المراقبة الداخلية بالقطاعات الوزارية: من منطق الرقابة إلى ثقافة اليقظة القانونية وتدبير المخاطر: قراءة في المرسوم الصادر بتاريخ 30 يوليوز 2026
✍️ بقلم: د. نبيل محمد بوحميدي
مؤسس منصة MarocDroit العلمية.
منسق جهوي بمنتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية.
عضو المكتب التنفيذي لجمعية عدالة.
المؤسس ورئيس تحرير مجلة العلوم القانونية.
---
🔹 مقدمة
يشهد النظام القانوني المغربي خلال السنوات الأخيرة تحولا متدرجا نحو إرساء إدارة عمومية قائمة على النجاعة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، انسجاما مع أحكام دستور 2011، وخاصة الفصلين 154 و155 اللذين جعلا الحكامة الجيدة وجودة المرفق العمومي من المبادئ الدستورية المؤطرة للعمل الإداري.
وفي هذا السياق، يندرج صدور المرسوم رقم 2.22.381 المتعلق بالمراقبة الداخلية بالقطاعات الوزارية باعتباره لبنة جديدة في بناء منظومة الحكامة العمومية، من خلال الانتقال بالمراقبة الداخلية من وظيفة تقنية مرتبطة بالتفتيش إلى آلية استراتيجية لتدبير المخاطر وتحسين الأداء وصناعة القرار الإداري.
---
⚖️ أولا: المراقبة الداخلية بين الشرعية القانونية والشرعية الدستورية
لا يمكن قراءة هذا المرسوم بمعزل عن البيئة الدستورية التي أفرزته، فهو يستند إلى القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، وإلى القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية، اللذين رسخا مفاهيم الأداء والنجاعة وتقييم النتائج، كما ينسجم مع فلسفة الدستور التي جعلت الحكامة الجيدة مبدأ ملزما للإدارة العمومية.
ومن ثم، فإن المراقبة الداخلية لم تعد مجرد وسيلة لاكتشاف الأخطاء، بل أصبحت جزءا من الالتزام الدستوري بضمان حسن سير المرافق العمومية وجودة خدماتها.
---
⚠️ ثانيا: من الرقابة التقليدية إلى إدارة المخاطر
أهم ما يميز المرسوم هو تبنيه لمفهوم حديث للمراقبة الداخلية، يقوم على تشخيص المخاطر قبل وقوعها، وتحليلها، ووضع آليات للحد منها، بدل الاقتصار على مساءلة المسؤولين بعد حدوث الاختلالات.
ويعكس هذا التوجه انتقال الإدارة المغربية إلى نموذج Risk Management (إدارة المخاطر) المعتمد في الأنظمة الإدارية الحديثة، حيث تصبح المخاطر جزءا من عملية التخطيط وصنع القرار، وليس مجرد حدث استثنائي يعالج بعد وقوعه.
كما أن استلهام الإطار المرجعي الدولي COSO 2013 يؤكد انفتاح الإدارة المغربية على المعايير الدولية في مجال الحكامة، وهو توجه يعزز مصداقية الإصلاح الإداري ويرفع من جودة التدبير العمومي.
---
📊 ثالثا: هل تكفي اللجان والتقارير لإنجاح الإصلاح؟
رغم أهمية المستجدات التي جاء بها المرسوم، فإن نجاحه لن يقاس بعدد اللجان القطاعية التي ستحدث، ولا بعدد التقارير السنوية التي سترفع، وإنما بمدى تأثيره على الواقع الإداري.
فالعديد من التجارب المقارنة أبانت أن أنظمة المراقبة الداخلية قد تتحول إلى ممارسة شكلية إذا لم تتوافر ثلاثة شروط أساسية:
✅ قيادة إدارية مؤمنة بثقافة الحكامة.
✅ موارد بشرية مؤهلة في مجالات تدبير المخاطر والافتحاص الداخلي.
✅ نظام معلومات متطور يسمح بالتتبع والتقييم واتخاذ القرار في الزمن المناسب.
وبدون هذه الشروط، قد يتحول المرسوم إلى إطار تنظيمي متقدم يصطدم بواقع إداري تقليدي.
---
🏛️ رابعا: بين الحكامة والمساءلة
من أهم دلالات المرسوم أنه يربط المراقبة الداخلية بمفهوم المسؤولية الإدارية، إذ يجعل كل مسؤول وكل موظف طرفا في منظومة الرقابة، وهو ما ينسجم مع التحول العالمي نحو اعتبار الحكامة مسؤولية جماعية وليست اختصاصا حصريا لأجهزة التفتيش.
غير أن هذا التوجه يطرح بدوره تحديا أساسيا، يتمثل في ضرورة إيجاد توازن بين توسيع دائرة المسؤولية، وبين عدم خلق مناخ إداري يتسم بالمبالغة في الحذر أو الخوف من اتخاذ القرار، لأن الإدارة الناجحة هي التي تدير المخاطر، لا التي تتجنب اتخاذ القرارات.
---
🔮 خامسا: قراءة مستقبلية
من المتوقع أن يشكل هذا المرسوم مرجعا أساسيا في تطوير منظومة الافتحاص الداخلي وتقييم الأداء داخل الإدارات العمومية، كما قد يمتد أثره مستقبلا إلى المؤسسات العمومية والجماعات الترابية في إطار توحيد معايير الحكامة داخل القطاع العام.
غير أن نجاح هذا الورش سيظل رهينا بمدى تحويل المبادئ الواردة في المرسوم إلى مؤشرات قابلة للقياس، وربط نتائج التقييم بإصلاحات تنظيمية وقرارات عملية، حتى لا تبقى المراقبة الداخلية مجرد وظيفة إدارية، بل تصبح أداة حقيقية لصناعة الإدارة الحديثة.
---
📝 خاتمة
يمثل المرسوم رقم 2.22.381 خطوة متقدمة في مسار تحديث الإدارة المغربية، لأنه يؤسس لثقافة جديدة قوامها الوقاية بدل العلاج، والاستباق بدل رد الفعل، وإدارة المخاطر بدل تدبير الأزمات.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا النص لن تقاس بجودة صياغته القانونية، وإنما بقدرته على تغيير السلوك الإداري، وترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل الحكامة ممارسة يومية، وتربط المسؤولية بالنتائج، وتعيد بناء الثقة بين الإدارة والمواطن.
إن الإدارة المغربية اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من النصوص فحسب، بل إلى تحويل هذه النصوص إلى ممارسات مؤسساتية تؤسس لإدارة أكثر كفاءة، وأكثر شفافية، وأكثر قدرة على تحقيق التنمية وخدمة الصالح العام.
---
📚 هوامش
🌐 COSO (Committee of Sponsoring Organizations of the Treadway Commission)
إطار مرجعي دولي للمراقبة الداخلية أصدرته لجنة المنظمات الراعية للجنة تريدواي، ويعد من أبرز المعايير العالمية في تصميم وتقييم أنظمة المراقبة الداخلية وإدارة المخاطر، ويرتكز على خمسة مكونات رئيسية وسبعة عشر مبدأ تهدف إلى تعزيز الحكامة والشفافية وتحقيق الأهداف المؤسساتية.
⚠️ Risk Management (إدارة المخاطر)
منهجية إدارية تقوم على تحديد المخاطر المحتملة وتحليلها وتقييمها ووضع التدابير المناسبة للحد من آثارها أو منع تحققها، بما يضمن تحقيق أهداف المؤسسة بكفاءة وفعالية.
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"