MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الضحية المذنبة والضحية المتحدية


     

طارق الدوخ: أستاذ وباحث في الشؤون القانونية



الضحية المذنبة والضحية المتحدية
لقد ظلت الجريمة، لفترة طويلة، ظاهرة باطالوجية تؤرق النسق المجتمعي، إلى أن اعتبرها دوركايم ظاهرة طبيعية تتطور بتطور الحياة، وترتبط بصراع الإنسان مع ذاته ومع الآخرين، وتتداخل فيها العديد من المتغيرات، الشيء الذي دفع مختلف التشريعات إلى اعتماد فلسفة تراعي مجموعة من الضوابط التي تنظم المراكز القانونية لطرفيها: الجاني من جهة، والضحية من جهة أخرى.

ويعود الفضل إلى المدرسة الوضعية التي لفتت الأنظار إلى الاهتمام بالعنصر البشري في الظاهرة الاجرامية، مما فسح المجال أمام الفقه الجنائي ورواد العلوم الجنائية إلى التركيز على طرف لطالما ظل مهملا وضعيفا في معادلة الجريمة وهو الضحية، وما يمكن أن تلعبه من دور محوري فيها، فظهر علم الضحية victimologie خلال أوائل السبعينيات من القرن الماضي، فتعددت تصنيفات الضحايا، بيد أننا سنقتصر في هذا المقال على الضحية المذنبة والضحية المتحدية.     

يقصد بالضحية المذنبة تلك التي تسبب في وقوع السلوك الاجرامي عليها بسبب استفزازها للجاني وإثارة حاسته الاجرامية، كمن يستخدم هاتفا نقالا ثمينا في مكان معروف بالإجرام، أو كالذي يملك أموالا ويمشي ليلا في مكان خال من المارة، أو كالتي تمشي نصف عارية فتتعرض للتحرش الجنسي أو للاغتصاب.

وفي عصرنا هذا، نلاحظ أن هذا الشكل من الاجرام قد عرف انتشارا واسعا، إذ أصبح العديد من المجرمين يتابعون ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي لتنفيذ أفعالهم الاجرامية، كمن ينشر على صفحته " أنا مريض، أنا حزين je suis malade, je suis triste"، فيتقرب الجاني من الضحية مستغلا وضعها النفسي، وينفذ فعله الجرمي. أو كالذي ينشر صورة أنه مسافر، فيباشر الجناة فعل سرقة سكنه الرئيسي.

أما الضحية المتحدية فهي التي تتسبب في وقوع السلوك الإجرامي عليها نتيجة ما تحمله للجاني من ألم وخسارة، كأن تقوم باستفزاز الجاني، فينتقم منها، أو كأن يضبط أحد الزوجين متلبسا بالخيانة الزوجية، فيقوم الزوج الآخر بالاعتداء عليه بالعنف.

وهكذا يبدو أن الضحيتين معا تشكلان سببا في إتيان السلوك الاجرامي، لكن بدرجات متفاوتة، إذ يكون للضحية المذنبة ذنب أقل من ذنب الجاني، أما في الجريمة المتحدية، فإن دور الضحية أكبر من دور الجاني لكونها تساهم في خلق المواقف المواتية للجريمة ودوافعها.

فكيف نظم المشرع الجنائي الوطني الجرائم التي تتسبب فيها الضحية المذنبة أو الضحية المتحدية؟

بالعودة إلى تشريعنا الجنائي، يلاحظ أنه لم يبد أي موقف خاص اتجاه مسؤولية الجاني في علاقته بالضحية المذنبة، وجعله مسؤولا عن فعله مسؤولية جنائية كاملة، في حين نجده قد تفاعل مع الأفعال الاجرامية التي تتسبب فيها الضحية المتحدية، وفي هذا الصدد فقد أورد أعذارا قانونية مخففة للعقوبة في جرائم على سبيل الحصر، إذ يستفيد أحد الزوجين من تخفيض في العقوبة متى ارتكب قتلا أو جرحا أو ضربا ضد الزوج الآخر وشريكه عند مفاجأتهما في حالة تلبس بالخيانة الزوجية ( الفصل 418 من القانون الجنائي)، والحال نفسه بالنسبة للذي يرتكب ضربا أو عنفا جسيما على شخص ما إثر استفزاز هذا الأخير له (الفصل 416 من القانون الجنائي)، والأمر يسري أيضا على مرتكب جريمة الخصاء عندما ترتكب حالا إثر هتك عرض إنسان بالقوة (الفصل 419 من القانون الجنائي)، كما تخفض عقوبة رب الأسرة الذي يرتكب العنف ضد أشخاص بمناسبة مفاجأتهم بمنزله، وهم في اتصال جنسي غير مشروع (الفصل 420 من القانون الجنائي)، والأمر سيان بالنسبة للشخص البالغ المتلبس بهتك أو محاولة هتك عرض دون الثامنة عشرة، وكذا المتلبس باغتصاب أو محاولة اغتصاب (الفصل 421 من القانون الجنائي).

وفي الختام، لا يسعنا إلا أن ندعو مشرعنا الجنائي أن ينحو نفس المنحى الذي سلكه بخصوص الجرائم التي سببتها الضحية المتحدية، ويتدخل لتشديد العقوبة في جرائم محددة على سبيل الحصر والتي تكون قد راحت ضحيتها الضحية المذنبة.
 

الاربعاء 26 أكتوبر 2022


تعليق جديد
Twitter