Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




السياسي والكتاب.. أية علاقة؟


     



السياسي والكتاب.. أية علاقة؟

شكل إصدار الرئيس الفرنسي السابق نيكــولا ساركـوزي كتــابـا بعنــوان " الكل مـن أجل فـرنسـا " ، واحــدا من أهــم الأحداث السياسية في الجمهورية الفرنسية في الفتـرة الأخيرة ، خصوصا و أنــه أعلــن من خلالـه و بشكـل رسمي عـن عــودتـه لخـوض غمــار الانتخابات الرئاسية المرتقبــة سنــة 2017 ، و قــدم فيـه الخطوط العريضة لأهــم مرتكــزات برنامجه السياسي ، و القضايــا الـتي ستشكـل محور حملتـه الانتخابيــة...
 

وهي ليست المرة الأولى التي يُـخاطب فيها السياسيـون الــرأي العام الــفرنسي بهـذه الطريقـة ، وإنما هــو تـأكيــد لــتقليـد متـرسخ فـي الثـقـافـة السياسيـة ، يجعـل مــن الـفكـر و التــأليــف وسيلــة للــوصول إلى عقــول الـنخـب و لتــأطيــر الناخبيــن و محاولــة لــكسب قــاعـدة جماهيريـة كبيـرة، مثلمــا فعــل فــرونسـوا هــولانــد قُـبيـل تــرشحه للانتخابـات الـتي أعلـنتــه رئيســا لـفـرنســا عندما أصدر سنــة 2011 كتــاب " الحلــم الـفرنسي ". و قبـلــه كثيــر مـن السياسييـن الـذيــن حتى و إن لـم يقـومـوا بإصدار مــؤلفات سيـاسيـة ، إلا أنهـم بـلـوروا مشاريعهـم المجتمعيــة عبــر مجموعــات تفكيــر تضـم مُـثقفيـن ، إيمانــا منهــم بــأن الممارســة السياسيــة تنطلــق مــن تصــورات نظــريــة مــؤطـرة فــكــريــا..
 

إن الـحديث عــن عـلاقــة الـسياسي و الانتـاج الأدبــي و الفكــري ، هــو بحــق سـفــر في تـطـور تــاريـخ الـفكـر الإنـساني ، هــو بحث فـي عـلاقـة فـلسفيـة و وجـوديـة بـيـن فـاعـليْـن يُــقـرران فـي تشكيــل مخيـال و مصيـر حيــاة الـشركاء و الـفـرقـاء على الـسـواء...!

لا يُـمكـنـنا الـقفـز ، أثـنـاء الحــديث عـن رجالات الـسياسـة و الـفكـر، دون الحديث عن كتــاب " الأمـيـر " لــصاحبـه نيكـولــو ميكيـافيلــي سنة 1532..

فكتــاب " الأميــر " يُـعـد بحـق عــلامة فـارقــة ، حيث أخــرج الـفكـر مـن نـفــق فكــر اللاهــوت و الــكنيســة عنــد الـغرب و الأدب الــسلطــاني عنــد الشـرق ، و هــو بــدلك يُــعـد مـؤسـسا للــعلــوم الــسياسيــة و الــتنظيــر الـسياسي الــواقعي... و قــد تــأثــر بأفكــاره الــعديــد من فـلاسفـة الأنــوار و أيضا قــادة سيــاسييـن واتجـاهـات فكــريـة و ايــديـولـوجيــة...

لـقـد أصبح الكتـاب بصفـة عــامـة يُـشكـل عُـنصرا هــامــا يُــؤثـت الـفضاء الخاص بتحسيــن صـورة الـسياسي لــدى الــرأي العــام ، لــذلك يحرص الــعديــد مـن الـقــادة الـسياسين بـأخــد صورهــم الــرسميــة أو العــاديــة في رحــاب المكتبات أو بخلـفيـة مـليـئـة بــالكُــتب أو حاملـيـن كُـتـب لـقــامــات فكريــة .. أو الاستشهـاد بـآراء كُـتاب و أدبـــاء ....وغـيــر ذلك..

حتى أنــه أمكـن الـقول أن الـسياسي ، لا يُــمكنـه الـعيش ( سياسيــا طبعـا ) دون الإقـتيـات مــن الانتــاج الأدبــي و الـفكري.. لأن الكثير منهـم يـعتبـر الكتــاب كمصدر للإلهــام كـالريئس الامريكي بـــوش ، أو يُــقــدم نـصائـح و تــصورات لــتبـريــر السـياســة كالــرئيس ريغــان ، و آخــرون يـــرون في الـكُـتب عــلامـة على الـعمـق الفكــري و الــغنى الروحي ، و هنــاك من القــادة من يـــرون فيهــا فــضاءا لهـروب فكــري إفتراضي بعيـدا عن تشعــب مشـاكـل الــواقـــع...!

فالكاتــب الامــريكي جــاك لنــدن مثلا ، أثــرت كتــابـاتــه كـثيـرا فـي الـمعسكـر الاشتــراكـي ، بــل كـان الكــاتب الـمفضل للــرئيـس الــروسي ميـكــائيــل غـوربــاتشــوف..أمـا فيــديـل كـاستــرو فـقـد اتـخـد مـن الامـريكي هــامينغــواي صديقــا كبيــرا ، و جعــل مــن بـيتــه بكــوبــا محـرابـا فكــريــا لكتــابـة أشهــر كتـبــه " الـعجـوز و البحــر.."

الـتاريــخ الانـسـاني يـعُـج بــوقائـع تـُـؤكــد العـلاقـة الــوثيقـة و الـوجودية بيــن الــسياسي و الكُــتَــاب ..فنــابــوليــون بــونـبـارت مثــلا و هـو رجـل الحـرب و الاستراتيجيــات ، أُعجــب كثيــرا بــروايــة " أحــزان فــالـتـر " للالمـاني غـوتــة " ، حتى قـيـل انــه قــام بــدعـوتـه و مـناقـشة غــوتــة لـشخصيـات الــروايـة العــاطفيــة...!

ابــراهـام لينكــون ، كــان معجـبـا بــروايــة شيـكسبيــر " مــاكبــيت " حيــث الـطمـوح للحكــم و الـتعطـش للـسلطــة..
قــوة الكتــاب في حيــاة الـسياسي تـتمظهــر أيضا مــن خـلال الإعــلان عــن كــاتبــه أو كتــابه الـمفضل ، كما حــدث أثنــاء الحملة الانتخابيــة لبـيـل كـلينتـون حيــث صرح بـأن كتــاب " 100 عــام مــن الــعُـزلــة " لكــاتبــه غــابرييــل غـارسيـا ماركيــز ، هـــو كتـابـه الـمفضل ، فـقـد حصد مــن خـلال هــذا الاعتــراف على الـعديــد مـن الأصوات اللاتينيــة...أيضا هيــلاري صرحــت أثــناء حملتــها الانتخابـية ، أنها تـقــرأ للروائيـة دُونــا طارتْ و أيضا لـمـايــا أنجلــو وهي كـاتــبـة أفــروامـريـكيــة..!!
قــوة الكتــاب و إعتبـاره علامـة للـنضج الـفكري و الانتمـاء لـنخبة فكـريـة معينــة، و تــأثـيــر نـــوع الـكُـتــب في بنــاء شخصيــة الـسيـاســي ، هــو مـن جعـل ساركــوزي يحــول اهتمامـاتـه مـن الـرياضة و الـسينما الى الأدب ، بمسـاعـدة زوجتــه الايطـاليــة كــارلا بْــرُونـي .. حيـث سيُـصرح أن كتــابـه الـمفضل هــو " الأحمر و الأســود " لــصاحبه الـفـرنسي سْــتـيـنــدال...كنـوع مــن الــوجاهـة و العمــق الفكــريــيْــن..!
 

لا يمكنـنـا حصرعــدد حــالات قـــوة تــأثيــر و تــأثــر الـقادة الـسياسييــن بكُـتاب معينيــن أو الاعــلان عــن لائحــة كـتبــهم المخصصـة للقـراءة في عطلهـم مثلا.. قــوة تجـعــل إيــلان ألـكسنـدروفيتـش ، يُـلـقــب بفيلســوف الــرئيس الــروسي فــلاديميــر بــوتـيــن....!

لكـــن نفـس الــقـوة و التـأثيــر تجعلنــا نتســاءل عــن نُـخبـتنــا الـسياسيــة وعـلاقتهــا بالكُــتَــاب أو الــكتــاب...تجعلنــا نتســاءل بكــل غـيـرة وطنيــة عــن حجــم الانـتــاج الــفكري لـسياسيينــا بــالــموازاه مع إنشغـالاتهـم الـسياسيــة...نـفس الــغيــرة الــوطنيـة تـجعلــنــا نـتساءل عــن طبيعــة إعتـنــاء سيــاسييـنــا بمكتبــاتهــم الــخاصة و فـتحـهــا فــي وجــه الــطلبــة و الـبـاحثـيـــن ...أو استضافتهــم لــكُـتاب و أدبـــاء...عــن دورهــم في الـدفــاع بــرامـج تخص الــذاكرة الــوطنية من خلال الكتــاب، و تــشجيــع دور الـطباعــة على الـبقــاء فـي عالــم يتـجــه بسـرعـة جنــونيـة نحو العالــم الافتــراضي...!

هــل تُـسـاهـم الـنخبــة الـسياسيـة بإنتـاجـات أدبـيـة أو فكـريـة ، لــتنـشيـط نـقـاش عمـومـي حـول قـضايـا استـراتيجيــة للـمغرب..؟
هــل يُـشكـل مـوعــد زيــارتهـم للمكتبــات الــوطنية أو لـمعارض الكتــاب حــدثـا استثنــائيــا..أم تـمـريــن فكــري عـادي..؟
و هــل يجب أن نُــلــزم سيــاسيُــونــا مثــلا بــالتصريح بالممتلكـات الــفكريــة وإنتــاجاتهــم الأدبـيـة و الـعلـميــة الخــاصة الى جــانب الــممتلكـات الأخــرى...؟؟

صفحــات التــاريخ تُــخبـرنـا إلى سعــي الـعديــد مــن الــسلاطيــن الـمغاربة لإستـعــادة مكـتبــة ابـــن زيــدان ، الــساكنــة بمكتبــة الإسْــكُــوريــال بمــدريــد الاسبانيــة منــد الـقــرن 17 ، و مــن أجــل ذلك فـقــد أوفـــدوا سـفــراء للتفــاوض لإستعــادتهــا ، و عــرضوا الـمال و إسـتبــدال الـكُـتـب بالاســرى الاسبــانييــن ، لكــن دون جــدوى... و في سنــة 2009 سمحتْ إسبانيــا للمغرب بـنسخهـا على الميكــرو فـيلـــم، و سلمهــا مـلك إسبانيــا إلى جـلالــة المـلك سنــة 2013 أثنــاء زيـــارة رسميــة...
 

لقد شكـلت الــكتب مــلاذا آمـنـا لهـروب السياسيين مـن ضغـط الــواقــع و تــمرينــا يُــساعدهــم على تجاوز محناتهــم الـسيـاسية و الـمجتمعية ، و لعـل هـذا ما يُـبـرر قـضاء رئيـس الحكومة الـبـريطانية لأربـع مرات في الـقـرن 19، وليــام غُـولـدستُـون لسـاعات طـويلة مـن الليـل في قـراءة كتاب " جـزيـرة الكـنز " للكاتـب روبيـر ستيـفـنسـون سنـــة 1883...!!

نخلص مــن كـل هـذا ، أنــه فـي أحيـان كـثيـرة، يـجــد الـسيـاسيـون فـي كُـتب الـتـاريخ و فــي الــروايات إيـجابـات منــاسبـة لـوقائـع معاصرة ، تناولهــا رجال الادب و الفكــر في أجنــاس متعـددة للابـداع ..

و قد لا يختلف إثنــان، أن تخصصات مثـل الـفلسفــة و الأدب والــتاريخ و الـعلـوم الإنسانيــة ، شكـلـت مـشـتـلا خـصبـا في تكـويــن شخصيات سيــاسيـة و ساهمت فـي تكــويـن معـالـم "القــائــد" ، و لأنـها مرتبطـة بـالـخلـق و الابــداع فقــد اطلعـت بـدور أسـاسي بإعتمادهــا أثــناء بـلـورة مـشـاريــع مجتمعـيــة هي عبــارة عــن إيجابات و حلــول لإشكـاليات مــرتبطة بـالإنسان و بــالمجتمع.

 
 

الاحد 4 سبتمبر 2016
344 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter