساسية في تطور نظام الملكية المشتركة بالمغرب.
فقد جاء هذا التعديل لإعادة تنظيم عدد كبير من المقتضيات المتعلقة بالملكية المشتركة واتحاد الملاك وأجهزة التسيير والسنديك والجمع العام وتوزيع التكاليف وتسوية النزاعات، ومن بين أهم المقتضيات التي تستحق التوقف عندها تلك التي قررت، إلى جانب مساهمة الملاك في تكاليف الحفاظ على الأجزاء المشتركة وصيانتها وتسييرها، أن المساهمة في تكاليف الخدمات الجماعية والتجهيزات المشتركة تكون بحسب منفعة والاستفادة من هذه الخدمات والتجهيزات بالنسبة لكل جزء مفرز.
وهذه القاعدة مهمة جداً، فهي تعني أن المشرع لم يتبنَّ منذ سنة 2016 فكرة أن جميع التكاليف يجب أن توزع بصورة آلية ومتماثلة بين جميع الملاك، بل ميز بين التكاليف المرتبطة بالملكية المشتركة في ذاتها، وبين تكاليف الخدمات والتجهيزات الجماعية التي ينبغي أن تراعى فيها المنفعة والاستغلال.
وهنا تنكشف أهم التساؤلات: هل يمكن أن تكون منفعة والاستفادة من الخدمة واحدة بالنسبة إلى مالك يستعمل العقار طوال السنة ومالك لا يستعمله إلا خلال أسابيع أو أيام محدودة؟
ثانيأ: المساواة في الأداء ليست دائماً منصفة.
الجواب ليس بسيطا، فمن الخطأ القول إن المالك الذي يعيش خارج المغرب لا يستفيد من الملكية المشتركة إطلاقا، فحتى الشقة المغلقة تحتاج إلى حماية، والعقار المشترك يحتاج إلى صيانة، والأجزاء المشتركة تحتاج إلى المحافظة، كما أن الخدمات التي تحفظ سلامة العقار وقيمته لا تتوقف بمجرد سفر مالكه.
ومن جهة أخرى، ليس من المنطقي أيضا افتراض أن جميع الخدمات يستفيد منها المالك بالدرجة نفسها، مهما اختلفت طبيعة استعماله للعقار، فالحراسة شيء، والنظافة شيء آخر، واستعمال المصعد شيء، وصيانة الهيكل أو الواجهة شيء آخر.
ثالثاً: ماذا كان ينقص قاعدة المنفعة سنة 2022؟
رغم أهمية مبدأ المنفعة، فإن وجوده في النص التشريعي منذ 2016 لم يكن يعني بالضرورة سهولة تطبيقه في الواقع.
فمن يحدد المنفعة؟
وكيف يتم قياسها؟
هل يتم احتسابها بحسب مساحة الشقة؟
أم بحسب طبيعة الخدمة؟
أم بحسب عدد المستعملين؟
أم بحسب عدد أيام الإقامة؟
أم بحسب طبيعة التجهيز؟
هذه الأسئلة لم تكن لها إجابة تشريعية تفصيلية واحدة وواضحة.
ولهذا، عندما كتبت سنة 2022 حول وضعية مغاربة العالم، لم يكن المقترح الذي قدمته خروجا عن فلسفة هذا التوجه التشريعي، بل كان محاولة لتطوير وتفعيل مبدأ كان المشرع قد أقره أصلا سنة 2016.
وكان الاقتراح آنذاك أن يتم اعتبار الشقق المملوكة لمغاربة العالم، والتي لا تستعمل إلا بصورة موسمية، حالة خاصة، وأن تخفض مساهمتها في الواجب الشهري للسنديك إلى النصف.
وقد كان هذا المقترح مرتبطاً خصوصاً بظروف الجائحة، وبطول الغياب، وبما ترتب عن ذلك من تراكم للواجبات، لكنه كان يحمل في جوهره سؤالاً أوسع: هل يمكن لنظام الملكية المشتركة أن يكون منصفا إذا تجاهل الاختلاف الكبير في درجة الانتفاع ببعض الخدمات؟
رابعاً: لم يكن المقصود إعفاء الجالية من واجبات السنديك.
من المهم التأكيد على هذه النقطة، المطالبة بمراجعة طريقة احتساب مساهمة المالك غير المقيم لا تعني إعفاءه من واجبات الملكية المشتركة، فالملكية المشتركة تقوم على التضامن بين الملاك.
وكل مالك يستفيد، بشكل مباشر أو غير مباشر، من المحافظة على العقار المشترك، كما أن غياب المالك لا يوقف المصاريف المرتبطة بالعقار، لكن أيضا التضامن لا يعني بالضرورة التساوي الحسابي في كل نفقة، فالإنصاف قد تقتضي أحياناً التساوي، وقد تقتضي أحيانا أخرى اختلاف المساهمة بحسب طبيعة التكلفة والمنفعة، وهنا بالضبط ينبغي التمييز بين التضامن في تحمل أعباء الملكية المشتركة وبين التساوي الآلي في جميع أنواع المصاريف.
خامسا: ماذا فعل المشرع سنة 2024؟
جاء القانون رقم 39.24 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 18.00، الصادر سنة 2024، في سياق مختلف عن تعديل 2016، فإذا كان التعديل الأخير واسعا ومهما في إعادة بناء عدد كبير من مقتضيات نظام الملكية المشتركة، فإن تعديل 2024 ركز بدرجة أكبر على جوانب عملية مرتبطة بالحكامة والتدبير والتبليغ والوثائق وتسوية النزاعات.
وهنا ينبغي تسجيل أمر بالغ الأهمية:
لكن ذلك لا يعني أن تعديل 2024 لا يمس جوهر الإشكال، بل إنه عالج بعض الشروط التي تجعل تحقيق العدالة والإنصاف في توزيع التكاليف أكثر قابلية للتطبيق.
سادساً: 2024 وتعزيز الشفافية في مواجهة إشكال التكاليف.
من أهم عناصر الإصلاح الذي جاء به تعديل 2024 تعزيز حق المالك في الاطلاع على الوثائق المرتبطة بالحسابات والميزانية والمصاريف والعقود، وهذه النقطة تكتسب أهمية استثنائية بالنسبة إلى المالك المقيم خارج المغرب.
فالمشكلة ليست دائماً في السؤال: كم أدفع؟ بل أحياناً في السؤال الأكثر أهمية:
لماذا أدفع هذا المبلغ؟
وما هي الخدمات التي يغطيها؟
وكيف تم تحديدها؟
وما هي المصاريف الحقيقية لاتحاد الملاك؟
وهل هذه المصاريف تعود بالنفع على جميع الأجزاء المفرزة بالطريقة نفسها؟
فالشفافية ليست مجرد مسألة محاسبية.
إنها شرط من شروط العدالة في توزيع الأعباء.
وكلما كان المالك بعيداً عن العقار، أصبحت حاجته إلى المعلومات أكبر.
سابعا: 2024 والتبليغ، حتى لا يتحول الغياب الجغرافي إلى غياب قانوني.
المالك المقيم بالخارج يواجه مشكلة عملية أخرى تتمثل في البعد الجغرافي عن الإقامة، ومن هنا تكتسب قواعد استدعاء الملاك وإخبارهم بالجمع العام والميزانية والقرارات أهمية خاصة، فالمالك الذي يعيش في ألمانيا أو فرنسا أو إسبانيا أو بلجيكا أو هولندا أو كندا لا ينبغي أن يتحول غيابه الجغرافي إلى غياب عن القرارات التي ترتب عليه التزامات مالية.
ومن هذه الزاوية، فإن تطوير قواعد التبليغ وإتاحة المعلومات يحقق للجالية حماية لم تكن مرتبطة مباشرة بقيمة الواجب، لكنها مرتبطة بحقها في المشاركة والاطلاع والاعتراض، وهنا لا مجال لتجاهل الاستفادة من وسائل الاتصال عن بعد كي يتم تبليغ المقيم خارج المغرب أو جعله حاضرا في لجموع العامة عن طريق وسائل التناظر المرئي التي أصبحت تستعمل لعقد الاجتماعات عن بعد.
ثامناً: الوساطة، منطق جديد في التعامل مع نزاعات السنديك.
من الجوانب المهمة في تعديل 2024 تعزيز منطق الصلح والوساطة في تسوية النزاعات المرتبطة بالملكية المشتركة، وهذا التطور مهم لأن النزاع بين المالك والسنديك لا يكون دائماً نزاعاً حول مبدأ الأداء.
فقد يكون النزاع حول:
قيمة المساهمة؛
طريقة احتسابها؛
طبيعة الخدمة؛
مدى استفادة الجزء المفرز منها؛
المصاريف التي تم إنفاقها؛
أو حتى عدم توصل المالك بالمعلومات والوثائق.
وفي مثل هذه الحالات، قد يكون الحل التوافقي أكثر ملاءمة من الانتقال مباشرة إلى القضاء، والأهم بالنسبة إلى مغاربة العالم أن الوساطة قد توفر آلية عملية لتسوية نزاعهم دون اضطرارهم في كل مرة إلى متابعة مسطرة قضائية طويلة من خارج المغرب.
تاسعاً: ماذا أبقى تعديل 2024 من إرث 2016؟
هنا تكمن النقطة التي يجب ألا تضيع في النقاش، فتعديل 2024 لم يأت ليضع لأول مرة معيار المنفعة، فهذا المعيار كان موجوداً منذ تعديل 2016. وبالتالي فإن التسلسل الصحيح هو:
2016 المشرع يقرر أن تكاليف الخدمات الجماعية والتجهيزات المشتركة تكون بحسب منفعتها بالنسبة لكل جزء مفرز.
2022 إثارة سؤال تنزيل هذا المبدأ على وضعية المالك المغربي المقيم بالخارج، مع اقتراح اعتماد تخفيض خاص لمساهمته.
2024 المشرع لا يعتمد قاعدة النصف، لكنه يعزز الشفافية والتبليغ والحكامة والوساطة، ويترك معيار المنفعة قائماً دون وضع نظام خاص للمالك غير المقيم.
وهذا التسلسل، في اعتقادي، هو القراءة الأكثر دقة للتطور التشريعي.
عاشرا: هل كان عدم اعتماد قاعدة النصف موقفاً صائبا، ولماذا تراجعت عن هذا الاقتراح؟
بعد مرور السنوات، يمكن إعادة تقييم المقترح الذي قدمناه سنة 2022، فالنسبة الثابتة حتى وإن كانت سهلة التطبيق، قد لا تكون عادلة في جميع الحالات، فليس كل مالك مقيم في المغرب يستعمل جميع الخدمات بنفس الدرجة، وليس كل مالك مقيم بالخارج يستعمل العقار بدرجة واحدة، وقد تختلف الإقامات نفسها من حيث عدد المصاعد، ووجود المسابح، والحراسة، والمواقف، والمساحات الخضراء، والتجهيزات الجماعية وغيرها،
هذا ما يجعلني أن أتراجع عاى اقتراحي، وأقول اليوم أنه من الأفضل الانتقال من فكرة: الجالية تؤدي نصف الواجب، إلى فكرة أكثر دقة:
"كل مالك يساهم في كل تكلفة بحسب طبيعتها وبحسب منفعة الخدمة بالنسبة إلى الجزء المفرز، ويتم تحديد هذا كله من خلال النظام الداخلي للملكية المشتركة لأن الحالات لا تتشابه دائما"
وهذا يقينا لا يلغي خصوصية الجالية، لكنه يجعل المعالجة أكثر انسجاماً مع مبدأ المساواة والموضوعية.
حادي عشر: من "واجب السنديك" إلى "تركيب واجب السنديك"
ربما تكون المشكلة الأساسية أن الواجب الشهري للسنديك يُنظر إليه في الممارسة باعتباره مبلغا واحدا، بينما هو في الحقيقة مجموعة من النفقات المختلفة، ولهذا يمكن التفكير في تقسيم التكاليف إلى ثلاث فئات:
تكاليف مرتبطة بالملكية
وهي التكاليف التي يتحملها المالك لمجرد كونه مالكاً، ولا تزول بمجرد غيابه عن العقار.
تكاليف مرتبطة بالمنفعة
وهي التي ينبغي أن يراعى في توزيعها مدى استفادة كل جزء مفرز من الخدمة أو التجهيز.
تكاليف مرتبطة بالاستعمال
وهي التي يمكن، متى كان ذلك ممكناً، قياسها أو ربطها بدرجة الاستعمال الفعلي.
وبهذا التصور، يصبح بالإمكان تطبيق معيار المنفعة بصورة أكثر دقة، بدلاً من اختزال كل المصاريف في مبلغ شهري موحد.
ثاني عشر: لماذا يهم هذا النقاش اليوم أكثر من سنة 2022؟
لأن قضية الملكية المشتركة لم تعد قضية هامشية بالنسبة إلى مغاربة العالم، فأعداد كبيرة من أفراد الجالية تملك عقارات بالمغرب، وكثير من هذه العقارات يوجد داخل إقامات خاضعة لنظام الملكية المشتركة، والإشكال لا يتعلق فقط بالواجبات، إنه يتعلق أيضاً بالحكامة، والشفافية، والمشاركة في اتخاذ القرار، ومراقبة السنديك، ومعرفة المصاريف، وتسوية النزاعات.
ومن ثم، فإن إصلاح نظام الملكية المشتركة ليس مجرد إصلاح تقني لإحدى القوانين العقارية.
إنه أيضاً جزء من السياسة القانونية تجاه مغاربة العالم.
ثالث عشر: تقييم تعديلات 2024.
يمكن، في تقديري، تقييم تعديل 2024 من خلال ثلاث نقاط إيجابية ونقطتين تحتاجان إلى مزيد من التطوير.
النقطة الإيجابية الأولى: تعزيز الحكامة
أصبح تدبير اتحاد الملاك أكثر ارتباطاً بالشفافية وإتاحة المعلومات والوثائق.
النقطة الإيجابية الثانية: تحسين موقع المالك
لم يعد المالك مجرد شخص مطالب بالأداء، بل له حقوق مرتبطة بالاطلاع والمشاركة ومراقبة تدبير الاتحاد.
النقطة الإيجابية الثالثة: تشجيع التسوية الودية.
إدماج الصلح والوساطة يمكن أن يساهم في الحد من النزاعات القضائية، خصوصاً في العلاقات التي تستمر لسنوات بين الملاك واتحادهم.
لكن هناك نقطتان بقيتا دون حسم.
الأولى: لم يضع المشرع منهجية تفصيلية لكيفية قياس "المنفعة" الواردة في المادة 36.
الثانية: لم يضع نظاما خاصً وواضحاً للمالك غير المقيم، رغم الخصوصية العملية لهذه الفئة.
وهنا تظل الحاجة قائمة إلى تطوير تشريعي أو تنظيمي لاحق.
رابع عشر: ماذا ينبغي أن يكون عليه الإصلاح المقبل؟
لا أعتقد أن المطلوب اليوم بالضرورة هو العودة حرفياً إلى اقتراح سنة 2022 القاضي بنصف الواجب، بل ينبغي التفكير في نظام أكثر مرونة وإنصافا يقوم على:
أولا: تحديد واضح للتكاليف التي ترتبط بالملكية في حد ذاتها.
ثانيا: تحديد الخدمات التي تخضع لمعيار المنفعة.
ثالثا: وضع معايير عملية لتحديد هذه المنفعة.
رابعا: تعزيز حق المالك في الاطلاع على كل ما يبرر المساهمة المطلوبة منه.
خامسا: تطوير المشاركة عن بعد للمالكين المقيمين خارج المغرب.
سادسا: التفكير في وسائل رقمية لتدبير العلاقة بين السنديك والملاك، بما يتيح للمالك الموجود خارج المغرب متابعة وضعية حسابه وقرارات الجمع العام ووثائق المصاريف.
خاتمة: ما بين 2016 و2024 وما بعدهما.
عندما كتبنا سنة 2022 عن واجبات السنديك بالنسبة إلى مغاربة العالم، كان السؤال يبدو في ظاهره سؤالا عن تخفيض مبلغ الأداء، لكن العودة اليوم إلى النصوص تكشف أن السؤال أعمق بكثير، فالمشرع المغربي كان قد وضع منذ سنة 2016 مبدأ مهما:
الخدمات الجماعية والتجهيزات المشتركة لا تقاس مساهمة المالك فيها بمعيار التساوي المجرد، وإنما بحسب منفعتها بالنسبة إلى الجزء المفرز.
ثم جاءت سنة 2022 لأطرح ضرورة تفعيل هذا المنطق بالنسبة إلى فئة واسعة من المالكين الذين لا يستعملون عقاراتهم إلا بصورة موسمية.
ثم جاءت سنة 2024 لتطور الإطار القانوني من خلال تعزيز الحكامة والشفافية والتبليغ والوساطة، دون أن تعتمد قاعدة خاصة بمغاربة العالم.
وهذا ليس بالضرورة قصوراً في التشريع، فقد يكون عدم اعتماد نسبة ثابتة أكثر انسجاما مع اختلاف الحالات.
لكن ما يزال هناك سؤال تشريعي مفتوح:
كيف ننتقل من الاعتراف بمبدأ "المنفعة" إلى وضع معايير ومؤشرات عملية لقياسها وتطبيقها؟
ذلك أن المساواة ليست دائماً أن يؤدي الجميع المبلغ نفسه، كما أن العدالة لا تعني إعفاء أحد من التضامن الذي تفرضه الملكية المشتركة.
العدالة والإنصاف هي أن يكون لكل مبلغ يؤديه المالك أساس قانوني واضح، ومبرر واقعي، وعلاقة معقولة بالتكلفة أو الخدمة التي يتحملها اتحاد الملاك.
ومن هنا، فإن ما كتبناه سنة 2022 لا يفقد راهنيته بعد تعديل 2024، بل يأخذ معنى ومنحى جديد:
لم تعد القضية فقط "هل يؤدي مغربي العالم نصف واجب السنديك؟"
وإنما أصبحت: هل أصبح نظام الملكية المشتركة المغربي قادر على توزيع الأعباء بحسب طبيعة الملكية والمنفعة الفعلية للخدمات، وبما يحقق العدالة بين جميع الملاك، مقيمين وغير مقيمين؟
كان ذلك في سياق استثنائي فرضته تداعيات جائحة كوفيد-19، وطول مدة غياب عدد كبير من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وما ترتب عن ذلك في بعض الحالات من تراكم واجبات السنديك.
وقد اقترحت آنذاك، من باب البحث عن حل تشريعي منصف، أن يتم اعتماد معاملة خاصة للشقق المملوكة لمغاربة العالم، تقوم على تخفيض مساهمتها في الواجب الشهري للسنديك إلى النصف مقارنة بالمساهمة المعتمدة بالنسبة إلى الشقق المشغولة بصورة دائمة.
اليوم، وبعد التعديلات التي طرأت على القانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، يبدو من الضروري العودة إلى ذلك النقاش، ولكن بعد تصحيح نقطة أساسية في التسلسل التشريعي.
فمعيار «منفعة أو الاستفادة من الخدمات والتجهيزات» لم يستحدثه المشرع سنة 2024، وإنما أقره منذ تعديل سنة 2016 بموجب القانون رقم 106.12.
ومن هنا يصبح السؤال اليوم أكثر دقة:
هل أصبح النظام القانوني المذكور أكثر قدرة على تحقيق الإنصاف في توزيع تكاليف الملكية المشتركة؟
أولا: سنة 2016 أو عندما دخل معيار «المنفعة» إلى صلب توزيع التكاليف.
كان تعديل القانون رقم 18.00 بموجب القانون رقم 106.12 سنة 2016 محطة تشريعية أساسية في تطور نظام الملكية المشتركة بالمغرب.
فقد جاء هذا التعديل لإعادة تنظيم عدد كبير من المقتضيات المتعلقة بالملكية المشتركة واتحاد الملاك وأجهزة التسيير والسنديك والجمع العام وتوزيع التكاليف وتسوية النزاعات، ومن بين أهم المقتضيات التي تستحق التوقف عندها تلك التي قررت، إلى جانب مساهمة الملاك في تكاليف الحفاظ على الأجزاء المشتركة وصيانتها وتسييرها، أن المساهمة في تكاليف الخدمات الجماعية والتجهيزات المشتركة تكون بحسب منفعة والاستفادة من هذه الخدمات والتجهيزات بالنسبة لكل جزء مفرز.
وهذه القاعدة مهمة جداً، فهي تعني أن المشرع لم يتبنَّ منذ سنة 2016 فكرة أن جميع التكاليف يجب أن توزع بصورة آلية ومتماثلة بين جميع الملاك، بل ميز بين التكاليف المرتبطة بالملكية المشتركة في ذاتها، وبين تكاليف الخدمات والتجهيزات الجماعية التي ينبغي أن تراعى فيها المنفعة والاستغلال.
وهنا تنكشف أهم التساؤلات: هل يمكن أن تكون منفعة والاستفادة من الخدمة واحدة بالنسبة إلى مالك يستعمل العقار طوال السنة ومالك لا يستعمله إلا خلال أسابيع أو أيام محدودة؟
ثانيأ: المساواة في الأداء ليست دائماً منصفة.
الجواب ليس بسيطا، فمن الخطأ القول إن المالك الذي يعيش خارج المغرب لا يستفيد من الملكية المشتركة إطلاقا، فحتى الشقة المغلقة تحتاج إلى حماية، والعقار المشترك يحتاج إلى صيانة، والأجزاء المشتركة تحتاج إلى المحافظة، كما أن الخدمات التي تحفظ سلامة العقار وقيمته لا تتوقف بمجرد سفر مالكه.
ومن جهة أخرى، ليس من المنطقي أيضا افتراض أن جميع الخدمات يستفيد منها المالك بالدرجة نفسها، مهما اختلفت طبيعة استعماله للعقار، فالحراسة شيء، والنظافة شيء آخر، واستعمال المصعد شيء، وصيانة الهيكل أو الواجهة شيء آخر.
ولهذا فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون "هل يؤدي المالك غير المقيم أم لا؟"
وإنما: ما هي التكاليف التي يتحملها المالك باعتباره مالكا،
وما هي الخدمات التي ينبغي أن تتناسب المساهمة فيها مع درجة الانتفاع بها؟
وهذا تحديداً هو المعنى الذي يكتسبه معيار «المنفعة» الذي أقره المشرع سنة 2016 .
ثالثاً: ماذا كان ينقص قاعدة المنفعة سنة 2022؟
رغم أهمية مبدأ المنفعة، فإن وجوده في النص التشريعي منذ 2016 لم يكن يعني بالضرورة سهولة تطبيقه في الواقع.
فمن يحدد المنفعة؟
وكيف يتم قياسها؟
هل يتم احتسابها بحسب مساحة الشقة؟
أم بحسب طبيعة الخدمة؟
أم بحسب عدد المستعملين؟
أم بحسب عدد أيام الإقامة؟
أم بحسب طبيعة التجهيز؟
هذه الأسئلة لم تكن لها إجابة تشريعية تفصيلية واحدة وواضحة.
ولهذا، عندما كتبت سنة 2022 حول وضعية مغاربة العالم، لم يكن المقترح الذي قدمته خروجا عن فلسفة هذا التوجه التشريعي، بل كان محاولة لتطوير وتفعيل مبدأ كان المشرع قد أقره أصلا سنة 2016.
وكان الاقتراح آنذاك أن يتم اعتبار الشقق المملوكة لمغاربة العالم، والتي لا تستعمل إلا بصورة موسمية، حالة خاصة، وأن تخفض مساهمتها في الواجب الشهري للسنديك إلى النصف.
وقد كان هذا المقترح مرتبطاً خصوصاً بظروف الجائحة، وبطول الغياب، وبما ترتب عن ذلك من تراكم للواجبات، لكنه كان يحمل في جوهره سؤالاً أوسع: هل يمكن لنظام الملكية المشتركة أن يكون منصفا إذا تجاهل الاختلاف الكبير في درجة الانتفاع ببعض الخدمات؟
رابعاً: لم يكن المقصود إعفاء الجالية من واجبات السنديك.
من المهم التأكيد على هذه النقطة، المطالبة بمراجعة طريقة احتساب مساهمة المالك غير المقيم لا تعني إعفاءه من واجبات الملكية المشتركة، فالملكية المشتركة تقوم على التضامن بين الملاك.
وكل مالك يستفيد، بشكل مباشر أو غير مباشر، من المحافظة على العقار المشترك، كما أن غياب المالك لا يوقف المصاريف المرتبطة بالعقار، لكن أيضا التضامن لا يعني بالضرورة التساوي الحسابي في كل نفقة، فالإنصاف قد تقتضي أحياناً التساوي، وقد تقتضي أحيانا أخرى اختلاف المساهمة بحسب طبيعة التكلفة والمنفعة، وهنا بالضبط ينبغي التمييز بين التضامن في تحمل أعباء الملكية المشتركة وبين التساوي الآلي في جميع أنواع المصاريف.
خامسا: ماذا فعل المشرع سنة 2024؟
جاء القانون رقم 39.24 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 18.00، الصادر سنة 2024، في سياق مختلف عن تعديل 2016، فإذا كان التعديل الأخير واسعا ومهما في إعادة بناء عدد كبير من مقتضيات نظام الملكية المشتركة، فإن تعديل 2024 ركز بدرجة أكبر على جوانب عملية مرتبطة بالحكامة والتدبير والتبليغ والوثائق وتسوية النزاعات.
وهنا ينبغي تسجيل أمر بالغ الأهمية:
المشرع سنة 2024 لم ينص على أن المالك المغربي المقيم بالخارج يؤدي نصف واجب السنديك، كما أنه لم ينشئ إعفاء أو تخفيضاً عاماً لفائدة مغاربة العالم بسبب إقامتهم خارج المغرب، وبالتالي، سيكون من الخطأ القول إن تعديل 2024 تبنى حرفياً المقترح الذي قدمناه سنة 2022.
لكن ذلك لا يعني أن تعديل 2024 لا يمس جوهر الإشكال، بل إنه عالج بعض الشروط التي تجعل تحقيق العدالة والإنصاف في توزيع التكاليف أكثر قابلية للتطبيق.
سادساً: 2024 وتعزيز الشفافية في مواجهة إشكال التكاليف.
من أهم عناصر الإصلاح الذي جاء به تعديل 2024 تعزيز حق المالك في الاطلاع على الوثائق المرتبطة بالحسابات والميزانية والمصاريف والعقود، وهذه النقطة تكتسب أهمية استثنائية بالنسبة إلى المالك المقيم خارج المغرب.
فالمشكلة ليست دائماً في السؤال: كم أدفع؟ بل أحياناً في السؤال الأكثر أهمية:
لماذا أدفع هذا المبلغ؟
وما هي الخدمات التي يغطيها؟
وكيف تم تحديدها؟
وما هي المصاريف الحقيقية لاتحاد الملاك؟
وهل هذه المصاريف تعود بالنفع على جميع الأجزاء المفرزة بالطريقة نفسها؟
فالشفافية ليست مجرد مسألة محاسبية.
إنها شرط من شروط العدالة في توزيع الأعباء.
وكلما كان المالك بعيداً عن العقار، أصبحت حاجته إلى المعلومات أكبر.
سابعا: 2024 والتبليغ، حتى لا يتحول الغياب الجغرافي إلى غياب قانوني.
المالك المقيم بالخارج يواجه مشكلة عملية أخرى تتمثل في البعد الجغرافي عن الإقامة، ومن هنا تكتسب قواعد استدعاء الملاك وإخبارهم بالجمع العام والميزانية والقرارات أهمية خاصة، فالمالك الذي يعيش في ألمانيا أو فرنسا أو إسبانيا أو بلجيكا أو هولندا أو كندا لا ينبغي أن يتحول غيابه الجغرافي إلى غياب عن القرارات التي ترتب عليه التزامات مالية.
ومن هذه الزاوية، فإن تطوير قواعد التبليغ وإتاحة المعلومات يحقق للجالية حماية لم تكن مرتبطة مباشرة بقيمة الواجب، لكنها مرتبطة بحقها في المشاركة والاطلاع والاعتراض، وهنا لا مجال لتجاهل الاستفادة من وسائل الاتصال عن بعد كي يتم تبليغ المقيم خارج المغرب أو جعله حاضرا في لجموع العامة عن طريق وسائل التناظر المرئي التي أصبحت تستعمل لعقد الاجتماعات عن بعد.
ثامناً: الوساطة، منطق جديد في التعامل مع نزاعات السنديك.
من الجوانب المهمة في تعديل 2024 تعزيز منطق الصلح والوساطة في تسوية النزاعات المرتبطة بالملكية المشتركة، وهذا التطور مهم لأن النزاع بين المالك والسنديك لا يكون دائماً نزاعاً حول مبدأ الأداء.
فقد يكون النزاع حول:
قيمة المساهمة؛
طريقة احتسابها؛
طبيعة الخدمة؛
مدى استفادة الجزء المفرز منها؛
المصاريف التي تم إنفاقها؛
أو حتى عدم توصل المالك بالمعلومات والوثائق.
وفي مثل هذه الحالات، قد يكون الحل التوافقي أكثر ملاءمة من الانتقال مباشرة إلى القضاء، والأهم بالنسبة إلى مغاربة العالم أن الوساطة قد توفر آلية عملية لتسوية نزاعهم دون اضطرارهم في كل مرة إلى متابعة مسطرة قضائية طويلة من خارج المغرب.
تاسعاً: ماذا أبقى تعديل 2024 من إرث 2016؟
هنا تكمن النقطة التي يجب ألا تضيع في النقاش، فتعديل 2024 لم يأت ليضع لأول مرة معيار المنفعة، فهذا المعيار كان موجوداً منذ تعديل 2016. وبالتالي فإن التسلسل الصحيح هو:
2016 المشرع يقرر أن تكاليف الخدمات الجماعية والتجهيزات المشتركة تكون بحسب منفعتها بالنسبة لكل جزء مفرز.
2022 إثارة سؤال تنزيل هذا المبدأ على وضعية المالك المغربي المقيم بالخارج، مع اقتراح اعتماد تخفيض خاص لمساهمته.
2024 المشرع لا يعتمد قاعدة النصف، لكنه يعزز الشفافية والتبليغ والحكامة والوساطة، ويترك معيار المنفعة قائماً دون وضع نظام خاص للمالك غير المقيم.
وهذا التسلسل، في اعتقادي، هو القراءة الأكثر دقة للتطور التشريعي.
عاشرا: هل كان عدم اعتماد قاعدة النصف موقفاً صائبا، ولماذا تراجعت عن هذا الاقتراح؟
بعد مرور السنوات، يمكن إعادة تقييم المقترح الذي قدمناه سنة 2022، فالنسبة الثابتة حتى وإن كانت سهلة التطبيق، قد لا تكون عادلة في جميع الحالات، فليس كل مالك مقيم في المغرب يستعمل جميع الخدمات بنفس الدرجة، وليس كل مالك مقيم بالخارج يستعمل العقار بدرجة واحدة، وقد تختلف الإقامات نفسها من حيث عدد المصاعد، ووجود المسابح، والحراسة، والمواقف، والمساحات الخضراء، والتجهيزات الجماعية وغيرها،
هذا ما يجعلني أن أتراجع عاى اقتراحي، وأقول اليوم أنه من الأفضل الانتقال من فكرة: الجالية تؤدي نصف الواجب، إلى فكرة أكثر دقة:
"كل مالك يساهم في كل تكلفة بحسب طبيعتها وبحسب منفعة الخدمة بالنسبة إلى الجزء المفرز، ويتم تحديد هذا كله من خلال النظام الداخلي للملكية المشتركة لأن الحالات لا تتشابه دائما"
وهذا يقينا لا يلغي خصوصية الجالية، لكنه يجعل المعالجة أكثر انسجاماً مع مبدأ المساواة والموضوعية.
حادي عشر: من "واجب السنديك" إلى "تركيب واجب السنديك"
ربما تكون المشكلة الأساسية أن الواجب الشهري للسنديك يُنظر إليه في الممارسة باعتباره مبلغا واحدا، بينما هو في الحقيقة مجموعة من النفقات المختلفة، ولهذا يمكن التفكير في تقسيم التكاليف إلى ثلاث فئات:
تكاليف مرتبطة بالملكية
وهي التكاليف التي يتحملها المالك لمجرد كونه مالكاً، ولا تزول بمجرد غيابه عن العقار.
تكاليف مرتبطة بالمنفعة
وهي التي ينبغي أن يراعى في توزيعها مدى استفادة كل جزء مفرز من الخدمة أو التجهيز.
تكاليف مرتبطة بالاستعمال
وهي التي يمكن، متى كان ذلك ممكناً، قياسها أو ربطها بدرجة الاستعمال الفعلي.
وبهذا التصور، يصبح بالإمكان تطبيق معيار المنفعة بصورة أكثر دقة، بدلاً من اختزال كل المصاريف في مبلغ شهري موحد.
ثاني عشر: لماذا يهم هذا النقاش اليوم أكثر من سنة 2022؟
لأن قضية الملكية المشتركة لم تعد قضية هامشية بالنسبة إلى مغاربة العالم، فأعداد كبيرة من أفراد الجالية تملك عقارات بالمغرب، وكثير من هذه العقارات يوجد داخل إقامات خاضعة لنظام الملكية المشتركة، والإشكال لا يتعلق فقط بالواجبات، إنه يتعلق أيضاً بالحكامة، والشفافية، والمشاركة في اتخاذ القرار، ومراقبة السنديك، ومعرفة المصاريف، وتسوية النزاعات.
ومن ثم، فإن إصلاح نظام الملكية المشتركة ليس مجرد إصلاح تقني لإحدى القوانين العقارية.
إنه أيضاً جزء من السياسة القانونية تجاه مغاربة العالم.
ثالث عشر: تقييم تعديلات 2024.
يمكن، في تقديري، تقييم تعديل 2024 من خلال ثلاث نقاط إيجابية ونقطتين تحتاجان إلى مزيد من التطوير.
النقطة الإيجابية الأولى: تعزيز الحكامة
أصبح تدبير اتحاد الملاك أكثر ارتباطاً بالشفافية وإتاحة المعلومات والوثائق.
النقطة الإيجابية الثانية: تحسين موقع المالك
لم يعد المالك مجرد شخص مطالب بالأداء، بل له حقوق مرتبطة بالاطلاع والمشاركة ومراقبة تدبير الاتحاد.
النقطة الإيجابية الثالثة: تشجيع التسوية الودية.
إدماج الصلح والوساطة يمكن أن يساهم في الحد من النزاعات القضائية، خصوصاً في العلاقات التي تستمر لسنوات بين الملاك واتحادهم.
لكن هناك نقطتان بقيتا دون حسم.
الأولى: لم يضع المشرع منهجية تفصيلية لكيفية قياس "المنفعة" الواردة في المادة 36.
الثانية: لم يضع نظاما خاصً وواضحاً للمالك غير المقيم، رغم الخصوصية العملية لهذه الفئة.
وهنا تظل الحاجة قائمة إلى تطوير تشريعي أو تنظيمي لاحق.
رابع عشر: ماذا ينبغي أن يكون عليه الإصلاح المقبل؟
لا أعتقد أن المطلوب اليوم بالضرورة هو العودة حرفياً إلى اقتراح سنة 2022 القاضي بنصف الواجب، بل ينبغي التفكير في نظام أكثر مرونة وإنصافا يقوم على:
أولا: تحديد واضح للتكاليف التي ترتبط بالملكية في حد ذاتها.
ثانيا: تحديد الخدمات التي تخضع لمعيار المنفعة.
ثالثا: وضع معايير عملية لتحديد هذه المنفعة.
رابعا: تعزيز حق المالك في الاطلاع على كل ما يبرر المساهمة المطلوبة منه.
خامسا: تطوير المشاركة عن بعد للمالكين المقيمين خارج المغرب.
سادسا: التفكير في وسائل رقمية لتدبير العلاقة بين السنديك والملاك، بما يتيح للمالك الموجود خارج المغرب متابعة وضعية حسابه وقرارات الجمع العام ووثائق المصاريف.
خاتمة: ما بين 2016 و2024 وما بعدهما.
عندما كتبنا سنة 2022 عن واجبات السنديك بالنسبة إلى مغاربة العالم، كان السؤال يبدو في ظاهره سؤالا عن تخفيض مبلغ الأداء، لكن العودة اليوم إلى النصوص تكشف أن السؤال أعمق بكثير، فالمشرع المغربي كان قد وضع منذ سنة 2016 مبدأ مهما:
الخدمات الجماعية والتجهيزات المشتركة لا تقاس مساهمة المالك فيها بمعيار التساوي المجرد، وإنما بحسب منفعتها بالنسبة إلى الجزء المفرز.
ثم جاءت سنة 2022 لأطرح ضرورة تفعيل هذا المنطق بالنسبة إلى فئة واسعة من المالكين الذين لا يستعملون عقاراتهم إلا بصورة موسمية.
ثم جاءت سنة 2024 لتطور الإطار القانوني من خلال تعزيز الحكامة والشفافية والتبليغ والوساطة، دون أن تعتمد قاعدة خاصة بمغاربة العالم.
وهذا ليس بالضرورة قصوراً في التشريع، فقد يكون عدم اعتماد نسبة ثابتة أكثر انسجاما مع اختلاف الحالات.
لكن ما يزال هناك سؤال تشريعي مفتوح:
كيف ننتقل من الاعتراف بمبدأ "المنفعة" إلى وضع معايير ومؤشرات عملية لقياسها وتطبيقها؟
ذلك أن المساواة ليست دائماً أن يؤدي الجميع المبلغ نفسه، كما أن العدالة لا تعني إعفاء أحد من التضامن الذي تفرضه الملكية المشتركة.
العدالة والإنصاف هي أن يكون لكل مبلغ يؤديه المالك أساس قانوني واضح، ومبرر واقعي، وعلاقة معقولة بالتكلفة أو الخدمة التي يتحملها اتحاد الملاك.
ومن هنا، فإن ما كتبناه سنة 2022 لا يفقد راهنيته بعد تعديل 2024، بل يأخذ معنى ومنحى جديد:
لم تعد القضية فقط "هل يؤدي مغربي العالم نصف واجب السنديك؟"
وإنما أصبحت: هل أصبح نظام الملكية المشتركة المغربي قادر على توزيع الأعباء بحسب طبيعة الملكية والمنفعة الفعلية للخدمات، وبما يحقق العدالة بين جميع الملاك، مقيمين وغير مقيمين؟
هذا هو السؤال الذي تركه تعديل 2024 مفتوحا، وربما يكون هو السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه الإصلاح التشريعي المقبل.
الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
الجالية وواقع شقق الملكية المشتركة: نحو إقتسام منصف لأعباء السنديك بين المقيمين ومغاربة العالم


