Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



التحكيم الملكي، والمعارضة، والدستور الجديد


     



التحكيم الملكي، والمعارضة، والدستور الجديد
عرف المغرب في حياته الدستورية حالات اللجوء إلى التحكيم الملكي في قضايا مجتمعية وإيديولوجية جادة، وكان الأمر يرتبط أحيانا برغبة بعض الأحزاب –آنداك- في معرفة موقف المؤسسة الملكية من ممارستها السياسية، وكأن الفاعل السياسي في حاجة دائمة لبارومتر يضبط به إيقاعه السياسي والذي قد يحدد مصيره الانتخابي.والآن وفي ظل الدستور الجديد حيث عبرت المؤسسة الملكية نفسها عن الرغبة في تجاوز الوصاية السياسية وتحرير الطاقات الحزبية  تم رفع السقف السياسي إلى الحد الذي ابهر معه المتتبعين فتمخض عن الأمر دستور 2011.لقد أعاد هذا الدستور بعض التوازن المطلوب في العمل السياسي وأعاد للعقل الدستوري رشده،حيث توضحت معالم اختصاصات رئاسة الدولة وعلاقتها برئاسة الحكومة والبرلمان أغلبية ومعارضة...

وفي ظل الدستور الجديد لجأت المعارضة للتحكيم الملكي تحت ظل الفصل 42 ، والذي ينص على أن الملك رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واسمرارها والحكم الأسمى بين مؤسساتها يسهر على احترام الدستور وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي  وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة والملك هو ضامن استقلال البلد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة يمارس الملك هذه المهام بمقتضى ظهائر ،من خلا السلطات المخولة له صراحة من خلال الدستور.

  وكان الهدف من هذا التحكيم أن يتدخل الملك من أجل الحد من الحملات السابقة لأوانها لرئيس الحكومة والمساس بالاختيار الديمقراطي للملكة...ومن بين جاء في المذكرة التحكيمية المرفوعة لجلالته " أمام وضع تنتهك فيه مقومات الدولة الديمقراطية، بفعل التصريحات والإيحاءات الصادرة عن السيد رئيس الحكومة، خاصة مع اقتراب موعد الاستحقاقات، وحتى لا نضطر إلى المواجهة العلنية التي لن تفيد إلا خصوم بلادنا، كما أنها ستبخس العمل السياسي، وتضرب في الصميم نبله، بالشكل الذي سيؤثر سلبا على الاختيار الديمقراطي للمملكة المغربية، لا يسعنا إلا أن نتوجه إلى جنابك الشريف، ملتمسين تحكيمكم باعتبار سدتكم العالية بالله الحكم الأسمى بين مؤسسات الدولة"،

بهذه العبارات اختار قادة أحزاب المعارضة الأربعة (الاستقلال، الأصالة والمعاصرة، الاتحاد الاشتراكي، الاتحاد الدستوري) مواجهة ابن كيران.

يبدو أن المعارضة ارتكبت زلتين من عيار ثقيل هما:

الزلة الأولى دستورية:لأن التحكيم الملكي هنا غير ذي محل طبقا لمنطوق الفصل 42 أعلاه لأن المعارضة ليست مؤسسة دستورية.وبهذا المعنى فالأحزاب المعنية لسان حالها يقول باستمرار المؤسسة الملكية في زمن ما قبل دستور 2011 حيث التحكم والوصاية والوجيه.

الزلة الثانية سياسية : لأن مثل هذه المذكرة تدفع بالمؤسسة الملكية للانتماء وهذه أشد وطأة من الزلة الأولى لأنها ستعرض التجربة الديمقراطية بالمغرب للانهيار.

لكن يثار تساءل مهم هنا أين يوجد الخلل؟هل يوجد في الفاعل السياسي الحزبي؟أم يوجد في النص الدستوري نفسه؟

ما يعاب على الفاعل السياسي الحزبي تحديدا هو أن تمثله وذهنه مازال سجين الماضي. حيث نجد عقله السياسي والدستوري والاجتماعي لم ينضج إلى الحد الذي بإمكانه أن ينضج التجربة السياسية الحالية.وقد نجد لذلك مبررا لدى بعض الأحزاب المشاركة في المذكرة كحزب الأصالة والمعاصرة أو الاتحاد الدستوري لكن المثير هو حضور الاتحاد الاشتراكي بحمولته التقدمية وثقله التاريخي. هذا الحضور يعكس بهذا المعنى وجود أزمة حقيقية داخل هذا الحزب، والذي ينتظر منه قيادة معارضة ناضجة وقوية لا تستقوي بالمؤسسة الملكية بالشكوى والمبكى.

إن المفروض هو أن تواجه المعارضة الأغلبية الحكومية من خلال إثارة قضايا عميقة. كالتراجعات المهولة التي شهدتها القوانين التنظيمية كالقانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أو تشريح وضعية لجان تقصي الحقائق خاصة في موضوع فياضانات الجنوب أو فتح حوار حقيقي حول نتائج الافتحاصات التي قام بها المجلس الأعلى للحسابات أو المشاركة الجادة في إصلاح منظومة التربية والتكوين عوض الوقوف على حائط مبكى الانتخابات الجماعية...

لقد مر زمن التقاط الإشارات من المؤسسة الملكية لمباشرة المسؤوليات المجتمعية للأحزاب السياسية.الإشارات هي نفسها الإشارات التي التقطتها المعارضة من كلام بنكيران في خطبة الراشيدية.لقد توجست المعارضة خيفة من عودة الحزب الحاكم بقوة في الانتخابات الجماعية المقبلة بدعم من الدولة العميقة.هل هذا ما أخاف المعارضة؟ لو صح هذا الأمر فإن المعارضة أخلفت الموعد مرة أخرى وساهمت بتبخيس العمل السياسي الذي نسعى جميعا لإعادة إحياءه وتسعى المؤسسة الملكية لرعايته.

في المقابل، إذا كان الخلل في النص الدستوري، فهذه مسألة بدأت تظهر بعض ملامحها في الأزمة التي نشأت بين حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال ،عندما كان جزء من التحالف الحكومي. وحينها لجأ هذا الأخير للتحكيم الملكي لكن دون جدوى .وهنا عبرت المؤسسة الملكية عن نضج كبير حينما رفضت هذا التحكيم بل ووجه الأمين العام للحزب بنوع من الجفاء من طرفها ردا على تدني الخطاب  السياسي وقته.وبالعودة إلى موضوع التحكيم أعلاه  يظهر أن الفصل 42 يحتاج للتدقيق فيما يتعلق بالحالات التحكيمية خاصة بعض العبارات من قبيل : صيانة الاختيار الديمقراطي  وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات...حيث اعتبرت المعارضة أنما حدث يدخل ضمن مسألة صيانة الاختيار الديمقراطي.

وظهر أيضا أن النص الدستوري لم يدقق في أمر اللجنة الخاصة لرعاية الانتخابات واحتاج الأمر تدخل المؤسسة الملكية على خلفية اعتبار نزاهة الانتخابات سيتم المساس بها إذا خضعت لرئاسة الحكومة.

ليس من العيب أن يظهر قصور في النص الدستوري لأن ذلك يستوجب تعديلا دستوريا يزيد من جودة النص القانوني. وهذا هو دور المعارضة الحقيقية والتي نسيته في فورة  التسابق الانتخابي.
 

الخميس 9 أبريل 2015


تعليق جديد
Twitter