Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




ملاحظات على مشروع النظام الأساسي للقضاة الأستاذ هشام العمري


     



ملاحظات على مشروع النظام الأساسي للقضاة   الأستاذ هشام العمري

بتاريخ 23 أكتوبر 2013 أعلنت وزارة العدل و الحريات رسميا تقديمها لمسودة مشروع قانون تنظيمي يتعلق بالنظام الساسي للقضاة .
و أول ما يلفت الانتباه قبل دراسة مواد هذا المشروع هو التصدير الذي تم الاستهلال به و الذي ورد فيه أن المشروع صدر في إطار تنزيل مضامين ميثاق إصلاح منظومة العدالة . و أنه أعد بتشاور مع المجلس الأعلى للقضاء و تأسس بصفة خاصة على :1ـ الدستور . 2ـ التوجيهات و الخطب و الرسائل الملكية . 3ـ مضامين الميثاق 4 ـ المبادئ و المعايير الدولية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية بما يوافق روح الدستور المغربي . كما تم الاستئناس بمجموعة من القوانين و الدراسات و التقارير الوطنية و الدولية .

إلا أن المطلع على مواد مسودة المشروع , و التي حرص وزير العدل و الحريات على اعتبارها نسخة غير نهائية , و قابلة للتعديل و المراجعة , سرعان ما يكتشف وجود عدة مقتضيات تشكل تراجعا عن مكتسبات الدستور الذي يعد أسمى قانون في المملكة . و سنذكر في هذه المقالة بشكل مجمل أهم الملاحظات التي أثارت انتباهنا دونما :

أولا : مسطرة تعيين الرئيس الأول لمحكمة النقض و الوكيل العام بها .

بالرجوع إلى المادة 7 من المشروع يتبين أنها تعارض مقتضيات الدستور فيما يتعلق بتعيين القضاة , فالدستور ينص في مادته 57 على أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية هو الذي يعين القضاة .و أن الملك يوافق على هذا التعيين . و الأمر ينسحب على جميع قضاة المملكة بغض النظر عن درجاتهم أو مناصبهم . بمعنى أن الملك لا يعين القضاة مباشرة ـ و من بينهم الرئيس الأول لمحكمة النقض و الوكيل العام بها ـ , و إنما يوافق على تعيينهم . و في هذا الأمر دلالة بالغة على أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية هو المؤسسة الوحيدة التي لها صلاحية تدبير مجموع الوضعيات الفردية و المهنية للقضاة ابتداء من تعيينهم إلى غاية انتهاء مهامهم كيفما كان موقع القضاة المعنيين بالأمر , و أن الملك باعتباره الضامن لاستقلال السلطة القضائية يوافق على هذه القرارات المتخذة من طرف المجلس المذكور . و يظهر التناقض المذكور بارزا في المادة 30 من المسودة التي نصت صراحة على أنه طبقا للمادة 57 من الدستور يوافق الملك بظهير على تعيين القضاة من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية . فما هو السند القانوني و المبرر المنطقي للحياد عن هذه القاعدة الدستورية و إقرار مسطرة تعيين مخالفة بخصوص الرئيس الأول لمحكمة النقض و الوكيل العام بها ؟

ثانيا : بخصوص استحداث فئة ـ القضاة النواب ـ .

نصت المواد 8 و 9 و 28 على استحداث نوع جديد من القضاة اصطلح على تسميتهم بالقضاة النواب , و الحال أن الدستور لم ينص على هذه الفئة و ما أنزل بها من سلطان , و إنما نص على تعيين القضاة سواء كانوا قضاة أحكام أو قضاة للنيابة العامة . و هم قضاة رسميون لهم كامل الصلاحية و الأهلية لممارسة أعمالهم و مزاولة اختصاصاتهم طبقا للدستور , و تبعا لذلك فإنهم لا يعزلون إلا بقانون .أما فئة القضاة النواب التي استحدثها المشروع الوزاري فهي فئة هجينة : فهؤلاء النواب هم قضاة مؤقتون , لا هم بالقضاة الرسميين و لا هم بالقضاة المتدربين , يقومون بكل الصلاحيات المنوطة بقضاة الأحكام و قضاة النيابة العامة بما في ذلك عقد الجلسات و إصدار الأحكام و النطق بها و توقيعها , إلا أنهم لا يتمتعون بضمانات استقلال القضاة المخولة للقضاة بنص الدستور .و هم عرضة بعد سنتين من العمل إلى تجريدهم من الصفة القضائية بمقرر للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بناء على تقارير التقييم التي ينجزها مسؤوليهم أو رؤسائهم .و هذا يعني فيما يعنيه أنه طيلة فترة الاختبار و التجريب يعيش القاضي النائب أو النائب القاضي مرحلة انتقالية وجودية يختلط فيها مفهوم القاضي الرسمي بالقاضي المتدرب , مرحلة يلعب فيها المسؤول القضائي الدور الحاسم في ترسيم القاضي النائب أو إحالته على سلك الوظيفة العمومية كأي موظف إداري عادي محكوم بالتعليمات الإدارية و الرئاسية . حقا إنها انتكاسة دستورية أن نجعل من القاضي النائب قاضيا مع وقف التنفيذ و أن نرهن مسؤولية إصدار الأحكام القضائية و مهمة حماية حقوق الأفراد و الجماعات و حماية الأمن القضائي بقاض غير مكتمل الشخصية و غير تام المعالم, قاض خاضع لتقييم مسؤوليه و هو مدين لهم إلى أن يتم تعيينه للمرة الثانية قاضيا أصيلا بعد أن كان قاضيا نائبا .

ثالثا : بخصوص التسيير و التدبير الإداري للمحاكم .

إذا كانت المادة 11 من مسودة مشروع النظام الأساسي للقضاة أناطت بالمسؤولين القضائيين مهمة التسيير و التدبير الإداري للمحاكم كل في حدود اختصاصه باعتبار أن الإدارة القضائية تقتضي الإشراف على تسيير شؤون المحكمة من الناحية الإدارية بما يضمن استقلالها عن باقي الوحدات الإدارية للمرفق العمومي , فإن تقييم التدبير الإداري يجب أن يبقى حكرا على المجلس الأعلى للسلطة القضائية . أما فتح الباب أمام السلطة التنفيذية في شخص السلطة الحكومية المكلفة بالعدل من أجل تقييم أداء المسؤولين القضائيين في هذا الشأن فيعتبر مدخلا من مداخل التأثير و التوجيه في تعيين هؤلاء . هكذا نصت المادة 67 من المشروع المنظم للمجلس الأعلى للسلطة القضائية على أنه : يراعى عند تعيين المسؤولين القضائيين التقارير التي تعدها السلطة الحكومية المكلفة بالعدل حول مستوى أداء المسؤولين القضائيين بشأن الإشراف على التسيير و التدبير الإداري للمحاكم . صحيح أنه لا يمكن فك الارتباط بشكل مطلق بين السلطة الحكومية المكلفة بالعدل و المحاكم إلا أن الارتباط يجب أن ينحصر في التسيير المالي أو تدبير الموظفين الإداريين دون تجاوز ذلك إلى تقييم القضاة و لو كانت لهم صفة المسؤول القضائي .

رابعا : فيما يخص تكليف القضاة و انتدابهم و نقلهم .

إذا كانت حصانة القضاة ضد النقل ضمانة لتدعيم استقلالهم , و هو مبدأ كرسته المواثيق الدولية و الدساتير الديمقراطية , فإن فتح المجال أمام إمكانية نقل القضاة أو انتدابهم أو تكليفهم بمهام أخرى من غير رضاهم و بدون طلب منهم يشكل خرقا سافرا لهذا المبدأ . صحيح أنه من اللازم إقرار استثناءات قد تقتضيها ضرورات المصلحة العامة و حسن سير القضاء إلا أنه يجب ألا يتم التوسع في هذه الاستثناءات و إلا تم تقويض المبدإ من أساسه .

لكن بالاطلاع على مسودة المشروع و لاسيما المواد 36 و 37 و 38 يتبين أن نقل القضاة أصبح إمكانية جد متاحة دون مراعاة أي ضوابط أو قيود خاصة . هكذا فحسب منطوق المادة 36 ينقل القاضي على إثر ترقية أو إحداث محكمة أو حذفها أو في حالة شغور منصب قضائي أو لسد خصاص . و إذا علمنا أن الترقية حق للقاي و ليست استثناء أو منحة , و أن الخصاص في عدد القضاة بالمحاكم هو القاعدة العامة فإن التخوف من استعمال مثل هذه المبررات من أجل تبرير تنقيل القضاة ضدا على رغبتهم أصبح أمرا يدعو للقلق سيما و أن المشروع لم يقيد الأمر بأي معايير أو ضوابط خاصة .

كما أن تخويل المسؤولين القضائيين بمحكمة النقض و بمحاكم الاستئناف سلطة انتداب القضاة خلال مدة ثلاثة أشهر في كل سنة يعتبر في حد ذاته تنقيلا دوريا للقضاة قد يخرج من دائرة الاستثناء ليصبح قاعدة عامة تعصف باستقرار القاضي النفسي و استقلاله. و الغريب في الأمر أنه حتى قضاة محكمة النقض و هي أعلى محكمة بالهرم القضائي أصبحوا مهددين بالانتداب للعمل في أي محكمة أخرى بمختلف ربوع المملكة دون أن يبين القانون مبررا معقولا لذلك سوى ما سماه بتصفية قضية أو ملئ فراغ , فكيف يقبل ان ينتدب قاض لمحكمة النقض باعتباره قاضي قانون للعمل كقاض للموضوع بالمحاكم الأدنى درجة ؟

خامسا : فيما يتعلق بحق القضاة في التعبير و تأسيس جمعيات مهنية .

إذا كان دستور 2011 قد اعترف للقضاة صراحة بالحق في حرية التعبير و لم يقيده إلا بما يتلاءم مع واجب التحفظ و الأخلاقيات القضائية فإن مشروع القانون التنظيمي و خاصة المادة 96 منه حاول ضمنيا تقييد هذا الحق بنطاق موضوعي عبر حصره في الأنشطة و الندوات العلمية المرتبطة بالمجال القانوني و القضائي , و شريطة ألا تؤثر الأنشطة المذكورة في الأداء المهني . حقيقة هذا المقتضى يلمح إلى إمكانية منع القضاة من المشاركة في غير الأنشطة و الندوات المذكورة إما لكون مجالها يخرج عن نطاق المسموح به أو لأن المشاركة في حد ذاتها سوف تؤثر على الأداء المهني للقاضي . أمام غرابة النص لا يسعنا سوى استنكار هذا الحشو الذي يضرب في الصميم حرية التعبير ليعود بالقضاة إلى زمن الوصاية و التحجير .

أما تأسيس الجمعيات المهنية فلم يعد طبقا للمشروع خاضعا لنظام تصريحي يكرس الحق في ممارسة الحريات العامة , و إنما أصبح خاضعا لنظام ترخيصي يستوجب مصادقة المجلس الأعلى للسلطة القضائية على القانون الأساسي للجمعية في تناقض تام مع ظهير الحريات العامة الصادر في 15 نونبر 1958و الذي يعتبر أهم مكتسب حقوقي يفتخر به المغرب بعد نيل استقلاله , فكيف نقبل أن يخضع القضاة في تأسيس جمعياتهم لترخيص سابق تمييزا لهم عن باقي المواطنين الذين يستفيدون من النظام التصريحي ؟ أ هو الخوف من حراك قضائي متحرر استفاد من هامش واسع للحرية في إطار دستور 2011 أبى مشروع القانون التنظيمي إلا أن يتحكم فيه ليجعله حراكا على المقاس ؟

الجمعة 8 نونبر 2013
343 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter