Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



خطاب ثورة الملك والشعب: ميلاد ثورة جديدة بقلم ذ يونس مليح


     

كاتب وباحث جامعي في العلوم والتقنيات الضريبية



خطاب ثورة الملك والشعب: ميلاد ثورة جديدة  بقلم ذ يونس مليح
من خلال خطاب الذكرى 62 لثورة الملك والشعب، يتبين بشكل واضح بأن الملك يتحدث بلغة دستورية بصفته رئيس الدولة والمخطط لاسترتيجياتها، وقد تحدث عن أمن الدولة والأمة والمواطن والمجتمع، وقد وجه رسائل عديدة لكل من الحكومة والمنتخبين والمواطنين بأنهم أمام لحظة ومنعطف تاريخي ألا وهو الجهوية المتقدمة، ودعوته جميع المواطنين إلى الإنخراط في كلمة واحدة وهي "صوت". وأنه يجب التفريق بين كل من عمل الحكومة ومجلس النواب والمجالس المنتخبة حتى يسهل عليهم وتتبين لهم الصورة بشكل واضح. المسألة الأخرى هي سياق ما يجري في المحيط العربي العالمي. فالمغرب دولة مستقرة، لكن هذا لا يمنع من وضع ضوابط واستراتيجيات للحفاظ على هذا الاستقرار. ودعوته إلى مواجهة التطرف والحفاظ على المذهب السني المالكي، وضرورة حفاظ المغاربة على موروثهم التاريخي. فجلالة الملك من خلال خطابه يؤسس لاستمرارية دولة الحق والقانون، وهو يطرح فكرة جوهرية مفادها أن مناسبة ثورة الملك والشعب هي فرصة ذهبية لطرح المشاكل الكبرى للبلاد والبحث عن حلول وبدائل لها.

فخطاب الملك اليوم استقرائي بامتياز، بمعنى أنه اليوم نسجل أن المواطن يحتج أمام الولاية أو العمالة عملا بمبدأ الوصاية، من أجل مشاكل تدخل في نطاق الكهرباء أو الماء الصالح للشرب، في حين أنها من اختصاص المجالس الجماعية، وهو راجع بالأساس إلى أن رؤساء المجالس الجماعية يسوقون للمواطنين بأنه ليس لهم علاقة، وهم غير مسؤولين عن هذه الأشياء، لذلك حدد الملك دور كل واحد وكل مؤسسة. ونقطة أخرى يجب التنبيه إليها، فالتعالب التي لا تظهر، أو الكائنات الانتخابية التي تظهر فقط من أجل الأصوات والنجاح في الانتخابات، يجب أن يتم القطع مع هذا السلوك، لأننا اليوم كما جاء في الخطاب، أمام ثورة جديدة ومرحلة محورية في بلادنا، وذلك من أجل ضمان فعل جماعي فعال وناجع. فالمنتخبين يجب أن يعمروا مجالسهم الجماعية والجهوية وذلك ضمانا لمبدأ الاستمرارية، ويجب التعامل معهم بحزم، وضرورة ربط المسؤوليات بالمحاسبة.

فيما يخص الشق الأول من الخطاب المتعلق بالاستحقاقات الانتخابية التي ستعرفها بلادنا في الأيام القليلة المقبلة، فالملك وضح دور كل من الحكومة والنواب والمنتخبين، وهذا هو ما يسمى بالشفافية، فهناك حديث اليوم عن المسؤولية الأفقية، لأن المواطن له دور محوري في العملية السياسية، والملك بين دور كل واحد، فهو يحدد الأدوار ويحدد المسؤوليات، فالنظافة والنقل وغيرها وضح من خلالها جلالته على أنها مسؤولية المنتخبين وليس الحكومة أو البرلمان، لذلك فالملك أعطى صورة واضحة عن مسؤولية كل واحد.

من أجل هذا دعا الملك المواطنين للمشاركة الإيجابية في الانتخابات حتى تنجح من خلاله العملية الانتخابية المحلية والجهوية. فلن تكون هناك جهوية إذا لم يكن هناك ناخبين في المستوى، ومشاركة إيجابية في الاستحقاقات، وأحزاب ذات برامج هادفة وجيدة، فالملك قال بأنه " وعليكم أن تعرفوا أن انتخاب رئيس الجهة وأعضاء مجلسها بالاقتراع المباشر، يعطيكم سلطة القرار في اختيار من يمثلكم. فعليكم أن تحكموا ضمائركم وأن تحسنوا الاختيار. لأنه لن يكون من حقكم غدا، أن تشتكوا من سوء التدبير، أو من ضعف الخدمات التي تقدم لكم"، فهي دعوة صريحة للمنتخبين بضرورة معرفة خطورة المرحلة، ودعوة كذلك لعقلنة مسألة الصوت، فانتخابات 4 شتنبر 2015 فرصة حقيقية وصريحة لتفعيل مقتضيات دستور 2011.

وجاء في الخطاب كذلك على أنه: "وهنا أقول للأحزاب والمرشحين: إن الهدف من الانتخابات لا ينبغي أن يكون هو الحصول على المناصب، وإنما يجب أن يكون من أجل خدمة المواطن فقط". فإذا قمنا بتحليل للوثيقة الدستورية، فالدولة قامت بتحويل العديد من الصلاحيات للجماعات الترابية، لذلك فالمنتخب يجب أن يتغير، فمنتخب قبل دستور 2011 ليس هو منتخب ما بعده، وقد شبه الملك المنتخب بالطبيب والمحامي والمعلم والموظف وغيرهم، يجب أن يشتغل كل يوم. بل عليه أن يعمل أكثر منهم، لأنه مسؤول على مصالح الناس، ولا يعمل لحسابه الخاص. فدور الطبيب والمعلم يبدأ بالتشخيص، لذلك على المنتخب أن يشخص حاجيات السكان والمواطنين، وأن يضع مخطط من أجل الاشتغال عليها، ويضع برامج من أجل حل إشكاليات جماعته. فالمشاكل الموجودة في العديد من المجالات الترابية ليس سببها هو الحكومة فقط، وإنما المنتخب هو السبب الرئيسي وراء ذلك.

وأيضا على المواطن المغربي تغيير سلوكه الانتخابي، وهنا يكمن دور الأحزاب السياسية من أجل التأطير، وذلك وفقا للفصل 7 من الدستور الذي يقول بأنه:" تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية". لكن الواقع لا يبت بصلة لما جاء في الوثيقة الدستورية، لذلك فالخطاب الملكي وجه رسالة واضحة وصريحة للأحزاب السياسية بضرورة الاشتغال على هذه النقطة الحساسة. فالأحزاب السياسية اليوم تدفعنا نحو الهاوية من خلال ما نشاهده ونراه، فالعبث الذي تخلقه الأحزاب السياسية اليوم سيكون له تبعات سلبية إذا لم تغير سلوكها الذي راكمته لمدة طويلة دون تغييره.

فالتحديات الأمنية التي تعرفها البلاد ليست فقط مسؤولية الأجهزة الأمنية فحسب، وإنما الأحزاب السياسية لها دور محوري وأساسي، وذلك عن طريق التأطير الإيجابي والجيد للمواطنين. فالتهافت نحو المقاعد هو الذي خلق لنا اليوم هذا النوع من التدبير الحزبي السلبي الذي ينتج لنا في الأخير مسؤولا جماعيا غير قادر حتى على حل وتدبير مشاكله الخاصة، فكيف به أن يحل مشاكل جماعة بأكملها بمواطنيها.


جاء على لسان الملك كذلك بأنه: "إذا كان عدد من المواطنين لا يهتمون كثيرا بالانتخابات ولا يشاركون فيها، فلأن بعض المنتخبين لا يقومون بواجبهم، على الوجه المطلوب. بل إن من بينهم من لا يعرف حتى منتخبيه". هذا خطاب موجه للأحزاب السياسية بشكل صريح، ففي ظل غياب الديمقراطية داخل الأحزاب، وفي ظل ما تنتج لنا من منتخبين غير مسؤولين، وفي ظل ما نشاهده من تهافت للأحزاب حول من سيقود اللائحة في غياب ديمقراطية داخلية، الملك بذلك وضع إصبعه على مكان الداء.

ما دمنا نتحدث عن المنتخب، فهذا الأخير له مواصفات، من بينها ضرورة قربه من المواطنين ومن مشاكلهم، وأن يكون قادرا على حل مشاكلهم اليومية، والمصداقية والاحترافية، ويجب أن يكون فاعلا إيجابيا داخل جماعته الترابية، وأهم شيء هو أن يكون للمواطنين ثقة فيه. فغدا عندما يكون المواطن أمام مشكلة، فلا يمكن للمواطن أن يذهب لرئيس الحكومة أو البرلمان لحلها، وإنما رئيس المجلس الجماعي أو الجهوي هو المسؤول عن ذلك.

الشق الثاني من الخطاب خصص للتحديات الأمنية التي تعرفها البلاد، حيث جاء على لسان الملك بأنه:" فالعالم اليوم، والمنطقة المغاربية والعربية خاصة، تعرف تطورات متسارعة، بسبب تنامي نزوعات التطرف باسم الدين، وتزايد عصابات الإرهاب. ولأننا نعرف أن الإرهاب لا دين له ولا وطن، فقد انخرط المغرب في الجهود الدولية، التي تهدف إلى محاربة هذه الآفة العالمية. كما يعمل على الصعيد الوطني من أجل التصدي للأسباب التي قد تؤدي إلى التطرف والإرهاب. وإننا نحمد الله تعالى ونشكره، على ما أنعم به على بلادنا من أمن واستقرار. لكن المغرب، كجميع بلدان المنطقة، بل وكل دول العالم، ليس بعيدا عن هذه التهديدات. وإن ما يبعث على الأسف أن بعض دول المنطقة تعرف أوضاعا صعبة، بسبب انعدام الأمن، وانتشار الأسلحة والجماعات المتطرفة. وأمام هذا الوضع، اضطر المغرب لاتخاذ مجموعة من التدابير الوقائية، لحماية أمنه واستقراره. وفي هذا الإطار تم فرض التأشيرة على مواطني بعض الدول العربية، وخاصة من سوريا وليبيا. وإذ نعبر عن تضامننا مع شعوب هذه الدول، فإننا نتأسف للظروف القاهرة، التي دفعت المغرب لاتخاذ هذا القرار. غير أننا نريد أن نوضح أن هذا القرار ليس موجها ضد أحد، ولا ينبغي فهمه على أنه تصرف غير أخوي تجاههم. وإنما هو قرار سيادي، فبصفتي المؤتمن على أمن واستقرار البلاد، فإنني لن أسمح بأي تهاون أو تلاعب في حماية المغرب والمغاربة. فالمغرب ما فتئ يعمل على صيانة أمنه واستكمال تأمين حدوده، خاصة خلال السنتين الماضيتين. وهو ما تمكنا من تحقيقه، والحمد لله، بفضل تضافر جهود كل الأجهزة والقوات المعنية. ولن نقف عند هذا الحد، بل سنواصل الجهود، بكل يقظة وحزم، من أجل منع أي كان، من الدخول لبلادنا ، بطريقة غير شرعية".

مشكل المخاطر الأمنية والإرهابية كبير، وهناك مجموعة من الأشخاص ينتظرون اللحظة من أجل الاتجاه نحو الفعل، ودول المنطقة كلها تغلي على صفيح ساخن، وهو التخوف من التطرف والهجمات الإرهابية. ومسألة التأشيرة التي جاءت في الخطاب الملكي التي فرضت على دول من قبيل سوريا وليبيا كانت من بين أحد الحلول الناجعة، وكانت لها إيجابيات عدة من بينها الحؤول دون دخول أفراد متطرفين أو ذوي فكر متطرف أو إرهابي، أو أفراد حاملين لجوازات سفر مزورة، أو أفراد ذوي توجه شيعي يأتون لبلادنا من أجل نشر التشيع، والملك أشار إلى أنه على اللاجئين القادمين من بعض الدول، التي تعرف تدهورا في الأوضاع الأمنية، الالتزام بالقوانين المغربية، واحترام المقدسات الدينية والوطنية، وفي مقدمتها المذهب السني المالكي.

لذلك فهي مسؤولية الجميع من أجل التصدي لهذه الآفة ومن أجل الاستمرار والحفاظ على نموذجنا المغربي المستقر، فالشبكات الإرهابية اليوم أصبحت تشتغل بوسائل إلكترونية ولوجستكية متطورة، لذلك يجب على الجميع المساهمة في استقرار بلادنا حتى ننعم جميعا بالأمن والاستقرار. وأيضا يجب وضع استراتيجيات من أجل الشباب، وهنا يأتي دور المؤسسات والجماعات الترابية من أجل إشراك الشباب وادماجهم، وتفعيل مؤسساتهم الدستورية، وهو ما أكد عليه الفصل 33 على أنه:" على السلطات العمومية اتخاذ التدابير الملائمة لتحقيق ما يلي: توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد؛ ومساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية، وتقديم المساعدة لأولئك الذين تعترضهم صعوبة في التكيف المدرسي أو الاجتماعي أو المهني؛ وتيسير ولوج الشباب للثقافة والعلم والتكنولوجيا، والفن والرياضة والأنشطة الترفيهية، مع توفير الظروف المواتية لتفتق طاقاتهم الخلاقة والإبداعية في كل هذه المجالات. ويُحدث مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي، من أجل تحقيق هذه الأهداف".

وفي نفس السياق تم التنصيص على إنشاء مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي كمؤسسة دستورية، وذلك من خلال نص الفصل 170 من دستور 2011 والذي جاء فيه بأنه:" يعتبر المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، المحدث بموجب الفصل 33 من هذا الدستور، هيئة استشارية في ميادين حماية الشباب والنهوض بتطوير الحياة الجمعوية. وهو مكلف بدراسة وتتبع المسائل التي تهم هذه الميادين، وتقديم اقتراحات حول كل موضوع اقتصادي واجتماعي وثقافي، يهم مباشرة النهوض بأوضاع الشباب والعمل الجمعوي، وتنمية طاقاتهم الإبداعية، وتحفيزهم على الانخراط في الحياة الوطنية، بروح المواطنة المسؤولة".

السبت 22 غشت 2015



1.أرسلت من قبل لحسن في 24/08/2015 16:06
حسن جدا

تعليق جديد
Twitter