Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



القرار الاداري الفردي


     

انجاز الطالب مصطفى عبدي والطالبة أسماء المنتصر
طالبين باحثين في ماستر
تدبير وافتحاص ادارات الدولة والجماعات الترابية بسطات



 القرار الاداري الفردي
مـقـدمـة

تعتبر المهمة الأساسية للدولةتحقيق المصلحة العامة، ولذلك تحتاج إلى مجموعة من الوسائل للقيام بهذه المسؤولية، وهذه الوسائل قد تكون ذات طابع مؤسساتي(الموارد المالية)، وقد تكون ذات طابع بشري(مجموعة من الأشخاص)، وقد تكون ذات طابع قانوني تمكنها من القيام ببعض التصرفات والأعمال(من بينهاالقرارات الإدارية). لذلك نجد أن القانون عهد للسلطة الإدارية بامتيازات هامة تتمثل أساسا في إصدار القرارات الإدارية التنظيمية كانت أم الفردية بغية تحقيق المصلحة العامة، والمصالح الخاصة للأفراد. وهذه الامتيازات تخول للإدارة درجة أعلى من الفرد وغير متساوية معه، بحيث تنفذ الإدارة قراراتها طواعية أو إكراها عبر التنفيذ الجبري والمباشر دون السعي إلى المحاكم وانتظار صدور حكم. فباعتبار القرارات الإدارية تشكل الأداة التنفيذية لنشاط الإدارة وبكونها "الأعمال القانونية التي تصدر عن الإدارة بصورة انفرادية بهدف تغيير تنظيم قانوني انطلاقا من الالتزامات التي تفرضها أو الحقوق التي تمنحها" حسب جورج فوديل (G. Vedel)، تتدخل الإدارة بواسطتها، بهدف تنظيم الحياة داخل المجتمع. غير أن هذه القرارات تنقسم الى عدة اقسام، فنجد القرارات الادارية من حيث التكوين والتي تضم القرارات البسيطة والقرارات المركبة، وهناك قرارات تنقسم من حيث الاثار وهي قرارات منشئة وأخرى كاشفة، كما هناك قرارات تنقسم من حيث رقابة القضاء عليها وتنقسم هي الاخرى الى قرارات تخضع للرقابة، واخرى غير خاضعة لها، وهناك قرارات من حيث نفادها وتضم قرارات نافذة وأخرى غير نافذة، بالإضافة الى قرارات من حيث مدىعموميتهاوالتي تنقسم إلى قرارات تنظيمية وأخرى فردية، وستكون هذه الأخيرة موضوع دراستنا.
حيث سنحاول في هذا الموضوع التعرف على القرار الإداري الفردي وذلك بالتطرق إلى ماهيته وسريانه، كما سنحاول رصد الإطار القانوني لتعليل القرارات الإدارية، وكيفية انتهائها. وللإحاطة بكل هذه العناصر ومعالجتها سنعمل على الاجابة عن التساؤلات الاتية:
ماهي القرارات الادارية الفردية ؟ وكيفية سريانها ؟ وما هو الاطار القانوني لتعليل القرارات الادارية الفردية السلبية؟ وطرق انتهائها ؟
وذلك عبر اعتماد المنهجين التحليليوالوصفي، من خلال وصف وتحليل مقتضيات القانون رقم 03.01 المتعلق بإلزام إدارات الدولة والجماعات المحلية وهيأتها والمؤسسات العمومية والمصالح التي عهد إليها بتسيير مرفق عام بتعليل قراراتها الفردية السلبية. وانطلاقا من هذه الأفكار التمهيدية ارتأينا تقسيم مضمون هذا الموضوع إلى مبحثين رئيسين:
 المبحث الاول : مفهوم القرارات الادارية الفردية
 المبحث الثاني : تعليل وانتهاء القرارات الادارية الفردية

المبحث الاول : مفهوم القرارات الإدارية الفردية

سنتطرق في هذا المبحث إلى التعريف بالقرارات الإدارية الفردية وإبراز اهمخصائصها ( المطلب الاول ). وسنعمل على سريانالقرارات الادارية الفردية( المطلب الثاني ).

المطلب الأول :ماهية القرارات الإدارية الفردية

لإعطاء تعريف للقرار الإداري الفردي يستحسن ان نميز بينه وبين انواع اخرى للقرارات الادارية المشابهة له. وفي هذا المطلب سنستعرض لمختلف التعريفات التي أعطيت للقرار الإداري الفردي والإحاطة بخصائصه في (الفقرة الأولى)، وفي( الفقرة الثانية)سنحاول تمييزه عن باقي أعمال الإدارة الاخرى.

الفقرة الأولـى : تعريف القرار الإداري الفردي وخصائصه

عند البحث في مسألة تعريف القرار الإداري الفردي فإننا نجد تعددا في التعاريف، فهناك من يعرفه بكونه ذلك القرار الذي يخص معينا بذاته، سواء تعلق الامر بشخص أو أشخاص، كتعيين أحد الموظفين أو عدد من الموظفين بأسمائهم ،أو بشيء أو عدة أشياء كالقرار الصادر ببناء مستشفى أو عدة مستشفيات. أو بحالة أو عدة حالات كالقرار المتعلق بفض مظاهرة معينة، وهنا لا يغير من الأمر احتواء المظاهرة على عدد كبير من الأفراد غير معينين بالذات لأن القرار يتعلق بحالة بعينها وهي تلك المظاهرة بذاتها، وإذا قامت مظاهرة أخرى بعد ذلك وإن كانت تضم نفس الأشخاص الذين شاركوا في تنظيم المظاهرة الأولى فإن القرار القاضي بفض المظاهرة الأولى لا يسري عليها .
فالعبرة في القرار الإداري الفردي ليست في قلة أو كثرة عدد الأفراد الذين ينطبق عليهم القرار، وإنما في تحديد هؤلاء الأفراد بذواتهم .
وهناك من يقصد به العمل الصادر عن السلطة العمومية بهدف إنشاء اثر قانوني، أو إلغائه، أو تعديله، أو زواله. وإذا كان القرار الإداري الفردي يعني عناصر محددة من الأفراد، فإن الأثار القانونية التي ينتجها لا تهم غير الأفراد المخاطبين به، مع افتراض توفر شروط تطبيق هذا القرار على الغير في المستقبل، لأن القرار الصادر يطبق على المجموعة التي كان يعنيها القرار بالذات .
وهناك من يعرفه بأنه القرار الذي ينشئ مراكز قانونية خاصة بحالات فردية تتصل بفرد معين بالذات أو بأفراد معينين بذواتهم وتستنفذ موضوعها بمجرد تطبيقها مرة واحدة .
ويعتبره أخر أنه القرار الذي يصدر في مواجهة فرد أو أفراد محددين بذواتهم وأسمائهم، ولا ينطبق هذا القرار إلا على الفرد أو الأفراد ولا يتعداهم إلى غيرهم .
و القرارات الإدارية بشكل عام تنقسم الى عدة انواع باختلاف الزوايا التي ينظر لها منها، فمن حيث مدى عموميتها تنقسم إلى فردية وأخرى تنظيمية، لذا يتوجب علينا لمعرفة الخصائص المميزة للقرار الإداري الفردي إظهار أوجه الاختلاف بينها وبين القراراتالإدارية التنظيمية و تتمثل في:
o القرارات الإدارية الفردية تسري على فرد أو أفراد معينين، أو حالات معينة بالذات، بينما القرارات التنظيمية تتضمن قواعد عامة ومجردة تطبق على كل من تتوفر فيهم شروط معينة دون تحديد الأشخاص بذواتهم وأسمائهم.
o القرار الإداري الفردي يسري من تاريخ إعلان المعني بالأمر بمضمون القرار كقاعدة عامة، في حين تسري القرارات التنظيمية من تاريخ نشرها بالجريدة الرسمية.
o تخضع الإدارة حين سحبها، أو إلغائها، أو تعديلها لقرار إداري فردي لشروط معينة محددة بقانون، بينما تملك الإدارة حق تعديل، أو إلغاء، أو سحب القرارات التنظيمية دون أن يكون لأحد الحق بالتمسك بحقوق مكتسبة باعتبارها تنظم قواعد عامة.
o القرارات الإدارية الفردية يختص بتفسيرها القضاء الإداري، بينما تختص المحاكم العادية بتفسير القرارات التنظيمية .
الفقرة الثانية : تمييز القرارالإداري الفردي عن أعمال الإدارة الأخرى
سنتعرض في هذه الفقرة إلى التمييز بين القرارات الإدارية الفردية والعمل التشريعي من جهة، و بين أعمال الإدارة من جهة أخرى،والتي تكون صادرة عن الإرادة المنفردة للإدارة لكنها لا ترقى الى مستوى القرارات الإدارية الفردية، كونها أعمال لا ترمي من ورائها الادارة ترتيب حقوق أو فرض التزامات وذلك على الشكل الاتي:

 القرار الإداري الفردي والعمل التشريعي : ولتمييز بينهما يجب الاعتماد على معيار عضوي إي الاستناد للجهة التي أصدرته، فإذا كانت السلطة التنفيذية هي من أصدره يعتبر بذلك قرار إداري فردي إن كان يخص معينا بذاته، وإن صدر عن البرلمان فهو يعتبر عملا تشريعيا. غير أن هذا المعيار لا يمكن الاعتماد عليه في التمييز بينهما،لأنه بإمكان السلطة التنفيذية القيام بعمل تشريعي، لذلك سنعتمد المعيار الموضوعي الذي يقضي بالنظر لمضمون العمل وموضوعه، فاذا كان الموضوع يخاطب شخصا او طائفة معينة بذاتها فهو يعتبر قرارا إداريا، اما إذا تعلق الأمر بقواعد عامة ومجردة بغض النظر عن الاشخاص فيعتبر عملا قانونياً .
 الاعمال التحضيرية : مجموع من الإجراءات التي تتخذها الإدارة وتتضمن تحقيقات واستشارات تمهيدا لإصدار قرار إداري فردي كان أم تنظيمي . وهذه الأعمال لا تولد حقوقا لذلك لا تقبل الطعن فيها بالإلغاء .
 الأوامر المصلحية : وهي الأعمال التي تتضمن تعليمات وتوجيهات من رئيس إلى مرؤوسيه لتفسير القوانين او اللوائح وكيفية تطبيقها وتنفيذها، وإذا أحدثت هذه الأعمال أثر في المراكز القانونية للأفراد تكون قد تجاوزت نطاق حدودها وتعتبر قرارات إدارية يقبل الطعن فيها بالإلغاء .
 الاعمال اللاحقة : تكون بمثابة اجراءات تنفيذية لقرارات سابقة وتنصب على تسهيل تنفيذ قرار إداري سبق صدوره ولا تشير الى قرارات مستقبلية، فهذه الأعمال لا يترتب عنها إحداث مراكز قانونية لذلك لا تقبل الطعن بالإلغاء ، لأنها ليست قرارات إدارية بمعنى الكلمة .
 المناشير والدوريات : الغاية من هذه الأعمال تحقيق مجموعة من الأهداف التي لا تأثير لها على المراكز القانونية القائمة فهما يشكلان وسيلة يعمل المسؤول الإداري بواسطتها على توجيه أوامر، أو توصيات، أو شروحات ذات طابع داخلي إلى المصالح الخارجية التابعة لها، فالدوريات والمناشير تمثل تلك العلاقة القائمة بين السلطة العليا والمصالح التابعة لها ضمن التسلسل الرئاسي، ولا يمنحان حقوقا او يفرضان واجبات، وبالتالي لا تعتبر قرارات إدارية . وأجمع القضاء على عدم قابلية النشور التأويلي او التفسيري للطعن فيه بالإلغاء أنها لاتعد مصدرا من مصادر المشروعية الادارية إلا إذا أضافت قواعد ومقتضيات غير موجودة في القانون، وعلى هذا الاساس حكمت المحكمة الادارية بالدار البيضاء في حكمها عدد 954 بتاريخ 27/12/2006 بين شركة النقل سهيل ووزير التجهيز"الدورية المتعلقة بتسوية مراقبة مخالفات قواعد السلامة الطرقية بإضافتها مقتضيات زجرية جديدة تكون قد تجاوزت مجال التأويل والتفسير التشريعي ويكون مصدرها قد تجاوز حدود سلطاته، والاعتماد على مقتضيات الدورية في سحب وثائق الحافلات ورخص السائقين يشكل تطبيقاً لمقتضيات مناقضة للقانون وحياداً عن المشروعية ..."

المطلب الثاني :سريان القرارات الادارية الفردية

تعد القرارات الادارية الصادرة عن السلطة الادارية المختصة نافذة من لحظة صدورها –كقاعدة عامة– وتقتضي العدالة الا تسري في حق الافراد الذين توجه اليهم إلا من تاريخ العلم بها بإحدى وسائل الاخبار المقررة قانونا. وتتولى الادارة السهر على تنفيذ تلك القرارات عن طريق التنفيذ المباشر، او بواسطة القضاء. وتبعا لهذا سنعمل على كيفية نفاذ القرارات الادارية الفردية من خلال سريانها في حق الاشخاص، وسريانها من حيث الزمان في فقرتين التاليتين.

الفقرة الاولــى : سريان القرارات الادارية الفردية في حق الاشخاص

يعتبر التصديق أو موافقة السلطة المختصة على القرار الاداري إصدارا له . ويصبح القرار نافذا في حق الادارة انطلاقا من تاريخ اصداره، ما لم يكن معلقا بشرط من الشروط كوجود الاعتماد المالي اللازم لتنفيذه . وتظل اهمية هذا التاريخ من خلال تقدير مشروعية القرار وتحديد اقدمية الحقوق التي تترتب عليه، ولا يصبح القرار نافذا في حق الافراد الا من تاريخ علمهم به بإحدى الوسائل التي يقررها القانون، واعتمادا على هذا التاريخ تبدأ مواعيد الطعن فيه. ويمكن اجمال وسائل اعلام القرار الاداري الفردي في طريقتين:

 الاعلان: هو الطريقة الواجبة الإتباع في القرارات الفردية، ويعتبر إجراءً إدارياً أساسيا تلتزم به الإدارة لضمان شرعية قراراتها وبالتالي لضمان تنفيذ مقتضياتها وإعطائها آثارا قانونية .ويتم إعلان القرار للمخاطبين به بأية وسيلة من وسائل الإعلان المعترف بها قانونا. مثل تسليم نسخة من القرار إلى المعني بالأمر شخصياً مع الحصول على توقيعه باستلام، أو إرسال القرار إليه مع الاشعار بالتوصل . ويجب أن يكون إعلان القرار شاملا لكل محتويات القرار الإداري مادام أنه لا يجوز الاحتجاج بهذا الأخير إلا في حدود ما تم تبليغه أو إعلانه .وتتمتع الإدارة بالسلطة التقديرية في اختيار وسيلة الإعلان التي تراها مناسبة، ولكن إذا اشترط القانون صراحة أن يتم الإعلان بوسيلة معينة بالذات بالنسبة لنوع معين من القرارات الإدارية، فإن الإدارة ملزمة باحترام ما نص عليه القانون . ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر أن قرارات تعيين وترقية الموظفين يجب أن تبلغ إلى أصحابها وأن تنشر في الجريدة الرسمية .وإذا ثبت للقضاء الاداري عدم احترام مسطرة التبليغ الاداري للمعني بالأمر بشأن العمل الاداري فإنها تستجيب لطلب الطاعن، وتقضي بعدم مشروعيته وهو ما جاء في حكم المحكمة الادارية بالرباط رقم 356 بتاريخ 02/02/2006 بشأن البث في مدى مشروعية التشطيب على المدعية من الصندوق الصحي للمكتب الوطني للنقل الذي اقدمت عليه إدارة هذه الاخيرة، وقد جاء في هذا الحكم " وحيث انه بالرجوع الى القرار الذي قضى بإحالة المدعية على التقاعد النسبي المؤرخ في 18/01/2000. نجده قد نص في فصله الاخير على احقية هذه الاخيرة في الاحتفاظ بأحقيتها في الاحتفاظ بانخراطها في الصندوق الصحي التابع للمكتب الوطني للنقل شريطة ادائها لواجبات الانخراط وفق نفس الشروط المطبقة على الذين لايزالون يعملون بالمكتب". مما يستفاد معه ان المستخدم المتقاعد يحتفظ من حيث المبدأ بانخراطه في الصندوق الصحي في حالة استمراره في أداء واجبات الانخراط وأن التشطيب عليه لا يمكن أن يتم إلا بتقاعسه عن ذلك الاداء، والذي يستلزم بالضرورة توجيه إنذار مسبق بذلك الى المعني بالأمر يشعره بوجوب الاداء داخل اجل معين تحت طائلة التشطيب عليه، استناداً الى القواعد العامة في هذا الشأن ما دام أن الامر يتعلق بالحرمان من أحد الحقوق المقررة له، خصوصاً وأن الصياغة الغامضة التي ورد بها الفصل المذكور قد تثير بعض اللبس بالنسبة للمتقاعد من كون أن واجب الانخراط يتم اقتطاعه تلقائياً من المنبع قبل التوصل براتب المعاش كما تمسكت بذلك المدعية .

 العلم اليقيني: وهي وسيلة اخرى لإبلاغ الأفراد بصدور القرار الإداري، ويقصد بها أن يثبت بطريقة ما وبشكل يقيني لا بشكل ضمني أن الفرد صاحب الشأن قد علم بصدور القرار الإداري وبمحتوياته، كأن يتقدم صاحب الشأن إلى الإدارة المعنية بتظلم كتابي من القرار، او يذهب الموظف العام لاستلام عمله في الجهة التي صدر قرار اداري بنقله اليها . ولكي يعتد بالعلم اليقيني في حساب ميعاد الطعن بالإلغاء في القرارات الإدارية يجب ان تتوفر فيه ثلاثة شروط وهي :

 أن يكون علماً يقينياً لا ضمنياً ولا افتراضياً.

 أن يشمل هذا العلم جميع عناصر القرار التي تمكن صاحب الشأن من تحديد موقفه حيال القرارات من قبوله او الطعن فيه.

 أن يثبت حدوث هذا العلم اليقيني في ميعاد معين يمكن منه حساب بدء ريان مدة الطعن.

وقد وردت هذه الشروط في مختلف الاجتهادات القضائية، إلا انه يؤخذ بها عند الضرورة وفي حالات ضيقة، لأن القاعدة في الاشهار تبقى مركزة على النشر والإعلان، كما نص القانون على طرق خاصة للنشر والاعلان يجب اتباعها، وذلك كتعليق القرارات في لوحات خاصة في الدوائر الحكومية أو في بعض الاماكن العامة. كما اعتبر القضاء الاداري المغربي العلم اليقيني من الوسائل المعتمدة في إعلام الأفراد بصدور القرارات الإدارية، ونستدل في هذا المجال بحكم المحكمة الادارية بالرباط رقم 1459 بتاريخ 09/12/2003 والذي قضى باعتبار التظلم الذي يستفاد منه العلم اليقيني بالقرار الاداري، بداية لاحتساب اجل الطعن بالإلغاء، وذلك بقوله "وحيث انه ولئن كان المشرع في المادة المذكورة قد حدد انطلاق احتساب الاجل ابتداء من نشر القرار وتبليغه بحسب طبيعة القرار إلا أن الاجتهاد القضائي ورعياً من للغاية المتحدث عنها أنفاً استقر على إمكانية التسليم بإمكانية احتساب أجل الطعن بالإلغاء حتى في غياب نشر القرار الاداري أو تبليغه ما دام أن المخاطب به كان عالماً يقينياً بمضمونه وبالسلطة مصدرته". وحيث انه وعلى فرض كون القرار المطعون فيه لم يتم تبليغه الى الشركة الطاعنة، فإنه بالرجوع الى نسخة التظلم المرفق بالمقال الافتتاحي يثبت ان مضمونه يكمن في أن الشركة بواسطة مسيرها تستعطف رئيس المجموعة الحضرية بتطوان بصفته مصدر القرار من أجل إعادة النظر في القرار رقم 62/01 بتاريخ 17/10/2001 المتعلق بتنظيم السير والجولان بالمدينة وبإعادة ترتيب محطات النقل بها. مما يفيد ان الشركة كانت على علم تام بالقرار المطعون فيه، الشيء الذي يجعل من طب الالغاء المقدم 22/11/2002 والحال ان مصدر القرار توصل بالتظلم بشأن القرار المطعون فيه في 21/12/2001 حسبما يستفاد من التأشيرة الواردة في التظلم المذكور والمسجل تحت رقم 2163، قد جاء خارج الاجل المنصوص عليه في المادة السابق الاشارة إليها، وبالتالي يتعين الحكم بعد قبوله .
وقد نص القانون على طرق خاصة للنشر أو الإعلان يجب إتباعها. وذلك كتعليق القرار في لوحات خاصة في الدوائر الحكومية أو في بعض الأماكن العامة . وكيف ما كان الحال، فإن الإثبات سواء بالنسبة للإعلان، أو العلم اليقيني يقع على عاتق الإدارة بل إن القضاء يتشدد في تقبل الأدلة التي تقدمها هذه الأخيرة لإثبات تبليغها .

الفقرة الثانية : سريان القرار الإداري من حيث الزمان

الأصل أن القرار الإداري يسري من تاريخ إصداره وفي حق الأفراد المخاطبين به من تاريخ شهره بالنشر في الجريدة الرسمية أو من تاريخ إعلان صاحب الشأن بمضمونه.
وبالرغم من القواعد السابقة المسلم بها التي تحكم فورية نفاذ القرارات الإدارية فإن هناك استثناءين هامين على هذه القواعد : أحدهما يقضي بسريان القرارات الإدارية بالنسبة للمستقبل دون الماضيبمعنى عدم رجعية القرارات الإدارية، وثانيهما يقضي بإرجاء نفاذ القرارات الإدارية إلى فترة لاحقة على صدوره بمعنى نفاذه في المستقبل .

1) مبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية

يعتبر هذا المبدأ من المبادئ العامة التي استقر الفقه والقضاء الإداريين على الأخذ بها... ويعني هذا المبدأ عدم جواز تطبيق القرار الإداري على الوقائع القانونية التي تمت قبل التاريخ المحدد لبدء سريانه، وإنما ينحصر سريان أثر القرار على ما يحدث من وقائع وأعمال بعد تاريخ السريان .
وقد أكد الفقه والقضاء الإداريين على مبررات الأخذ بهذا المبدأ والتي تتمثل في، عدم تجاوز حدود الاختصاص الزمني، بمعنى منع مصدر القرار من الاعتداء على اختصاص سلفه، وذلك إذا لم يكن مصدر القرار مختصا خلال الفترة السابقة التي امتدت إليها آثاره، والرغبة في احترام الحقوق المكتسبة وضمان استقرار المعاملات والأوضاع القانونية، كأن يصدر قرار بمعاقبة موظف بالحرمان من الترقية بأثر رجعي فيؤدي إلى حرمانه من ترقية كان قد استحقها فعلا قبل توقيع الجزاء عليه، والحيلولة دون تطبيق القرار خلال فترة قد لم يكون سبب القرار قائما خلالها، وإنما ظهر بعد صدوره.
وبالرغم من المبررات السابقة التي تؤكد على الحكمة من إقرار هذا المبدأ إلا أن الفقه الإداري أجاز الاستثناءات على هذا المبدأ تتمثل في :
 وجود نص قانوني صريح يبيح رجعية أنواع معينة من القرارات الإدارية عند الضرورة.
 وجود حكم قضائي بإلغاء القرار المعيب، فيصبح لزاما على الإدارة القيام بتصحيح ما قد ترتب على ذلك القرار المعيب من الأوضاع الخاطئة في الماضي، وذلك بإصدار قرارات صحيحة بأثر رجعي لتصحيح الأوضاع السالفة.
 حالة سحب قرار إداري فردي منشأ لوضعية قانونية بأثر رجعي له شرطين أساسيين، أن يقع السحب خلال أجل رفع الدعوى الإلغاء أو أثناء التقاضي عند رفع الدعوى في الأجل القانوني وأن تكون القرارات المسحوبة مشوبة بعدم مشروعيتها مما يستوجب بطلانها.
 حالة القرارات الإدارية التي تتضمن بالضرورة أثر رجعيا، مثل القرارات التي تصدر من هيئة إدارية خولها القانون سلطة إصدار قرارات تسري خلال فترة معينة .
ويدخل في هذا المجال كذلك سريان القرارات الادارية بأثر رجعي إذا كان ذلك لا يمس بمقتضيات سير المرافق العامة. ولقد عمل القضاء الاري على تطبيق مبدأ عدم رجعية القرارات في الكثير من احكامه مع مراعاة الاستثناءات الواردة على المبدأ المذكور بنصوص قانونية صريحة. وتطبيقا للمبدأ المذكور رفضت المحكمة الادارية بالرباط في حكمها رقم 1328 بتاريخ 29/09/2005 بما يلي " وحيث انه مما لا نزاع فيه ان المدعي تمت إحالته على التقاعد ابتداء من فاتح ابريل 1999، أي في وقت سابق على دخول المرسوم المحتج به حيز التنفيذ (ابتداء من 06/11/2000)، وبالتالي فإن اثار هذا الاخير ومقتضياته لا يمكن ان تسري عليه بحكم لان صلته النظامية بالإدارة نكون قد انقطعت، وأن الحق في الترقي تحكمه مقتضيات من قانون الوظيفة العمومية والقوانين الاساسية الخاصة، وانه بانتهاء هذه العلاقة بإحالة الموظف على التقاعد فإنه لا يبقى مشمولا بالترقية المقررة بموجب نص قانوني لاحق على تاريخ تلك الإحالة مراعاة لقاعدة عدة رجعية القوانين"، وهذا الاتجاه هو الذي سار عليه المجلس الاعلى في قضية مماثلة في قرار صادر بتاريخ 25/12/2003 في الملف الاداري رقم 2046بتاريخ 04/01/2002، والذي جاء فيه " وحيث انه تبعاً لذلك يكون الطلب غير مبني على اساس سليم ويتعين رفضه" .

2) مبدأ إرجاء آثار القرارات الإدارية إلى تاريخ لاحق

وهذا المبدأ يعني جواز أرجاء ترتيب القرار الإداري لآثاره ونفاده في مواجهة المعنيين به وذلك بإضافته إلى تاريخ لاحقا على صدوره من خلال تعليق نفاده على شرط واقف إذا كان ذلك يحقق المصلحة العامة، وفي ذلك خروج على الأصل العام المقرر للنفاذ الفوري في القرارات الإدارية.
إلا أنه يجب التمييز -في تطبيق هذا الاستثناء- بين القرارات التنظيمية والقرارات الفردية. ففي القرارات التنظيمية يجوز إرجاء آثارها إلى تاريخ لاحق لكون هذه القرارات لا تنشئ حقوقا مكتسبة لأحد ولكنها تنشئ حقوقا تنظيمية عامة وبالتالي يكون للسلطة القائمة وقت التاريخ المقرر لإعمال أثرها أن تعدلها أو تكيفها وأن ذلك لا يتضمن أي اعتداء على سلطة الخلق لأن هذا الخلق يستطيع في كل وقف أن يعدل اللائحة .
اما بالنسبة القرارات الفردية فإن تأخير هذه القرارات إلى تاريخ لاحق تحدده الإدارة لأنه قد يكون فيه اعتداء على السلطة صاحبة الاختصاص في ذلك التاريخ والتي لا تكون هي نفس السلطة المصدرة للقرار.
لذلك فإن الاجتهاد القضائي وخاصة اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي لم يقر بهذا الإرجاع في كثير من أحكامه إلا إذا أثبت من ظروف الحال ان إرجاء تنفيذ القرار إلى تاريخ لاحق كانت تقتضيه ضرورات المرفق ومستلزمات سيره. ومن هذا القبيل رفضه إلغاء قرارات التعيين التي صدرت قبل نشر المرسوم الذي أنشأ الوظائف وبعد صدوره وتسليمه بصحة تعيين مهندس مع إرجاء آثار القرار حتى أدائه الخدمة العسكرية .

3) كيفية تنفيذ القرار

يكون للقرار الإداري قوة تنفيذية فهو يلزم المواطنين ويضع لهم امتيازات، ويمكن في بعض الحالات أن تنفذ الإدارة قراراتها بالقوة.
 التنفيذ الاختياري للقرارات الإدارية
يتعلق الأمر بتلك القرارات التي تخول لصاحبها امتيازات وحقوق فإذا كان الهدف من القرار الإداري أن يعطي للمواطن حقا، أو يمنحه رخصة لفتح متجر، أو استيراد بضائع من الخارج، أو بناء مشروع، فهذا القرار لا يحتوي في مضمونه على أي إلزام بالتنفيذ بل يترك للمستفيد منه حق الاختيار حسب إمكانياته وظروفه وإرادته، فإما أن يبادر بتنفيذه وفق المادة القانونية المنصوص عليها، وإما أن يطلب تجديده، او يتنازل عنه .
 التنفيذ المباشر للقرار الإداري بواسطة الإدارة
تعتبر هذه الوسيلة من أهم الامتيازات التي تتمتع بها السلطة الإدارية في مزاولتها لنشاطها، إذ تستطيع الإدارة أن تقوم بتنفيذ قراراتها بشكل مباشر على الأفراد بدون أن تلجأ إلى القضاء للحصول منه على إذن بالتنفيذ، فالإدارة تستطيع أن تستخدم القوة الجبرية عند الاقتضاء لمواجهة عناد الأفراد في تنفيذ القرارات، إذ أن هذا الامتياز له جانبين : أولهما يتمثل في امتياز إصدار قرار من جانبها يرتب أثره على الأفراد دون مشاركة منهم، وثانيهما يتمثل في امتياز تنفيذ القرار جبرا عند الاقتضاء ودون إذن من القضاء.
إلا أن حق الإدارة في تنفيذ قرارتها مباشرة وبالقوة إذ لزم الأمر يخضع لمجموعة من الضوابط والقيود التي تضمن عدم تجاوز هذا الاستثناء الخطير لحدوده والمساس بحقوق الأفراد وحرياتهم، وتتمثل هذه الضوابط فيما يلي :
 حالة وجود نص بلا جزاء لمن يخالفه: إذا رفض من صدر بحقهم القرار الامتثال له طواعية بعد أن تطلب منهم الجهة المختصة مصدرة القرار تنفيذه، ذلك أن الحرص على الاستجابة السريعة والفعالة لضرورة عدم تعطيل سير العمل الإداري واستقرار الأوضاع والمراكز الناشئة عنها، كلها مبررات تقتضي –عند عدم انصياع الأفراد طواعية واختيارا لقراراتها- تنفيذ قراراتها تنفيذا مباشرا أو جبرا إذا لزم الأمر.
 حالة الضرورة وتكمن في وجود خطر يهدد النظام العام ويستدعي تدخل الادارة بشكل عاجل للمحافظة على الامن العام، بحيث لو انتظرت الادارة حكم القضاء لترتب عن ذلك اخطار جسيمة، وبالتالي يحق للإدارة ان تلجأ الى التنفيذ المباشر حتى لو كان المشرع يمنعها صراحة من اللجوء اليه. ومن امثلة هذه الحالة التي تبررالتنفيذ الجبري وقوع اضطرابات داخلية تهدد النظام العام. غير ان تدخل الادارة في هذه الحالة يستند الى ضرورة وجود شروط معينة حددها القضاء والمتمثلة في :

1. وجود خطر جسيم يهدد النظام العام ويتطلب سرعة التدخل لتفاديه.
2. تعذر دفع هذا الخطر بالطرق القانونية التي تلتزم الادارة باتباعها وتأكدها من عدم جدواها في مواجهة الخطر.
3. ان يكون القصد من تدخل الادارة هو تحقيق المصلحة العامة عن طريق صيانة النظام العام، وليس تحقيق المصالح الشخصية بحجة حالة الضرورة.
4. عدم التضحية بحقوق ومصالح الافراد في سبيل المصلحة لعامة إلا بقدر ما تستلزمه الضرورة، وكل مبالغة او تعسف من طرف الادارة يخضع لرقابة القضاء.
 حالة وجود نص قانوني صريح يخول الإدارة حق اللجوء الجبري المباشر ذلك لأن التنفيذ الجبري المباشر هو في الأصل وسيلة استثنائية يتم اللجوء إليها في حالات محددة، الأمر الذي يقتضي استناد الإدارة في استخدام هذه الوسيلة إلى نص قانوني يجيزها . مثل الفصل 73 من النظام الاساسي للوظيفة العمومية الذي يخول للإدارة في فقرته الثانية الحق في تحديد الاقتطاع الذي سيتحمله الموظف لمصلحة التحقيق .
 تنفيذ القرارات الإدارية عن طريق القضاء
يفترض أن تلجأ الإدارة أصلا إلى القضاء المختص للحصول على حقوقها في تنفيذ القرار الإداري ويتم تنفيذ القرار الإداري بواسطة القضاء عن طريق توقيع الجزاء الجنائي،او المدني،او التأديبي:
الجزاء الجنائي: قد تلجأ الإدارة للقضاء الجنائي لتنفيذ قراراتها وحمل الأفراد قسرا على التنفيذ بتوقيع عقوبات عليهم،فوسيلة الدعوى الجنائية من الأساليب التي يعتبرها الفقه والقضاء الأسلوب الأمثل الواجب إتباعه في الحالات التي يمتنع فيها الأفراد عن تنفيذ القرارات طواعية .
الجزاء المدني: تستطيع الإدارة أن تلجأ إلى القضاء المدني لإلزام الأفراد باحترام قراراتها وتنفيذها جبرا ويرى بعض الفقهاء أن إتباع الإدارة لطريق القضاء العادي وإن كان قليل الحدوث عملا وعدم استخدامها لامتيازات السلطة العامة التي تتمتع بها، فيه ضمانة أكبر لاحترام حقوق وحريات الأفراد .
الجزاء التأديبي: تستخدمه الإدارة أحيانا لمواجهة من يرفض الانصياع لقراراتها أو أوامرها، ومن أمثلة ذلك : العقوبات التأديبية التي توقع على الموظفين المخالفين لأوامرها، والعقوبات التي توقع على المنتفعين بخدمات المرافق العمومية من مخالفات إزاء القرارات المنظمة لهذا الانتفاع.ومثل الغرامات والمصادرة والحبس وإغلاق المحلات المقلقة للراحة أو المضرة بالصحة العامة، فضلا عن سحب التراخيص الخاصة بمزاولة المهن الحرة والتجارية .

المبحث الثاني:تعليل و انتهاء القرار الإداري الفردي

يراد بتعليل القرار الإداري بشكل عام الإفصاح كتابة في صلب القرار عن الأسباب القانونية والأسباب الواقعية التي قادت إلى إصدار قرار معين، وحتى نحيط بالمعنى الحقيقي لتعليل القرارات الإدارية الفردية، سنعمل على تحليل مضمون القانون المتعلق بتعليل القرارات الإدارية في (المطلب الاول). وفي (المطلب الثاني) سنعرض لانتهاء العمل بالقرار الإداري الفردي، وذلك إما بسحبه او بإلغائه، سواء كانت هذه القرارات سليمة أم معيبة.
المطلب الاول : مضمون القانون 03.01 وشروط صحة التعليل
اعتبر القضاء التعليل هو الأصل في القرارات الادارية. ففي فرنسا صدر قانون 11 يوليوز 1979 المتعلق بتعليل القرارات الإدارية بغاية تحسين العلاقة بين الإدارة والمرتفقين، وقد سار المغرب على نهج المشرع الفرنسي، حيث عمل على اصدار القانون 03.01 المتعلق بإلزامية الإداراتالعموميةوالجماعاتالمحليةوالمؤسساتالعموميةبتعليلقراراتها الادارية .
وسنعمل في هذا المطلب على تحليل مضمون القانون 03.01 في (الفقرة الاولى). كما سنتعرف على شروط صحة التعليل وجزاء الاخلال به في (الفقرة الثانية).

الفقرة الاولى : مضمون القانون 03.01

صدر الظهير الشريف رقم 1.02.202 صادر في 12 من جمادى الأولى 1423 (23 يوليوز 2002) بتنفيذ القانون رقم 03.01 بشأن إلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية، وذلك لحماية الافراد من تعسف الإدارة وسلطتها التقديرية المطلقة إزاء القرارات التي تصدرها والتي تمس حقوقهم. لذلك سنعمل على تحليل بعض مضامين هذا القانون انطلاقا من المادة الاولى التي تقضي بتعليل القرارات الادارية الفردية الصادرة عن الادارة ، والتي يشترط فيها ان تكون سلبية بالنسبة للشخص المعني أو للأشخاص المعنيين بالأمر، بمعنى انها ليست في صالحه أو صالحهم. وليكون القرار الاداري صحيح يجب أن يتضمن تعليلامكتوبا في صلب القرار، وإلا فقد أهم شروطه، وأعتبر قرار غير شرعي .
وحددت المادة الثانية مجال وجوب تعليل القرارات الإدارية بالإضافة إلى الحالات التي أوجبت النصوص التشريعية تعليلها. فأوجبت تعليل القرارات الإداريةالمرتبطة بمجال ممارسة الحريات العامة أو التي تكتسي طابع إجراء ضبطي، مثل القرارات التي تمس بالحريات العامة، او قرارعدم منح رخصة التغيب لمزاولة نشاط نقابي. او تلك القاضية بإنزال عقوبة إدارية وتأديبية،مثل قرار إصدار عقوبة ضد موظف بالتوبيخ او الحذف من لائحة الترقي أو القهقرة في الرتبة . و القرارات الإدارية التي تقيد تسليم رخصة أو شهادة أو أي وثيقة إدارية أخرى بشروط، أو تفرض أعباء غير منصوص عليها في القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، مثل القرارات التي تفرض أعباء غير منصوص عليها في القانون. و القرارات التي ترفض منح امتياز يعتبر حقا للأشخاص الذين تتوافر فيهم الشروط القانونية، مثل القرارات القاضية برفض منح جواز السفر .
أما المادة الثالثة فقد أقرت عدم وجوب تعليل القرارات التي تخص الأمن الداخلي والخارجي للبلاد. بيد أنه يجوز للمعني بالأمر الطعن في هذه القرارات وتبقى الصلاحية للقضاء الإداري لمراقبة مدى صحة ارتباط عدم التعليل بالأمن الداخلي والخارجي للدولة. والمثال على ذلك قرار عدم السماح بالتقاط صور لبعض المواقع بذريعة انها تكتسي صبغة أمنية أو عسكرية .
وبينت المادة الرابعة الحالات التي تكون الإدارة فيها غير ملزمة بتعليل قراراتها الإدارية وقت صدورها، حيث لا تكون مشوبة بعيب الشرعية بسبب حالة الضرورة او الظروف الاستثنائية. غير أنه يحق للمعني بالأمر تقديم طلب يستفسر فيه عن الأسباب التي دعت الى اتخاذ القرار السلبي الصادر في حقه داخل اجل 30 يوما من تاريخ الإبلاغ، لترد عليه الادارة خلال 15 يوما الموالية لتوصلها بالطلب . وتم الاستثناء من حالة الضرورة القراراتالإداريةالقاضيةبإنزال العقوبةإداريةأوتأديبية، والقراراتالإداريةالتيتستندعلىتقادمأوفواتأجلأوسقوطحق الواردة في المادة الثانية من نفس القانون لأنه ليس من المنطقي تصور ظروف استثنائية أو حالة الضرورة في هذه المجالات.
المادة الخامسة: "عندما تلتزم السلطات الإدارية السكوت من خل القرارات الضمنية السلبية التي تصدرها، يحق للمعني بالأمر تقديم طلب داخل أجل الثلاثين (30) يوما الموالية لانصرام الأجل القانوني للطعن لاطلاعه على أسباب القرار الضمني السالف، وتكون الإدارة حينئذ ملزمة بالرد على الطلب داخل أجل خمسة عشرة(15) يوما من تاريخ التوصل بالطلب". ويستفاد من هذه المادة الخامسة أن للمرتفق الحق، في ممارسة مسطرة التظلم الاستعطافي حتى بعد فوات أجل الطعن العادي، ولكن داخل الثلاثين يوما الموالية لهذا الفوات، وذلك بمراجعة الإدارة قصد مطالبتها بإخباره بأسباب الرفض الضمني، والتي يتعين عليها في هذه الحالة ومن باب الوجوب بالرد داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ توصلها بهذا الطلب، مما يفتح له أجلا جديدا لاستدراك الموقف وممارسة السلطة القضائية، وبالتالي فالقانون الحالي أصبح يعطي للمرتفقين الذين يرغبون في الطعن القضائي ضد القرارات الإدارية السلبية الخاضعة لوجوب التعليلأجلا قد يصل بسبب التمديدات إلى 359 يوما مفصلا كما يلي:
1) 60 يوما لجواب الإدارة أو اعتبار سكوتها رفضا ضمنيا (الفصل 360 ق.م.م).
2) 60 يوما لممارسة مسطرة الاستعطاف إذا قرر المرتفق ذلك (الفصل 360 ق.م.م).
3) 60 يوما لتمديد أجل الطعن القضائي بسبب المسطرة الاستعطافية (الفصل 360 ق.م.م).
4) 30 يوما بعد انتهاء أجل الطعن (الفصل 5 من القانون الحالي).
5) 15 يوما لجواب الإدارة (الفصل 5 من القانون الحالي).
6) 60 يوما لممارسة مسطرة الاستعطاف إذا أراد المرتفق سلك هذه المسطرة ضد قرار الإدارة الصادر في إطار الفصل 5 من القانون الحالي سواء كان القرار صريحا أو ضمنيا (الفصل 360 ق.م.م)
7) 60 يوما لتمديد أجل الطعن القضائي بسبب مسطرة الاستعطاف.
هذا بالإضافة إلى أنه لا يؤخذ في احتساب أجل الطعون القضائية لا اليوم الأول للتبليغ ولا اليوم الأخير لأجل الطعن حسب ما نص عليه الفصل 512 من ق.م.م ، لتصبح هذه المدة هي: 345 + (7×2) = 359 يوما.
المادة السادسة: "إن الأجل المنصوص عليه في المادتين الرابعة والخامسة أعلاه، والمتعلق بطلب المعني بالأمر، وجواب السلطة الإدارية، يمدد أجل الطعن المنصوص عليه في الفقرة الخامسة من الفصل 360 من قانون المسطرة المدنية والمادة 23 من القانون رقم 41.90 المحدثة بموجبهمحاكم إدارية".
ويتبين من خلال هذه المادة أن الطعون المقدمة سواء في إطار المادة الرابعة أو المادة الخامسة تمدد الأجل المنصوص عليه في قانون المسطرة المدنية (الفصل 360) ،وفي القانون المنظم للمحاكم الإدارية (المادة 23) ، ضمانا لحقوق الأفراد والجماعات تجاه الأجهزة الإدارية.
المادة السابعة: " يعمل بأحكام هذا القانون ابتداء من الشهر السادس الموالي للشهر الذي يصدر فيه بالجريدة الرسمية".
وتبين هذه المادة أن القانون يبتدئ العمل به مع بداية شهر فبراير2003، وذلك راجع لكون الشهر الذي تم فيه النشر بالجريدة الرسمية هو شهر غشت 2002وأن بداية الشهر السادس الموالي لهذا الشهر هو فاتح شهر فبراير 2003. وقد منح المشرع هذه المهلة للإدارة بعد نشر القانون في الجريدة الرسمية قصد تمكينها من اتخاذ جميع الترتيبات اللازمة لتأهيلها، والانتقال من الوضع الراهن إلى الوضع الجديد الذي ستكون فيه الإدارة ملزمة بتعليل قراراتها حسب المقتضيات السالفة الذكر.

الفقرة الثانية :شروط صحة التعليل وجزاءالاخلال به

يعتبر التعليل وسيلة هامة للإحاطة بأسباب القرار ليعمل الفرد على ترتيب أوضاعه على ضوء ذلك بمعرفته أسباب القبول أو الرفض.وليكون التعليل صحيح لا عيب فيه يجب أن تتوفر فيه شروط معينة، أي أن يكون التعليل واضحا لا غموض فيه .

‌أ- شروط صحة التعليل

من خلال المادة الأولى من القانون 03.01 نجد أنها ألزمت الإدارة بإفراغ الأسباب القانونية والواقعية كتابة في صلب القرار الاداري وقت إصداره، إلا أن القانون 03.01 لم يتضمن أحكام تفصيلية حول التعليل، ولم بنظم شروط صحته، مما يقتضي الرجوع الى بعض الاجتهادات القضائية الصادرة عن الغرفة الادارية بالمجلس الاعلى، والمحاكم الإدارية، ومجلس الدولة الفرنسي بخصوص تبيان شروط صحة التعليل والتي سنعرضها كالتالي :
1. أن يكون التعليل مكتوبا في صلب القرار: حيث تتجلى أهمية الكتابة كضمانة على مستوى القرارات الإدارية الفردية والتي ينص القانون على وجوب تعليلها بشكل ينسجم وخاصية الكتابة المميزة للمسطرة المتبعة أمام القضاء الإداري. وهو ما يعني عدم جواز القرار الشفوي، والإحالة في المجالات التي تخضع لأحكام هذا القانون، لأن القواعد المسطرية لا تسمح بمقاضاة الإدارة على قراراتها الشفاهية، غير أن الغرفة الإدارية قبلت الطعن في القرارات الشفاهية واعترفت بها. أما بالنسبة للإحالة فقد رفض مجلس الدولة الفرنسي الإحالة كتعليل، فالإحالة إلى قرار آخر أو إلى وثيقة أخرى ليس كافيا في نظره، إذ أن الإشارة إلى الرأي المعلل في القرار التأديبي وأيضا مجرد الإشارة إلى رأي المحقق ليست كافية لقيام التعليل: "فالقرار الذي لا يتضمن أسبابه، مكتفيا بالإشارة إلى الرأي المطابق للمجلس يعتبر غير مشروع". وفي هذا الاطار عمل المشرع الفرنسي عمل على تقنين هذه القاعدة بعد قانون 11 يوليوز 1979، إذ نص في المادة 3 على انه يجب ان يتضمن التعليل بيان الاعتبارات القانونية والواقعية التي تشكل اساس القرار، وهذا يعني ان التعليل بالحالة غير جائز، غير ان القضاء اضفى على هذه القاعدة نوعاً من المرونة في الحالة التي يعتقد فيها ان اشتراط التعليل المباشر لن يكون إلا يكون إلا مجرد شكلية خالية من أي مضمون، حينئذ يجيز القضاء اللجوء الى التعليل بالإحالة، وهذا يشترط إذا ما تبنى مصدر القرار الاسباب الواردة في الوثيقة المحال إليها، وكذلك في حالة الحضورية في الإجراءات، واخيراً يجوز أن يكون التعليل بالإحالة بالنظر الى طبيعة بعض الموضوعات في حالات محدودة .
2. عدم جواز فصل التعليل عن مضمون القرار في وثيقتين مستقلتين بتواريخ مختلفة أو حتى متزامنتين.
3. أن يكون التعليل مكتوبا ومقنعا وعلى الإدارة ان تستند في مقرراتها على وقائع محددة وثابتة وصحيحة حتىيتمكن القضاء من بسط رقابته على الوجود المادي للوقائع التي اعتبرت أساسا للقرار الإداري والتحقق من صحتها، وتجنب الابهامية في التعليل والنمطية حيث تستعمل الإدارة صياغة واحدة بشأن حالات متشابهة .
4. أن يفصح عن الوقائع المادية من خلال بيان الجوانب الأساسية التي يؤدي وضعها في الحسبان إلى إصدار القرار، وعن الأسباب القانونية التي استند إليها القرار، والمتمثلة أساسا في النصوص التشريعية أو المبادئ القانونية العامة. وهو ما يتطلب من الإدارة عرض الوقائع المادية بأمانة،وتكييفها والبحث عن القاعدة أو القواعد القانونية ذات الصلة بها. وهذا ما اكدته أحكام القضاء الاداري " لا يكفي مصدر القرار أن يوقع جزاء تأديبياً استناداً الى الخطأ الذي ارتكبه الموظف، لكنه يجب ان يحدد الافعال المنسوبة اليه ". وجاء كذلك في حكم صادر عن مجلس الدولة الفرنسي في قضية بلعسري، حيث جاء فيه " فلا يمكن القول بأن السيد بلعسري ارتكب اعمالا تضر بأمن الافراد مما يصبح وجوده في الاراضي الفرنسية مقلقاً للنظام العام، فهذا التعليل غير كاف وعلى الادارة ان توضح الوقائع التي استندت عليه ". وفي نفس المنحى ذهب قرار صادر عن الغرفة الادارية بالمجلس الاعلى حول تصفية الحبس جاء فيه " حيث ان الادارة ما دامت لم تدل بعناصر محددة و معينة للمصلحة العامة التي تقتضي تصفية الحبس المعقب، مقتصرة على عموميات وحاجيات تدخل في السياسة العامة لهاته الوزارة ودورها في العناية بالمساجد والمرافق التابعة لها، فإن المقرر المطعون فيه يكون متسماً بالتجاوز في استعمال السلطة، مما يجب إلغاؤه " .

‌ب- جزاء الاخلال بشروط التعليل

يقصد بالتعبير أعلاه عدم تعليل القرار أصلا، كما يقصد به أيضا التعليل الناقص. وبالاستناد على ما سبق سنتطرق إلى جزاء القصور في تعليل القرار الاداري إذا وجد، وكيفية معالجة من صدر في حقه القرار.
من بين سبل معالجة القرار هو التظلم الإداري فيالقرار المعيب الذي يمس مركز المعني بالأمر، ويرفع هذا التظلم أمام مصدر القرار ذاته، أو أمام السلطات الرئاسية. وقد يكون هذا التظلم وجوبيا قبل رفع الدعوى في بعض الحالات. في حالة عدم استجابة الإدارة إلى هذا التظلم ولم تسع إلى إنصاف المعني بالقرار، يبقي له طريق أخر المتمثل في الدعوى أمام القضاء الإداري،يرفعها لإلغاء القرار، و قد يلجأ المعني بالقرار في إقامة الدعوى أمام قاضي التعويض طالبا التعويض عن الضرر المادي والأدبي الذي أصابه من جراء القرار .

1. دعوى الإلغاء في القرار الاداري الفردي

يعترف الاجتهاد القضائي بالتعليل عندما يكون واجبا بطابع جوهري، ويؤدي عدم مراعاة السبب الى إلغاء القرار الإداري، أي إذا أوجب المشرع التعليل في صلب القرار، فإن القاضي يلاحظ أولا في القرار وجود العلة أو عدم وجودها، فإذا كان القرار خاليا من السبب فهو بذلك غير شرعي بصفة تلقائية، ولا يبحث القاضي في جوهره لأن عدم وجود العلة وحده يكفي لإبطال القرار، لأن الإدارة لا تملك في هذه الحالة أن تحتفظ بتقديم العلة أمام القاضي، ولكن المشرع نظرا لأهمية القرار أوجب تعليله ضمانا لحق المواطن، وتمهيدا لمهمة القاضي، أما إذا عللت الإدارة قرارها، فإن القاضي لا يأخذ بعين الاعتبار عند دراسة الجوهر إلا ما تم التنصيص عليه في القرار، فإذا كانت العلة عامة وغامضة فإنها لا تقبل ويصبح القرار باطلا.فالتعليل من ناحية الشكل تقرير لمصلحة الأفراد، فيكون من حقهم التمسك به، غير أن تخلفه من ناحية لا يعتبر عيبا جسيما يفقد القرار صفته، أو ينزل به إلى مصاف الأفعال المادية، فإذا وجد القاضي أن القرار المطعون فيه قاصر في تعليله أو غير معلل قضى بإلغائه لعيب في الشكل، غير أن هذا الإلغاء لا يمنع الإدارة التي صدر عنها القرار من العودة إلى إصداره من جديدمصوغا هذه المرة في شكله الصحيح أي معللا .

2. دعوى التعويض عن القرار الإداري الفردي غير المعلل

استقر القضاء الإداري على قاعدة واضحة في شأن الحق في المطالبة بالتعويض عن قرار إداري معيب الإجراءات والشكل بصفة عامة، وذلك بداهة يفرض سلامة القرار في كافة المناحي الأخرى، ومؤدى هذه القاعدة أن عيوب الإجراءات والشكل لا تبرر طلب التعويض، لأنها لا تمس جوهر القرار وموضوعه .
فالقرار المعيب بسبب تعليل قاصر، قد يكون إذن محلا لدعوى بالإلغاء دون التعويض (وذلك ما لم يكن معيبا في جوانب أخرى) وهذا ما أشار إليه البعض .
"من الحالات المؤدية إلى إلغاء القرارات الإدارية ليس من الضروري أن تكون هي نفس الحالات المؤدية إلى مسؤولية الإدارة... ولكن يمكن للقاضي أن يحكم على الإدارة بمصاريف الدعوى على أساس أنها ارتكبت خطأ دون أن يحكم بأداء التعويض".
فعدم الشرعية شرط ضروري ولكنه ليس كافيا لترتيب مسؤولية الإدارة، فهو يرتب المسؤولية الإدارية وتعويض المعني بالأمر بصفة حتمية فقط في حالة الانحراف في استعمال السلطة، أو في حالة مخالفة محل القرار الإداري للقواعد القانونية المطبقة .
أما بالنسبة لبقية أوجه عدم الشرعية فإن المسؤولية الإدارية تبحث تبعا لقضاء مجلس الدولة الفرنسي في كل حالة على حدة، تبعا لجسامة المخالفة أو عدم الشرعية.
المطلب الثاني : نهاية القرارات الادارية الفردية
يقصد بزوال القرار الإداري انتهاء الاثار القانونية المترتبة عليه، وهذا الانتهاء قد يكون بمعرفة الجهة الإدارية التي أصدرته، وقد يكون بمعرفة القضاء عن طريق لجوء المعني بالأمر الى القضاء بغية إلغاء القرار إذا شابه عيب يبرر ذلك .
وفي هذا المطلب سنتعرض لنهاية القرارات الادارية الفردية السليمة في (الفقرة الاولى). ثم إلى نهاية القرارات الادارية الفردية المعيبة في (فقرة ثانية).
الفقرة الاولى : انتهاء وسحب القرارات الادارية الفردية السليمة.
 انتهاء القرارات الادارية الفردية السليمة بمبادرة الإدارة
يقضي الاجتهاد القضائي بعدم جواز إلغاء القرارات الإدارية الفردية السليمة الصادرة طبقا للقانون، وذلك ضمانا لاستقرار المعاملات، إلا أن هذه القاعدة ليست مطلقة، إذ يجوز للإدارة إلغاء هذه القرارات إذا وجدت المبررات القانونية . أي في الحالات والإجراءات التي يحددها القانون، أو تقضي أسباب طبيعية إنهائها. وهو ما سنبرزه خلال الحالات التالية:
‌أ- حالة انهاء القرار الاداري بانتهاء الغرض منه
يعد انتهاء الغرض من القرار الاداري نتيجة طبيعية لاستنفاذ مضمونه ومع ذلك لا يحتاج الأمر الى إصدار قرار يقضي بنهاية القرار المذكور لوضع حد لأثاره القانونية، مثل القرار الصادر بانتداب موظف لمهمة رسمية، وينتهي العمل بهذا القرار بإنجاز الموظف للمهمة الموكلة له. ومع ذلك يحتاج الأمر الى إصدار قرار يقضي بنهاية الانتداب، والذي على أساسه يحسم في الوضعية القانونية والمادية للموظف المنتدب. إلا أنه قد لا يحتاج الأمر في بعض حالات انتهاء القرارات الإدارية بانتهاء الغرض منها لإصدار قرارات تقضي بانتهائها، وقد يكتفى بتقارير وبيانات تثبت انتهاء الغرض من تلك القرارات، كالقرار الصادر بهدم منزل، فحين الانتهاء من العمل بالقرار المذكور يتم بانتهاء عملية هدم المنزل، ويكتفى بتقرير الهدم في هذه الحالة .
‌ب- حالة انتهاء القرار الإداري بانتهاء المدة المحددة لنفاده
تتخذ الإدارة بعض القرارات التي تحدد فيها مدة سريان أثارها القانونية، فبانتهاء المدة المحددة، ينتهي مفعول هذه القرارات وتصبح غير قابلة لإنتاج أثارها القانونية. وإذا صدر قرار إداري يقضي بالانتهاء فإنه يكون مجرد قرار كاشف لحقيقة سابقة من قبل، ومثال القرارات التي تكون مدة نفادها محددة طبق القانون الوظائف المؤقتة بمدة محددة أو لعمل مؤقت.

‌ج- حالة انتهاء القرار الاداري المقترن بشرط فاسخ

ينتهي القرار الإداري في هذه الحالة عندما يتحقق هذا الشرط، ومن الشروط الفاسخة قيام الإدارة بمنح ترخيص ويكون استمرار هذا التعليق معلق على بقاء حالة واقعية، أو حالة قانونية معينة، فإذا زالت تلك الحالة انقضى أثر القرار.
‌د- حالة انتهاء القرار باستحالة تنفيذه
تعد الاستحالة المطلقة في تنفيذ القرار الإداري من الأسباب الطبيعية التي تؤدي الى انتهائه، لأن الاستحالة تجعل القرار منعدما في محله. والانعدام قد يكون ماديا وهو الذي يصيب موضوع القرار في جوهره فيفرغ القرار من محتواه، مثل قرار نزع ملكية منزل، لكن قبل تنفيذ القرار يصاب المنزل بالانهيار بسبب زلزال. أو قانونيا حين يتعلق بمحو الأثر القانوني للقرار مما يترتب عنه زوال الصفة القانونية للقرار، وبالتالي استحالة تنفيذه. ومثاله نهاية الترخيص باستعمال المال العام نتيجة زوال الصفة العمومية عن المال .
 سحب القرارات الادارية الفردية السليمة
استقر الاجتهاد القضائي على عدم جواز سحب القرارات الإدارية السليمة سواء كانت تنظيمية أو فردية . وذلك لأن السحب له أثر يمتد الى الماضي ولا يتفق وقاعدة عدم رجعية القرار الإداري فيما عدا الحالات الاستثنائية، وأهمها في هذا المجال أن يكون القرار المسحوب لم يولد حق مكتسب، فحينئذ ينعدم أساس القاعدة.
ومبدأ عدم جواز سحب القرار الاداري المشروع متى تحصن بفوات أجل الطعن يجد أساسه في صيانة الحقوق المكتسبة التي يكون قد أنتجها. إلا أنه يمكن سحب القرار الإداري المشروع حتى بعد فوات أجل الطعن إذا كان الساحب ينشئ وضعية تفيد المخاطب به أكثر من تلك التي أنشأها القرار المسحوب. وهو ما نهجته المحكمة الإدارية بالرباط في حكمها الذي جاء فيه "حيث أنه من أجل فهم النظام القانوني لسحب القرارات الإدارية يتعين التمييز بين مختلف حالات السحب وشروطها" .

الفقرةالثانية : إلغاء وسحب القرارات الإدارية الفردية المعيبة.

 إلغاء القرارات الإدارية الفردية المعيبة
يجوز إلغاء القرارات الإدارية الفردية متى تبين عدم مشروعيتها لعيب قد يعتري تكوينها أو تنفيذها، فإذا أثبتت الإدارة عدم مشروعيتها فإنها تصدر قرارات تفصيلية ببطلانها، و قابليتها للإبطال وهو ما سنبينه كالاتي:

أ‌- بطلان القرار الاداري

البطلان ينصب على القرار الإداري المخالف لقاعدة من القواعد القانونية التي يتضمنها مبدأ المشروعية. ولا شك في أن الخروج عن القاعدة القانونية لا يكون بنفس الدرجة، فقد يكون جسيما، أو نسبيا. وبذلك يتدرج جزاء القرار غير المشروع من الانعدام الى البطلان طبقا لمدى جسامة المخالفة. وهذا يعني أن هناك فرق إذا كانت جهة الإدارة قد خرجت بكل تصرفها عن كل القواعد القانونية الموجودة بالدولة، وما إذا كان خروجها لم يتجاوز بعض القواعد الدنيا.
وحالات المخالفات اليسيرة متعددة إذا قيست بحالات المخالفة الجسيمة، والتي يترتب عليها انعدام القرار، كما وأن المخالفات التي تبطل القرار الإداري يمكن حصرها في اربعة عيوب تجعله قابلا للطعن بالإلغاء لتجاوز السلطة وهي عدم الاختصاص، عيب الشكل، عيب مخالفة القانون، عيب الانحراف في السلطة .

ب‌- قابلية القرارات الإدارية الفردية للإبطال

يكون القرار الإداري الفردي قابل للبطلان عندما يتدخل عنصر خارجي محظور في تكوين القرار المذكور فيجعل منه قرار معرضا للإبطال.
وقد حدد القانون بعض العناصر الخارجية المحظورة التي تجعل من تدخلها في تكوين القرارالإداري عاملا أو سببا يقضي بقابلية هذا القرار لبطلانه .
ويتعين على الإدارة خلال إصدار قراراتها بشأن حالات البطلان أو القابلة للإبطال أن تحترم الإجراءات القانونية ومواعيدها وإلا تعرضت للطعن القضائي من المعنيين بالأمر وترتب عن ذلك الحكم بإلغائها .
 سحب القرارات الإدارية المعيبة
القرارات الإدارية غير المشروعة يجوز سحبها ويحق للأفراد مطالبة الإدارة بذلك خلال المدة المحددة قانونا، ويحق للإدارة استعمال هذا السحب بنفسها لتتجنب الطعن القضائي، وإذا رفضت استعمال سلطتها في هذا المجال و يجوز للمعنيين بالأمر اللجوء إلى القضاء خلال المدة المحددة لذلك. وفي حالة قضى القضاء المختص بإلغاء القرار الغير المشروع، فإن الإلغاء يترتب عليه سحب بأثر رجعي ليمتد إلى تاريخ صدوره، واعتبار أثاره كأن لم تكن كقاعدة عامة. وهذا ما قضت به محكمة الاستئناف بالرباط في قرارها عدد 1367 بتاريخ 26/11/2008 بشأن صدور قرار بالموافقة على المغادرة الطوعية قبل صدور الحذف من الاسلاك بسبب عدم تقديم طلب الرجوع الى العمل قبيل فترة الاستيداع. الامر الذي ادى بالإدارة الى سحب قرارها الاول خارج اجل الطعن بالإلغاء مما رتب المس بالحق المكتسب وبالتالي تعين إلغاؤه. وهذا ما اوضحه قرار المحكمة بعباراته التالية " لا يمكن للإدارة سحب قرارها الاداري الا اذا كان غير مشروع وتم ذلك داخل اجل الطعن بالإلغاء وهو 60 يوماً، تحت طائلة اعتبار قرار السحب المتخذ حياداً عن هذه الضوابط ماساً بحقوق مكتسبة وبالتالي مآله الالغاء..."
إن فكرة السحب ترتبط بدعوى الإلغاء من حيث الميعاد الواجب رفع دعوى الإلغاء خلاله. ومعنى ذلك أنه يجب أن ينصب السحب أساسا على القرارات الإدارية غير المشروعة وأن تمارس الإدارة سلطتها في السحب خلالالميعاد المقرر للطعن بالإلغاء أمام القضاء. وسحب القرار الإداري يتطلب شرطين هما أن يكون القرار المراد سحبه غير مشروع، وأن يتم السحب داخل أجل الطعن بالإلغاء .وإذاانقضت المدة التي يكون القرار الإداري فيها مهددا قضائيا بغلق الباب أمام الإدارة فيما يتعلق بسحبه، كما يغلق الباب أمام الأفراد فيما يخص الطالب بهذا الشأن نظرا لانتهاء مواعيد الطعن، ويصبح القرار غير المشروع في هذه الحالة في حكم القرار المشروع، وذلك حفاظا على الأوضاع القانونية واستقرار المعاملات. وينطبق هذا المعنى أيضا على السحب الضمني . وينطبق هذا المعنى على السحب الضمني لقرار معين، وهذا ما اكدته المحكمة الادارية بالرباط في حكمها رقم 976 بتاريخ 29/07/2003 الذي جاء فيه "وحيث انه لا خلاف في كون التكليف بالمهام يدخل في اطار السلطة التقديرية للإدارة وبالتالي تملك وضع حد لهذا التكليف متى تبين لها ما يستوجب ذلك غير أنه يبغي التمييز بين التكليف بمهمة وبين التعيين في هذه الحالة يفقد الادارة السلطة التقديرية التي تتمتع بها الحالة الاولى وبالتالي لا يمكن التراجع عن هذا التعيين إلا في حالة توفر المبررات التي تستوجب ذلك .
فإذا كان المشرع قد حدد ميعاد 30 يوما للأفراد لرفع دعوى الإلغاء أمام القضاء ضد القرارات المعيبة التي تلحق بهم ضررا كقاعدة عامة، فإنه في مقابل ذلك خولهم الحق في إمكانية رفع دعوى التعويض عن الأضرار الناشئة عن القرار المعيب رغم تحصينه بفوات ميعاد الطعن فيه بالإلغاء. وذلك لأن مدة الطعن بالتعويض أطول من مدة الطعن بالإلغاء، كما قضى القضاء المختص بجواز الطعن في القرارات الإدارية في حالات معينة دون التقيد بمدة محددة، ومن هذه الحالات:
 حالة انعدام القرار
تتحقق هذه الحالة عندما تبلغ درجة جسامة العيب في القرار المنعدم حدا يفقده صفته كقرار إداري وبذلك يمكن سحبه في أي وقت.
 حالة تأخرعدم مشروعية القرارالفردي المتخذ أساسا لغيره
وتكون هذه الحالة عند صدور قرار بناء على قرار فردي أخر يقضي ببطلانه بعد أن يكون ميعاد الطعن في القرار المترتب عليه قد فات ولا يظهر عدم مشروعية القرار الذي صدر مؤخرا إلا بعد فوات ميعاد الطعن فيه. فيجوز سحب هذا القرار، كما يجوز الطعن فيه قضائيا بصرف النظر عن فوات مدة الطعن.
 حالة قيام القرار على غش أو تدليس
يعبر الغش والتدليس من عيوب الرضا. فإذا ثبت قيام القرار الاداري عليهما من جانب صاحب المصلحة فانه يجوز سحب القرار دون التقيد بمدة جواز الطعن .
 حالة القرار الذي لم يعلن أو لم ينشر
إن القرارات الإدارية لا تصبح سارية المفعول تجاه الأفراد الا من تاريخ شهرها بالإعلان أوالنشر حسب طبيعة تلك القرارات سواء كانت فردية أم تنظيمية. فإذا لم يتم الشهرعن تلك القرارات بأية طريقة من طرق الإعلان فإن مدة السحب لا تبدأ في مواجهة الإدارة اذ تستطيع سحبها في أي لحظة. ويعتبر قرار السحب هو الأخر قرار إداريا كغيره من القرارات الإدارية، ويجوز للسلطة المختصة الرجوع فيه بسحبه إذا كان معيبا وإعادة القرار الأول إلى ما كان عليه، ويحق للمعنيين بالأمر الطعن فيه أمام الجهة القضائية المختصة .

خـاتـمـة

وهكذا يتبين مما سبق أن القرارات الإدارية تعتبر من الامتيازات الهامة التي عهد بها القانون للسلطة الإدارية وذلك لأداء واجباتها تجاه المواطنين، والقانون عندما خول الإدارة هذه الامتيازات كان يهدف إلى تحقيق غاية معينة، وبالتالي فالقرار الإداري الفردي ما هو إلا وسيلة لتحقيق هذه الغاية التي تكون دائما المصلحة العامة، والمخاطبين به ملزمون بتنفيذه طواعية أو إكراها، إلا أن عليهم عدم التزام الصمت عن كل قرار إداري مضر بمراكزهم القانونية لأن ذلك تكريس لانعدام المشروعية، وبالتالي على الفرد المتضرر من القرار أن يلجأ إلى القضاء لرفع دعوى الإلغاء، فإذا كانت القرارات غير مشروعة ومست حقا من حقوق الأفراد ونالت بحرية من حرياتهم فإنها تخضع في هذه الحالة لمراقبة القضاء الذي يتولى رعاية حقوق الأفراد ضد تعسف الإدارة وذلك عن طريق إلغائها أو التعويض عنها أو هما معا، ومن هنا يتبين أن خضوع الإدارة لمبدأ المشروعية في جميع الحالات والظروف يعتبر المثل الأعلى لحماية حقوق وحريات الأفراد ويشكل صرحا متينا لدولة الحق والقانون.

لائحةالمراجع المعتمدة

المراجع الخاصة

 سليمان الطماري. النظرية العامة للقرارات الإدارية. دار الفكر العربي. الطبعة الثالثة. القاهرة. سنة 1966.
 محمد أنور حمادة. القرارات الإدارية ورقابة القضاء. دار الفكر الجامعي. الإسكندرية. سنة 2003.
 مليكة الصروخ. مشروعية القرار الاداري. مطبعة النجاح الجديدة. الطبعة الاولى. الدار البيضاء. سنة 2011.
 مولاي ادريس الحلابي الكتاني. القرارات الادارية. 2001.الطبعة الثانية. دار السلام بالرباط.
المراجع العامة
 أحمد السنيهي. الوجيز في القانون الإداري المغربي. الطبعة الثانية. دار النشر غير مذكورة. مكناس. سنة 1998. ص 233.
 رضوان بوجمعة. المقتضب في القانون الاداري. مطبعة النجاح الجديدة. الطبعة الاولى. الدار البيضاء. 1999.
 سعيد نكاوي. القانون الاداري والقضاء الاداري. مطبعة المعارف الجديدة. الطبعة الاولى. 2009.
 عبد الغني بسيوني عبد الله. أصول علم الإدارة العامة. منشأة المعارف. الاسكندرية. 2006.
 عبد القادر باينة. تطبيقات القضاء الإداري. دار توبقال للنشر، الطبعة غير مذكورة.سنة1988.
 عزمي عبد الفتاح: تسبيب الأحكام وأعمال القضاة، دار الفكر العربي. سنة 1983.
 ماجد راغب الحلو. القانون الاداري. دار المطبوعات الجامعية. الإسكندرية. 1996.
 مازن راضي ليلو. القانون الاداري. منشورات الاكاديمية العربية في الدانمارك. 2008.
 محسن خليل. القضاء الإداري اللبناني. بيروت. 1978.
 محمد يحيا. المغرب الإداري. مطبعة إسبارطيل. الطبعة الثالثة. طنجة. سنة 2002.
 مليكة الصروخ. القانون الإداري.–دراسة ومقارنة-. مطبعة النجاح الجديدة. الطبعة الخامسة. الدار البيضاء. سنة 2001.
 نواف كنعان. القانون الاداري. الجزء الثاني. مكتبة دار الثقافة. الطبعة الأولى. عمان. 2003.

المجلات

 حسن عبد الفتاح. منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية. سنة.2003. عدد43.
 عبد القادر مساعد. تعليل القرارات الإدارية من الاختيار إلى الوجوب. المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. عدد 43. سنة 2003.
 محمد الاعرج. تعليل القرارات الادارية على ضوء القانون رقم 03.01. منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. عدد 43. سنة 2003.
 محمد الاعرج. القانون الاداري. منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. الطبعة الثالثة. 2011.
 ميمون يشو. تحليل لمقتضيات القانون رقم 03.01 المتعلق بإلزام إدارات الدولة والجماعات المحلية وهيئاتها والمؤسسات العمومية والمصالح التي عهد إليها بتسيير مرفق عام بتعليل قراراتها الإدارية الفردية السلبية. المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. عدد 43 /2003.

النسخة المجهزة للتحميل


السبت 1 ديسمبر 2012


تعليق جديد
Twitter