نشر المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بتاريخ 7 غشت 2026، وثيقة بعنوان "العبور إلى سبتة ومليلية – خلاصات أولية"، تتضمن نتائج أولية للرصد الميداني والرقمي والصحفي للأحداث التي شهدتها مناطق الفنيدق–سبتة وبني أنصار–مليلية، وما رافقها من وفيات وإصابات وأعمال عنف وتداعيات حقوقية وإنسانية.
وتكتسي الوثيقة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الوقائع التي تتناولها، وإلى اتساع دائرة الحقوق التي استحضرها المجلس، من الحق في الحياة والسلامة الجسدية وحقوق الطفل والكرامة الإنسانية، إلى استعمال القوة، والحق في الماء والغذاء، والضمانات المرتبطة بالإعادة أو الإرجاع، وخطاب الكراهية، والتضليل الرقمي، والاتجار بالبشر.
غير أن قراءة تقرير حقوقي بهذا الحجم لا ينبغي أن تنحصر في استعراض ما ورد فيه، وإنما تقتضي أيضا مساءلة منهجيته، وقوة مصادره، ودرجة التحقق من معطياته، ومدى اتساق الاستنتاجات مع الأدلة التي يستند إليها،وهذا هو المنظور الذي تحاول هذه القراءة اعتماده
أولا: طبيعة الوثيقة تفرض منهجية خاصة في قراءتها
من المهم، قبل تسجيل أي ملاحظات نقدية، الانطلاق من حقيقة أساسية وهي أن المجلس نفسه لم يقدم الوثيقة باعتبارها تقريرا نهائيا للتحقيق، وإنما وصفها بأنها "خلاصات واستنتاجات أولية"، وأكد أن التحريات وجمع المعطيات ما زالا متواصلين، بما قد يستدعي لاحقا إصدار تقرير أكثر تفصيلا، وهذا التوصيف له أثر منهجي مباشر.
فالأدبيات الأممية المتعلقة بلجان التحقيق وبعثات تقصي الحقائق تعتبر أن جمع المعلومات والتحقق منها وتحليلها وبناء سجل تاريخي للأحداث عناصر مترابطة في إنتاج نتائج موثوقة، كما تؤكد أن المنهجيات قد تختلف باختلاف السياق، لكن ثمة مبادئ مشتركة تهدف إلى ضمان سلامة التحليل والاستنتاجات .
ومن ثم، فإن تقييم الوثيقة ينبغي أن يتم باعتبارها مرحلة أولية في مسار تقصي الحقائق، وليس باعتبارها حكما نهائيا على جميع الوقائع أو المسؤوليات.
ثانيا: القيمة المضافة في التقرير:
1 تعدد مستويات الرصد:
من أبرز عناصر القيمة المضافة في الوثيقة اعتماد المجلس على أكثر من مستوى للرصد.
فهو يتحدث عن:
2 الجمع بين المجال الميداني والمجال الرقمي:
من أهم ما يميز الوثيقة أنها لم تتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مجرد فضاء لنشر الأخبار، بل حاولت فهمها باعتبارها جزءا من بنية الحدث نفسه.
فالمجلس يشير إلى تتبع منشورات في 23 مجموعة فايسبوكية تضم، بحسب معطياته، أكثر من مليون و86 ألف عضو، إضافة إلى تتبع محتويات على «إكس» وإنستغرام وتيك توك، ورصد استعمال مجموعات واتساب وتلغرام في التعبئة والتنسيق وتبادل المعلومات.
وهذه الإضافة مهمة للغاية، لأن أحداث العبور كما يعرضها التقرير لم تعد مجرد حركة أشخاص نحو الحدود، وإنما أصبحت ظاهرة تتداخل فيها المعلومة الرقمية مع القرار الفردي والسلوك الجماعي.
3 بناء كرونولوجيا للأحداث
يقدم التقرير تسلسلا زمنيا يبدأ من شهر يونيو، مرورا بتزايد محاولات العبور خلال يوليوز، وصولا إلى ذروة الأحداث يومي30و31يوليوز، وتسمح هذه الكرونولوجيا بفهم تطور الأحداث بدلا من التعامل معها باعتبارها واقعة منفصلة عن سياقها، كما تساعد على طرح أسئلة أكثر دقة حول العلاقة بين:
المعلومة الرقمية.
التعبئة.
التحركات الميدانية.
تدخل السلطات.
المواجهات.
والنتائج الإنسانية والحقوقية.
4 وضع حقوق الطفل في صلب الرصد
من عناصر القوة أيضا أن القاصرين لا يظهرون في التقرير باعتبارهم مجرد جزء من أعداد العابرين، بل تحضر حقوقهم في سياق التوقيف، والرعاية، والعودة، والحماية، والسلامة الجسدية.
وهذا يتفق مع طبيعة المقاربة الحقوقية التي تقتضي التعامل مع الطفل باعتباره صاحب حقوق مستقل، وليس مجرد «مهاجر صغير السن».
5 عدم اختزال المسؤولية في طرف واحد
من الملاحظات المهمة أن التقرير يرصد وقائع وممارسات مرتبطة بأطراف متعددة.
فهو يتناول:
ثالثا: حدود التقرير والأسئلة المنهجية التي يطرحها:
هنا تبدأ القراءة النقدية الحقيقية، فالملاحظة على التقرير لا تعني بالضرورة رفض نتائجه، وإنما تعني التساؤل حول درجة القوة الإثباتية لكل نتيجة.
1 معضلة الأرقام وتضارب معطيات الوفيات
هذه هي أكثر النقاط حساسية في الوثيقة، فالمجلس يورد 14 وفاة وفقا للمعطيات المغربية، بينما يشير إلى إعلان سلطات سبتة عن 80
وفاة. كما يسجل وجود جثامين في انتظار استكمال إجراءات التعرف عليها، إن الفارق بين الرقمين ليس تفصيلا إحصائيا بسيطا، إنه فارق جوهري في تقدير حجم المأساة الإنسانية، ومن ثم فإن التقرير النهائي سيكون مطالبا بتقديم إجابة أكثر تفصيلا عن:
2 الحاجة إلى سلم أوضح للقوة الإثباتية للمعطيات
التقرير يجمع بين مصادر متعددة، لكن هذه المصادر لا تتمتع جميعها بالدرجة نفسها من القوة الإثباتية، فهناك فرق بين:
واقعة عاينها فريق الرصد مباشرة.
وبين:
شهادة أدلى بها شخص للمجلس.
وبين:
فيديو تم التحقق من مصدره وسياقه.
وبين:
محتوى منشور على منصة رقمية.
وبين:
معطى نقلته وسيلة إعلامية.
ولهذا فإن التقرير النهائي سيكون أكثر قوة إذا صنف المعطيات، مثلا، إلى:
وقائع موثقة مباشرة.
وقائع مدعومة بمصادر متعددة.
شهادات قيد التحقق.
معطيات منقولة عن مصادر أخرى.
محتويات رقمية لم يكتمل التحقق منها.
وهذه ليست ملاحظة شكلية، فمنهجيات الأمم المتحدة في تقصي الحقائق تقوم على جمع المعلومات والتحقق منها وتقييمها وتحليلها قبل بناء الاستنتاجات.
رابعا: من الشهادة إلى الإثبات:
يتضمن التقرير شهادات حول التعرض للضرب وسوء المعاملة، كما يشير إلى آثار إصابات وندوب على أجساد بعض العائدين، وإلى ادعاءات تتعلق بسوء المعاملة من طرف قوات عمومية إسبانية.، وهذه المعطيات إذا تم التحقق منها، تكتسي أهمية حقوقية بالغة.
لكن يجب التمييز بين ثلاث مراحل:
الشهادة.
إثبات الواقعة.
إسناد المسؤولية.
فالشهادة قد تكون ذات قيمة كبيرة، لكنها لا تعني تلقائيا أن جميع عناصر الواقعة أصبحت مثبتة، كما أن إثبات وقوع إصابة لا يكفي وحده لإثبات من تسبب فيها، ولهذا فإن التقرير النهائي سيكون أقوى إذا بين بوضوح:
من أدلى بالشهادة؟
متى أدلى بها؟
هل توجد شهادات مستقلة أخرى؟
هل توجد أدلة مادية؟
هل توجد صور أو تسجيلات؟
هل تم التحقق من السياق الزمني والمكاني؟
وهذه هي النقلة الضرورية من الرصد إلى الإثبات.
خامسا: استعمال القوة يحتاج إلى اختبار قانوني مستقل
يطرح التقرير إشكالا مركزيا يتعلق باستعمال القوة من طرف السلطات أثناء منع العبور، والمقاربة القانونية لا ينبغي أن تتوقف عند السؤال: هل كان للسلطات حق منع العبور؟
بل يجب أن تنتقل إلى أسئلة أكثر دقة: هل كان التدخل يستند إلى أساس قانوني؟ هل كان الهدف مشروعا؟ هل كانت القوة ضرورية؟ هل كانت متناسبة؟ هل كانت هناك وسائل أقل إيذاء؟هل اتخذت احتياطات خاصة لحماية الأطفال؟ هل جرى إسعاف المصابين؟ وهل تم التحقيق في ادعاءات الاستعمال غير المشروع للقوة؟
وبذلك يتحول النقاش من موقف أو انطباع عام إلى اختبار قانوني قابل للتحقق.
سادسا: التضليل الرقمي.. نقطة قوة تحتاج إلى مزيد من التوثيق:
يقدم التقرير مادة مهمة حول دور الفضاء الرقمي، فهو يرصد محتويات مضللة مرتبطة بتأويل قرار المحكمة العليا الإسبانية، كما يتحدث عن مجموعات رقمية لعبت دورا في التعبئة والتنسيق وتبادل المعلومات حول طرق العبور.
غير أن هناك فارقا منهجيا بين: رصد انتشار محتوى مضلل، وبين إثبات أن هذا المحتوى تسبب مباشرة في قرار العبور.
فالتزامن الزمني لا يكفي وحده لإثبات السببية لذلك من الأفضل في التقرير النهائي التمييز بين:
الانتشار.
التأثير المحتمل.
التعبئة.
والسببية المباشرة.
كما أن المعالجة الرقمية تحتاج إلى بيان أوضح لكيفية التحقق من الحسابات، والمجموعات، ومصدر المحتويات، وتاريخ نشرها، واحتمال إعادة تدوير محتويات قديمة أو مفبركة.
سابعا: الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة إلى مشكلة الإثبات
من أكثر الوقائع دلالة في التقرير إشارته إلى حالة جرى فيها، وفقا لما عاينه المجلس وشهادة المعني بالأمر، تعديل صورة الواقعة وإعادة تشكيلها باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع وجود صور أخرى للإصابات لا علاقة لها بالسياق.
وهذه النقطة تفتح سؤالا يتجاوز أحداث سبتة ومليلية:
كيف يمكن للمؤسسات الحقوقية التحقق من الأدلة البصرية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
فالصورة لم تعد، في حد ذاتها، دليلا كافيا، وأصبح التحقق يحتاج إلى:
مصدر الصورة.
تاريخها.
مكان التقاطها.
سياقها.
سلسلة تداولها.
وإمكان تعرضها للتعديل.
وهو تحد سيصبح أكثر أهمية في تقارير حقوق الإنسان المستقبلية.
ثامنا: حقوق الطفل تستحق معالجة مستقلة
صحيح أن التقرير أولى القاصرين اهتماما واضحا، لكن أهمية الموضوع تستدعي، في التقرير النهائي، تخصيص محور مستقل يجيب عن أسئلة محددة:
ما هي الضمانات التي وفرت للقاصرين؟
كيف تم التعامل مع غير المرافقين؟
ما هي إجراءات تحديد السن؟
ما هي آليات الحماية والرعاية؟
ما هي ضمانات العودة أو الإرجاع؟
كيف تم احترام مبدأ مصلحة الطفل الفضلى؟
إن إدراج الطفل ضمن الإحصائيات لا يكفي، المطلوب هو تحليل وضعه الحقوقي والإجرائي بصورة مستقلة.
تاسعا: من الهجرة إلى «التطلعات».. أهم تحول مفاهيمي في التقرير:
من أكثر الأفكار عمقا في الوثيقة رفض اختزال العبور الجماعي في الفقر أو الهشاشة وحدهما، فالمجلس يدعو إلى فهم الظاهرة في علاقتها بتحول عميق في التطلعات، وبأثر المجتمعات الرقمية في إعادة تصور الحدود والحواجز.
وهذه قراءة تستحق التوقف، لأنها تنقل النقاش من لماذا يهاجر الفقير؟ إلى لماذا يختار أشخاص، بمن فيهم شباب وقاصرون، المخاطرة بالعبور رغم اختلاف أوضاعهم الاجتماعية؟
وهنا تصبح الهجرة ظاهرة تتداخل فيها:
التطلعات.
الإدراك الاجتماعي للفرص.
المعلومة الرقمية.
التأثير الجماعي.
صورة المستقبل.
والعلاقة بالحدود.
وهذا من أكثر الجوانب التي يمكن أن تمنح التقرير النهائي قيمة تحليلية تتجاوز الرصد التقليدي للهجرة.
عاشرا: هل التقرير قوي من منظور المعايير الدولية؟
يمكن القول إن الوثيقة تتضمن عناصر تتوافق مع عدد من المبادئ المعروفة في أعمال المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وتقارير تقصي الحقائق، فمبادئ باريس تؤكد على ضرورة أن تتمتع المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بولاية واسعة لتعزيز وحماية حقوق الإنسان، وبالاستقلال، والقدرة على التحقيق والرصد، والموارد الكافية.
كما أن منهجيات الأمم المتحدة في لجان التحقيق وبعثات تقصي الحقائق تركز على:
جمع المعلومات.
التحقق منها.
إنشاء سجل موثوق للأحداث.
تحليل الأدلة.
تحديد المسؤوليات عندما تسمح الأدلة بذلك.
وتقديم توصيات قابلة للتنفيذ.
ومن هذه الزاوية، تبدو الوثيقة قوية من حيث اتساع نطاق الرصد وتعدد مصادر المعلومات، لكنها، بحكم كونها وثيقة أولية، تترك مجالا مهما أمام التقرير النهائي لتعزيز سلسلة الإثبات، وتفسير التباينات الرقمية، وتحديد درجات اليقين، وربط الوقائع بالقواعد القانونية بصورة أكثر تفصيلا.
الحكم التحليلي على التقرير:
لا يبدو من الدقيق وصف الوثيقة بأنها قوية أو ضعيفة بإطلاق، الأدق هو القول إنها:
وثيقة رصد أولي غنية بالمعطيات، قوية في اتساع نطاق الرصد وتعدد أدواته، لكنها تحتاج في مرحلتها النهائية إلى مزيد من البناء الإثباتي والتدقيق المنهجي قبل تحويل جميع معطياتها إلى استنتاجات نهائية حول الوقائع والمسؤوليات.
وهذه النتيجة تتفق أيضا مع طبيعة الوثيقة كما قدمها المجلس نفسه، باعتبارها خلاصات واستنتاجات أولية وليست تقريرا نهائيا للتحقيق.
خاتمة:
قوة التقرير في أسئلته بقدر ما هي في أجوبته:
تكمن القيمة الحقيقية لوثيقة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في أنها لم تضع أحداث سبتة ومليلية داخل إطار أمني ضيق، وإنما أعادت طرحها باعتبارها قضية حقوق إنسان متعددة الأبعاد.
فالحدث يرتبط بالحق في الحياة.
ويرتبط بسلامة الأشخاص.
ويرتبط بحقوق الأطفال.
ويرتبط باستعمال القوة.
ويرتبط بالكرامة الإنسانية.
ويرتبط أيضا بالتضليل الرقمي وخطاب الكراهية والاتجار بالبشر.
لكن قوة التقرير النهائي لن تقاس فقط بعدد الوقائع التي سيضمها، بل ستقاس بقدرته على الإجابة عن سؤال أكثر جوهرية:
ما الذي تم التحقق منه فعلا، وما الذي لا يزال يحتاج إلى تحقيق؟
ومن هنا، فإن أهم ما يمكن أن تضيفه المرحلة المقبلة هو تعزيز الشفافية المنهجية:
تحديد مصادر كل رقم.
وتحديد درجة التحقق من كل واقعة.
والتمييز بين المعاينة والشهادة والادعاء.
وتفسير الفوارق في المعطيات.
وتحديد العلاقة بين الوقائع والاستنتاجات.
وربط كل استنتاج بالقاعدة القانونية ذات الصلة.
وتحديد المسؤولية فقط عندما تسمح الأدلة بذلك.
ففي مجال حقوق الإنسان، لا تكفي كثرة المعطيات لصناعة الحقيقة، وإنما تحتاج الحقيقة إلى دليل قابل للتحقق، ومنهج واضح، وتحليل قانوني منضبط، واستقلال في التقييم.
ومن هذه الزاوية، فإن خلاصات المجلس تمثل أرضية مهمة لفتح النقاش والتحقيق واستكمال التوثيق، أكثر مما تمثل في صيغتها الحالية
وتكتسي الوثيقة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الوقائع التي تتناولها، وإلى اتساع دائرة الحقوق التي استحضرها المجلس، من الحق في الحياة والسلامة الجسدية وحقوق الطفل والكرامة الإنسانية، إلى استعمال القوة، والحق في الماء والغذاء، والضمانات المرتبطة بالإعادة أو الإرجاع، وخطاب الكراهية، والتضليل الرقمي، والاتجار بالبشر.
غير أن قراءة تقرير حقوقي بهذا الحجم لا ينبغي أن تنحصر في استعراض ما ورد فيه، وإنما تقتضي أيضا مساءلة منهجيته، وقوة مصادره، ودرجة التحقق من معطياته، ومدى اتساق الاستنتاجات مع الأدلة التي يستند إليها،وهذا هو المنظور الذي تحاول هذه القراءة اعتماده
أولا: طبيعة الوثيقة تفرض منهجية خاصة في قراءتها
من المهم، قبل تسجيل أي ملاحظات نقدية، الانطلاق من حقيقة أساسية وهي أن المجلس نفسه لم يقدم الوثيقة باعتبارها تقريرا نهائيا للتحقيق، وإنما وصفها بأنها "خلاصات واستنتاجات أولية"، وأكد أن التحريات وجمع المعطيات ما زالا متواصلين، بما قد يستدعي لاحقا إصدار تقرير أكثر تفصيلا، وهذا التوصيف له أثر منهجي مباشر.
فالأدبيات الأممية المتعلقة بلجان التحقيق وبعثات تقصي الحقائق تعتبر أن جمع المعلومات والتحقق منها وتحليلها وبناء سجل تاريخي للأحداث عناصر مترابطة في إنتاج نتائج موثوقة، كما تؤكد أن المنهجيات قد تختلف باختلاف السياق، لكن ثمة مبادئ مشتركة تهدف إلى ضمان سلامة التحليل والاستنتاجات .
ومن ثم، فإن تقييم الوثيقة ينبغي أن يتم باعتبارها مرحلة أولية في مسار تقصي الحقائق، وليس باعتبارها حكما نهائيا على جميع الوقائع أو المسؤوليات.
ثانيا: القيمة المضافة في التقرير:
1 تعدد مستويات الرصد:
من أبرز عناصر القيمة المضافة في الوثيقة اعتماد المجلس على أكثر من مستوى للرصد.
فهو يتحدث عن:
- الرصد الميداني؛
- الرصد الرقمي؛
- الاستماع إلى شهادات الشباب والأطفال؛
- تحليل الفيديوهات والشهادات؛
- تتبع المضامين المنشورة في وسائل التواصل الاجتماعي؛
- الاستناد إلى المعطيات الصحفية؛
- وترتيب المعطيات بعد تدقيقها من مصادر متعددة.
2 الجمع بين المجال الميداني والمجال الرقمي:
من أهم ما يميز الوثيقة أنها لم تتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مجرد فضاء لنشر الأخبار، بل حاولت فهمها باعتبارها جزءا من بنية الحدث نفسه.
فالمجلس يشير إلى تتبع منشورات في 23 مجموعة فايسبوكية تضم، بحسب معطياته، أكثر من مليون و86 ألف عضو، إضافة إلى تتبع محتويات على «إكس» وإنستغرام وتيك توك، ورصد استعمال مجموعات واتساب وتلغرام في التعبئة والتنسيق وتبادل المعلومات.
وهذه الإضافة مهمة للغاية، لأن أحداث العبور كما يعرضها التقرير لم تعد مجرد حركة أشخاص نحو الحدود، وإنما أصبحت ظاهرة تتداخل فيها المعلومة الرقمية مع القرار الفردي والسلوك الجماعي.
3 بناء كرونولوجيا للأحداث
يقدم التقرير تسلسلا زمنيا يبدأ من شهر يونيو، مرورا بتزايد محاولات العبور خلال يوليوز، وصولا إلى ذروة الأحداث يومي30و31يوليوز، وتسمح هذه الكرونولوجيا بفهم تطور الأحداث بدلا من التعامل معها باعتبارها واقعة منفصلة عن سياقها، كما تساعد على طرح أسئلة أكثر دقة حول العلاقة بين:
المعلومة الرقمية.
التعبئة.
التحركات الميدانية.
تدخل السلطات.
المواجهات.
والنتائج الإنسانية والحقوقية.
4 وضع حقوق الطفل في صلب الرصد
من عناصر القوة أيضا أن القاصرين لا يظهرون في التقرير باعتبارهم مجرد جزء من أعداد العابرين، بل تحضر حقوقهم في سياق التوقيف، والرعاية، والعودة، والحماية، والسلامة الجسدية.
وهذا يتفق مع طبيعة المقاربة الحقوقية التي تقتضي التعامل مع الطفل باعتباره صاحب حقوق مستقل، وليس مجرد «مهاجر صغير السن».
5 عدم اختزال المسؤولية في طرف واحد
من الملاحظات المهمة أن التقرير يرصد وقائع وممارسات مرتبطة بأطراف متعددة.
فهو يتناول:
- تدخل السلطات المغربية؛
- القوات العمومية؛
- السلطات الإسبانية؛
- المجموعات المتطرفة؛
- العنف ضد الأشخاص؛
- الاعتداء على الممتلكات؛
- التضليل الإعلامي والرقمي؛
- وممارسات قد ترتبط بالاتجار بالبشر.
ثالثا: حدود التقرير والأسئلة المنهجية التي يطرحها:
هنا تبدأ القراءة النقدية الحقيقية، فالملاحظة على التقرير لا تعني بالضرورة رفض نتائجه، وإنما تعني التساؤل حول درجة القوة الإثباتية لكل نتيجة.
1 معضلة الأرقام وتضارب معطيات الوفيات
هذه هي أكثر النقاط حساسية في الوثيقة، فالمجلس يورد 14 وفاة وفقا للمعطيات المغربية، بينما يشير إلى إعلان سلطات سبتة عن 80
وفاة. كما يسجل وجود جثامين في انتظار استكمال إجراءات التعرف عليها، إن الفارق بين الرقمين ليس تفصيلا إحصائيا بسيطا، إنه فارق جوهري في تقدير حجم المأساة الإنسانية، ومن ثم فإن التقرير النهائي سيكون مطالبا بتقديم إجابة أكثر تفصيلا عن:
- مصدر كل رقم؛
- تاريخ الحصول عليه؛
- النطاق الجغرافي الذي يغطيه؛
- طريقة احتسابه؛
- وضعية الجثامين التي لم يتم التعرف عليها؛
- احتمال وجود مفقودين؛
- وكيفية تجنب احتساب الحالة نفسها أكثر من مرة.
2 الحاجة إلى سلم أوضح للقوة الإثباتية للمعطيات
التقرير يجمع بين مصادر متعددة، لكن هذه المصادر لا تتمتع جميعها بالدرجة نفسها من القوة الإثباتية، فهناك فرق بين:
واقعة عاينها فريق الرصد مباشرة.
وبين:
شهادة أدلى بها شخص للمجلس.
وبين:
فيديو تم التحقق من مصدره وسياقه.
وبين:
محتوى منشور على منصة رقمية.
وبين:
معطى نقلته وسيلة إعلامية.
ولهذا فإن التقرير النهائي سيكون أكثر قوة إذا صنف المعطيات، مثلا، إلى:
وقائع موثقة مباشرة.
وقائع مدعومة بمصادر متعددة.
شهادات قيد التحقق.
معطيات منقولة عن مصادر أخرى.
محتويات رقمية لم يكتمل التحقق منها.
وهذه ليست ملاحظة شكلية، فمنهجيات الأمم المتحدة في تقصي الحقائق تقوم على جمع المعلومات والتحقق منها وتقييمها وتحليلها قبل بناء الاستنتاجات.
رابعا: من الشهادة إلى الإثبات:
يتضمن التقرير شهادات حول التعرض للضرب وسوء المعاملة، كما يشير إلى آثار إصابات وندوب على أجساد بعض العائدين، وإلى ادعاءات تتعلق بسوء المعاملة من طرف قوات عمومية إسبانية.، وهذه المعطيات إذا تم التحقق منها، تكتسي أهمية حقوقية بالغة.
لكن يجب التمييز بين ثلاث مراحل:
الشهادة.
إثبات الواقعة.
إسناد المسؤولية.
فالشهادة قد تكون ذات قيمة كبيرة، لكنها لا تعني تلقائيا أن جميع عناصر الواقعة أصبحت مثبتة، كما أن إثبات وقوع إصابة لا يكفي وحده لإثبات من تسبب فيها، ولهذا فإن التقرير النهائي سيكون أقوى إذا بين بوضوح:
من أدلى بالشهادة؟
متى أدلى بها؟
هل توجد شهادات مستقلة أخرى؟
هل توجد أدلة مادية؟
هل توجد صور أو تسجيلات؟
هل تم التحقق من السياق الزمني والمكاني؟
وهذه هي النقلة الضرورية من الرصد إلى الإثبات.
خامسا: استعمال القوة يحتاج إلى اختبار قانوني مستقل
يطرح التقرير إشكالا مركزيا يتعلق باستعمال القوة من طرف السلطات أثناء منع العبور، والمقاربة القانونية لا ينبغي أن تتوقف عند السؤال: هل كان للسلطات حق منع العبور؟
بل يجب أن تنتقل إلى أسئلة أكثر دقة: هل كان التدخل يستند إلى أساس قانوني؟ هل كان الهدف مشروعا؟ هل كانت القوة ضرورية؟ هل كانت متناسبة؟ هل كانت هناك وسائل أقل إيذاء؟هل اتخذت احتياطات خاصة لحماية الأطفال؟ هل جرى إسعاف المصابين؟ وهل تم التحقيق في ادعاءات الاستعمال غير المشروع للقوة؟
وبذلك يتحول النقاش من موقف أو انطباع عام إلى اختبار قانوني قابل للتحقق.
سادسا: التضليل الرقمي.. نقطة قوة تحتاج إلى مزيد من التوثيق:
يقدم التقرير مادة مهمة حول دور الفضاء الرقمي، فهو يرصد محتويات مضللة مرتبطة بتأويل قرار المحكمة العليا الإسبانية، كما يتحدث عن مجموعات رقمية لعبت دورا في التعبئة والتنسيق وتبادل المعلومات حول طرق العبور.
غير أن هناك فارقا منهجيا بين: رصد انتشار محتوى مضلل، وبين إثبات أن هذا المحتوى تسبب مباشرة في قرار العبور.
فالتزامن الزمني لا يكفي وحده لإثبات السببية لذلك من الأفضل في التقرير النهائي التمييز بين:
الانتشار.
التأثير المحتمل.
التعبئة.
والسببية المباشرة.
كما أن المعالجة الرقمية تحتاج إلى بيان أوضح لكيفية التحقق من الحسابات، والمجموعات، ومصدر المحتويات، وتاريخ نشرها، واحتمال إعادة تدوير محتويات قديمة أو مفبركة.
سابعا: الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة إلى مشكلة الإثبات
من أكثر الوقائع دلالة في التقرير إشارته إلى حالة جرى فيها، وفقا لما عاينه المجلس وشهادة المعني بالأمر، تعديل صورة الواقعة وإعادة تشكيلها باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع وجود صور أخرى للإصابات لا علاقة لها بالسياق.
وهذه النقطة تفتح سؤالا يتجاوز أحداث سبتة ومليلية:
كيف يمكن للمؤسسات الحقوقية التحقق من الأدلة البصرية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
فالصورة لم تعد، في حد ذاتها، دليلا كافيا، وأصبح التحقق يحتاج إلى:
مصدر الصورة.
تاريخها.
مكان التقاطها.
سياقها.
سلسلة تداولها.
وإمكان تعرضها للتعديل.
وهو تحد سيصبح أكثر أهمية في تقارير حقوق الإنسان المستقبلية.
ثامنا: حقوق الطفل تستحق معالجة مستقلة
صحيح أن التقرير أولى القاصرين اهتماما واضحا، لكن أهمية الموضوع تستدعي، في التقرير النهائي، تخصيص محور مستقل يجيب عن أسئلة محددة:
ما هي الضمانات التي وفرت للقاصرين؟
كيف تم التعامل مع غير المرافقين؟
ما هي إجراءات تحديد السن؟
ما هي آليات الحماية والرعاية؟
ما هي ضمانات العودة أو الإرجاع؟
كيف تم احترام مبدأ مصلحة الطفل الفضلى؟
إن إدراج الطفل ضمن الإحصائيات لا يكفي، المطلوب هو تحليل وضعه الحقوقي والإجرائي بصورة مستقلة.
تاسعا: من الهجرة إلى «التطلعات».. أهم تحول مفاهيمي في التقرير:
من أكثر الأفكار عمقا في الوثيقة رفض اختزال العبور الجماعي في الفقر أو الهشاشة وحدهما، فالمجلس يدعو إلى فهم الظاهرة في علاقتها بتحول عميق في التطلعات، وبأثر المجتمعات الرقمية في إعادة تصور الحدود والحواجز.
وهذه قراءة تستحق التوقف، لأنها تنقل النقاش من لماذا يهاجر الفقير؟ إلى لماذا يختار أشخاص، بمن فيهم شباب وقاصرون، المخاطرة بالعبور رغم اختلاف أوضاعهم الاجتماعية؟
وهنا تصبح الهجرة ظاهرة تتداخل فيها:
التطلعات.
الإدراك الاجتماعي للفرص.
المعلومة الرقمية.
التأثير الجماعي.
صورة المستقبل.
والعلاقة بالحدود.
وهذا من أكثر الجوانب التي يمكن أن تمنح التقرير النهائي قيمة تحليلية تتجاوز الرصد التقليدي للهجرة.
عاشرا: هل التقرير قوي من منظور المعايير الدولية؟
يمكن القول إن الوثيقة تتضمن عناصر تتوافق مع عدد من المبادئ المعروفة في أعمال المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وتقارير تقصي الحقائق، فمبادئ باريس تؤكد على ضرورة أن تتمتع المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بولاية واسعة لتعزيز وحماية حقوق الإنسان، وبالاستقلال، والقدرة على التحقيق والرصد، والموارد الكافية.
كما أن منهجيات الأمم المتحدة في لجان التحقيق وبعثات تقصي الحقائق تركز على:
جمع المعلومات.
التحقق منها.
إنشاء سجل موثوق للأحداث.
تحليل الأدلة.
تحديد المسؤوليات عندما تسمح الأدلة بذلك.
وتقديم توصيات قابلة للتنفيذ.
ومن هذه الزاوية، تبدو الوثيقة قوية من حيث اتساع نطاق الرصد وتعدد مصادر المعلومات، لكنها، بحكم كونها وثيقة أولية، تترك مجالا مهما أمام التقرير النهائي لتعزيز سلسلة الإثبات، وتفسير التباينات الرقمية، وتحديد درجات اليقين، وربط الوقائع بالقواعد القانونية بصورة أكثر تفصيلا.
الحكم التحليلي على التقرير:
لا يبدو من الدقيق وصف الوثيقة بأنها قوية أو ضعيفة بإطلاق، الأدق هو القول إنها:
وثيقة رصد أولي غنية بالمعطيات، قوية في اتساع نطاق الرصد وتعدد أدواته، لكنها تحتاج في مرحلتها النهائية إلى مزيد من البناء الإثباتي والتدقيق المنهجي قبل تحويل جميع معطياتها إلى استنتاجات نهائية حول الوقائع والمسؤوليات.
وهذه النتيجة تتفق أيضا مع طبيعة الوثيقة كما قدمها المجلس نفسه، باعتبارها خلاصات واستنتاجات أولية وليست تقريرا نهائيا للتحقيق.
خاتمة:
قوة التقرير في أسئلته بقدر ما هي في أجوبته:
تكمن القيمة الحقيقية لوثيقة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في أنها لم تضع أحداث سبتة ومليلية داخل إطار أمني ضيق، وإنما أعادت طرحها باعتبارها قضية حقوق إنسان متعددة الأبعاد.
فالحدث يرتبط بالحق في الحياة.
ويرتبط بسلامة الأشخاص.
ويرتبط بحقوق الأطفال.
ويرتبط باستعمال القوة.
ويرتبط بالكرامة الإنسانية.
ويرتبط أيضا بالتضليل الرقمي وخطاب الكراهية والاتجار بالبشر.
لكن قوة التقرير النهائي لن تقاس فقط بعدد الوقائع التي سيضمها، بل ستقاس بقدرته على الإجابة عن سؤال أكثر جوهرية:
ما الذي تم التحقق منه فعلا، وما الذي لا يزال يحتاج إلى تحقيق؟
ومن هنا، فإن أهم ما يمكن أن تضيفه المرحلة المقبلة هو تعزيز الشفافية المنهجية:
تحديد مصادر كل رقم.
وتحديد درجة التحقق من كل واقعة.
والتمييز بين المعاينة والشهادة والادعاء.
وتفسير الفوارق في المعطيات.
وتحديد العلاقة بين الوقائع والاستنتاجات.
وربط كل استنتاج بالقاعدة القانونية ذات الصلة.
وتحديد المسؤولية فقط عندما تسمح الأدلة بذلك.
ففي مجال حقوق الإنسان، لا تكفي كثرة المعطيات لصناعة الحقيقة، وإنما تحتاج الحقيقة إلى دليل قابل للتحقق، ومنهج واضح، وتحليل قانوني منضبط، واستقلال في التقييم.
ومن هذه الزاوية، فإن خلاصات المجلس تمثل أرضية مهمة لفتح النقاش والتحقيق واستكمال التوثيق، أكثر مما تمثل في صيغتها الحالية
إن التقرير القوي ليس هو الذي يقدم أكبر عدد من الاستنتاجات، وإنما هو الذي يجعل القارئ قادرا على معرفة حدود ما ثبت، وحدود ما لم يثبت، وما الذي ينبغي أن تبحث فيه المرحلة التالية.
الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول العبور إلى سبتة ومليلية: قراءة في القيمة المضافة وحدود الرصد والاستنتاجات الأولية


