Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الجهوية المتقدمة: المعيقات وممكنات التنزيل (في ظل التوجهات الترابية الجديدة)


     

يونس مليح
باحث جامعي في العلوم والتقنيات الضريبية



الجهوية المتقدمة: المعيقات وممكنات التنزيل  (في ظل التوجهات الترابية الجديدة)


لقد أكد جلالة الملك في خطابه الأخير ليوم الأربعاء 30 يوليوز 2014 بمناسبة الذكرى 15 لعيد العرش المجيد، على أنه " إننا مقبلون على إقامة الجهوية المتقدمة بمختلف مناطق المملكة، وفي مقدمتها أقاليمنا الجنوبية، بما تتيحه من احترام للخصوصيات الجهوية، ومن تدبير ديمقراطي من قبل سكان المنطقة لشؤونهم المحلية في إطار المغرب الموحد للجهات".

فالجهوية المتقدمة فكرة وحمولة ملكية بامتياز، سواء من حيث تصورها العام، وكذا دعاماتها وكيفية تطبيقها. وقد شكل الخطابان الملكيان بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين للمسيرة الخضراء، وحدث تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية مرجعية أساسية وركيزة ثابتة في مسار تحقيق وإرساء نظام الجهوية المتقدمة، وقد توج هذا المسار بالتنصيص عليها في سطور الدستور الجديد للمملكة لفاتح يوليوز 2011.

فاعتماد جهوية متقدمة في تدبير التراب، يشكل قفزة نوعية وتطورا مهما على صعيد بنيات وهياكل الدولة، وهو ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى إصلاح وتحديث العلاقة بين هذه الأخيرة وبين باقي المستويات الترابية، واعتماد التدبير الترابي كمكون أساسي في خلق نوع من التوازن والتكافؤ المؤسسي بين الدولة والجهات يهدف بالأساس إلى توزيع فعال وعادل للثروة.

فهل تستطيع الجهوية المتقدمة في ظل التوجهات الترابية للدستور الجديد تجاوز المعيقات وواقع التدبير الجهوي الحالي وخلق إمكانات جديدة ومتجددة لتدبير جهوي فعال وناجح وتنموي ؟

مرت الجهوية المتقدمة بالمغرب عبر عدة مراحل، انطلاقا من ظهير 16 يونيو 1971 المتعلق بإحداث المناطق الاقتصادية، وبعدها تم الارتقاء بالجهة إلى مستوى الجماعة المحلية عن طريق الدستور المراجع لسنة 1992، ثم تدعم مركز الجهة أكثر في الدستور المراجع لسنة 1996، وأخيرا بواسطة القانون رقم 96/47 المتعلق بتنظيم الجهات والذي أضفى عليها الشخصية المعنوية ونظم تشكيل وتسيير مجالسها وأيضا مجالات وصاية الدولة عليها.

وقد احتلت الجهوية المتقدمة مكانة في الخطاب السياسي كذلك، كما تبوأت مكانة مهمة لدى الرأي العام المغربي وكتب فيها سطور عديدة تبين ركائزها وأهميتها وكيفية تطبيقها. فالجهة وضعت من أجل تشييد مغرب حديث، تشكل فيه الديمقراطية المحلية والديمقراطية التشاركية معبئا للطاقات ومنتجا للنخب الجهوية، وتلعب فيه دورا محوريا في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن هذا الطموح واجهته مجموعة من المعيقات والمشاكل.

إن أبرز مشكل يعترض الجماعات المحلية بصفة عامة، والجهات بصفة خاصة هو مدى وجود موارد بالحجم الذي يمكنها من أن تتكفل بما أوكل إليها من صلاحيات بمقتضى القوانين، والتي تعد في الحقيقة تكليفا قبل أن تكون تشريفا، فوجود لامركزية جهوية دون التوفر على الاعتمادات الذاتية الكافية يجعلها لامركزية عرجاء وفي تبعية مستمرة لمن يتحكم في موارد التمويل. وفي سياق تجاوز هذا المشكل جاء كل من القانونين 47.06 و47.96 كترجمة لضرورة إنشاء إعتمادات جبائية لازمة تمكن الجماعات الترابية من تحسين تجهيزاتها والقيام بالمسؤوليات المنوطة بها، وكذا الرفع من مردوديتها المالية، لذلك فقد حاول المشرع المغربي من خلال هاذين القانونين إيجاد موارد جبائية لفائدة هذه الوحدات الترابية وذلك من خلال التمييز بين الموارد الجبائية الذاتية للجهة والموارد الجبائية المحولة لفائدتها.

فكما يعلم الجميع، فنظام التمويل الجهوي بالمغرب يعتمد على شقين من الموارد، وهي الموارد الذاتية أو العادية تم الموارد الخارجية أو الاستثنائية (المحولة) وتتشكل هذه الأخيرة خاصة من الإعانات والقروض والمساعدات العمومية. في حين تتكون الموارد الذاتية من جزئين بحيث هناك موارد ذاتية جبائية وهي مجموعة من الرسوم المستحقة لفائدة الجهة، وكذا حصة من حصيلة الضرائب المحولة من طرف الدولة إلى الجهة بموجب القوانين المالية السنوية، وبالأخص الضريبة العامة على الدخل والضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، وهي موارد غير كافية لتمويل الجهات المتقدمة، وتدعو إلى تفكير عميق وجذري في كيفية ضمان موارد مالية وجبائية قادرة على تغطية اختصاصاتها ومسؤولياتها الواسعة.

إن واقع الحال يبين أن التجربة الجهوية الحالية تعتريها مجموعة من الإكراهات في تطبيقاتها ساهمت في إبعادها عن تحقيق دورها الأساسي وهو تحقيق التنمية بالمغرب، ومن بين هذه الإكراهات نجد ما يلي:
  • معضلة المجال الترابي: يعكس واقع الهيكل الترابي من خلال ابتعاده عن الواقع البشري والاقتصادي والجغرافي، والسبب يعود إلى ارتكاز الدولة على الإقليم كقاعدة للتقطيع، وهو ما أدى إلى تكريس التفاوتات بين الوحدات الترابية، فالتقسيم الحالي لم يخترق الحدود الإدارية لأي إقليم في سبيل تحقيق الاندماج الاقتصادي أو التكامل الوظيفي بين الجهات مما يصعب معه تحقيق الأهداف التنموية المسطرة، لذلك وجب مراجعة هذا التقسيم بدءا من المستوى الجماعي مرورا بالتقطيع الإقليمي ووصولا للتقسيم الجهوي، الذي يجب أن يكون هو الإطار المرجعي لأي تقسيم ترابي متوقع.
 
  • ضعف الموارد الذاتية للجهات: وهي عبارة عن رسوم نظمتها المادة 4 من القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية، حيث خص الجهة بثلاث رسوم؛ الرسم على رخص الصيد؛ والرسم على استغلال المناجم؛ والرسم على الخدمات المقدمة بالموانئ، وهي رسوم ذات مردودية هزيلة ولا تستفيد منها جل الجهات، مما يؤثر سلبا على تغطية نفقات الجهة وممارسة اختصاصاتها ولعب دورها في عملية التنمية وفي استقلالية قراراتها وهو أمر أصبح يستدعي في ظل الجهوية المتقدمة مزيدا من الموارد المالية.
 
  • المشاكل المتعلقة بالموارد البشرية: إشكالية التكوين المستمر بالنسبة للموظف أو المنتخب الجماعي، وأيضا الصراعات الهامشية والخلافات الشخصية التي يكون مردها الأساس هو الانسياق وراء المصالح الشخصية، وأيضا ظاهرة الغياب المستمر والمتكرر للموظفين الجماعيين والمستشارين والأعضاء وضعف وسائل المراقبة، وهو أمر أصبح متجاوز في ظل خيار الجهوية المتقدمة التي تعول على وجود نخب محلية وجهوية قادرة على تحمل المسؤولية التاريخية الملقات على عاتقها.
 
كل هذه المشاكل والمعيقات المجالية، المالية والبشرية لاشك وأنها تؤثر وبشكل سلبي على مسار وبنية ومشروع الجهوية المتقدمة، فالموارد المالية والبشرية وبالخصوص الجبائية تشكل أساس الجهوية المتقدمة التي نادى بها دستور 2011، وهي وسيلة من وسائل تطويرها، لكن محدودية الموارد المالية وضعف المورد البشري المتاح لها لا تساير حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق الجهة الأمر الذي قد يساهم في إفراغ هذه المسؤوليات من محتواها، فلا فائدة من جهوية ليس لها موارد مالية وبشرية كافية لتغطية حاجياتها ونفقاتها وممارسة اختصاصاتها.

إن الجهوية المتقدمة يجب أن تنطلق من منظور اقتصادي محض وواقعي، بمعنى أن التخطيط للجهوية المتقدمة يستلزم تشخيصا دقيقا للمؤهلات والمعيقات الطبيعية والمادية والمالية والبشرية ... لجميع الجهات، من أجل الوقوف على نقاط الضعف والقوة، في التجربة الجهوية الحالية، والعمل على تجاوز نقاط الضعف وتقوية نقاط القوة أثناء عملية الدمج والتوسيع.

فتحقيق الجهوية المتقدمة المنشودة يستدعي التعجيل بالتنزيل التدريجي والسليم للمبادئ الدستورية المتعلقة به، وذلك بإصدار القانون التنظيمي المتعلق بها في أقرب وقت وهو ما تم بالفعل وذلك بإصدار نص مسودة مشروع القانون التنظيمي حول الجهة، غير أن المتأمل في سطور هذه المسودة يلاحظ بأنها لم ترقى للتطلعات التي انتظرها الشارع المغربي والمهتمون بمشروع الجهوية المتقدمة، ونذكر بالخصوص مسألة ُالوصاية المشددة على القرارات المرتبطة بمالية الجهة الشيء الذي يشكل قطيعة مع مبدأ التدبير الحر المنصوص عليه في الدستور، وأيضا في سطور هذه المسودة لم يتم ذكر ولا سطر واحد عن كيفية الرقي والرفع من مداخيل الجهة التي توجد في وضعية مالية هشة في ظل المداخيل الحالية المرصودة لها، وكذلك لم يتم ذكر الرسوم التي يمكن للجهة أن تدرجها لرفع مردوديتها المالية. من هذا كله فالجهة إذا أريد لها أن تكون صرحا تنمويا نموذجيا لابد من إعادة النظر في القوانين المصاحبة كالقانون المتعلق بالجبايات المحلية رقم 47.06، وإحداث صندوق التأهيل الاجتماعي، وصندوق التضامن بين الجهات المنصوص عليهما في الدستور الجديد للملكة المغربية لسنة 2011 وبالخصوص الفصل 142 منه، وكذلك تعزيز مبادئ الديمقراطية المحلية والديمقراطية التشاركية وربط المسؤولية بالمحاسبة وعلى مبدأ الحكامة الجيدة والجودة والشفافية في تسيير مرافقها، فالجهوية الموسعة تتطلب قدرات وكفاءات في مستوى حرية اتخاذ القرار في تدبير الشأن المحلي والجهوي، مما يترتب عنه تعزيز التلاحم والوفاق الوطني والترابط الوثيق الذي يعتبر ركيزة أساسية في تعزيز الهوية الوطنية.



السبت 23 غشت 2014



1.أرسلت من قبل chahir fatima ezzahra في 23/12/2014 22:52
mrc bc kantmana tab9aw dima tnachro bhal had mawadi3

تعليق جديد
Twitter