مقدمة
تكتسي الرقابة الدستورية على القوانين أهمية بالغة في النظام الدستوري المغربي، باعتبارها إحدى أهم الضمانات المؤسساتية لاحترام سمو الدستور وخضوع السلط العمومية لأحكامه[1]. وإذا كانت هذه الرقابة تنصب في أصلها، على مدى مطابقة النصوص التشريعية لمقتضيات الوثيقة الدستورية فإن ممارستها تفترض، قبل الخوض في مضمون النص المحال، استجماع الشروط الشكلية والإجرائية التي تجعل من الإحالة الدستورية إحالة صحيحة ومكتملة.
وفي هذا السياق يندرج قرار المحكمة الدستورية عدد 277/26 بتاريخ 10 غشت 2026 بشأن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة[2]. فقد كان منتظراً أن يشكل هذا القرار مناسبة لحسم عدد من الإشكالات الدستورية التي أثارتها مقتضيات المشروع، بالنظر إلى الجدل المهني والحقوقي[3] الذي واكب مساره التشريعي، غير أن المحكمة الدستورية لم تنتقل إلى فحص مضمون النص، وإنما وقفت عند سلامة الإحالة ذاتها، وانتهت إلى تعذر البت في الإحالة على حالها بسبب عدم إرفاق النص التشريعي النهائي الذي صادق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية
وتبرز أهمية هذا القرار في كونه يسلط الضوء على طبيعة الرقابة الدستورية السابقة، وعلى العلاقة بين المحكمة الدستورية والسلطة التشريعية، كما يثير تساؤلات دقيقة حول مفهوم الإحالة الصحيحة، وحدود سلطة المحكمة في استكمال عناصر الملف المعروض عليها، والآثار القانونية المترتبة عن قرار "تعذر البت"
وعلى ضوء ما يثيره قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 من إشكالات تتصل بحدود الرقابة السابقة على دستورية القوانين، وبخاصة ما يرتبط بشروط الإحالة وآثار عدم استيفائها لمتطلباتها الشكلية، يثور التساؤل حول مدى أولوية الاعتبارات المسطرية في عمل المحكمة الدستورية، ومدى انسجام ذلك مع وظيفتها الأصلية المتمثلة في ضمان سمو الدستور وحماية الحقوق والحريات. ومن ثم، إلى أي حد أفضى تغليب الجانب المسطري في القرار المذكور إلى الحد من فعالية الرقابة الدستورية على مشروع قانون مهنة المحاماة؟
ولمحاولة مقاربة الإشكالية أعلاه تم الاهتداء الى التقسيم الاتي:
المطلب لأول: سلامة الإحالة كمدخل لممارسة الرقابة الدستورية السابقة
المطلب الثاني: تعذر البت وآثاره القانونية والمؤسساتية
المطلب الأول: سلامة الإحالة كمدخل لممارسة الرقابة الدستورية السابقة
تشكل الرقابة الدستورية السابقة آلية أساسية لضمان سمو الدستور والتحقق من مطابقة القوانين لأحكامه قبل إصدارها. غير أن ممارسة هذه الرقابة تظل رهينة باحترام شروطها الدستورية والإجرائية، وفي مقدمتها سلامة الإحالة وتحديد النص التشريعي النهائي محل الرقابة.
وتبرز أهمية ذلك في قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الذي أثار إشكالية الإحالة الصحيحة قبل الانتقال إلى فحص مضمون قانون تنظيم مهنة المحاماة.
الفقرة الأولى: الإطار الدستوري للرقابة السابقة على القوانين
خول الفصل 132 من دستور المملكة للمحكمة الدستورية صلاحية النظر في مدى مطابقة القوانين للدستور قبل إصدار الأمر بتنفيذها، بناء على إحالة من الجهات المخول لها دستورياً ذلك[4]، ومن بينها رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين.
وتندرج هذه الرقابة ضمن ما يعرف بالرقابة القبلية أو السابقة، التي تتم قبل دخول القانون حيز التنفيذ، بخلاف الرقابة اللاحقة المرتبطة بالدفع بعدم دستورية قانون أثناء تطبيقه.
غير أن ممارسة هذه الرقابة لا تتم بصورة مجردة، بل تقتضي أن يكون النص المعروض على المحكمة هو ذاته النص الذي استكمل المسطرة التشريعية وأصبح جاهزاً للإصدار، فالمحكمة لا تراقب مشروعاً في طور النقاش، ولا نسخة سابقة من النص، وإنما تراقب مشروع القانون في صيغته النهائية.
ومن هنا تتضح أهمية الوثيقة التشريعية المرفقة بالإحالة، باعتبارها الوعاء الذي يحدد بدقة موضوع الرقابة الدستورية.
يتبين من القرار رقم 277/26 م.د أن المحكمة الدستورية عاينت أن ملف الإحالة لم يتضمن النص الذي وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية، رغم أن هذا النص هو الذي يمثل الصيغة النهائية للمشروع بعد استكمال مساره البرلماني
وبدل ذلك، تضمن الملف تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، والنص الذي وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية.
وهنا ميزت المحكمة، بصورة ضمنية ولكن واضحة، بين الوثائق المرافقة للمسار التشريعي وبين النص التشريعي محل الرقابة، فالتقارير البرلمانية، مهما كانت أهميتها في تفسير إرادة المشرع، لا يمكن أن تحل محل النص القانوني النهائي.
ويكشف هذا التعليل عن توجه دقيق للمحكمة، مؤداه أن اختصاصها لا ينصرف إلى إعادة بناء النص أو استنتاج مضمونه من وثائق متفرقة، وإنما إلى مراقبة نص محدد ومكتمل.
ومن ثم، فإن سلامة الإحالة لا تعد مجرد إجراء شكلي ثانوي، بل تمثل شرطاً جوهرياً لممارسة الاختصاص الدستوري للقاضي الدستوري.
الفقرة الثانية: أوجه تعذر البت في ضوء اجتهادات المحكمة الدستورية خلال الفترة 2011–2026
أفرز الاجتهاد الدستوري المغربي مفهوم «تعذر البت»[5] باعتباره نتيجة لقيام موانع قانونية أو مسطرية تحول دون انتقال القاضي الدستوري (المحكمة الدستورية المجلس الدستوري) إلى فحص جوهر النص المحال عليها. وقد تعددت صور هذا التعذر منذ دستور 2011، بحسب طبيعة العائق الذي يحول دون ممارسة الرقابة، سواء تعلق بسلامة الإحالة، أو باحترام الإجراءات الدستورية الجوهرية، أو باكتمال الإطار القانوني الناظم للاختصاص. وهو ما يقتضي الوقوف على أبرز هذه الصور في ضوء اجتهادات المحكمة الدستورية خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2026.
أولا: تعذر البت بسبب عيب في الإحالة وعدم استيفاء متطلباتها الشكلية
يقصد بتعذر البت في هذه الحالة أن الخلل لا يتعلق بمضمون النص المحال أو بمدى مطابقته للدستور، وإنما يشوب مسطرة الإحالة ذاتها، لعدم استيفائها الشروط والضوابط الشكلية التي تتيح للجهة الدستورية ممارسة رقابتها على نحو سليم. ومن ثم، فإن عدم استكمال متطلبات الإحالة يحول دون مباشرة الرقابة في جوهرها، فيتعذر على القاضي الدستوري البت في مدى مطابقة النص للدستور، دون أن ينطوي ذلك على موقف موضوعي من دستورية مقتضياته.
ويجسد القرار رقم 928/13 الصادر في 14 نونبر 2013 بشأن النظام الداخلي لمجلس المستشارين أبرز صور هذه الحالة، إذ ربط المجلس الدستوري تعذر البت بعدم استيفاء الإحالة لمتطلباتها الشكلية اللازمة لممارسة الرقابة الدستورية، حيث اعتبر أن هذا النظام يشكل وحدة متكاملة ومترابطة، وأن إحالته في صورة تعديلات على النص الأصلي، دون إرفاقها بالنص الكامل لمقتضياته، لا تُمكّنه من ممارسة رقابته الدستورية على نحو سليم. ولذلك، خلص القاضي الدستوري إلى أنه "يتعذر البت في مطابقته للدستور على الحال".
ثانيا: تعذر البت بسبب عدم استكمال الإطار القانوني لممارسة الاختصاص الدستوري
يقصد بهذه الحالة أن تعذر البت لا يرجع إلى مضمون النص المحال، وإنما إلى عدم اكتمال المقتضيات القانونية والتنظيمية اللازمة لتمكين الجهة الدستورية من ممارسة اختصاصها على النحو الذي حدده الدستور. وبالتالي، فإن غياب أو عدم استكمال الإطار القانوني المؤطر للاختصاص قد يحول دون مباشرة الرقابة الدستورية، إلى حين استيفاء الشروط القانونية اللازمة لممارستها.
يتجلى هذا الوجه بصورة واضحة في قرار المحكمة الدستورية رقم 18/029 الصادر في 12 يونيو 2018 بشأن طلب فحص دستورية المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية.[6]
فقد ربطت المحكمة ممارسة اختصاصها في مجال الدفع بعدم دستورية قانون بصدور القانون التنظيمي الذي يحدد شروط وإجراءات ممارسة هذا الدفع. ولما كان هذا القانون التنظيمي لم يصدر بعد، خلصت المحكمة إلى أنه "يتعذر على الحال، الاستجابة للطلب"، وقضت بتعذر البت فيه.
وتكشف هذه الحالة أن تعذر البت قد لا يكون مرده إلى عيب في النص موضوع الرقابة، وإنما إلى عدم اكتمال الإطار التشريعي الذي يسمح للمحكمة بمباشرة الاختصاص المعروض عليها.
ثالثا: تعذر البت بسبب عدم احترام الإجراءات الدستورية الجوهرية
يقصد بهذه الحالة أن تعذر البت يرتبط بإخلال النص أو مسطرة إعداده بإجراءات دستورية جوهرية يتوقف عليها استكمال شروط الرقابة الدستورية. فمتى كانت هذه الإجراءات من المتطلبات الأساسية لصحة الإحالة أو لإعداد النص، فإن عدم احترامها قد يحول دون تمكين المحكمة من ممارسة اختصاصها الرقابي، فتصرح بتعذر البت دون أن يعني ذلك حسمًا في مدى دستورية مضمون النص.
يمثل قرار المحكمة الدستورية رقم 31/17 بتاريخ 27 يوليوز 2017 نموذجاً بارزاً لهذا الاتجاه، بمناسبة فحص النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
فقد اعتبرت المحكمة أن الإجراءات المتعلقة بوضع النظام الداخلي وتعديله تشكل «قواعد شكلية جوهرية»، وأن عدم تضمين النظام الداخلي الإجراءات الواجب التقيد بها أثناء وضعه وتعديله حال دون إمكانية البت فيه. ولذلك صرحت المحكمة بتعذر البت في مطابقته للدستور وللقانونين التنظيميين المعنيين.
وهنا تكتسب المسطرة قيمة دستورية مستقلة، إذ لم تتعامل المحكمة معها باعتبارها مجرد شكليات، وإنما باعتبارها جزءاً من الضمانات التي تحكم إنتاج القواعد القانونية.
المطلب الثاني: تعذر البت وآثاره القانونية والمؤسساتية
يترتب عن تعذر البت عدد من الآثار القانونية والمؤسساتية التي تتصل بمآل النص المحال وبممارسة الاختصاص الدستوري، وتختلف باختلاف طبيعة التعذر وأسبابه، بما يستدعي بيان انعكاساته على المستويين القانوني والمؤسساتي.
الفقرة الأولى: الآثار القانونية والدلالات المؤسساتية لقرار "تعذر البت"
ينتج عن قرار "تعذر البت" عدد من الآثار القانونية والمؤسساتية، لكونه يؤثر في مآل النص موضوع الإحالة وفي حدود ممارسة المحكمة لاختصاصها الرقابي، كما ينعكس على طبيعة العلاقة الدستورية بين المحكمة والجهة المحيلة.
أولا: الآثار القانونية لقرار "تعذر البت"
يترتب عن قرار تعذر البت عدد من النتائج:
أ): بقاء النص دون حكم دستوري في مضمونه
يترتب عن قرار «تعذر البت» أن النص المحال لا يخضع لفحص موضوعي من جانب المحكمة الدستورية، ومن ثم لا يصدر بشأنه حكم يقضي بمطابقته للدستور أو بعدم مطابقته له. ويظل نطاق القرار محصورًا في بيان العائق الذي حال دون ممارسة الرقابة الدستورية، دون أن يمتد إلى تقييم مضمون المقتضيات موضوع الإحالة..
ب): عدم استنتاج موقف للمحكمة بشأن المقتضيات المثيرة للجدل
لا يجوز اعتبار قرار «تعذر البت» موقفًا ضمنيًا من دستورية المقتضيات التي قد تكون محل خلاف أو طعن، ذلك أن المحكمة لم تباشر فحصها الموضوعي ولم تُبدِ رأيًا بشأن مدى انسجامها مع أحكام الدستور. وعليه، فإن ما يرد في القرار من تعليل يظل مرتبطًا بأسباب التعذر، ولا يمكن تأويله باعتباره حكمًا مسبقًا في دستورية النص أو بعض مقتضياته.
د): إمكانية إعادة الإحالة بعد استكمال شروطها
لا يحول قرار «تعذر البت»، من حيث الأصل، دون إعادة إحالة النص متى تم تدارك أوجه القصور التي حالت دون ممارسة المحكمة لاختصاصها، واستُكملت عناصر الإحالة وفقا للمقتضيات الدستورية والقانونية الواجبة التطبيق. وبذلك، تظل إمكانية مباشرة الرقابة الدستورية قائمة متى أصبح النص المحال مستوفيًا للشروط التي تمكن المحكمة من فحصه على أساس صورته النهائية، بما يتيح لها ممارسة اختصاصها الرقابي بصورة مكتملة.
عموما، إن قرار "تعذر البت" لا يفصل في دستورية النص، وإنما يقتصر أثره على بيان عدم تمكن المحكمة من ممارسة رقابتها بسبب وجود مانع قانوني أو إجرائي. لذلك، يظل مضمون النص دون حسم دستوري، ولا يمكن اعتبار القرار موقفًا من دستورية مقتضياته. كما يبقى من الممكن إعادة إحالة النص على المحكمة بعد تصحيح أوجه القصور واستكمال شروط الإحالة، بما يتيح لها ممارسة رقابتها والفصل في مدى مطابقته للدستور.
ثانيا: الدلالات المؤسساتية للقرار
يكتسي قرار «تعذر البت» أهمية مؤسساتية تتجاوز مجرد عدم الفصل في موضوع الإحالة، لما يكشف عنه من حرص المحكمة الدستورية على ضمان سلامة ممارسة اختصاصها واحترام القواعد المؤطرة له. كما يترتب عنه توجيه عدد من الدلالات بالنسبة إلى الجهات المحيلة والمؤسسات التشريعية، يمكن إجمال أبرزها فيما يلي:
الفقرة الثانية: قراءة نقدية للقرار
تثير قراءة قرار "تعذر البت" جملة من الملاحظات النقدية التي تتصل، من جهة، بمدى ممارسة المحكمة الدستورية لاختصاصها الرقابي في ظل إحالة لم تستوفِ متطلباتها، ومن جهة أخرى، بمسؤولية الجهة المحيلة عن استكمال عناصر الإحالة، فضلًا عن الآثار المترتبة عن ذلك على سير المسطرة التشريعية والزمن المخصص لإنتاج النص القانوني. ويمكن إبراز هذه الملاحظات من خلال النقاط الآتية:
يشكل قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د بشأن مشروع القانون رقم66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة قرارا مهما من زاوية قانون القضاء الدستوري، أكثر مما هو قرار في القانون المنظم لمهنة المحاماة ذاتها.
فالمحكمة لم تحسم في دستورية المقتضيات المثيرة للجدل، وإنما أكدت أن ممارسة الرقابة الدستورية تفترض أولاً سلامة الإحالة وتحديد النص التشريعي النهائي محل الفحص. وبذلك، أعادت التأكيد على أن احترام الإجراءات الدستورية ليس مسألة شكلية هامشية، بل هو جزء من الضمانات التي تحكم عمل المؤسسات الدستورية.
وعليه، فإن القيمة الأساسية للقرار تكمن في تكريسه لمبدأ مفاده أن القاضي الدستوري لا يراقب إلا النص الذي أحيل إليه وفق الشروط التي رسمها الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، وهو ما يعزز الأمن القانوني ويحافظ على الحدود الفاصلة بين الاختصاص القضائي الدستوري والوظيفة التشريعية.
تكتسي الرقابة الدستورية على القوانين أهمية بالغة في النظام الدستوري المغربي، باعتبارها إحدى أهم الضمانات المؤسساتية لاحترام سمو الدستور وخضوع السلط العمومية لأحكامه[1]. وإذا كانت هذه الرقابة تنصب في أصلها، على مدى مطابقة النصوص التشريعية لمقتضيات الوثيقة الدستورية فإن ممارستها تفترض، قبل الخوض في مضمون النص المحال، استجماع الشروط الشكلية والإجرائية التي تجعل من الإحالة الدستورية إحالة صحيحة ومكتملة.
وفي هذا السياق يندرج قرار المحكمة الدستورية عدد 277/26 بتاريخ 10 غشت 2026 بشأن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة[2]. فقد كان منتظراً أن يشكل هذا القرار مناسبة لحسم عدد من الإشكالات الدستورية التي أثارتها مقتضيات المشروع، بالنظر إلى الجدل المهني والحقوقي[3] الذي واكب مساره التشريعي، غير أن المحكمة الدستورية لم تنتقل إلى فحص مضمون النص، وإنما وقفت عند سلامة الإحالة ذاتها، وانتهت إلى تعذر البت في الإحالة على حالها بسبب عدم إرفاق النص التشريعي النهائي الذي صادق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية
وتبرز أهمية هذا القرار في كونه يسلط الضوء على طبيعة الرقابة الدستورية السابقة، وعلى العلاقة بين المحكمة الدستورية والسلطة التشريعية، كما يثير تساؤلات دقيقة حول مفهوم الإحالة الصحيحة، وحدود سلطة المحكمة في استكمال عناصر الملف المعروض عليها، والآثار القانونية المترتبة عن قرار "تعذر البت"
وعلى ضوء ما يثيره قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 من إشكالات تتصل بحدود الرقابة السابقة على دستورية القوانين، وبخاصة ما يرتبط بشروط الإحالة وآثار عدم استيفائها لمتطلباتها الشكلية، يثور التساؤل حول مدى أولوية الاعتبارات المسطرية في عمل المحكمة الدستورية، ومدى انسجام ذلك مع وظيفتها الأصلية المتمثلة في ضمان سمو الدستور وحماية الحقوق والحريات. ومن ثم، إلى أي حد أفضى تغليب الجانب المسطري في القرار المذكور إلى الحد من فعالية الرقابة الدستورية على مشروع قانون مهنة المحاماة؟
ولمحاولة مقاربة الإشكالية أعلاه تم الاهتداء الى التقسيم الاتي:
المطلب لأول: سلامة الإحالة كمدخل لممارسة الرقابة الدستورية السابقة
المطلب الثاني: تعذر البت وآثاره القانونية والمؤسساتية
المطلب الأول: سلامة الإحالة كمدخل لممارسة الرقابة الدستورية السابقة
تشكل الرقابة الدستورية السابقة آلية أساسية لضمان سمو الدستور والتحقق من مطابقة القوانين لأحكامه قبل إصدارها. غير أن ممارسة هذه الرقابة تظل رهينة باحترام شروطها الدستورية والإجرائية، وفي مقدمتها سلامة الإحالة وتحديد النص التشريعي النهائي محل الرقابة.
وتبرز أهمية ذلك في قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الذي أثار إشكالية الإحالة الصحيحة قبل الانتقال إلى فحص مضمون قانون تنظيم مهنة المحاماة.
الفقرة الأولى: الإطار الدستوري للرقابة السابقة على القوانين
خول الفصل 132 من دستور المملكة للمحكمة الدستورية صلاحية النظر في مدى مطابقة القوانين للدستور قبل إصدار الأمر بتنفيذها، بناء على إحالة من الجهات المخول لها دستورياً ذلك[4]، ومن بينها رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين.
وتندرج هذه الرقابة ضمن ما يعرف بالرقابة القبلية أو السابقة، التي تتم قبل دخول القانون حيز التنفيذ، بخلاف الرقابة اللاحقة المرتبطة بالدفع بعدم دستورية قانون أثناء تطبيقه.
غير أن ممارسة هذه الرقابة لا تتم بصورة مجردة، بل تقتضي أن يكون النص المعروض على المحكمة هو ذاته النص الذي استكمل المسطرة التشريعية وأصبح جاهزاً للإصدار، فالمحكمة لا تراقب مشروعاً في طور النقاش، ولا نسخة سابقة من النص، وإنما تراقب مشروع القانون في صيغته النهائية.
ومن هنا تتضح أهمية الوثيقة التشريعية المرفقة بالإحالة، باعتبارها الوعاء الذي يحدد بدقة موضوع الرقابة الدستورية.
يتبين من القرار رقم 277/26 م.د أن المحكمة الدستورية عاينت أن ملف الإحالة لم يتضمن النص الذي وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية، رغم أن هذا النص هو الذي يمثل الصيغة النهائية للمشروع بعد استكمال مساره البرلماني
وبدل ذلك، تضمن الملف تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، والنص الذي وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية.
وهنا ميزت المحكمة، بصورة ضمنية ولكن واضحة، بين الوثائق المرافقة للمسار التشريعي وبين النص التشريعي محل الرقابة، فالتقارير البرلمانية، مهما كانت أهميتها في تفسير إرادة المشرع، لا يمكن أن تحل محل النص القانوني النهائي.
ويكشف هذا التعليل عن توجه دقيق للمحكمة، مؤداه أن اختصاصها لا ينصرف إلى إعادة بناء النص أو استنتاج مضمونه من وثائق متفرقة، وإنما إلى مراقبة نص محدد ومكتمل.
ومن ثم، فإن سلامة الإحالة لا تعد مجرد إجراء شكلي ثانوي، بل تمثل شرطاً جوهرياً لممارسة الاختصاص الدستوري للقاضي الدستوري.
الفقرة الثانية: أوجه تعذر البت في ضوء اجتهادات المحكمة الدستورية خلال الفترة 2011–2026
أفرز الاجتهاد الدستوري المغربي مفهوم «تعذر البت»[5] باعتباره نتيجة لقيام موانع قانونية أو مسطرية تحول دون انتقال القاضي الدستوري (المحكمة الدستورية المجلس الدستوري) إلى فحص جوهر النص المحال عليها. وقد تعددت صور هذا التعذر منذ دستور 2011، بحسب طبيعة العائق الذي يحول دون ممارسة الرقابة، سواء تعلق بسلامة الإحالة، أو باحترام الإجراءات الدستورية الجوهرية، أو باكتمال الإطار القانوني الناظم للاختصاص. وهو ما يقتضي الوقوف على أبرز هذه الصور في ضوء اجتهادات المحكمة الدستورية خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2026.
أولا: تعذر البت بسبب عيب في الإحالة وعدم استيفاء متطلباتها الشكلية
يقصد بتعذر البت في هذه الحالة أن الخلل لا يتعلق بمضمون النص المحال أو بمدى مطابقته للدستور، وإنما يشوب مسطرة الإحالة ذاتها، لعدم استيفائها الشروط والضوابط الشكلية التي تتيح للجهة الدستورية ممارسة رقابتها على نحو سليم. ومن ثم، فإن عدم استكمال متطلبات الإحالة يحول دون مباشرة الرقابة في جوهرها، فيتعذر على القاضي الدستوري البت في مدى مطابقة النص للدستور، دون أن ينطوي ذلك على موقف موضوعي من دستورية مقتضياته.
ويجسد القرار رقم 928/13 الصادر في 14 نونبر 2013 بشأن النظام الداخلي لمجلس المستشارين أبرز صور هذه الحالة، إذ ربط المجلس الدستوري تعذر البت بعدم استيفاء الإحالة لمتطلباتها الشكلية اللازمة لممارسة الرقابة الدستورية، حيث اعتبر أن هذا النظام يشكل وحدة متكاملة ومترابطة، وأن إحالته في صورة تعديلات على النص الأصلي، دون إرفاقها بالنص الكامل لمقتضياته، لا تُمكّنه من ممارسة رقابته الدستورية على نحو سليم. ولذلك، خلص القاضي الدستوري إلى أنه "يتعذر البت في مطابقته للدستور على الحال".
ثانيا: تعذر البت بسبب عدم استكمال الإطار القانوني لممارسة الاختصاص الدستوري
يقصد بهذه الحالة أن تعذر البت لا يرجع إلى مضمون النص المحال، وإنما إلى عدم اكتمال المقتضيات القانونية والتنظيمية اللازمة لتمكين الجهة الدستورية من ممارسة اختصاصها على النحو الذي حدده الدستور. وبالتالي، فإن غياب أو عدم استكمال الإطار القانوني المؤطر للاختصاص قد يحول دون مباشرة الرقابة الدستورية، إلى حين استيفاء الشروط القانونية اللازمة لممارستها.
يتجلى هذا الوجه بصورة واضحة في قرار المحكمة الدستورية رقم 18/029 الصادر في 12 يونيو 2018 بشأن طلب فحص دستورية المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية.[6]
فقد ربطت المحكمة ممارسة اختصاصها في مجال الدفع بعدم دستورية قانون بصدور القانون التنظيمي الذي يحدد شروط وإجراءات ممارسة هذا الدفع. ولما كان هذا القانون التنظيمي لم يصدر بعد، خلصت المحكمة إلى أنه "يتعذر على الحال، الاستجابة للطلب"، وقضت بتعذر البت فيه.
وتكشف هذه الحالة أن تعذر البت قد لا يكون مرده إلى عيب في النص موضوع الرقابة، وإنما إلى عدم اكتمال الإطار التشريعي الذي يسمح للمحكمة بمباشرة الاختصاص المعروض عليها.
ثالثا: تعذر البت بسبب عدم احترام الإجراءات الدستورية الجوهرية
يقصد بهذه الحالة أن تعذر البت يرتبط بإخلال النص أو مسطرة إعداده بإجراءات دستورية جوهرية يتوقف عليها استكمال شروط الرقابة الدستورية. فمتى كانت هذه الإجراءات من المتطلبات الأساسية لصحة الإحالة أو لإعداد النص، فإن عدم احترامها قد يحول دون تمكين المحكمة من ممارسة اختصاصها الرقابي، فتصرح بتعذر البت دون أن يعني ذلك حسمًا في مدى دستورية مضمون النص.
يمثل قرار المحكمة الدستورية رقم 31/17 بتاريخ 27 يوليوز 2017 نموذجاً بارزاً لهذا الاتجاه، بمناسبة فحص النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
فقد اعتبرت المحكمة أن الإجراءات المتعلقة بوضع النظام الداخلي وتعديله تشكل «قواعد شكلية جوهرية»، وأن عدم تضمين النظام الداخلي الإجراءات الواجب التقيد بها أثناء وضعه وتعديله حال دون إمكانية البت فيه. ولذلك صرحت المحكمة بتعذر البت في مطابقته للدستور وللقانونين التنظيميين المعنيين.
وهنا تكتسب المسطرة قيمة دستورية مستقلة، إذ لم تتعامل المحكمة معها باعتبارها مجرد شكليات، وإنما باعتبارها جزءاً من الضمانات التي تحكم إنتاج القواعد القانونية.
المطلب الثاني: تعذر البت وآثاره القانونية والمؤسساتية
يترتب عن تعذر البت عدد من الآثار القانونية والمؤسساتية التي تتصل بمآل النص المحال وبممارسة الاختصاص الدستوري، وتختلف باختلاف طبيعة التعذر وأسبابه، بما يستدعي بيان انعكاساته على المستويين القانوني والمؤسساتي.
الفقرة الأولى: الآثار القانونية والدلالات المؤسساتية لقرار "تعذر البت"
ينتج عن قرار "تعذر البت" عدد من الآثار القانونية والمؤسساتية، لكونه يؤثر في مآل النص موضوع الإحالة وفي حدود ممارسة المحكمة لاختصاصها الرقابي، كما ينعكس على طبيعة العلاقة الدستورية بين المحكمة والجهة المحيلة.
أولا: الآثار القانونية لقرار "تعذر البت"
يترتب عن قرار تعذر البت عدد من النتائج:
أ): بقاء النص دون حكم دستوري في مضمونه
يترتب عن قرار «تعذر البت» أن النص المحال لا يخضع لفحص موضوعي من جانب المحكمة الدستورية، ومن ثم لا يصدر بشأنه حكم يقضي بمطابقته للدستور أو بعدم مطابقته له. ويظل نطاق القرار محصورًا في بيان العائق الذي حال دون ممارسة الرقابة الدستورية، دون أن يمتد إلى تقييم مضمون المقتضيات موضوع الإحالة..
ب): عدم استنتاج موقف للمحكمة بشأن المقتضيات المثيرة للجدل
لا يجوز اعتبار قرار «تعذر البت» موقفًا ضمنيًا من دستورية المقتضيات التي قد تكون محل خلاف أو طعن، ذلك أن المحكمة لم تباشر فحصها الموضوعي ولم تُبدِ رأيًا بشأن مدى انسجامها مع أحكام الدستور. وعليه، فإن ما يرد في القرار من تعليل يظل مرتبطًا بأسباب التعذر، ولا يمكن تأويله باعتباره حكمًا مسبقًا في دستورية النص أو بعض مقتضياته.
د): إمكانية إعادة الإحالة بعد استكمال شروطها
لا يحول قرار «تعذر البت»، من حيث الأصل، دون إعادة إحالة النص متى تم تدارك أوجه القصور التي حالت دون ممارسة المحكمة لاختصاصها، واستُكملت عناصر الإحالة وفقا للمقتضيات الدستورية والقانونية الواجبة التطبيق. وبذلك، تظل إمكانية مباشرة الرقابة الدستورية قائمة متى أصبح النص المحال مستوفيًا للشروط التي تمكن المحكمة من فحصه على أساس صورته النهائية، بما يتيح لها ممارسة اختصاصها الرقابي بصورة مكتملة.
عموما، إن قرار "تعذر البت" لا يفصل في دستورية النص، وإنما يقتصر أثره على بيان عدم تمكن المحكمة من ممارسة رقابتها بسبب وجود مانع قانوني أو إجرائي. لذلك، يظل مضمون النص دون حسم دستوري، ولا يمكن اعتبار القرار موقفًا من دستورية مقتضياته. كما يبقى من الممكن إعادة إحالة النص على المحكمة بعد تصحيح أوجه القصور واستكمال شروط الإحالة، بما يتيح لها ممارسة رقابتها والفصل في مدى مطابقته للدستور.
ثانيا: الدلالات المؤسساتية للقرار
يكتسي قرار «تعذر البت» أهمية مؤسساتية تتجاوز مجرد عدم الفصل في موضوع الإحالة، لما يكشف عنه من حرص المحكمة الدستورية على ضمان سلامة ممارسة اختصاصها واحترام القواعد المؤطرة له. كما يترتب عنه توجيه عدد من الدلالات بالنسبة إلى الجهات المحيلة والمؤسسات التشريعية، يمكن إجمال أبرزها فيما يلي:
- تكريس صرامة المحكمة في احترام شروط الإحالة: يؤكد القرار أن متطلبات الإحالة ليست مجرد شكليات ثانوية، بل تشكل شروطًا أساسية لتمكين المحكمة الدستورية من ممارسة اختصاصها الرقابي بصورة سليمة، وذلك بصرف النظر عن طبيعة النص المحال أو أهميته.
- تعزيز مسؤولية المؤسسات التشريعية: يبرز القرار ضرورة تحلي الجهات المحيلة بالدقة في إعداد ملفات الإحالة، من خلال تقديم النصوص والوثائق اللازمة بصورة كاملة ونهائية، بما يضمن تمكين المحكمة من تحديد نطاق رقابتها ومباشرة اختصاصها على أساس سليم.
- إبراز البعد الإجرائي للرقابة الدستورية: يكرس القرار أن الرقابة الدستورية لا تنصرف فقط إلى فحص مضمون النصوص، وإنما تشمل كذلك التحقق من احترام القواعد والإجراءات المرتبطة بممارسة الاختصاص الرقابي.
- تعزيز المشروعية المؤسساتية: يسهم القرار في ترسيخ مبدأ احترام القواعد الدستورية والإجرائية الناظمة للعلاقة بين المحكمة الدستورية وباقي المؤسسات، بما يضمن ممارسة الرقابة الدستورية في إطار منضبط وسليم.
- ضمان فعالية الرقابة الدستورية: يكشف القرار أن سلامة الرقابة الدستورية لا تتوقف على اختصاص المحكمة فحسب، وإنما ترتبط أيضا باستيفاء الشروط التي تتيح لها ممارسة هذا الاختصاص بصورة فعالة ومتكاملة.
الفقرة الثانية: قراءة نقدية للقرار
تثير قراءة قرار "تعذر البت" جملة من الملاحظات النقدية التي تتصل، من جهة، بمدى ممارسة المحكمة الدستورية لاختصاصها الرقابي في ظل إحالة لم تستوفِ متطلباتها، ومن جهة أخرى، بمسؤولية الجهة المحيلة عن استكمال عناصر الإحالة، فضلًا عن الآثار المترتبة عن ذلك على سير المسطرة التشريعية والزمن المخصص لإنتاج النص القانوني. ويمكن إبراز هذه الملاحظات من خلال النقاط الآتية:
- ممارسة المحكمة الدستورية لاختصاصها الرقابي:
يمكن النظر إلى قرار تعذر البت باعتباره تعبيرًا عن ممارسة المحكمة لاختصاصها في التحقق من استيفاء الشروط اللازمة لمباشرة الرقابة الدستورية، وليس إحجامًا عن ممارسة هذا الاختصاص. فالمحكمة، عندما تتحقق من وجود عائق قانوني أو إجرائي يحول دون البت في موضوع الإحالة، إنما تمارس صلاحية تندرج ضمن وظيفتها في ضمان احترام القواعد الدستورية المؤطرة لعملها. ومع ذلك، يظل التساؤل مطروحًا حول مدى إمكانية تجاوز بعض أوجه النقص في الإحالة متى كان ذلك لا يحول فعليًا دون تحديد نطاق الرقابة وممارستها.
- مسؤولية الجهة المحيلة عن استكمال عناصر الإحالة:
يبرز القرار أن الإحالة إلى القاضي الدستوري لا تقتصر على مجرد توجيه النص إلى المحكمة الدستورية، وإنما تستلزم استيفاء المتطلبات التي تمكنها من ممارسة رقابتها بصورة كاملة. ومن هذه الزاوية، فإن إحالة رئيس مجلس النواب، متى كانت ناقصة أو لم تتضمن العناصر اللازمة، تثير مسؤولية مؤسساتية تتعلق بمدى احترام الدقة والحرص الواجبين عند إعداد ملف الإحالة، خاصة عندما يتعلق الأمر بنص تشريعي ذي أهمية عامة ومهنية واسعة. - أثر القرار على الزمن التشريعي:
يطرح تعذر البت إشكالية هدر الزمن التشريعي، إذ إن عدم استيفاء شروط الإحالة قد يؤدي إلى تعطيل مرحلة من مراحل المسطرة التشريعية دون الوصول إلى حسم موضوعي في دستورية النص. ويزداد هذا الأثر أهمية عندما يتعلق الأمر بمشاريع قوانين ترتبط بإصلاحات تشريعية منتظرة، حيث يمكن أن يؤدي تدارك أوجه القصور وإعادة الإحالة إلى استهلاك وقت تشريعي إضافي، كان من الممكن تفاديه لو تم إعداد الإحالة بصورة مكتملة منذ البداية. ومن ثم، فإن القرار يكشف عن أهمية التنسيق والدقة في ممارسة الإحالة، بما يحقق التوازن بين صرامة الرقابة الدستورية وضرورة ضمان فعالية المسار التشريعي وعدم إهدار الزمن المخصص له.
يشكل قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د بشأن مشروع القانون رقم66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة قرارا مهما من زاوية قانون القضاء الدستوري، أكثر مما هو قرار في القانون المنظم لمهنة المحاماة ذاتها.
فالمحكمة لم تحسم في دستورية المقتضيات المثيرة للجدل، وإنما أكدت أن ممارسة الرقابة الدستورية تفترض أولاً سلامة الإحالة وتحديد النص التشريعي النهائي محل الفحص. وبذلك، أعادت التأكيد على أن احترام الإجراءات الدستورية ليس مسألة شكلية هامشية، بل هو جزء من الضمانات التي تحكم عمل المؤسسات الدستورية.
وعليه، فإن القيمة الأساسية للقرار تكمن في تكريسه لمبدأ مفاده أن القاضي الدستوري لا يراقب إلا النص الذي أحيل إليه وفق الشروط التي رسمها الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، وهو ما يعزز الأمن القانوني ويحافظ على الحدود الفاصلة بين الاختصاص القضائي الدستوري والوظيفة التشريعية.
الهوامش
[1] إلى جانب الملك الذي يعتبر الضامن الأول لاحترام الدستور، اعمالا للفقرة الأولى من الفصل 42 من دستور 2011 " الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة."
[1] إلى جانب الملك الذي يعتبر الضامن الأول لاحترام الدستور، اعمالا للفقرة الأولى من الفصل 42 من دستور 2011 " الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة."
[2] يمثل صدور الأمر بتنفيذ القانون لحظة حاسمة في المسار التشريعي، إذ ينتقل النص بموجبه من مرحلة المصادقة البرلمانية إلى مرحلة اكتساب صفته كقانون داخل المنظومة القانونية المغربية. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار الأمر بالتنفيذ بمثابة «شهادة ميلاد» القانون، باعتباره الإجراء الذي يكرس وجوده القانوني ويمهد لدخوله حيز النفاذ وفقًا للشروط الدستورية والقانونية المقررة.
[3] في سياق الإضراب الذي خاضته هيئات المحامين سنة 2026 احتجاجاً على مشروع قانون مهنة المحاماة، شهدت المحاكم تأجيل عدد مهم من القضايا، بما فيها القضايا الجنائية، إلى جانب استمرار تعليق خدمات المساعدة القضائية خلال فترة الإضراب، عموما يمكن الحديث عن أهم الأضرار بالنسبة للمعتقلين:
- إطالة مدة الاعتقال الاحتياطي - المساس بحق الدفاع - تأجيل البت في طلبات الإفراج أو الوضع تحت المراقبة - تراكم الملفات الجنائية...
[4] أصحاب الصفة في إحالة القوانين العادية على أنظار القاضي الدستوري تبعا للفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور: " يمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خُمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور."
[5] جدير بالانتباه أنه، لم يكن مفهوم «تعذر البت» وليد الاجتهاد الدستوري الذي أعقب دستور 2011، إذ تكشف بعض قرارات المجلس الدستوري السابقة عن استعمال هذا الأسلوب القضائي للتعبير عن الحالات التي تحول فيها اعتبارات مسطرية أو موضوعية دون تمكينه من ممارسة اختصاصه والبت في المأخذ المعروض عليه. فقد لجأ المجلس، في بعض المنازعات الانتخابية، إلى عبارات من قبيل «يتعذر معه على المجلس الدستوري البت في المأخذ المثار» أو «يتعذر معه على المجلس الدستوري الرجوع إلى... والتحقيق في شأنها»، عندما كان المأخذ يكتنفه الغموض أو يفتقر إلى المعطيات التي تمكن المجلس من التحقق منه. ومن ثم، وإن لم يكن الأمر يتعلق آنذاك بالمفهوم ذاته الذي تبلور لاحقاً في مجال الرقابة على دستورية القوانين، فإن هذه التطبيقات تشكل إرهاصاً مبكراً لمنهج قضائي يقوم على الامتناع عن البت متى تعذر استيفاء الشروط اللازمة لمباشرة الاختصاص، وهو ما سيجد امتداده وتطوره في اجتهاد المحكمة الدستورية في ظل دستور 2011.
ومن أبرز أمثلة على ذلك:
ومن أبرز أمثلة على ذلك:
- قرار المجلس الدستوري رقم 604/05 بتاريخ 2005/03/16 : كان من حيثيات القرار " وحيث إنه، تأسيسا على ما سبق بيانه، تكون المآخذ المتعلقة بفرز الأصوات وإحصائها وإعلان النتائج غير قائمة على أساس صحيح من وجه ، وغير ذي تأثير من وجه آخر ، في شأن البحث المطلوب ، حيث إنه بناء على ما سبق بيانه، لا داعي لإجراء البحث المطلوب" لهذه الأسباب صرح المجلس الدستوري " ومن غير حاجة إلى الفصل فيما أثير من دفوع بعدم قبـول الطعن من حيث الشكل"
- قرار المجلس الدستوري رقم 610/05 بتاريخ 13/04/2005 : كان من حيثيات القرار " من جهة أولى ، إن الطاعنين لم يحددوا أرقام مكاتب التصويت التي حرم الرؤساء فيها ممثليهم من إيداع وثائق اعتمادهم ، كما لم يتم تحديد أرقام المكاتب ومقارها التي طرد منها ممثلوا اللوائح الذين تم قبول اعتمادهم ولا تلك التي امتنع الرؤساء فيها من تسجيل الملاحظات المقدمة من طرف بعض الممثلين ، أو تسليمهم نظائر المحاضر ، مما يتعذر معه على المجلس الدستوري الرجوع إلى محاضر تلك المكاتب والتحقيق في شأنها " من أجل ذلك صرح المجلس : أنه ومن غير حاجة إلى البت فيما أثاره المطعون في انتخابهم من دفوع بعدم قبول الطلب من حيث الشكل ؛
[6] العريضة المسجلة بأمانتها العامة في 28 مايو 2018، التي قدمها السيد توفيق بوعشرين، بواسطة دفاعه، طالبا فيها التصريح بعدم دستورية المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية.
الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
حين تنتصر المسطرة على الدستورية: قراءة نقدية في قرار المحكمة الدستورية 277/26 م.د بشأن القانون رقم66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة

