MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers





سرقة البحوث.. وسرقة الأفكار

     

عثمان البهالي



أفرز الانفجار الهائل الذي حصل في ثورة المعلومات وتدفق البيانات وسهولة الحصول عليها عدة أمور سلبية منها ما يتعلق بسرقة المجهودات الأدبية والعلمية وإقحامها ونسبتها إلى غير صاحبها.

في عالمنا العربي وفي غياب الرقابة وعدم وجود ترسانة قانونية تحمي المنتوج العلمي والأدبي وتردع السارق أو المعتدي، تجرأ البعض وأخذ يتصرف في أفكار الناس وإبداعاتهم وينسبها إلى غير أهلها
في استمرار غياب الرادع القانوني وانعدام الوازع الأخلاقي أصبح الأمر عاديا عند بعض القوم، حيث يلجأ العديد من الباحثين من الطلبة وحتى الأساتذة إلى اجتزاء مقاطع من أعمال غيرهم وإقحامها عنوة في منشوراتهم على أنها ثمرة مجهوداتهم.

الاستشهاد بالأعمال السابقة وبنتائج الفرق البحثية الأخرى مطلوب وضروري لكن مع توضيح المرجع وذكره صراحة في العمل الأدبي والعلمي دون مواربة أو إخفاء. وهذا إجراء يجب أن يدرس لطلبتنا عبر برامج تدريبية كما في الجامعات الغربية، إضافة إلى توعيتهم بالخطورة القانونية لهذا الجرم.

ومن بين الإجراءات التي تتخذ لردع هذه الآفة وتقوم بها الجامعات المحترمة وصناديق تمويل البحث العلمي الاحترافية، إلزام الطالب والباحث على استعمال برامج الكمبيوتر المتخصصة التي تقيس مدى الاستشهاد بأعمال الغير وتقيس مؤشر التطابق بين العمل ذاته والأعمال الأخرى المنشورة Similarity index.

كما أن الأستاذ أو رئيس فريق البحث مطالبا بأن يحرص دوما على التحقق من أن أفراد فريقه يلتزمون بإجراءات محاربة القرصنة وعدم الاستيلاء على مجهودات الغير. لكن الطامة تحصل حينما يكون الأستاذ بدوره “سارقا” لمجهودات الغير بدون الإشارة إلى مصدر المعلومات.

شخصيا تعرضت لعدة محاولات لسرقة البحوث بعضها طريف أذكر مثالين: في سنة 2013 جاءتني رسالة على البريد الإلكتروني من شخص لا أعرفه، يخبرني بأنه اطلع على مقال علمي نشرته قبل سنتين مع أستاذ من كندا وطالبة في سلك الدكتوراه والمقال كان حول “الحوسبة السحابية” “Cloud Computing ” وأخبرني بأنه وجد المقال نفسه قد نشر حديثا في مجلة آسيوية لكن مع تغيير أسماء الباحثين وأرسل لي النسخة المزيفة. وفعلا صعقت لأن الفريق الآسيوي سطا على بحثنا وقام بتغيير العنوان أما موضوع المقال ونتائج البحث فتم نقله حرفيا. في هذه الحالة هناك إجراء يتبع في الجامعات العريقة حيث أبلغت قسم إدارة الأبحاث في الجامعة، وقام بتفعيل المسطرة التي تستدعي تدخل قسم الشؤون القانونية لحفظ حقوق الكاتب والمؤلف. لكن للأسف لا يوجد هذا الإجراء في معظم بلداننا العربية (وسوف أخصص مقالات لهذا الإجراء وكيف يمكن للجامعات أن تستفيد منها).

الموقف الثاني في سنة 2007 دعيت إلى جامعة وطنية لأعطي محاضرة حول الشبكة الحاسوبيةGrid Computing وبعدما انتهيت من المحاضرة التي ألقيتها مستعملا حاسوبي الشخصي، اجتمع حولي لفيف من الطلبة والباحثين لمزيد من الاستفسار عن هذه التقنية التي كانت آنذاك جديدة وواعدة. وإذا بي أفاجأ بشخص استغل انشغالي بالحوار وأخرج وحدة تخزين USBوأدخلها في حاسوبي الشخصي الذي كان مازال مفتوحا وقام بنسخ ملف المحاضرة (powerpoint). لا داعي لأن أصف الحرج الذي وقعت فيه وأنا مضطر لأواجهه بفعلته هذه وخاصة أنه أستاذ إعلاميات.

لكن أخطر ما يحصل هو سرقة الأفكار وهذه السرقة من الصعب أن تقيم عليها دليلا. فالإنسان الباحث حينما يتناقش مع زملائه أو حينما يلقي محاضرة عامة من الطبيعي أن يفصح عن أفكار قد تكون جديدة، والصدمة الكبرى هي أن تجد بعضا من الحضور لاحقا قد تبنى تلك الأفكار ونشرها على أنها أفكاره وإبداعاته.

ولهذا السبب حينما يكون هناك اجتماع مغلق لمناقشة قضايا بحثية ومشاريع بحثية مشتركة مستقبلية، ينصح بأن يوقع كل الحاضرين على وثيقة “Non-Disclosure Agreement” “اتفاق عدم الإفشاء”، مع كتابة تقرير عن المواضيع والأفكار التي نوقشت وتوثيق اسم صاحب كل فكرة حتى تضمن حقوق كل شخص، وهذا الإجراء معتمد به في معظم الجامعات وكذلك الشركات الكبرى مثل شركات التكنولوجيا والطاقة.

السطو على أفكار الغير هو خيانة للأمانة فلنعلم جميعا أن هؤلاء بذلوا جهودا مضنية من أجل هاته الأفكار فمن باب الإنصاف أن ننسب أي فكرة إلى الشخص المعني بالأمر. فالاعتراف بفضل الآخرين هو فضيلة في حد ذاته وقديما قال العالم الشهير إسحاق نيوتن متحدثا عن إنجازاته: “إذا كنت قد استطعت أن أرى أبعد، فلأنني ارتقيت فوق أكتاف العظماء”

“If I have seen further, it is by standing on the shoulders of the giants” .

إن ما يميز نزاهة البحث العلمي هو الاعتراف بالجميل ونسبة المجهود إلى من قام به، ولقد ذم الله سبحانه وتعالى أولئك الذين يتصرفون خلاف ذلك حيث قال “لا تَحْسَبَن الذين يَفْرحُون بما أتوا ويُحِبون أن يُحْمَدُوا بما لم يَفْعَلُوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم”.

وأخيرا فهذا الجرم في نظري ينم كذلك عن عقم فكري ذاتي لأن الذي يبدع لا يحتاج إلى الاستيلاء على ملك الغير






الاربعاء 22 فبراير 2023

تعليق جديد
Twitter