MarocDroit Scientific Platform



أرشيف وجهة نظر

قراءة نقدية في قرار المحكمة الدستورية حول قانون 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة

​قانون المحاماة بعد قرار المحكمة الدستورية: قراءة تفاعلية تفاؤلية من خلال سؤال: هل يكون قصور الإحالة نهاية للرقابة أم فرصة لاستكمالها؟

هل تأخر قرار المحكمة الدستورية... أم تأخر فقط نشره؟

التوقيت الميسر في التعليم العالي: بين مبدأ المجانية ومتطلبات الإنصاف الاجتماعي

نمذجة ديباجة الأوامر والأحكام القضائية

منشور إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 بين استمرارية الدولة وحدود الاختيار الحكومي

المحاكمة العادلة تحترق في محكمة الجنايات الابتدائية بالعيون، قرار قضائي بمغزى سياسي، طعن المحامين، وألغى حق الدفاع وأساء للعدالة...

حضور المحامي في قضايا الجنايات بين الحق في الدفاع واستمرارية المرفق القضائي

تحديد عدد الولايات... مدخل لتجديد النخب وإنهاء احتكار العمل السياسي

المحرر الرسمي في التوثيق العقاري قراءة في مستجدات القانون رقم 041.25


الشكلانية الدستورية: حين يتحول الإجراء من ضمانة إلى عائق أمام الرقابة قراءة نقدية في قرار المحكمة الدستورية بشأن تنظيم مهنة المحاماة

     

د. نبيل محمد بوحميدي

مؤسس منصة MarocDroit
منسق جهوي بمنتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية
عضو المكتب التنفيذي لجمعية عدالة من أجل الحق في محاكمة عادلة.
مؤسس ورئيس تحرير مجلة العلوم القانونية



يشكل قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د بتاريخ 10 غشت 2026 قراراً مهماً، ليس لأنه المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وإنما لأنه يضعنا أمام سؤال أعمق يتعلق بحدود الشكلية الإجرائية في ممارسة الرقابة الدستورية، وبمدى قدرة القضاء الدستوري على التوفيق بين احترام شروط الإحالة وضمان فعالية الرقابة نفسها.

فالقرار لم يفحص مضمون القانون، ولم يقل إنه مطابق للدستور أو مخالف له، وإنما تعذر عليه البت بسبب عدم وضع النص النهائي الذي صادق عليه البرلمان أمامه بالصورة المطلوبة وهذا المعطى ينبغي أن يكون نقطة الانطلاق في أي قراءة هادئة للقرار. 

الشكلية بين المشروعية، والغاية:

لا أرى أن المحكمة أخطأت عندما اشترطت أن يكون النص النهائي للقانون هو محل الرقابة
فالرقابة الدستورية يجب أن تنصب على النص الذي اكتملت إرادته التشريعية، وليس على مشروع أو تقرير لجنة أو صيغة سابقة من النص.

لكن الإشكال الحقيقي يبدأ بعد التسليم بهذه القاعدة:

ماذا نفعل عندما يكون العيب إجرائياً قابلاً للتدارك؟
هنا أعتقد أن علينا الانتقال من مفهوم "صحة الإحالة" إلى مفهوم أوسع هو "فعالية الرقابة الدستورية".

فالشكلية الدستورية وُجدت لحماية الاختصاص الدستوري للمحكمة، وليس لحماية الإجراء على حساب الاختصاص ذاته.

التجربة المقارنة:

فرنسا:
وهنا نستحضر التجربة المقارنة التي تعاملت بذكاء مع الجزاء الإجرائي للإحالة على القضاء الدستوري، في فرنسا مثلا يميز المجلس الدستوري بوضوح بين شروط قبول المسألة وبين فحصها من حيث الموضوع. 
وتفيد التجربة الفرنسية، في هذا السياق، بأن احترام الشروط الإجرائية للإحالة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره غاية في حد ذاته، وإنما باعتباره وسيلة لتمكين القضاء الدستوري من ممارسة رقابته. ولذلك يظل السؤال مطروحاً: إذا كان العيب الذي حال دون ممارسة الرقابة قابلاً للتصحيح، فهل يكون من المنطقي أن يؤدي هذا العيب إلى إغلاق باب الرقابة نهائياً؟
والأهم أن القضاء الفرنسي لا يتعامل مع العيوب الإجرائية دائماً بصورة آلية؛ ففي بعض الحالات، إذا أمكن تدارك العيب أو زال السبب الذي أدى إلى عدم قبول الإجراء قبل الفصل في المسألة، فإن ذلك قد يفتح المجال لمواصلة النظر فيها، بدلاً من اعتبار العيب الإجرائي نهايةً نهائية للمسطرة.

وهذا لا يعني أن النموذج الفرنسي يتخذ هذه القااعدة على عموميتها، ولكب يقدم لنا مبدأً يستحق التأمل:
ليس كل عيب إجرائي من النوع نفسه، وليس كل عيب ينبغي أن ينتج بالضرورة أثراً نهائياً.


البرتغال:

في البرتغال، الرقابة الوقائية تتم قبل إصدار القانون، ويحدد القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية عناصر الطلب، بما في ذلك تحديد القواعد أو المبادئ الدستورية التي يُدعى انتهاكها، كما أن الرقابة الوقائية مرتبطة بآجال قصيرة جداً، ما يعكس طبيعة هذا النوع من الرقابة باعتبارها رقابة قبلية مرتبطة بالمسار التشريعي قبل استنفاده. 

وهنا تكمن المقارنة المفيدة بالنسبة للمغرب:

كلما كانت الرقابة سابقة على إصدار القانون، يصبح السؤال حول استكمال المسطرة أكثر حساسية؛ لأن الغاية من الرقابة هي منع دخول نص غير دستوري إلى النظام القانوني، وليس مجرد إصدار حكم نظري بشأنه بعد فوات اللحظة التشريعية المناسبة.

 إيطاليا

في إيطاليا، تظهر في اجتهاد المحكمة الدستورية حالات تعاملت فيها مع عيوب إجرائية في ضوء ما إذا كان العيب قد منع فعلاً تحقق الغاية التي وضعت القاعدة الإجرائية من أجلها.

ومن الأمثلة المهمة قرار المحكمة الدستورية الإيطالية رقم 145 لسنة 2024، حيث اعتبرت أن عيباً في التبليغ لا يمنع صحة الإجراء عندما يكون الغرض من التبليغ قد تحقق فعلياً ولم يلحق العيب ضرراً ملموساً بحقوق الدفاع؛ بينما رفضت في حالات أخرى معالجة العيب عندما يمس قاعدة إجرائية جوهرية. 

المغزى بالنسبة لي ليس استيراد الحل الإيطالي، وإنما استحضار منهج الغاية:

هل أدى العيب الإجرائي إلى المساس فعلاً بالوظيفة الدستورية للمحكمة، أم أنه مجرد نقص يمكن إصلاحه دون المساس بأي حق أو اختصاص؟
في حالتنا، عدم إرفاق نسخة القانون النهائي منع المحكمة من ممارسة الرقابة؛ وبالتالي فالعيب جوهري من حيث الأثر لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه غير قابل للإصلاح، وهنا يجب الفصل بين الأمرين.
السؤال الذي أراه حاسماً: هل حجية القرار تمتد إلى الموضوع؟
في تقديري، لا القرار لم يحسم في دستورية القانون رقم 66.23، وبالتالي لا يمكن أن ننسب إليه حجية في مسألة لم يفصل فيها.
الحجية ينبغي أن ترتبط بما حسمت فيه المحكمة فعلاً وتعذر ممارسة الرقابة في الحالة الإجرائية التي عرضت عليها لا تعتبر بتا في الموضوع.
ومن ثم فإن إحالة جديدة، إذا كانت مستوفية للشروط الدستورية والقانونية، لا ينبغي النظر إليها تلقائياً باعتبارها التفافاً على قرار المحكمة، لأن المحكمة لم تبت بعد في دستورية القانون.
لكنني أتحفظ على استعمال عبارة "حق إعادة الإحالة" باعتبارها نتيجة محسومة؛ فهذه مسألة تحتاج إلى سند دستوري وتنظيمي واضح، وإلى قراءة دقيقة للآجال والآثار المترتبة على القرار.
وهنا أختلف مع القراءة التي قد تعتبر القرار شهادة ضمنية بدستورية القانون
هذه القراءة في رأيي غير سليمة، فعدم التصريح بعدم الدستورية لا يساوي التصريح بالدستورية، خاصة وأن المحكمة لم تدخل إلى "الموضوع الدستوري" أصلا.
وهذا أمر بالغ الأهمية، خصوصاً في النقاش العمومي حول قانون المحاماة، لأن تحويل قرار إجرائي إلى شهادة بالمطابقة الدستورية قد يؤدي إلى خلط بين وظيفتين مختلفتين تماماً:

 وظيفة المحكمة في مراقبة النص، 
ووظيفة المحكمة في تقرير عدم إمكان مراقبته في وضع إجرائي معين.


 هل ينبغي نشر القانون مباشرة؟

هنا أعتقد أن الحذر واجب.

لا أرى في القرار، بحسب المعطيات المتاحة، أساساً كافياً للقول إن المحكمة منعت قانوناً استكمال مسطرة الإصدار.
لكن في المقابل، لا أرى أن عدم وجود منع صريح يعني بالضرورة أن التعجيل بالإصدار هو الخيار الدستوري الأفضل.

هناك فرق بين:

هل الإصدار ممنوع؟ وهل الإصدار، في هذه اللحظة، هو الخيار الأكثر انسجاماً مع الغاية الدستورية من الرقابة السابقة؟ فهذان سؤالان مختلفان.
واذا ما استدعينا القضاء الدستوري الالماني نجد أنه لا يحبذ أن يبني قراره على أساس غير مكتمل، إذ يؤكد على أهمية استنفاد الوسائل الإجرائية المتاحة ومعالجة المسألة في إطارها الصحيح قبل الوصول إلى المحكمة الدستورية، بما يمنع اتخاذ قرارات دستورية على أساس واقعي أو إجرائي غير مكتمل. 
وبالمقابل، عندما تكون متطلبات العرض والتسبيب الدستوري غير مستوفاة، يمكن للمحكمة أن تعتبر الطعن غير مقبول دون الدخول في الموضوع. 

وهذا يعزز فكرة أساسية:

الرقابة الدستورية لا تبدأ فقط من السؤال: هل النص دستوري؟ بل تبدأ أيضاً من السؤال: هل وضعت أمام المحكمة كل العناصر التي تمكنها من الإجابة؟

لكن إذا كان العنصر الناقص قابلاً للاستكمال، فإن فلسفة دولة القانون تدفعنا إلى التفكير في كيفية استكماله، لا في تحويل النقص إلى حصانة للنص.

خلاصة موقفي:

إذا أردت أن ألخص موقفي في عبارة واحدة، فسأقول، قرار المحكمة الدستورية صحيح في تشخيص العيب الإجرائي، لكن القيمة الدستورية الحقيقية للقرار ستتحدد بما سيحدث بعده: هل سيُعامل قصور الإحالة باعتباره نهاية لمسار الرقابة، أم باعتباره عيباً إجرائياً ينبغي تصحيحه حتى تتمكن المحكمة من أداء وظيفتها كاملة؟
وأميل إلى الخيار الثاني من زاوية وظيفية ودستورية، لكن مع تحفظ مهم وهو لا ينبغي تقديم إعادة الإحالة كحق محسوم قبل التحقق من الأساس الدستوري والقانوني الذي يسمح بها، ومن استمرار الأجل الدستوري للإحالة.
فالهدف من الرقابة السابقة ليس أن تقول المحكمة فقط "لم أستطع أن أفحص النص"، وإنما أن توفر، متى كانت الشروط القانونية لذلك قائمة، إمكانية فعلية لممارسة الرقابة التي أنشأها الدستور.
وفي تقديري، أكبر خطر ليس في احترام الشكل، وإنما في أن يتحول الشكل من وسيلة لضمان الرقابة إلى وسيلة تمنع الرقابة.
ومن هنا أرى أن المرحلة المقبلة يجب ألا تبدأ بسؤال: هل أصبح قانون المحاماة قابلاً للنشر؟ بل بسؤال أكثر عمقاً هل استُنفدت فعلاً الوظيفة الدستورية للرقابة السابقة على هذا القانون؟
وإذا كانت الإجابة لا، فإن دولة القانون مطالبة بالبحث أولاً عن الطريق الدستوري الذي يسمح للمحكمة بأن تقول كلمتها في القانون نفسه، لا فقط في سلامة الوثائق التي قُدمت إليها.
وهذا في رأيي هو الاختبار الحقيقي الذي يضعه قرار 10 غشت 2026 أمام المؤسسات الدستورية المغربية.

 
ملاحظة: المقارنة مع فرنسا والبرتغال وإيطاليا وألمانيا هنا للاستئناس المنهجي، وليست للقول بوجود تطابق بين أنظمة الرقابة الدستورية؛ فلكل نظام دستوري شروط إحالة وآجال وآثار خاصة به.



الثلاثاء 11 أغسطس 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter






أرشيف الدراسات و الأبحاث

اخضاع حساب الودائع والأداءات لدى هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات / دراسة في حدود الاختصاص الدستوري والسلطة التقديرية للمشرع في ضوء المادة 75-1 من مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة

03/08/2026

دراسة تأصيلية نقدية للقائمة التجزيئية رقم 1 في ضوء نظام التحفيظ العقاري

03/08/2026

النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية: لازمة لاستكمال تنزيل الإدارة الترابية وورش الجهوية المتقدمة.

03/08/2026

الصمت الاجتماعي داخل المقاولة... هل هو استقرار حقيقي أم احتقان مؤجل؟ "دعوة إلى إعادة قراءة مؤشرات المناخ الاجتماعي داخل المقاولة"

02/08/2026

مؤسسة القضاء الاستعجالي في ضوء قانون المسطرة المدنية الجديد 58.25 دراسة تحليلية نقدية

25/07/2026

سكوت أم إسكات؟ سلوك الفلسطينيين في إسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي خلال حرب 7 تشرين الأول/ أكتوبر

17/07/2026

محاكم دستورية أم عابرة للمجالات: جدل السعة في اختصاصات المحاكم الدستورية العربية وآثارها.

17/07/2026

العمل الجمعوي والتحول نحو المقاولة الاجتماعية في المغرب

16/07/2026