Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



التطبيقات العملية لتأديب القضاة بقلم الأستاذ احمد النويضي


     

الجزء الثاني



التطبيقات العملية لتأديب القضاة بقلم الأستاذ احمد النويضي

المحور الثاني : التطبيقات العملية لتأديب القضاة

لقد نصت المادة 61 من النظام الأساسي للقضاة على مايلي :

» ينهى وزير العدل إلى المجلس الأعلى للقضاء الأفعال المنسوبـة للقاضي، ويعين بعد استشارة الأعضاء المعينين بقوة القانون مقررا يجب أن تكون درجته أعلى من درجـة القاضي المتابع.

يحق لهذا الأخير الإطلاع على الملف وعلى جميع مستندات البحث باستثناء نظرية المقرر.

يشعر القاضي علاوة على ذلك قبل ثمانية أيام على الأقل بتاريخ اجتماع المجلس الأعلى للقضاء للنظر فـي قضيته.

يمكن للمجلس الأعلى للقضاء أن يأمر بإجراء بحث تكميـلي قبـل البت في القضية.

يمكن للقاضي المحال على المجلس الأعلى للقضاء أن يؤازر بأحد زملائه أو أحد المحامين، ويحـق للمساعد المعين الإطلاع على المستندات كما هو منصوص عليه في الفقرة الثانية.

يمكن للمجلس الأعلى للقضاء أن يوقف النظر عند وجود متابعـة جنائية إلى أن يقع البت فيها بصفة غير قابلة للطعن»
ونصت المادة 60 من نفس القانون على أنه:« تصدر العقوبات بعـد استشارة المجلس الأعلى للقضاء بقرار لوزير العدل بالنسبة لعقوبات الدرجة الأولى وبظهير بالنسبة لعقوبات الدرجة الثانية »

وعلى ضوء هذه المقتضيات نحلل هذا المحور من خلال الفقرات التالية :
  • الفقرة الأولى : المجلس الأعلى للقضاء وصلاحيته بالبث في تأديب القضاة
  • الفقرة الثانية : الجهة المختصة بمتابعة القضاة تأديبيا
  • الفقرة الثالثة : إجراءات المحاكمة التأديبية
  • الفقرة الرابعة : القرارات الصادرة عن المجلس الاعلى للقضاء .
 
 
    الفقرة الأولى : المجلس الأعلى للقضاء وصلاحيته
                       بالبت في تأديب القضاة


المجلس الأعلى للقضاء مؤسسة دستورية نصت عليها جميع الدساتير المغربية آخرها دستور سنة 1996   «المنسوخ» الذي نص في المادة 86:« يرأس الملك المجلس الأعلى للقضاء ويتألف هذا المجلس بالإضافة إلى رئيسه من : وزير العدل نائبا للرئيس؛ الرئيس الأول للمجلس الأعلى؛ الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى؛ رئيس الغرفة الأولى في المجلس الأعلى؛ ممثلين اثنين لقضاة محاكم الاستئناف ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم؛ أربعة ممثلين لقضاة محاكم أول درجة ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم »
وإذا كان دستور 2011 قد نسخ مقتضيات دستور 1996 وعمل على تغيير اسم هذه المؤسسة -بإسم المجلس الأعلى للسلطة القضائية فإن المادة 178 من الدستور أعطت للمجلس الأعلى للقضاء الحق في ممارسة صلاحياته ، إلى أن يتم تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية في حلته الدستورية الجديدة ، وبذلك يكون الدستور قد أبقى على المجلس الأعلى للقضاء مؤقتا، واحتفظ له باختصاصه في تأديب القضاة خلال المرحلة الانتقالية التي أريد لها أن تبقى مستمرة حتى الآن .

الفقرة الثانية:الجهة المختصة بمتابعة القضاة تأديبيا

أول ما ينبغي ملاحظته أن رجال القانون ، وحتى بعض القضاة ، يعتقدون أن وزير العدل هو الذي يقرر إحالة القضاة إلى المجلس الأعلى للقضاء ومتابعتهم تأديبيا ، وسبب ذلك يعود إلى قراءة ظاهرية للفقرة الأولى من المادة 61 من النظام الأساسي لرجال القضاء .لكن بقراءة تحليلية للمادة المذكورة يتضح أن متابعة القضاة تأديبيا تمر عبر مراحل ثلاث:

المرحلة ألأولى: ينهي وزير العدل إلى علم المجلس الأعلى للقضاة الأفعال المنسوبة إلى القاضي و المستخلصة من البحث الذي تجريه المتفشية العامة التابعة لوزارة العدل ،وبما أن المجلس الأعلى للقضاء لا يكون منعقدا بصورة دائمة ، إذ يعقد دورتين في السنة ، فإن الأعضاء المعينين بقوة القانون وهم: الرئيس الأول لمحكمة النقض ، والوكيل العام للملك لديها ، ورئيس الغرفة الأولى ، يشكلون بقوة القانون لجنة دائمة برئاسة وزير العدل تمثل المجلس المذكور.

المرحلة الثانية: تقوم اللجنة المذكورة - بهذه الصفة - بدراسة الأفعال المنسوبة للقاضي من خلال ما يحيله عليها وزير العدل من أبحاث وتقارير فتقرر :
  • إما حفظ ملف القضية إذا تبين لها عدم جدية الشكوى المقدمة ضد القاضي أو أن الفعل لا يشكل مخالفة تأديبية ، أو عدم وجود وسائل مادية تنبث هذه الأفعال في حق القاضي، أو أن الفعل المنسوب إليه يشكل جريمة ولم يصدر بعد قرار بمتابعته جنائيا .
  • و إما متابعة القاضي بالأفعال المنسوبة إليه ، وإحالته إلى المجلس الأعلى للقضاء لينظر في قضيته .
 
المرحلة الثالثة: وفي هذه الحالة أي بعد تقرير متابعة القاضي، يقوم وزير العدل ب:

  • تعيين مقرر تكون درجته أعلى من درجة القاضي المتابع . يقوم بإجراء بحث بخصوص الأفعال المنسوبة إليه .
  • إشعار القاضي بإحالته للمحاكمة التأديبية ، وتعريفيه باسم وصفة القاضي المقرر في قضيته
  • توقيف القاضي عن مزاولة مهامه إذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ خطيرا.
و إذا كنا قد أنكرنا على وزير العدل الحق في متابعة القاضي تأديبيا، فإن سندنا في ذلك يعود إلى أن المادة 61 من النظام الأساسي للقضاة، حصرت مهمة وزير العدل في إخبار المجلس الأعلى للقضاء بالأفعال المنسوبة إلى القاضي، وإذا كانت المادة المذكورة قد أعطت لوزير العدل حق تعيين المقرر « الذي يعتبر مفتاح المتابعة التأديبية »، فإنها علقت صلاحية الوزير على استشارة أعضاء المجلس المعينين بقوة القانون. وهذه الاستشارة لا تنصب على تعيين المقرر ، وإنما تنصب على الأفعال المنسوبة إلى القاضي و التي يرفعها وزير العدل إلى المجلس ، والاستشارة هنا كمصطلح قانوني لا تعني مجرد إبداء وجهة النظر وإنما تعني النظر و التداول ، وحتى التصويت إن اقتضى الأمر ذلك ، وبصورة أوضح فإنها تعني : دراسة الأفعال المنسوبة للقاضي من قبل اللجنة المكونة من الأعضاء الدائمين بالمجلس واتخاذ قرار بشأنها. وبهذا المعنى وردت عبارة « بعد الاستشارة » في عدد من نصوص النظام الأساسي لرجال لقضاء منها :

المادة 60 التي تنص « تصدر العقوبات بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء بقرار لوزير العدل بالنسبة لعقوبات الدرجة الأولى .........................................».
المادة 63 الفقرة الثالثة التي تنص « يمكن أن تصدر ضد المعني بالأمر .............عقوبة العزل ....... بظهير بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء». و لا أحد يجادل في أن المقصود من إستشارة المجلس الأعلى للقضاء هو تداول المجلس المجلس المذكور في المسألة.
وبذلك يمكن القول أن الجهة المختصة بمتابعة القضاة تأديبيا طبقا للمادة 61 من النظام الأساسي لرجال القضاء هي لجنة المتابعة المكونة من الأعضاء المعنيين بقوة القانون والتي تمثل المجلس الأعلى للقضاء برئاسة وزير العدل طبعا .

الفقرة الثالثة: إجراءات المحاكمة التأديبية

الواقع أن المادة 61 المشار إليها أعلاه لئن كانت قد حددت الإجراءات التمهيدية للمحاكمة التأديبية ، فإنها لم تتطرق للمسطرة الواجب إتباعها من قبل المجلس الاعلى للقضاء عند مثول القاضي المتابع امامه.
لذلك سنتطرق للإجراءات التمهيدية للمحاكمة التأديبية أولا، ثم نتحدث عن المحاكمة التأديبية الموضوعية للقضاة وما يعتريها من قصور ثانيا.

أولا: الاجراءات التمهيدية

  1. البحث من قبل المقرر
المقرر : هو القاضي يعينه وزير العدل لاجراء بحث بخصوص الافعال المنسوبة الى القاضي المتابع ، وقد أوجبت المادة 61 أن تكون درجته القضائية تفوق درجة القاضي الذي يجري معه البحث .
وفي غياب نص قانوني يحدد طريقة عمل المقرر، و المسطرة الواجب اتباعها من قبله وهو يقوم بالبحث المكلف بانجازه ، فإن هذا الأخير يبقى مقيدا بالقواعد العامة ، ومبادئ العدالة .
فعليه الاستماع إلى المشتكي اذا تعلق الامر بشكوى ضد القاضي ، و الشهود إن  وجدوا ، و الاطلاع على الملف موضوع الشكاية ، و الاستماع الى القاضي بخصوص ما نسب إليه من أفعال .
ونظرا لأهمية البحث الذي يجريه المقرر ، و الدور الذي يلعبه تقريره في محاكمة القاضي تأديبيا ، فإن المقرر ملزم بالتحلي بالصدق و الأمانة و الحياد، فعليه أن يقوم بالبحث عن الحقيقة التي يضعها نصب عينيه ، فلا يجوز له التستر على المنحرفين ، وفي نفس الوقت لا يجوز له التحامل على القاضي المتابع، والبحث عن الاخطاء البسيطة و تضخيمها أو تحريف الوقائع التي يتلقاها لإقامة الدليل ضد القاضي المتابع ، بل عليه أن يكون أمينا في نقل تلك الوقائع كما هي، ويترك أمر تقدير صحتها للمجلس الاعلى للقضاء ، ولئن كان يجوز له اعطاء رأيه حول مدى صحة ما نسب إلى القاضي ، فإنه لا يجوز له البحث عن أدلة خارج الوقائع التي تلقاها لتبرير نظريته ، فهي أمانة جسيمة ملقاة على عاتق المقرر يحاسب عليها يوم لقاء الله تعالى .
وبعد أن ينتهي المقرر من البحث الذي أنجزه، يرفع تقريرا بذلك الى وزير العدل ، حيث يقوم هذا الاخير بعرض ملف القضية على المجلس الاعلى للقضاء في أول اجتماع له .
  1. استدعاء القاضي المتابع
بمجرد ما يعقد المجلس الاعلى دورته، يقوم وزير العدل باشعار القاضي المتابع بتاريخ اجتماع المجلس للنظر في قضيته قبل ثمانية أيام على الاقل.
وطبقا للفقرتين الثانية و الرابعة من المادة 61 يحق للقاضي الاطلاع على الملف وعلى جميع مستندات البحث باستثناء نظرية المقرر، ويحق له ايضا أن يؤازر بأحد زملائه أو بأحد المحامين.
 واذا كان المشرع بهذه المقتضيات قد كفل للقاضي حقه في الدفاع، فإننا نسجل الملاحظات التالية:
  • إن المدة التي أعطيت للقاضي لاعداد دفاعه و المحددة في 8 أيام ما بين تاريخ التوصل بالاستدعاء للحضور وتاريخ اجتماع المجلس مدة غير كافية ، خاصة اذا كان مقر عمل القاضي بعيدا عن مقر المجلس الاعلى للقضاء ، وهي غير كافية لتعيين محام لمؤازرته ، و الاطلاع على الملف ودراسة  أوراقه، واعداد حججه أو شهوده، علما بأن المسطرة المنجزة سواء من المفتشية العامة أو من قبل القاضي المقرر تتسم بطابع السرية ولا يجوز للقاضي الاطلاع عليها قبل استدعائه لاجتماع المجلس ، ومن تم تكون المهلة القانونية لاعداد الدفاع لا تحقق حق الدفاع بمفهومه الدستوري .
  • إن الاطلاع على الملف ومستنداته المخول للقاضي المتابع والذي يعني كما جاء في الحكم الصادر عن المجلس الدستوري عدد 921/13 م.د الصادر بتاريخ 13/08/2013 في الملف عدد 1377/13، الحق في أخد صور من وثائق الملف ، كان يفسر من قبل المجلس الاعلى للقضاء بأنه الحق في الاطلاع بالعين المجردة ، وكان يمنع أخد صور شمسية من وثائق الملف باسثتناء تقرير المقرر ، وهو ما كان يحول دون تمتيع القاضي المتابع بحقه في الدفاع ، وقد تراجع المجلس أخيرا عن هذا التوجه وسمح لأول مرة في تاريخه للقاضي المتابع بأخد صور من وثائق الملف وهو توجه نثمنه .
ثانيا : الاجراءات الموضوعية المحاكمة التأديبية .

سبق القول ان المشرع لم يحدد المسطرة المتبعة لمحاكمة القاضي تأديبيا، وقد دأب المجلس الاعلى للقضاء على اتباع المسطرة التالية:
بعد مثول القاضي المتابع أمام المجلس ، و تلاوة المقرر لتقريره، و الجواب على أسئلة أعضاء المجلس ، ينسحب المقرر من جلسة المحاكمة ، فيتم الاستماع الى القاضي حول ظروف وملابسات القضية ، ويقدم أجوبته على أسئلة أعضاء المجلس ، و بعد مرافعة الدفاع الشفوية يعلن وزير العدل عن انتهاء المناقشة ، فينسحب القاضي ومؤازره من القاعة ، دون أن يعلم بالقرار الذي اتخذ في حقه ، وينتظر ظهور نتائج المجلس .
والملاحظ أن المسطرة التي دأب المجلس على إتباعها تفتقر إلى أبسط قواعد المحاكمة العادلة .
فإذا كان القانون المكون للنظام الأساسي لرجال القضاء لم يتضمن نصوصا قانونية تحدد كيفية إجراء المحاكمة التأديبية، فإن المجلس الأعلى للقضاء ملزم بتطبيق قانون المسطرة المدنية طبقا للمادة الثالثة من ديباجتها والتي تنص على مايلي : «   تستمر محاكم الاستئناف والمحاكم في تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية الخاصة المنظمة لمساطر غير منصوص عليها في هذا القانون. غير أنه تطبق مقتضيات هذا القانون حتى في القضايا التي تنظمها نصوص تشريعية وتنظيمية خاصة إذا لم يرد في هذه القوانين نص صريح خاص بها».
واذا كانت المحاكمة العادلة حق يكفله الدستور لكل شخص سواء كان قاضيا أو مواطنا عاديا ، فإن المحاكمة العادلة لا تتحقق الا بالمسطرة التواجهية ، و الحال أن المجلس لا يقوم باستدعاء المشتكي لحضور جلسة المحاكمة ، ويتم الاكتفاء بما سطره المقرر في تقريره ، في حين أن حضور المشتكي ضروري لمناقشته ، وطرح الأسئلة عليه ، خاصة في حالة تسمك القاضي بإنكار شكاية المشتكي ، فإذا كان المجلس سيعتمد على تصريح المشتكي المضمن بتقرير المقرر ، فلماذا سيحضر المحامي لمؤازرة القاضي اذا لم يكن بمقدوره استفسار المشتكي وطرح الاسئلة عليه، ونفس الملاحظة تنطبق على الشهود .
فالمجلس الأعلى للقضاء لا يقوم باستدعاء الشهود للاستماع اليهم، ويكتفي بشهادتهم المضمنة بتقرير القاضي المقرر ، والحال أن شهادتهم باطلة، لكونها صدرت في غيبة القاضي من جهة و من جهة اخرى لعدم أداء اليمين من قبل هؤلاء الشهود ، وطبقا للمادة 76 من قانون المسطرة المدنية فإن عدم أداء الشاهد اليمين القانونية بجلسة المحاكمة تكون باطلة ولا قيمة لها ، وبالتالي تكون القرارات الصادرة عن المجلس الاعلى للقضاء على أساسها مخالفة لقواعد وأسس المحاكمة العادلة المكفولة للمواطنين بمقتضى المادة 120 من الدستور .

الفقرة الرابعة : القرارات الصادرة عن المجلس الاعلى للقضاء .

طبقا لمقتضيات القانون المكون للنظام الاساسي للقضاة، فإن المجلس الاعلى للقضاء يصدر قرارات تمهيدية وأخرى موضوعية.

أ القرارات التمهيدية :

  • الأمر بإجراء بحث تكميلي: يمكن للمجلس الاعلى للقضاء ، أن يأمر بإجراء بحث تكميلي بخصوص الافعال المنسوبة للقاضي المتابع ، ويتم اللجوء الى ذلك في الحالة التي يكون المقرر قد أغفل البحث في نقطة ضرورية للفصل في القضية، او في أمور استجدت من خلال المناقشة، ويمكن إسناذ هذه االمهمة إما إلى المقرر الذي سبق له البحث في القضية أو إلى أحد أعضاء المجلس ، كما يمكن للمجلس أن يقوم بهذا البحث التكميلي ، مادامت الغاية هو الوصول إلى الحقيقة وبالتالي اصدار قرار منصف لطرفي الخصومة التأديبية .
  • الأمر بايقاف البت في القضية إلى حين انتهاء الدعوى العمومية: سبق القول في المحور الأول أن الافعال الموجبة للمسائلة التأديبية قد تشكل خطأ عاديا أو جسيما ، وقد تشكل جريمة اذا كان الفعل المنسوب للقاضي يعاقب عليه القانون بعقوبة زجرية . وفي هذه الحالة الاخيرة لا يمكن متابعة القاضي تّأديبيا الا اذا تمت متابعته جنائيا «المادة 62 من النظام الأساسي لرجال القضاء».
وفي حالة متابعته تأديبيا بنفس الافعال المتابع بها جنائيا ، فإن المجلس الاعلى للقضاء يكون ملزما بإبقاف البث في القضية إلى أن يقع البث في الدعوة العمومية بقرار غير قابل لأي طعن « الفقرة الاخيرة من المادة 61 » واذا كانت هذه المادة قد استعملت عبارة « يمكن » فليس معنى ذلك أن المجلس له السلطة التقديرية في إيقاف البث من عدمه، فقد استعمل المشرع في المادة 63 من النظام الاساسي عبارة « يمكن » و قصد بذلك الوجوب وليس الجواز.
و هوما أكدته الفقرة الأخيرة من المادة 62 بقولها: " لا تسوى نهائيا وضعية القاضي الذي وقعت متابعته جنائيا إلا عند صيرورة الحكم الصادر غير قابل لأي طعن".
وفي هذا المنحى نصت المادة 37 من القانون العربي الاسترشادي للقضاء الإداري الذي اعتمده مجلس وزراء العدل العرب بمقتضى القرار رقم 766/د 24 الصادر بتاريخ 27/11/2008 على مايلي : "في حالة متابعة جنائية لقاض من أجل نفس الخطأ يوقف المجلس النظر في المتابعة التأديبية إلى أن يصدر قرار نهائي في الدعوى الجنائية".
و في هذا الاتجاه ذهبت محكمة الرباط الإدارية في حكمها عدد 491 الصادر بتاريخ 24/03/1999 في الملف عدد 1399/97 غ بقولها " إن إصدار المطلوبة في الطعن لقرارها بعزل الطاعن قبل أن يقول القضاء كلمته بخصوص المتابعة الجنائية الجارية في حقه بخصوص نفس الأفعال المنسوبة إليه يجعل القرار المذكور مستما بتجاوز السلطة لعيب مخالفة القانون وهو الفصل 70 من النظام الأساسي الوظيفة العمومية".
وهو نفس موقف الغرفة الإدارية بمحكمة النقض في القرار عدد 175الصادر بتاريخ 19/9/1986في الملف الإداري عدد 7294/84 بقولها: "إذا كانت هناك متابعة جنائية فإن وضعية الموظف لا تسوى إلا بعد صيرورة الحكم الصادر عن المحكمة نهائيا، لهذا فإن المقرر الإداري يعزل الطاعن استنادا لنفس الوقائع التي أدين من أدلها جنائيا بحكم مطعون فيه بالاستئناف يكون متسما بالشطط في استعمال السلطة إذ كان على الإدارة أن تنظر حتى يصبح الحكم حائزا لقوة الشيء المقضي به كما يقضي بذلك الفصلان 70و73 "  .
بالإضافة إلى ما ذكر فإن المادة 119 من الدستور حسمت الأمر بنصها على أنه :« يعتبر كل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة بريئا ، إلى أن تتبث ادانته بمقرر قضائي مكسب لقوة الشيء المقضي »، و يترتب عن هده القاعدة الدستورية، ان الجهة الوحيدة التي خولها الدستور ، البحث في العناصر التكوينية للجريمة و تقرير إدانة المتهم بإرتكابها او براءته منها ، هي المحاكم الجنائية المختصة ، و لا يجوز للإدارة النظر في الأفعال المكونة للجريمة كمرجع تأديبي الا بعد صدور مقرر قضائي غير قابل لأي طعن يقضي بإدانته من أجلها.
يستخلص مما سبق أن المجلس الاعلى للقضاء ملزم بإيقاف البث إذا كانت الأفعال موضوع المتابعة التأديبية نفسها موضوع المتابعة الجنائية إلى حين انتهاء الدعوى العمومية.

ب القرارات الموضوعية

يصدر المجلس الاعلى للقضاء نوعان من القرارات الموضوعية:
  • إما قرار بالبراءة : اذا تبين للمجلس عدم صحة الافعال المنسوبة الى القاضي ، أو عدم ثبوتها أو كون هذه الافعال لا تشكل مخالفة تأديبية، أو صدر حكم نهائي ببراءة القاضي المتابع جنائيا، وفي هذه الصورة  يعاد القاضي الى عمله اذا كان موقوفا وتؤدى له اجرته منذ تاريخ التوقيف .
  • و إما قرار بالإدانة : اذا ثبت للمجلس صحة الافعال المنسوبة الى القاضي المتابع، فإنه يقرر مؤاخدته ويحدد العقوبة التي يراها مناسبة للفعل المرتكب.
 و العقوبات التي يمكن تطبيقها على القضاة حسب المادة 58 من القانون المشار اليه تنقسم الى قسمين

¡ عقوبات من الدرجة الاولى وتشمل :   - الإنذار؛
- التوبيخ؛
- التأخير عن الترقي من رتبة إلى رتبة أعلى لمدة
  لا تتجاوز سنتين؛
- الحذف من لائحة الأهلية.

 ¡ عقوبات من الدرجة الثانية وتشمل : - التدحرج من الدرجة؛
- الإقصاء المؤقت عن العمل لمدة لا تتجاوز ستة أشهر ؛
- الإحالة على التقاعد التلقائي أو الانقطاع عـن العمل ؛
- العزل مع حفظ الحقوق في التقاعد أو الحرمان منها.
 واذا كان المشرع قد ترك للمجلس سلطة تقدير العقوبة المناسبة للفعل المرتكب، فإن الملاحظ أن قرارات المجلس الصادرة في السنوات الاخيرة بالاضافة إلى عدم احترامها لقواعد المحاكمة العادلة على النحو الذي سبق، فإنها اتسمت بطابع القسوة لانعدام التناسب بين الفعل موضوع المحاكمة و العقوبة، وشكلت بذلك تجاوزا في استعمال السلطة ويتجلى ذلك فيما يلي:

  1. عدم احترام مبدأ شرعية المخالفات التأديبية : والذي يعني عدم جواز معاقبة القاضي على فعل لا يشكل مخالفة تأديبية بمفهوم المادة 58 من النظام الأساسي للقضاة، إذ أن المجلس بمعاقبته لقاض من أجل مخالفة استغلال النفوذ و معاقبته لآخر من أجل مخالفة العجز عن تبرير مصدر أموال سرقت من منزله بعقوبة الإحالة على التقاعد يكون قد أعطى لنفسه صلاحية التشريع و أضاف بذلك مخالفتين غير واردتين في المادة 58 المشار إليها,
  2. عدم التقيد بوسائل الاثبات المحددة في القانون ،
  3. عدم التقيد بقاعدة الجنائي يعقل الادراي طبقا للمادتين 61 و 62 من النظام الأساسي للقضاة و المادة 119 من الدستور ، و قد سبقت الاشارة إلى ذلك.
  4. عدم تناسب الفعل المنسوب للقاضي مع العقوبة المقررة في حقه. فعقوبات العزل أو الاحالة على التقاعد أو الانقطاع عن العمل هي أقسى عقوبة توقع على القاضي ، لأنها إعدام مهني للقاضي وأسرته ، لذلك ينبغي عدم اتخاد هذه العقوبات إلا لاسباب خطيرة ، والتي تلحق ضررا كبيرا بسمعة القضاء ، والتي تأخد شكل جرائم الارتشاء ، وخيانة الأمانة ، و التزوير ، وكل جريمة نص عليها المشرع بقوله « كل قاض أو موظف عمومي ...... »،بشترط أن يصدر حكم نهائي يثبت هذه الأفعال في حق القاضي المتابع .
 
 
المحور الثالث: الطعن في قرارات الجلس الأعلى للقضاء

( .............يـــتـــبــع................)

الجزء الأول من الدراسة



الخميس 12 يونيو 2014


تعليق جديد
Twitter