Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



تأملات في المقترح قانون بإحداث وتنظيم "مؤسسة الأعمال الاجتماعية لفائدة موظفي وأعوان وزارة المالية بقلم الدكتور العربي محمد مياد


     



تأملات في المقترح قانون بإحداث وتنظيم "مؤسسة الأعمال الاجتماعية  لفائدة موظفي وأعوان وزارة المالية بقلم الدكتور العربي محمد مياد

 
 
 
   أعدت الحكومة مشروع قانون رقم 82.12 يقضي بإحداث وتنظيم "مؤسسة الأعمال الاجتماعية لفائدة موظفي وأعوان وزارة المالية ، وقد تضمن هذا المشروع 28 مادة موزعة على الشكل  5 فصول  .

    والجدير بالتذكير أن الحكومة قدمت هذا المشروع قانون أمام مجلس المستشارين بتاريخ 13 دجنبر 2012 ، وتم الاتفاق على إعداد صيغة توافقية ، على اعتبار أنه يجب إشراك  الشركاء الاجتماعيين في إعداد وصياغة المشروع المذكور.

   وبالفعل التأمت لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس المستشارين  من جديد ووافقت بالإجماع على المشروع قانون التوافقي بتاريخ  14 يناير 2013 أي بعد شهر تقريبا ، ثم وافقت عليه الجلسة العامة في اليوم الموالي ، أي 15 يناير 2013. وأحيل على مجلس النواب بتاريخ 16 يناير 2013.كما أشعرت رئاسة الحكومة بذلك. 

    وعلى هذا الأساس  يكون هذا المشروع قانون من مشاريع القوانين التي لم تكلف لا جهدا وفيرا  ولا وقتا كبيرا ولا تعب التفكير المطول   لمجلس المستشارين من أجل المصادقة عليه. مما يدفعنا إلى التساؤل هل هناك مبررات لكل هذا التسرع؟ ثم أليس في هذه العجلة ما يجعل  النص يخرج  معيبا سواء في الشكل أو المضمون ؟ ثم ما ذا عن خلفيات هذا الاستعجال ؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها من خلال مناقشة بعض مواد النص كما صادق عليه مجلس المستشارين . وسنتبع في الدراسة التصميم الذي سار عليه المشروع قانون .

الفصل الأول : الإحداث والمهام

    لا شك ان واضع هذا  المشروع قانون لم ينطلق من فراغ وإنما فكر في إطار قانوني يقوم على أنقاض جسم قائم يدعى جمعية الأعمال الاجتماعية لوزارة الاقتصاد والمالية ، التي كانت إلى عهد قريب مختصة في النظر في ج حاجيات موظفي وأعوان وزارة المالية ، لكن في الشق المتعلق بالسلفيات والتخييم والاصطياف وبشكل محتشم في ما يتعلق بمناسك الحج والعمرة.

    وبالتالي كانت الاستفادة من هذه الخدمات مشروطا بالانخراط في هذه الجمعية التي أنشئت استنادا إلى ظهير الحريات العامة ، غير أن تكوينها لا يخرج عن التمثيليات الفئوية( جمعية المفتشين والأطر الموازية، جمعية المفتشين المساعدين ، جمعية الكتاب ...)، مما جعلها شبه مغلقة ،تسير من طرف مندوبي الجمعيات الفئوية بمساعدة الجهاز الإداري التابع لوزارة الاقتصاد والمالية ،ولا تخضع أعمالها للمحاسبة والمراقبة من طرف المنخرطين ، وهذا ما جعل الجمعية المذكورة تعمل" بالديمقراطية غير المباشرة" ، أي أن المستفيدين  يخضعون لقرارات ممثلي الجمعيات الفئوية ، حتى لو كانوا غير منخرطين في هذه الجمعيات ، وهذا من بين المفارقات التي أدت بواضع المشروع إلى التنصيص في المادة 3 على أنه يعتبر منخرطا في المؤسسة " جميع موظفي وأعوان وزارة الاقتصاد والمالية باستثناء موظفي وأعوان إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة ."

   وهذا يعني أن الانخراط في المؤسسة إجباريا ولا يخضع إلى الحرية الشخصية للموظف ، وفي هذا خرق سافر للدستور الذي جعل من أهم أعمدته ضمان حرية المواطن .
 ويبقى التساؤل المطروح  لماذا  تم إعفاء موظفي إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة من هذا الإلزام ؟ هل لأن هؤلاء لا ينتمون إلى وزارة الاقتصاد والمالية ؟ أو أن الأمر لا يعدو أن يكون امتيازا إضافيا لهؤلاء على اعتبار أن جمعيتهم توفر لهم امتيازات أهم وأحسن من تلك التي ستأتي  بها المؤسسة المنتظرة ؟

ومما يثير الانتباه أن المشروع في المادة 4 منه خول مستخدمو المؤسسات العمومية الموضوعة رهن وصاية وزارة الاقتصاد والمالية وأزواجهم وفروعهم، وكذا الملحقين والموضوعين رهن الإشارة  والمتقاعدين حق الانضمام إلى المؤسسة في الوقت تم استثناء موظفي إدارة الجمارك من إجبارية الانخراط  بقوة القانون .

   ولعل من أهم الاختصاصات المخولة لهذه المؤسسة ، الاهتمام  بالجانب الاقتصادي والاجتماعي  للمنخرطين ولا سيما جانب السكن والنقل ، إلا أن هذا الاختصاص يعتريه الغموض والفضفضة ، ذلك أنه لم يتم تحديد المقصود بتشجيع مشاريع السكن لفائدة المنخرطين  المنصوص عليها في الفقرة 1 من المادة 6 ، فهل يعني منح امتيازات سكنية ، أم تشييد مساكن بأثمنة  تفضيلية ومنحها للمنخرطين ،أم حث الناس على البحث عن مساكن ؟أم فقط دعوات الخير ؟   

وفي المقابل جاءت المادة 7 بمنع مستمد من النظام الشمولي البائد مفاده أنه " يمنع إحداث وتسيير أي مرفق ذي طابع اجتماعي لفائدة المنخرطين وأزواجهم وأبنائهم وذوي حقوقهم داخل العقارات المخصصة للمصالح التابعة للوزارة إلا من قبل المؤسسة وبترخيص من الإدارة ."

  هذا المقتضى له خلفيات أمنية وليس اجتماعية على اعتبار أن هناك جمعيات المديريات تنشط في المدن والقرى النائية ، فما الضرر الذي يلحق بالإدارة إذا قامت جمعية نسائية أو جمعية المعاقين المؤسسة من طرف موظفي وزارة الاقتصاد والمالية، أو فرع جمعية مديرية الضرائب مثلا  بأنشطة إنسانية واجتماعية لفائدة منخرطيها ، أليس في ذلك تكامل وتقوية أواصر المحبة بين بني الإنسان ؟ ثم ما ذا لو كانت خدمات المؤسسة المنتظرة سيئة ولا ترقى إلى الاعتبار،  أليس من حق الموظفين العمل بتطوع في جمعية موازية تخفف عبء الحياة على العاملين بالمناطق النائية ؟

   إن المادة 7 تلك منافية للدستور ، وتمس بالمساواة بين الأشخاص في الحقوق والواجبات ، خاصة وأننا في ظل دستور يكرس حرية المبادرة ، وأن المصالح التابعة للوزارة ليس حكرا على مؤسسة لا تعدو ان تكون جمعية بالمفهوم  القانوني للجمعية . خاصة وأن نفس المادة تشير إلى إمكانية تفويض تدبير هذه المرافق للقطاع الخاص .

    وفي هذا تناقض وكذا تطاول على اختصاص مديرية أملاك الدولة التي لها دون غيرها صلاحيات تسيير وتدبير ممتلكات الدولة الخاصة .

الفصل الثاني : التنظيم والتسيير

خول المشروع قانون المذكور صلاحيات التنظيم والتسيير لكل من لجنة التوجيه ومدير المؤسسة ولجنة إدارية .

وهكذا نصت المادة 10 على انه تتألف  لجنة التوجيه والمراقبة من السلطة السياسية في شخص وزير الاقتصاد والمالية  بصفته رئيسا والوزير المنتدب لدى وزير الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية بصفته نائبا للرئيس ومن 31 عضوا يتكونون من الكاتب العام للوزارة و 9 أشخاص يمثلون المديريات  منهم 5عن المديريات التي تضم مصالح لا ممركزة ، و15 عضوا يمثلون التجمعات الجهوية منهم واحد يعينه الوزير  و6 أعضاء يمثلون النقابات الأكثر تمثيلية داخل القطاع يعينون من طرف الوزير كذلك باقتراح من منظماتهم لمدة 4 سنوات قابلة للتجديد  مرتين .

 وتكون مهام أعضاء لجنة التوجيه والمراقبة مجانية ، غير أنه يمكن منح لهم التعويض عن التنقل . وتجتمع هذه اللجنة بدعوة من رئيسها أو نائبه او بطلب من نصف عدد أعضائها كلما
دعت الحاجة إلى ذلك ووجوبا مرتين في السنة على الأقل .


 ويلاحظ ان واضع المشروع ، لم يحاول أن يضع المقتضيات القانونية بمعزل على تأليف الحكومة الحالية ، ذلك انه إذا كانت هذه الحكومة  تضم وزيرا منتدبا لدى وزير الاقتصاد والمالية مكلفا بالميزانية ، فمن غير المستبعد ان يتم إسقاط هذا المنصب من الحكومة المقبلة  أو تغييره بجعل وزير يختص بالخزينة العامة مثلا ، أو أملاك الدولة ، فهل في هذه الحالة يتعين تعديل القانون من اجل التحيين .

  لذلك نرى  ان على  واضع المشروع أن يعرف ان من خصائص القاعدة  القانونية أنها عامة ومجردة   .

وقد عهد بإدارة  المؤسسة  إلى مدير معين مدير من أهم صلاحياته ، التسيير اليومي للمؤسسة وتمثيل هذه الأخيرة أمام القضاء والإدارات العمومية وغيرها وكذا إعداد مشاريع الاتفاقيات المزمع إبرامها ومشاريع الميزانية ، وكذا التقرير الأدبي والمالي السنوي للمؤسسة.، كما يعتبر الرئيس التسلسلي للمستخدمين العاملين بالمؤسسة ، ويعمل تحت إمارته كاتبا عاما ومسؤولا ماليا.

والتساؤل المطروح ، هل من الضروري ان يكون المدير من أطر وزارة الاقتصاد والمالية أو من الجائز أن تفتح الترشيحات في وجه الجميع ؟ ثم هل من المفروض ان يكون المرشح مزاولا للوظيفة ، او من الجائز ان يكون متقاعدا؟ وبصفة عامة هل لا بد من وجود شروط موضوعية كفيلة بالنجاح في المهمة ؟ أم ان المهم هو الولاء والطاعة لأصحاب النفوذ ؟

الفصل الثالث : التنظيم المالي

   إن أهم ما يسترعي الانتباه في مجال باب الموارد هو الاعتماد على الوقف وحصيلة مداخيل الاقترضات المصادق عليها من طرف لجنة التوجيه والمراقبة .
 فهل تعتبر  المؤسسة جهة تستحق أن يوقف عليها المواطنون ،وقد عرف  المرحوم  الشيخ  محمد المكي الناصري الأوقاف الإسلامية في المملكة الشريفة بأنها تراث خالص للمسلمين ، تركه السلف ضمانة مادية لاستقرار الإسلام واستمرار تعاليمه بين المغاربة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها [1]

فهل في ما ستقوم به المؤسسة المنتظرة ما يجعل الإسلام يستقر في البلاد ؟

أما بالنسبة  لمداخل الاقتراض، فهل المقصود بها الفوائد ؟ فإذا كان كذلك ، فهل من حق الجمعيات الحلول محل الأبناك وباقي المؤسسات المالية المخولة قانونا تقديم القروض بفائدة، ثم هل تقديم القروض بفوائد للمنخرطين الذين لن يكونوا إلا مسلمين جائزة شرعا ؟

الفصل الرابع : المراقبة المالية

أخضع المشروع قانون المؤسسة لمراقبة المفتشية العامة للمالية ؟

لكن التساؤل  فإذا كانت هذه المؤسسة تخضع لمراقبة المفتشية المذكورة ؟ فهل من حق أي مفتش للمالية أن يساهم في تسيير هذه المؤسسة  ؟  خاصة وأن البعض منهم يدير بعض المديريات بصفته مديرها ؟

 لذلك يجب منع الجمع بين مهمة مفتش المالية والعضوية في المؤسسة ، ضمانا للحياد والاستقلالية ومصداقية المراقبة المالية
 
الفصل الخامس   : أحكام مختلفة .

                                                                                                                         خولت المادة 25 من المشروع المؤسسة صفة المنفعة العامة ، وهي انطلاقة نرى فيها هدية مجانية لشخص معنوي لم تظهر بعد إمكانيته وتصرفاته حتى يمنح هذه الصفة ، إلا إذا كانت هناك رغبة في تخويله إمكانية الحصول على  الهبات المالية  من الدولة وغيرها، سواء من الداخل او الخارج ؟

لكن أخطر مقتضى هو ما جاء في الفقرة الثانية من المادة 25 من المشروع والذي جاء فيه "تنقل مجانا وبكامل الملكية إلى المؤسسة ابتداء من تاريخ نشر هذا القانون في الجريدة الرسمية العقارات والمنقولات والأصول التي تملكها جمعية الأعمال الاجتماعية لوزارة الاقتصاد والمالية "

إن المبتدئ في القانون يكتشف بالعين المجردة أن هذا المقتضى ينم عن شيئين : اولا أنه قد كرس مبدأ  بحل جمعية الاجتماعية الحالية  بصفة ضمنية ومصادرة  أموالها لفائدة مؤسسة جديدة ، و الكل يعلم أن المصادرة لا تكون إلا بحكم قضائي وهي عقوبة جنائية .

 وثانيا : أن تحويل أملاك الجمعيات إلى أخرى، يأتي بعد حل الجمعية الأولى بإرادة المنخرطين وينص قانونها الأساسي على ذلك أو يصدر حكم بذلك .

والحال أن جمعية الأعمال الاجتماعية لوزارة الاقتصاد والمالية جمعية  متكونة من  ممثلي الجمعيات الفئوية  المنتخبة ، وسيرها مكتب  متكون من هؤلاء ،   وليس من حق أي كان أن يوافق على مصادرة أموالها إلا بعد عقد جموع عامة بالموافقة على ذلك، وإلا عد العمل انذاك خرق لفصل السلط ، لأن القول بالمصادرة من اختصاص السلطة القضائية .

إن هذه الفقرة تعود بنا إلى مرحلة  عافها الجميع،  وغير مسايرة لدولة القانون وروح الدستور ومضمونه .

لهذه الأسباب : نرى أن المشروع قانون رقم 82.12 يقضي بإحداث وتنظيم مؤسسة الأعمال الاجتماعية لفائدة موظفي وأعوان وزارة المالية كما وافق عليه مجلس المستشارين في 15 يناير 2013، والمعروض حاليا على مجلس النواب  يتعين سحبه وعرضه على من يهمهم الأمر، وهم جمعيات المديريات والجمعيات الفئوية والنقابات بمختلف أطيافها وألوانها لما في ذلك من تأكيد للتشاور والشفافية ، مع العمل على التشطيب على كل المقتضيات المنافية للدستور وحقوق الإنسان، وتقليص عدد الأشخاص المعينين من الوزير لحساب المنتخبين انتخابا  ديمقراطيا عاما .


الهوامش

: كتابه الأحباس الإسلامية في المملكة المغربية ط 1992 ،ة وزارة الأوقاف والشؤون السلامية ص 17[1]

الاثنين 7 أكتوبر 2013


تعليق جديد
Twitter