Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




تأملات حول إصلاح القضاء، الجزء الثاني


     

هل يتمتع القضاة بقرينة البراءة؟

ذ أنس سعدون

عضو نادي قضاة المغرب بأزيلال

باحث بصف الدكتوراه بكلية الحقوق بطنجة



تأملات حول إصلاح القضاء، الجزء الثاني
من المعلوم أن المملكة المغربية التزمت في وقت مبكر ومنذ سنة 1979 بالعهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية، الذي تنص مادته الرابعة عشرة في فقرتها الثانية على ما يلي: " لكل فرد متهم بتهمة جنائية الحق في أن يعتبر بريئا ما لم تثبت إدانته طبقا للقانون". وقد كرس قانون المسطرة الجنائية الجديد هذا المبدأ وبوأه مكان الصدارة حيث نص في مادته الأولى على أن: " كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية...".

فالأصل في المتهم البراءة، وهي قرينة مؤداها افتراض براءة كل إنسان إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي بات، ولا تنتفي براءة الإنسان إلا بثبوت إدانته بأدلة مؤسسة على اليقين، وبمقتضى حكم قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به.

وإذا كان القضاء هو الساهر على حسن تطبيق مثل هذه المقتضيات فإن السؤال الذي يطرح بهذا الخصوص هو إلى أي حد يتمتع القاضي نفسه بمبدأ قرينة البراءة؟
 وتكمن أهمية السؤال فيما تناقلته وسائل الإعلام الوطنية مؤخرا من خبر اعتقال قاض بمدينة طنجة على خلفية شكاية تقدم بها مواطن تونسي تتعلق بالارتشاء، وما صاحب ذلك من تصريحات وأخبار وبيانات ترتبط بالموضوع.  

إذ يلاحظ أن التغطية الصحفية لواقعة اعتقال قاضي طنجة تناولت الموضوع من جوانب متعددة، فمنها ما سلط الضوء على وجود تسجيلات هاتفية في الملف من شأنها أن تثبت تورط قضاة آخرين في الإرتشاء، ومنها ما تحدث عن كون وزير العدل والحريات قد أشرف شخصيا على عملية اعتقال القاضي المذكور، بل وتناقلت صحف أخرى تصريحات منسوبة لوزير الاتصال تؤكد أنه كان متتبعا للملف المذكور منذ بدايته، وهو ما صرح به شخصيا وأمام الملايين من المغاربة في حوار تلفزيوني مباشر.

والحقيقة أنه لا يمكن لأي باحث حقوقي أو أكاديمي أن يغفل الإشكالات القانونية التي تثيرها مثل هذه الأنباء المتواترة، فمن جهة أولى إذا كان من المستساغ من الناحية المنطقية إشراف السيد وزير العدل والحريات على هذه العملية نظرا لكونه مسئولا عن وضع السياسة الجنائية، ويترأس جهاز النيابة العامة طبقا للقوانين الجاري بها العمل حاليا بالمغرب، فإن الأمر المستغرب هو التصريح الذي جهر به السيد وزير الاتصال بكونه كان بمعية السيد وزير العدل والحريات متتبعا لمسار القضية منذ بدايته، وهو ما يطرح أسئلة كثيرة تتعلق بمدى احترام مبدأ سرية البحث التمهيدي والتحقيق وكذا عدم جواز إفشاء أو نشر ما يجري خلال هذه المرحلة تحت طائلة العقاب. إذ ليس من المقبول أن يكون وزير الاتصال وبالرغم من صفته هاته على علم بمجريات الملف الذي لا يزال في مرحلة التحقيق لأنه ليس جهة قضائية، إذ لا يعتبر لا من القضاء الجالس، ولا من القضاء الواقف، كما لا يعد جهة تحقيق، ولا ينتمي إلى جهاز الدفاع، مما تنتفي معه أي شرعية لتصريحاته التي جهر بها لوسائل الإعلام المختلفة. ويضع علامات تساؤل كبيرة حول مصادر معلوماته ومدى علاقتها بالجهات الموكول لها البحث والتحقيق في نازلة الحال.

وغني عن البيان الدوافع التي جعلت أغلب التشريعات - بما فيها القانون المغربي- تؤكد على وجوب مراعاة مبدأ سرية التحقيق وأهمها الحرص على احترام حقوق المتهم خاصة الحق في الخصوصية الذي أكدته كل المواثيق الدولية، وما يتفرع عنه من حق كل إنسان في الحفاظ على سمعته من التشهير، وحمايته من فرضية التأثير الذي قد يمارسه الرأي العام سواء على شخص المتهم، أو أسرته، أو جهة التحقيق، وحتى الشهود. وكذا الحيلولة دون عرقلة إجراءات التحقيق التي ينبغي أن تمارس في سرية تامة حتى يتاح للجهات المعنية إمكانية ممارسة عملها بفعالية أكبر للوصول إلى الحقيقة. ثم الحفاظ على قرينة البراءة كضمانة دستورية أساسية لحماية الحرية الشخصية للمتهم. خاصة إذا استحضرنا أن تحريك إجراءات الدعوى العمومية وفتح تحقيق إعدادي في مواجهة أي شخص لا يعني بالضرورة أنه مدان.

من جهة ثانية نشرت مجموعة من الصحف أنباء عن وجود عدة تسجيلات تؤكد تورط المشتبه فيه وأشخاص آخرين معه في عملية الارتشاء، وبالرجوع إلى المقتضيات القانونية المنظمة لهذا الموضوع نجد أن إمكانية التقاط المكالمات في القانون المغربي تعتبر استثناء ضيقا من مبدأ عام يكفل وجوب احترام وتقديس الحرية في التواصل وضمان نزاهة ومصداقية وسائل الإتصال المختلفة، احتراما أيضا لقدسية الحياة الخاصة للأفراد كمبدأ دستوري أقرته أيضا كل المواثيق الدولية، لذا لم يسمح المشرع المغربي بهذه الإمكانية إلا في حدود ضيقة ووفق مسطرة دقيقة، وفي جرائم محددة، إذ يتعين أن تكون الجريمة المراد التنصت على المشتبه فيه بمقتضاها، تمس أمن الدولة أو تشكل جريمة إرهابية أو تتعلق بالمخدرات والمؤثرات العقلية أو بالأسلحة و الذخيرة أو بالمتفجرات وأخد الرهائن. وليس من بين الحالات المذكورة حصرا في المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية جريمة الارتشاء، مما يجعل كل الأنباء التي تواترت بهذا الخصوص عارية عن الصحة، وحتى على فرض صحتها فإن ذلك يعني أن كل الإجراءات التي تمت مباشرتها في هذا الصدد هي غير شرعية وفي حكم العدم.

من جهة ثالثة وبتتبع المواكبة الإعلامية لهذا الموضوع يلاحظ أنها تعيد إلى الواجهة من جديد طرح إشكالية أساسية وعميقة تتعلق بقرينة البراءة وعلاقتها بأخلاقيات مهنة الصحافة، فلا شك أن احترام قرينة البراءة يلتقي مع أخلاقيات مهنة الصحافة في مجال تحري الموضوعية في إخبار الرأي العام من جهة، واحترام سمعة الأشخاص وحقوقهم من جهة أخرى، والملاحظ أنه في الوقت الذي التزمت فيه بعض وسائل الإعلام مبدأ الحياد في نقل الخبر المذكور، فإن وسائل أخرى لم تتوانى عن تغطية الخبر بكل تفاصيله الدقيقة، بل وتقديم الشخص الذي لا زال قيد إجراءات التحقيق الإعدادي بصفة الشخص المجرم المرتشي، والجزم بكونه ضبط بالفعل في حالة تلبس، رغم أن ذلك يعتبر تطاولا على جهاز القضاء الذي يبقى وحده مختصا بالقول بوجود حالة التلبس من عدمها، والحكم بثبوت الفعل المنسوب للظنين أو براءته منه. وهكذا انزلقت وسائل إعلام عمومية وحتى خاصة، مكتوبة، مسموعة ومرئية في إصدار أحكام مسبقة ولم تأخذ مسافة مع مصادر الخبر، ولم تراعي أخلاقيات المهنة ولا حقوق شخص يفترض أنه بريء إلى أن تثبت براءته.

وحتى لو سلمنا جدلا بأن الخبر مقدس والتعليق حر كما يقال، فإن ذلك لا يعني إمكانية تحول التعبير عن الرأي إلى محاكمة مسبقة وتحامل وإطلاق نعوت وتهم خطيرة يدخل إثباتها في اختصاص القضاء، وتشكل قذفا بموجب قانون الصحافة نفسه، بل ومن شأنها أن تمس بمعنويات المتهم وكذا أفراد أسرته . وأن تؤثر في سير إجراءات التحقيق وربما المحاكمة أيضا. لذا يمكن استحضار اجتهاد القضاء المقارن بهذا الخصوص إذ أكدت محكمة النقض المصرية وفي وقت مبكر أن مجرد نشر التهمة المسندة إلى المتهم يعد جريمة، ولو تبث أنها كانت موضوعا للتحقيق (أنظر بهذا الخصوص قرار محكمة النقض المصرية الصادر في 24 مارس 1959، س 13، ص14).

من جهة رابعة وبقراءة أغلب التعليقات المصاحبة للأنباء المتعلقة بالواقعة والمنتشرة عبر شبكة الانترنيت يلاحظ أنه ثمة أزمة ثقة بين المواطن وجهاز القضاء من جهة، وغياب للتشبع بمبادئ حقوق الإنسان كالحق في محاكمة عادلة، واحترام قرينة البراءة، إذ أن أغلب التعليقات لا تكترث بضرورة احترام الإجراءات الشكلية التي ضمنها القانون، بقدر ما يهمها الحرص على ثبوت الفعل المنسوب للمتهم بأي شكل من الأشكال وإدانته بهذا الخصوص، حتى ولو على حساب الحقيقة، وعدم إفلاته من العقاب، لكي يكون فرصة للضرب بيد من حديد على كل متلاعب بشرف المهنة، وبجسامة المسئولية الملقاة على عاتقه، ولمحاربة الفساد المتفشي في أوساط متعددة، وهو ما يؤكد وجود هوة شاسعة بين الخطاب القانوني الذي من الواجب أن يسود في دولة الحق والقانون، والخطاب الشعبوي القائم على نية الانتقام الأعمى. الذي أذكته طريقة طرح ومعالجة الخبر المتداول والتي أسهمت في تأليب الرأي العام ضد جهاز القضاء ككل والذي بدا في صورة جهاز ينخره الفساد.

من جهة خامسة لم تخل نازلة الحال من التوظيف السياسي ولو بشكل غير مباشر وهو ما يبدو من خلال التصريحات المتعددة بل والمتناقضة في كثير من الأحيان التي تؤكد أن وزير العدل والحريات أشرف بنفسه على تفاصيل نصب الكمين لإيقاع المشتبه فيه، أو على خلاف ذلك تبين أن هذا الأخير لم يتدخل بشكل مباشر، وإنما كلف بذلك الوكيل العام بمحكمة الاستئناف المختصة، لكن التوظيف السياسي للقضية يظهر بشكل جلي في التصريح الصادر عن أحد وزراء الحكومة والذي مفاده أن هذه العملية تعتبر خطوة تدخل ضمن تصور الحزب لإصلاح القضاء.

وفي الأخير لا بد من التأكيد على عدم جواز التدخل في عمل القضاء، أو محاولة التأثير عليه، وضرورة الالتزام بالاحترام المكفول لقراراته، بحيث لا ينبغي التعليق عليها أو انتقادها إلا بالطرق القانونية، كما لا يجوز تسييس هذه القضية أو إعطاؤها أكثر مما تستحق إذ لا مناص من احترام المبادئ الحقوقية الدستورية، المتعارف عليها عالميا خاصة الحق في قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة كحقوق كفلتها الشرائع الوطنية والدولية لجميع الأشخاص بمن فيهم القضاة. إذ من الظلم أن يكون القاضي حريصا على تمتيع جميع المشتبه فيهم بضمانات المحاكمة العادلة، وعندما يقف في قفص الاتهام يتم تجريده منها.


تاريخ التوصل: 1يناير2012
تاريخ النشر:1يناير2012


الاربعاء 1 فبراير 2012
1466 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter