Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




تجليات الحكامة المؤسساتية بالمغرب على ضوء دستور 2011


     



الدكتور محمد البكوري

باحث في الحكامة



تجليات الحكامة المؤسساتية بالمغرب على ضوء دستور 2011
مقدمة:
 
 إن سؤال التجلي يظل سؤالاً محوريًا في هذه الدراسة، باعتبارها دراسة تتوخى إماطة اللثام عن الإرهاصات الأولية لتجلى مفهوم "الحكامة"، ومدى تبلور أبعاده وانبثاق مبادئه ببلادنا، وهي الإرهاصات التي تجعل من نمط الحكامة بالمغرب نمط حكامة في حالة انتقال، أو ما يمكن تسميته بـ"الحكامة الإنتقالية"، باعتبار المغرب لا يعيش في الوقت الحالي تجسيدًا حقيقيًّا للحكامة، بأبعادها الإيجابية المتعددة، حكامة ممأسسة، قائمة الوجود - رغم تأكيد دستور 2011 على دسترة آلياتها، كخطوة أولى نحو ترسيخ أسسها ومبادئها في عمق التحول السياسي، الذي ما فتئت تعرفه بلادنا - وإنما يعيش في ظل التأسيس لنظام "حكامة" انتقالي/إرهاصي يعرف مخاضات النشأة والتبلور والتحول من حكامة سيئةMauvaise Gouvernanceإلى حكامة جيدة Bonne Gouvernance .
 
فما هي أبرز تجليات "الحكامة المؤسساتية" بالمغرب؟ وكيف يمكن التأكيد على كون المغرب لا يعرف حاليًا أي نمط للحكامة المؤسساتيةشأنها شأن باقي أنماط الحكامة من سياسية، اقتصادية، اجتماعية، وإدارية ... - وإنما إرهاصات لحكامة مؤسساتية "انتقالية" تظل بر الأمان لتجسيد عمق الإصلاحات المتمثلة أساسًا فيما تضمنه المتن الدستوري لـ 2011 من وضع خارطة طريق واضحة لبناء المغرب المأمول أو المغرب الممكن، حسب تعبير تقرير الخمسينية؟ وما مدى انعكاس هذه التصورات والخطوات الإصلاحية على مسار تحديد مجمل الأنماط السائدة للحكامة ببلادنا؟
 
أولاً: الأبعاد النظرية للحكامة المؤسساتية:    

    من منطلق أن الحكامة هي في الأساس مجموعة من القيم والعادات والقواعد والمعايير التي تساعد الأشخاص والمؤسسات على اتخاذ قرارات ناجحة وبلوغ أهداف مشتركة، اعتمادًا على سلطة الشرعية والمشروعية، ومن منطلق أنها أيضًا أسلوب جديد في الحكم ونمط متجدد من التدبير، تعتمده الدولة من خلال مؤسساتها المختلفة وسلطتها الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ بغية تحسين نوعية حياة المواطنين وتحقيق رفاهيتهم على شتى الأصعدة، وذلك في إطار متماهي مع باقي مكونات وعناصر الحكامة من وسائل الإعلام (سلطة رابعة)، مجتمع مدني (سلطة خامسة)، قطاع خاص (سلطة منبثقة بالفعل)، والمواطن (سلطة صاعدة بالقوة)، نجد أن نمط الحكامة المؤسساتية يتبلور كشكل جامع للنماذج المؤسساتية المحددة لتدخلات مختلف الفاعلين على مستوى الأنشطة المساهم في انجاز أهدافها المتوخية للمصلحة العامة. هذه الأخيرة، لا يمكن أن يحصل إرضائها، إلا من خلال و سائل مختلفة تتمحور أساسا في نماذج محددة وتنظيمات متنوعة (عمومية، خاصة، ربحية، غير ربحية ... )، أي أن المصلحة العامة، يمكن أن يتم تحقيقها عبر الدولة، السوق، وكذلك انطلاقًا من التركيبات المؤسساتية للمجتمع المدني. على هذا الأساس، يسمح لنا مفهوم نظام الحكامة بالتمييز بين نماذج مثالية(types-Idéaux)  لأساليب تدخل الفاعلين وأساسًا الدولة، وتحليل التغيرات التي يمكن أن تطرأ على مختلف التجليات الإرهاصية لأنماط الحكامة وإدراك المركبات المؤسساتية لها، وهنا نجد أن أنواع الفاعلين تحدد حسب أشكالهم المؤسساتية: خاصة، عامة، لا ربحية ...، وعلى هذا الصعيد يتم التمييز بين ثلاثة أبعاد من الحكامة:
 
-          الحكامة التنظيمية (La gouvernance organisationnelle).
 
-          الحكامة المؤسساتية  .(La gouvernance institutionnelle)
 
-          أنظمة الحكامة.(régimes de gouvernance les) 
 
 
 
حيث تهتم الحكامة التنظيمية بأساليب التنسيق وتفاعل المتدخلين في دواليب المنظمة، في حين تركز أنظمة الحكامة على أساليب التنسيق وتفاعل المتدخلين على مستوى القطاع meso secteurأو الجماعةmacro une collectivité)  ).  أما فيما يتعلق بالحكامة المؤسساتية، فهي تعطي الأولوية لأساليب التنسيق والتفاعل بين المنظمة من جهة، وبين الفاعلين المؤسسين لمحيطها من جهة أخرى. وما يميز الحكامة المؤسساتية في هذا المستوى، هو توفيرها لأشكال مؤسساتية لجل الفاعلين عبر مختلف أنظمة الحكامة، والتي تتحدد فيما يلي:
 
-          الحكامة العمومية .(la gouvernance publique)
 
-          الحكامة المقاولة(La gouvernance corporate ou d’entreprise) .
 
-          الحكامة التنافسية.(La gouvernance concurrentielle) 
 
-          الحكامة التشاركية.(la gouvernance partenariale) 
 
 
 
إن نمذجة أنظمة الحكامة، تبرهن بشكل دامغ على أن مفهوم النظام المؤسساتي، يمكن أن يبنى ويستعمل في تحليل الظواهر والأشكال والصيغ المؤسساتية الموجودة برمتها، وهو التحليل الذي يتراوح مكانه حاليًا، بين الجانب التنافسي، خاصة على مستوى تحليل السياسات التنموية والمؤسسات الفاعلة فيها. وهنا نجد أنفسنا في نهاية المطاف أمام النموذج التشاركي (le modèle partenarial)
 
والذي يتطور بشكل تدريجي نحو نموذج تنافسي  concurrentielle le)  (modèle، فالأول يعكس ما يسمي بالحكامة التوزيعية(une gouvernance distribuée) أي توزيع المهام بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين، أو بشكل أوضح، حكامة تشاركية، تضمن نصيبًا معينًا من المشاركة لكل متدخل من المتدخلين. أما الثاني فهو يتجه بنموذج الحكامة، نحو السوق، انطلاقا من الشركاء العموميين الخواص والتشاور مع المواطنين بشكل فردي، والأخذ بميكانيزمات التركيز على الفاعلين الجماعيين، وهو النموذج الذي يحيل على حكامة السوق أو حكامة تنافسية متوخية للمزيد من الفعالية و الكفاية. ومن ثم، فانتقالية الحكامة المؤسساتية للدولة، إلى حكامة تشاركية، ثم حكامة تنافسية تتم عبر مرحلتين أساسيتين:
 
المرحلة الأولى: عبر إحداث جملة من التغييرات البنيوية والتنظيمية. فالحكامة التشاركية تدخل العديد من التعديلات الأساسية داخل المؤسسات العمومية. ويظل التعديل التنظيمي الأبرز هو الحرص على تبني القيم المتعلقة بالحكامة التشاركية، والمعبر عنها من خلال المبادئ الخاصة، بكل فاعل من الفاعلين الذين يوجهون أنشطتهم بشكل منذمج التقائي ترابي وتشاركي.
 
المرحلة الثانية: الأخذ بمبادئ وقيم السوق، مع التركيز على التدبير الاقتصادي التشاوري وجعل التنافسية منطلقًا للحكم على فعالية وكفاية المؤسسات، وجودة خدماتها وقيمة مردوديتها في تحقيق الأهداف المرسومة للحكامة. هذه الانتقالية المتجسدة عبر مرحلتين، يمكن أن تبرز بشكل جلي العلاقة الوطيدة بين نمطين من الحكامة: الحكامة المؤسساتية  والحكامة الإدارية، أي أنها تساهم في التأسيس لحكامة جيدة إداريًا ومؤسساتيًّا، وهي الحكامة الضرورية، الكفيلة بإرساء أواليات حقيقية لمساعدة ودعم الجماعات الناشئة من أجل الرفع من قدرات فاعليها المحليين وجعلهم يساهمون كفاعلين شموليين في تحقيق أهداف الحكامة المؤسساتية. هذه الأخيرة التي تقترح مع الدولة كإحدى أبرز مكونات الحكامة، الصيغ الملائمة للاستجابة للطلبات المتزايدة للامركزية الإدارية، كشكل جديد لتبلور إدارة "مواطنة" إدارة "خدومة" إدارة "القرب"، وكذلك اتخاذ تدابير ومقتضيات لمجابهة مختلف المخاطر الناشئة، ومنها المخاطر الاقتصادية والمالية والإدارية. وعموما، يمكن الوقوف على جملة من خصائص وسمات الحكامة المؤسساتية، من خلال تحديد النظريات المهتمة بهذا الشأن، والتي نذكر منها (دون أن ينقص ذلك من قيمة نظريات أخرى حاولت تناول الموضوع):
 
-          نظرية March et Olsen :  تنظر للحكامة المؤسساتية كفن للحكامة، يتمحور حول أربع وظائف: تنمية الكيانات والقدرات والبنيات وإجراءات التأويل التي تحسن من الانتقال، الأخذ بدروس التاريخ، القدرة على تحويل التجارب وتحويرها، وأخيرًا إعطاء بُعد جديد وتعريف حديث لأسلوب الحكامة وفق آليات المسايرة أو المواءمة والمواكبة أو المصاحبة.
 
-          النظرية المؤسساتية: فمن مميزات وميكانيزمات الحكامة المؤسساتية وفق منظور هذه النظرية التعامل مع مؤسسة النظام، انطلاقًا من حقوق الملكية وتدبير العلاقات مع الأفراد. فمن صالح السلطات العمومية التدخل على مستوى العديد من المفاتيح المؤسساتية لخلق دينامية، سواء على صعيد الحكومات أو المقاولات مع الارتكاز على سمات الريادة والفعالية والنجاعة.
 
-          النظرية النيومؤسساتية: تنطلق من وجهة نظر تركز على دراسة الماسسة(L’institutionnalisation)  ، بغية القيام بتقييم(Evaluation)  لإستراتيجيات وسياسات وقرارات الفاعلين. ومن إيجابيات ذلك ترسيخ البعد الدينامي للتغيير. وعمومًا، فهذه النظرية تبرز كيفية نشأة المؤسسات وتطورها وتحولها تحت تأثير سلوك الفاعلين وليس العكس. وبالتالي، فهي تمنح قوة تنظيرية وفكرية للحكامة المؤسساتية، الشيء الذي يجعل هذه النظرية هي الأكثر تبلورًا في الحقل المؤسساتي المغربي
 
ثانيًا: التجليات الإرهاصية للحكامة المؤسساتية بالمغرب على ضوء دستور 2011:                                            

    كما سبقت الإشارة، تتجسد النظرية النيومؤسساتية؛ كنظرية تحرص على البعد الدينامي للحكامة المؤسساتية، بشكل أكثر وضوحًا في الواقع المغربي، خاصة مع تبني دستور 2011، والذي ركز على إعطاء بعد محوري وأساسي لجملة من المؤسسات، منها ما كان موجودًا في الأساس، ومنها ما نص على ضرورة إنشائها. كل ذلك، تزامن مع الحرص على دسترة هذه المؤسسات، و بالتالي الرفع من القدرات التدخلية للحكامة المؤسساتية وإضفاء المزيد من الإشراقات على مستويات تبلورها. فماهي أبرز الهيئات والمؤسسات التي تم التنصيص عليها في الدستور الأخير، والتي تسعى بالأساس إلى ترسيخ أسس الحكامة المؤسساتية وترفع من مستوى تضمينيتها؟ يمكن القول: أن الفصول من 161 إلى 170، هي التي تؤطر البعد المؤسساتي للحكامة. وقد تم تقسيم المؤسسات المدسترة من خلال هذه الفصول على الشكل التالي: هيئات حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، ثم هيئات الحكامة  والتقنين، وأخيرًا هيئات النهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية.
 
أ‌-        هيئات حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، والمتمثلة فيما يلي: المجلس الوطني لحقوق الإنسان: مؤسسة وطنية تعددية، تهتم بحقوق الإنسان والحريات وحمايتها، وبضمان ممارستها الكاملة والنهوض بها، وبصيانة كرامة وحقوق وحريات المواطنات والمواطنين أفرادًا وجماعات، وذلك في نطاق الحرص التام على احترام المرجعيات الوطنية والكونية في هذا المجال (الفصل 161).
 
الوسيط: مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة، مهمتها الدفاع عن الحقوق في نطاق العلاقات بين الإدارة والمرتفقين والإسهام في ترسيخ سيادة القانون وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف وقيم التخليق والشفافية في تدبير الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية (الفصل 162).
 
مجلس الجالية المغربية بالخارج: يتولى على الخصوص إبداء آرائه حول توجهات السياسات العمومية التي تمكن المغاربة المقيمين بالخارج من تأمين الحفاظ على علاقات متينة مع هويتهم المغربية وضمان حقوقهم وصيانة مصالحهم، وكذلك المساهمة في التنمية البشرية والمستدامة في وطنهم المغرب وتقدمه (الفصل 163). 
 
الهيئة المكلفة بالمناصفة ومحاربة كل أشكال التمييز: المحدثة بموجب الفصل 19 من الدستور (والذي ينص على ما يلي: يتمتع الرجل و المرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذلك في الاتفاقيات والمواثيق الدولية كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها. تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، وتحدث لهذه الغاية هيئة للمناصفة و مكافحة كل أشكال التمييز. وتسهر هذه المؤسسة بصفة خاصة على احترام الحقوق والحريات المنصوص عليها في الفصل المذكور (الفصل 164).
 
ب‌-    هيئات الحكامة الجيدة والتقنين، والمتجسدة فيما يلي:
 
الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري: تتولى السهر على احترام التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر والحق في المعلومة في الميدان السمعي البصري، وذلك في إطار احترام القيم الحضارية الأساسية وقوانين المملكة (الفصل 165).
 
مجلس المنافسة: هيئة مستقلة، مكلفة في إطار تنظيم منافسة حرة ومشروعة بضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، خاصة من خلال تحليل وضبط وضعية المنافسة في الأسواق ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي  والاحتكار (الفصل 166).
 
الهيئة الوطنية للنزاهة و الوقاية من الرشوة ومحاربتها: والمحدثة بموجب الفصل 36 من الدستور، وهي مؤسسة تتولى مهام المبادرة و التنسيق وضمان تتبع تنفيذ سياسات محاربة الفساد، وتلقي ونشر المعلومات في هذا المجال، والمساهمة في تخليق الحياة العامة وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وثقافة المرفق العام، وقيم المواطنة المسؤولة. (الفصل 167).
 
ج-    هيئات النهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية، والمتبلورة كما يلي:
 
المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحت العلمي: هيئة استشارية، مهمتها إبداء الآراء حول كل السياسات العمومية والقضايا الوطنية التي تهم التربية والتكوين والبحث العلمي، وحول أهداف المرافق العمومية المكلفة بهذه الميادين وسيرها، كما يساهم في تقييم السياسات والبرامج العمومية في هذا المجال (الفصل 168).
 
المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة: والمحدث بموجب الفصل 32 من الدستور، كمؤسسة تتولى مهمة تأمين تتبع وضعية الأسرة والطفولة وإبداء آراء حول المخططات الوطنية المتعلقة بهذه الميادين وتنشيط النقاش العمومي حول السياسة العمومية في مجال الأسرة وضمان تتبع وإنجاز البرامج الوطنية المقدمة من قبل مختلف القطاعات والهياكل والهيئات المختصة (الفصل 169).
 
المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوى: المحدث بموجب الفصل 33 من الدستور، ويعتبر هيئة استشارية في ميادين حماية الشباب والنهوض بتطوير الحياة الجمعوية، وهو عبارة عن مؤسسة مكلفة بدراسة وتتبع المسائل التي تهم هذه الميادين وتقديم اقتراحات حول كل موضوع اقتصادي واجتماعي وثقافي يهم مباشرة النهوض بأوضاع الشباب والعمل الجمعوي وتنمية طاقاتهم الإبداعية وتحفيزهم على الانخراط في الحياة الوطنية بروح المواطنة المسئولة (الفصل 170). وبالإضافة إلى هذه المؤسسات، يمكن القول، أن التأطير الدستوري للحكامة المؤسساتية شمل مؤسسات أخرى من قبيل: المحكمة الدستورية، المجلس الأعلى للحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ... وقبل ذلك فهو أطر تواجدت مؤسسات أخرى من قبيل: الملكية والحكومة والبرلمان ... هكذا، يندرج الدستور المغربي الجديد أو ما يمكن تسميته بدستور الحكامة، في إطار صيرورة تراكمية من الإصلاحات العميقة، التي أنخرط فيها المغرب منذ ردح من الزمن ليس باليسير - على الأقل مع انبثاق معالم العهد الجديد في بداية الألفية الثالثة - همت مسائل تشكل جوهر دولة الحق والقانون بشكل خاص، ودولة الحكامة بشكل عام: الإنصاف والمصالحة، المفهوم الجديد للسلطة، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مدونة الأسرة، سياسة القرب، إصلاح العدالة، الحكامة التشاركية، الجهوية المتقدمة ... كل هذه العناصر وغيرها تؤسس إلى توجه جديد للمغرب الممكن، المغرب الصاعد، الذي يقوم و باستشرافية على توطيد الدعائم القانونية والمؤسساتية للدولة الحديثة وتكريس المبادئ الأساسية للحكامة الجيدة، من شفافية ومشاركة ومسؤولية ومحاسبة وتوافق ومساواة وإنصاف واندماج اجتماعي وكفاية ونجاعة ورؤية إستراتيجية. وبذلك، جعل الدستور الجديد للدولة المغربية، الحكامة الجيدة أحد أقوى المفاهيم التي يستند عليها في تخليق الشأن العام، بل تعداها إلى التنصيص في تصديره على كون "المملكة المغربية وفاءً لاختيارها الذي لا رجعة فيه في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون تواصل إقامة مؤسسات دولة حديثة" تعد الحكامة الجيدة من أبرز مرتكزاتها، وذلك كله تم عبر إضفاء طابع الدسترة على جملة من الهيئات الوطنية المستقلة دفعة واحدة، باعتبارها تجربة قانونية إيجابية؛ لأنها عملت على المؤسسة الدستورية لمجموعة من القطاعات والمجالات كانت لوقت قريب غير معترف بها، لكنه بمجرد دسترة هيئات ومؤسسات الحكامة الجيدة، ارتقى المشرع الدستوري بمجالات تدخلها وأعاد لها الاعتبار بمنحها الحماية الدستورية.
 
 
خـاتـمـة:
 
صفوة القول، إن هذه الترسانة "المؤسساتية"، والتي ترسخ برمتها لمفاهيم دولة المؤسسات والمؤسسة تشكل اللبنة الأساسية لبناء صرح الحكامة المؤسساتية ببلادنا، وتجعل منها الأفق المنشود للبعد التنموي. كما أن المتغيرات المحورية، التي أتى بها الدستور الجديد، تجعلنا أمام دستور ثاني في الحكامة عمومًا والحكامة المؤسساتية خصوصًا. هذه الحكامة تأتي في سياق التحولات الشمولية الوطنية والدولية، القديمة والمعاصرة، والتي شكل دستور 2011 فرصة ثمينة لتقديم إجابات جماعية صريحة على الإشكاليات المرتبطة بها عبر منح الشعب وسائل وأدوات مساهمته في تشييد المستقبل المأمول للمغرب الصاعد.
 
 
 
 
 
 

الاحد 24 ماي 2015
1961 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter