لا تختزل عملية إعداد قانون المالية في مجرد تمرين تقني لتقدير الموارد والنفقات، وإنما تشكل، في جوهرها، لحظة دستورية وسياسية بامتياز، تتقاطع فيها الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية مع قواعد الشرعية الديمقراطية ومقتضيات الحكامة المالية واستمرارية المرافق العمومية. فمشروع قانون المالية ليس مجرد وثيقة محاسبية، وإنما هو التعبير المالي عن اختيارات الحكومة وبرنامجها، وأحد أهم الأدوات التي تُترجم من خلالها السياسات العمومية إلى اعتمادات ونفقات وتدابير جبائية واستثمارية واجتماعية.
ومن هذه الزاوية تكتسب المذكرة التوجيهية المتعلقة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية استثنائية، ليس فقط بالنظر إلى مضمونها وما تتضمنه من توجهات اقتصادية واجتماعية ومالية، وإنما أيضا بالنظر إلى السياق السياسي والدستوري الذي صدرت فيه، والمتمثل في اقتراب نهاية الولاية الحكومية وإجراء الانتخابات التشريعية في شتنبر 2026.
فمن جهة، تفرض قاعدة استمرارية الدولة والمرافق العمومية الشروع في الإعداد المبكر لقانون المالية، إذ لا يمكن للدولة أن توقف دورتها الميزانياتية في انتظار معرفة مخرجات الانتخابات أو تشكيل الحكومة الجديدة. ومن جهة ثانية، فإن اقتراب الاستحقاق الانتخابي يطرح سؤالا دستوريا وسياسيا مشروعا حول مدى قدرة الحكومة المنتهية ولايتها على تحديد أولويات مالية واقتصادية واجتماعية قد تمتد آثارها إلى السنة المالية التي ستتولى فيها حكومة جديدة مسؤولية تدبير الشأن العام.
وتزداد حساسية المسألة بالنظر إلى أن المنشور لا يقتصر على توجيهات تقنية محضة، بل يستحضر اختيارات استراتيجية كبرى، من قبيل مواصلة بناء الدولة الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز الاستثمار، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية، والحفاظ على التوازنات المالية العمومية. وهي اختيارات قد تكون لها انعكاسات مباشرة على الإنفاق العمومي، والسياسة الجبائية، والاستثمار، والدعم الاجتماعي، وأولويات القطاعات الحكومية.
ومن هنا تبرز الإشكالية المركزية الآتية:
إلى أي حد يمكن اعتبار منشور إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 تعبيرا مشروعا عن مبدأ استمرارية الدولة، ومتى يتحول إلى أداة قد تقيد الاختيارات المالية والسياسية للحكومة التي ستنبثق عن انتخابات شتنبر 2026، في ضوء الدستور والقانون التنظيمي لقانون المالية؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة أخرى تتعلق بحدود القوة القانونية للمنشور، ومدى إلزاميته بالنسبة للحكومة المقبلة، والتمييز بين الالتزامات المالية القائمة والاختيارات السياسية الجديدة، فضلاً عن مدى انسجام المسطرة المتبعة مع التوزيع الدستوري للاختصاصات في مجال إعداد مشروع قانون المالية.
وانطلاقاً من ذلك، يمكن تناول الموضوع من خلال محورين متكاملين: أولا حدود القوة القانونية للمنشور في ضوء مبدأ استمرارية الدولة؛ وثانيا: حدود إلزام الحكومة المقبلة بالاختيارات المالية للحكومة المنتهية ولايتها.
أولا: القوة القانونية المحدودة للمنشور بين ضرورة استمرارية الدولة واحترام الشرعية الدستورية
إن أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن إعداد مشروع قانون المالية للسنة المقبلة قبل نهاية السنة المالية الحالية ليس خيارا سياسيا محضا، وإنما هو جزء من دورة مالية محكومة بآجال ومساطر قانونية ودستورية دقيقة. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تدير ماليتها العمومية بمنطق الانتظار، كما أن انتظام المرفق العام يفترض وجود برمجة مسبقة للموارد والنفقات والاستثمارات.
وبالتالي، فإن مجرد صدور المنشور التوجيهي في غشت 2026، أي قبل الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر، لا يمكن في حد ذاته أن يشكل سببا للطعن في مشروعية المبادرة الحكومية. فالمالية العمومية تقوم، من بين ما تقوم عليه، على الاستمرارية والانتظام
والتوقع، ولا يمكن أن تتوقف دورة إعداد الميزانية بسبب انتقال محتمل في السلطة التنفيذية.
بل إن عدم الشروع في إعداد مشروع قانون المالية في الوقت القانوني، بدعوى انتظار نتائج الانتخابات، قد يكون أكثر إشكالا من الناحية الدستورية والمالية؛ لأنه قد يهدد استمرارية المرافق العمومية ويُربك تنفيذ الالتزامات المالية للدولة.
غير أن الإقرار بمشروعية الاستعداد المالي لا يعني بالضرورة التسليم بمشروعية حسم الاختيارات السياسية التي ينبغي أن تظل مفتوحة أمام الحكومة التي ستنبثق عن الإرادة الانتخابية.
وهنا تظهر ضرورة التمييز بين مستويين مختلفين من مضمون المنشور.
المستوى الأول يتعلق بما يمكن تسميته "الثوابت المالية للدولة"، وهي الالتزامات التي لا تتوقف على تغير الحكومة، كخدمة الدين العمومي، وأجور الموظفين، والالتزامات التعاقدية، والمشاريع التي أصبحت في طور التنفيذ، والبرامج الاجتماعية التي تأسست على نصوص قانونية، فضلاً عن النفقات الضرورية لضمان استمرارية المرافق العمومية.
فهذه الالتزامات لا يمكن لحكومة جديدة أن تتعامل معها وكأنها تبدأ من نقطة الصفر، لأن الدولة، في منطق القانون العام، شخص معنوي مستمر لا يتغير بتغير الحكومات والأغلبيات.
أما المستوى الثاني، فيتعلق بالاختيارات التي تحمل طبيعة سياسية واضحة، كترتيب أولويات الاستثمار، وتوزيع الاعتمادات بين القطاعات، واختيار التدابير الجبائية، وتحديد البرامج الجديدة، وتوجيه الإنفاق العمومي نحو مجالات معينة دون أخرى.
وهنا يجب أن تكون مساحة القرار مفتوحة أمام الحكومة الجديدة، لأن الانتخابات لا تمنح فقط شرعية تشكيل حكومة جديدة، وإنما تمنحها أيضا إمكانية إعادة ترتيب الأولويات العامة وفق برنامجها السياسي والانتخابي.
وعليه، فإن القيمة القانونية للمنشور ينبغي أن تُفهم في إطار وظيفته التنظيمية والإدارية. فهو يوجه القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية خلال مرحلة إعداد المشروع، لكنه لا يكتسب، بمجرد صدوره، قوة القانون المالي المصادق عليه من البرلمان، ولا يمكن أن يحل محل البرنامج الحكومي، ولا أن يحسم بصورة نهائية اختيارات لم تستنفد بعد مسارها الدستوري والتشريعي.
وبعبارة أكثر دقة، فإن المنشور يملك قوة توجيهية داخل الإدارة، لكنه لا يملك قوة تأسيسية تجاه المستقبل السياسي للدولة.
ومن هنا فإن وصفه بأنه "ملزم" ينبغي أن يخضع للتدقيق؛ فهو ملزم إداريا في حدود عملية التحضير، لكنه لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مصدرا مستقلا لالتزامات سياسية أو مالية نهائية للحكومة المقبلة.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بتدابير جبائية أو مالية جديدة، لأن هذه الأخيرة لا تستمد قوتها الملزمة من المنشور، وإنما من القانون الذي يمر عبر المسطرة التشريعية والدستورية المقررة
.
وبالتالي، فإن المنشور مهما بلغت أهميته لا يمكن أن يتحول إلى "قانون مالية مصغر"، ولا يجوز أن يُستعمل لتجاوز المراحل الدستورية والتشريعية التي تمنح الاختيارات المالية مشروعيتها الديمقراطية والقانونية.
وفي هذا الإطار تبرز كذلك أهمية الفصل 49 من الدستور والقانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية، باعتبارهما جزءاً من الإطار القانوني الذي يحكم إعداد المشروع ومناقشته والمصادقة عليه. فالمسألة لا تتعلق فقط بمدى احترام الآجال، وإنما أيضاً بمدى احترام التوزيع الدستوري للاختصاصات بين مختلف المؤسسات المتدخلة في صناعة القرار المالي.
وهنا تبرز إحدى أكثر الإشكالات إثارة للنقاش: هل يكفي أن تكون الحكومة قد احترمت الأجل والمسار الإداري، أم أن سلامة المسطرة تقتضي أيضاً احترام الترتيب الدستوري للاختصاصات والتداول في التوجهات العامة للمشروع؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي عدم الخلط بين مشروعية الغاية ومشروعية الوسيلة؛ فقد تكون غاية إعداد مشروع المالية قبل الانتخابات مشروعة وضرورية لضمان الاستمرارية، لكن ذلك لا يعفي من ضرورة احترام المسطرة الدستورية المحددة لمختلف مراحل صناعة القرار المالي.
ثانيا: حدود إلزام الحكومة المقبلة بين استمرارية الالتزامات وحرية الاختيار الديمقراطي
إذا كان إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 قبل الانتخابات أمراً تفرضه ضرورات الاستمرارية، فإن السؤال الأكثر تعقيداً يتعلق بمصير الاختيارات الواردة في المنشور بعد الانتخابات، خصوصاً إذا أفرزت هذه الأخيرة أغلبية حكومية جديدة تحمل برنامجاً اقتصادياً واجتماعياً مختلفاً.
فالحكومة المقبلة لا يمكن أن ترث فقط مشروعاً مالياً جاهزاً، وإنما قد ترث أيضاً مجموعة من الاختيارات التي صاغتها حكومة انتهت ولايتها السياسية وهنا يجب الحذر من تحويل الاستمرارية المالية إلى نوع من الاستمرارية السياسية المفترضة.
ذلك أن مبدأ استمرارية الدولة لا يعني استمرارية الحكومة بنفس الدرجة.، الدولة تستمر، والمرافق تستمر، والالتزامات القانونية تستمر؛ أما الحكومة فتتغير، والبرامج السياسية تتغير، والأولويات الانتخابية قد تتغير. ومن ثم، فإن ما ينبغي أن يستمر هو الدولة في التزاماتها القانونية، لا بالضرورة الحكومة في اختياراتها السياسية.
وهذه الثنائية تمثل، في تقديرنا، جوهر الإشكال القانوني والسياسي الذي يثيره منشور 2027 فإذا كانت الحكومة المقبلة ملزمة باحترام الدين العمومي والالتزامات التعاقدية والمشاريع التي أصبحت حقوقاً أو التزامات قانونية قائمة، فإنها لا تكون ملزمة بالضرورة بالحفاظ على كل ترتيب للإنفاق اقترحته الحكومة السابقة، طالما أن المشروع لم يتحول بعد إلى قانون مالي مصادق عليه، وطالما أن القانون يتيح تعديل المقترحات خلال المراحل اللاحقة من المسطرة.
ومن هنا يمكن التمييز بين الالتزام القانوني والالتزام السياسي، فالالتزام القانوني يستمد قوته من قاعدة قانونية قائمة، ويظل قائماً في مواجهة الحكومات المتعاقبة،
أما الالتزام السياسي فيستمد مشروعيته من البرنامج والاختيار الحكومي، ولا يمكن أن يفرض نفسه على حكومة جديدة إلا بالقدر الذي تحول فيه إلى التزام قانوني أو مالي قائم.
وهذا التمييز بالغ الأهمية في حالة مشروع مالية 2027، لأن بعض الاختيارات التي تتضمنها وثيقة التوجيه قد تكون ذات طبيعة استراتيجية طويلة المدى، في حين أن بعضها الآخر قد يكون مجرد اقتراحات أولية قابلة للمراجعة.
ومن ثم، فإن الحكومة الجديدة يجب أن تتمتع بهامش حقيقي لإعادة النظر في المشروع، سواء تعلق الأمر بتوزيع الاعتمادات أو بعض التدابير الجبائية أو أولويات الاستثمار أو البرامج الاجتماعية، مع احترامها طبعاً للالتزامات القانونية والمالية التي لا يمكن تجاوزها إلا وفق القانون.
وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى المنشور باعتباره وثيقة انتقالية بين مرحلتين: مرحلة حكومة تستعد لمغادرة السلطة، ومرحلة حكومة ستنبثق عن انتخابات جديدة
.
ومن غير السليم قانوناً أن تتحول هذه الوثيقة الانتقالية إلى وسيلة لفرض سياسة مالية تمتد إلى ما بعد انتهاء الولاية الحكومية، لأن ذلك قد يؤدي عملياً إلى إفراغ الانتخابات من جزء من مضمونها السياسي، إذا وجدت الحكومة الجديدة نفسها أمام اختيارات مالية محسومة سلفاً.
لكن في المقابل، لا ينبغي أيضا المبالغة في تصوير المنشور وكأنه يقيد الحكومة المقبلة بصورة مطلقة. فالمسار الدستوري لقانون المالية يظل مفتوحاً، والمشروع لا يصبح قانوناً إلا بعد استكمال مختلف المراحل الدستورية والتشريعية، وهو ما يوفر للحكومة الجديدة مجالاً لإعادة ترتيب الاختيارات وفقاً للقانون.
وعليه، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في إعداد مشروع المالية قبل الانتخابات، وإنما في خلق "أمر واقع مالي" يصعب على الحكومة المقبلة تغييره عمليا..
وقد يتحقق هذا الأمر الواقع من خلال إطلاق التزامات مالية جديدة طويلة الأمد، أو إبرام تعاقدات يصعب التراجع عنها، أو اتخاذ قرارات إنفاقية ذات آثار مستقبلية كبيرة، قبل أن تتضح هوية الأغلبية الحكومية الجديدة.
وهنا تصبح الحكامة المالية مطالبة ليس فقط باحترام مبدأ الشرعية، وإنما أيضاً باحترام مبدأ الحياد الانتقالي للمالية العمومية؛ أي أن تحافظ الحكومة المنتهية ولايتها على قدرة الدولة على الاستمرار دون أن تستعمل المرحلة الانتقالية لتقييد المجال السياسي والمالي للحكومة المقبلة.
ومن هذه الزاوية، فإن أفضل مقاربة قانونية هي اعتماد قاعدة التناسب بين الاستمرارية والاختيار: كلما تعلق الأمر بالتزامات ضرورية لاستمرارية الدولة، اتسع هامش الحكومة الحالية في اتخاذ القرار؛ وكلما تعلق الأمر باختيارات سياسية جديدة وطويلة المدى وقابلة للتأجيل، وجب تضييق هذا الهامش وترك مساحة أكبر للحكومة التي ستفرزها الانتخابات.
وبذلك يصبح السؤال ليس: هل يحق للحكومة الحالية إعداد قانون مالية 2027؟ فالجواب من حيث المبدأ نعم؛ وإنما السؤال الأكثر دقة هو: ما الذي يحق لها أن تحسمه قبل الانتخابات، وما الذي ينبغي أن تتركه مفتوحاً أمام الحكومة المقبلة؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي لمبدأ الحكامة الديمقراطية للمالية العمومية.
خاتمة
إن منشور إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 يضع النظام المالي المغربي أمام إشكالية تتجاوز حدود الوثيقة الإدارية ذاتها، لتلامس سؤالاً أعمق يتعلق بالعلاقة بين الزمن المالي والزمن السياسي والزمن الدستوري.
فالميزانية تفرض إيقاعاً زمنياً لا ينتظر الانتخابات، والدولة مطالبة باستمرارية مرافقها والتزاماتها، في حين أن الديمقراطية تفرض احترام حق الناخبين والحكومة المنبثقة عنهم في تحديد الاختيارات العامة وترتيب الأولويات.
ومن ثم، فإن التوفيق بين استمرارية الدولة وتجدد الشرعية السياسية لا يتحقق بتعطيل المسار الميزانياتي، كما لا يتحقق بتحويل وثيقة توجيهية إلى التزام سياسي مسبق للحكومة المقبلة؛ وإنما يتحقق من خلال الفصل الدقيق بين ما هو التزام قانوني ثابت وما هو اختيار سياسي قابل للمراجعة.
إن الحكومة في نهاية ولايتها تملك، بل يتعين عليها، أن تضمن استمرار الدولة وأن تباشر الأعمال التحضيرية الضرورية لإعداد مالية السنة المقبلة. لكنها، في المقابل، مطالبة بألا تجعل من الضرورة التقنية ذريعة لحسم اختيارات سياسية واستراتيجية قد تكون من صميم البرنامج الذي ستقدمه الحكومة المقبلة للبرلمان.
ومن هنا يمكن القول إن شرعية المنشور لا تقاس فقط بصدوره داخل الآجال القانونية، وإنما أيضاً بحدود مضمونه وبمدى احترامه للتوازن بين الاستمرارية والاختيار.
كما أن الحكومة الجديدة، حين تتولى مسؤولياتها، لا تبدأ من فراغ؛ فهي ترث دولة والتزامات وعقوداً وديوناً وبرامج قائمة، لكنها لا ترث بالضرورة الإرادة السياسية للحكومة السابقة. وهذه القاعدة هي التي ينبغي أن تحكم قراءة مالية 2027: استمرارية في الالتزامات، ومرونة في الاختيارات، واحترام صارم للمساطر الدستورية والتشريعية.
وفي العمق، تكشف هذه الحالة عن حاجة المغرب إلى تطوير ما يمكن تسميته "الحكامة الانتقالية للمالية العمومية"، أي وضع ضوابط أو مبادئ تؤطر تدبير المالية العامة خلال الفترات التي تتزامن فيها نهاية الولاية الحكومية مع إعداد قانون مالية جديد. والغاية ليست تقييد الحكومة، وإنما حماية ثلاثة مبادئ متلازمة: استمرارية الدولة، وحياد الإدارة، وحرية الاختيار الديمقراطي.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام مالية 2027 لا يتمثل في الاختيار بين الاستمرارية أو الديمقراطية، وإنما في بناء معادلة تجعل الاستمرارية خادمة للديمقراطية، لا بديلا عنها؛ وتجعل قانون المالية أداة لتنفيذ الاختيارات التي تفرزها الشرعية الدستورية والانتخابية، لا وسيلة لاستباقها.
وفي هذا السياق، يظل المعيار الحاسم هو أن الدولة لا تتغير بتغير الحكومات، لكن السياسات الحكومية يجب أن تظل قابلة للتغيير بتغير الإرادة الديمقراطية. وهذه، في نهاية المطاف، هي الحدود الفاصلة بين مالية عمومية تضمن استمرارية الدولة، ومالية عمومية قد تتحول، إذا أسيء استعمالها، إلى وسيلة لتقييد المستقبل السياسي.
ومن هذه الزاوية تكتسب المذكرة التوجيهية المتعلقة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية استثنائية، ليس فقط بالنظر إلى مضمونها وما تتضمنه من توجهات اقتصادية واجتماعية ومالية، وإنما أيضا بالنظر إلى السياق السياسي والدستوري الذي صدرت فيه، والمتمثل في اقتراب نهاية الولاية الحكومية وإجراء الانتخابات التشريعية في شتنبر 2026.
فمن جهة، تفرض قاعدة استمرارية الدولة والمرافق العمومية الشروع في الإعداد المبكر لقانون المالية، إذ لا يمكن للدولة أن توقف دورتها الميزانياتية في انتظار معرفة مخرجات الانتخابات أو تشكيل الحكومة الجديدة. ومن جهة ثانية، فإن اقتراب الاستحقاق الانتخابي يطرح سؤالا دستوريا وسياسيا مشروعا حول مدى قدرة الحكومة المنتهية ولايتها على تحديد أولويات مالية واقتصادية واجتماعية قد تمتد آثارها إلى السنة المالية التي ستتولى فيها حكومة جديدة مسؤولية تدبير الشأن العام.
وتزداد حساسية المسألة بالنظر إلى أن المنشور لا يقتصر على توجيهات تقنية محضة، بل يستحضر اختيارات استراتيجية كبرى، من قبيل مواصلة بناء الدولة الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز الاستثمار، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية، والحفاظ على التوازنات المالية العمومية. وهي اختيارات قد تكون لها انعكاسات مباشرة على الإنفاق العمومي، والسياسة الجبائية، والاستثمار، والدعم الاجتماعي، وأولويات القطاعات الحكومية.
ومن هنا تبرز الإشكالية المركزية الآتية:
إلى أي حد يمكن اعتبار منشور إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 تعبيرا مشروعا عن مبدأ استمرارية الدولة، ومتى يتحول إلى أداة قد تقيد الاختيارات المالية والسياسية للحكومة التي ستنبثق عن انتخابات شتنبر 2026، في ضوء الدستور والقانون التنظيمي لقانون المالية؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة أخرى تتعلق بحدود القوة القانونية للمنشور، ومدى إلزاميته بالنسبة للحكومة المقبلة، والتمييز بين الالتزامات المالية القائمة والاختيارات السياسية الجديدة، فضلاً عن مدى انسجام المسطرة المتبعة مع التوزيع الدستوري للاختصاصات في مجال إعداد مشروع قانون المالية.
وانطلاقاً من ذلك، يمكن تناول الموضوع من خلال محورين متكاملين: أولا حدود القوة القانونية للمنشور في ضوء مبدأ استمرارية الدولة؛ وثانيا: حدود إلزام الحكومة المقبلة بالاختيارات المالية للحكومة المنتهية ولايتها.
أولا: القوة القانونية المحدودة للمنشور بين ضرورة استمرارية الدولة واحترام الشرعية الدستورية
إن أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن إعداد مشروع قانون المالية للسنة المقبلة قبل نهاية السنة المالية الحالية ليس خيارا سياسيا محضا، وإنما هو جزء من دورة مالية محكومة بآجال ومساطر قانونية ودستورية دقيقة. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تدير ماليتها العمومية بمنطق الانتظار، كما أن انتظام المرفق العام يفترض وجود برمجة مسبقة للموارد والنفقات والاستثمارات.
وبالتالي، فإن مجرد صدور المنشور التوجيهي في غشت 2026، أي قبل الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر، لا يمكن في حد ذاته أن يشكل سببا للطعن في مشروعية المبادرة الحكومية. فالمالية العمومية تقوم، من بين ما تقوم عليه، على الاستمرارية والانتظام
والتوقع، ولا يمكن أن تتوقف دورة إعداد الميزانية بسبب انتقال محتمل في السلطة التنفيذية.
بل إن عدم الشروع في إعداد مشروع قانون المالية في الوقت القانوني، بدعوى انتظار نتائج الانتخابات، قد يكون أكثر إشكالا من الناحية الدستورية والمالية؛ لأنه قد يهدد استمرارية المرافق العمومية ويُربك تنفيذ الالتزامات المالية للدولة.
غير أن الإقرار بمشروعية الاستعداد المالي لا يعني بالضرورة التسليم بمشروعية حسم الاختيارات السياسية التي ينبغي أن تظل مفتوحة أمام الحكومة التي ستنبثق عن الإرادة الانتخابية.
وهنا تظهر ضرورة التمييز بين مستويين مختلفين من مضمون المنشور.
المستوى الأول يتعلق بما يمكن تسميته "الثوابت المالية للدولة"، وهي الالتزامات التي لا تتوقف على تغير الحكومة، كخدمة الدين العمومي، وأجور الموظفين، والالتزامات التعاقدية، والمشاريع التي أصبحت في طور التنفيذ، والبرامج الاجتماعية التي تأسست على نصوص قانونية، فضلاً عن النفقات الضرورية لضمان استمرارية المرافق العمومية.
فهذه الالتزامات لا يمكن لحكومة جديدة أن تتعامل معها وكأنها تبدأ من نقطة الصفر، لأن الدولة، في منطق القانون العام، شخص معنوي مستمر لا يتغير بتغير الحكومات والأغلبيات.
أما المستوى الثاني، فيتعلق بالاختيارات التي تحمل طبيعة سياسية واضحة، كترتيب أولويات الاستثمار، وتوزيع الاعتمادات بين القطاعات، واختيار التدابير الجبائية، وتحديد البرامج الجديدة، وتوجيه الإنفاق العمومي نحو مجالات معينة دون أخرى.
وهنا يجب أن تكون مساحة القرار مفتوحة أمام الحكومة الجديدة، لأن الانتخابات لا تمنح فقط شرعية تشكيل حكومة جديدة، وإنما تمنحها أيضا إمكانية إعادة ترتيب الأولويات العامة وفق برنامجها السياسي والانتخابي.
وعليه، فإن القيمة القانونية للمنشور ينبغي أن تُفهم في إطار وظيفته التنظيمية والإدارية. فهو يوجه القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية خلال مرحلة إعداد المشروع، لكنه لا يكتسب، بمجرد صدوره، قوة القانون المالي المصادق عليه من البرلمان، ولا يمكن أن يحل محل البرنامج الحكومي، ولا أن يحسم بصورة نهائية اختيارات لم تستنفد بعد مسارها الدستوري والتشريعي.
وبعبارة أكثر دقة، فإن المنشور يملك قوة توجيهية داخل الإدارة، لكنه لا يملك قوة تأسيسية تجاه المستقبل السياسي للدولة.
ومن هنا فإن وصفه بأنه "ملزم" ينبغي أن يخضع للتدقيق؛ فهو ملزم إداريا في حدود عملية التحضير، لكنه لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مصدرا مستقلا لالتزامات سياسية أو مالية نهائية للحكومة المقبلة.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بتدابير جبائية أو مالية جديدة، لأن هذه الأخيرة لا تستمد قوتها الملزمة من المنشور، وإنما من القانون الذي يمر عبر المسطرة التشريعية والدستورية المقررة
.
وبالتالي، فإن المنشور مهما بلغت أهميته لا يمكن أن يتحول إلى "قانون مالية مصغر"، ولا يجوز أن يُستعمل لتجاوز المراحل الدستورية والتشريعية التي تمنح الاختيارات المالية مشروعيتها الديمقراطية والقانونية.
وفي هذا الإطار تبرز كذلك أهمية الفصل 49 من الدستور والقانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية، باعتبارهما جزءاً من الإطار القانوني الذي يحكم إعداد المشروع ومناقشته والمصادقة عليه. فالمسألة لا تتعلق فقط بمدى احترام الآجال، وإنما أيضاً بمدى احترام التوزيع الدستوري للاختصاصات بين مختلف المؤسسات المتدخلة في صناعة القرار المالي.
وهنا تبرز إحدى أكثر الإشكالات إثارة للنقاش: هل يكفي أن تكون الحكومة قد احترمت الأجل والمسار الإداري، أم أن سلامة المسطرة تقتضي أيضاً احترام الترتيب الدستوري للاختصاصات والتداول في التوجهات العامة للمشروع؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي عدم الخلط بين مشروعية الغاية ومشروعية الوسيلة؛ فقد تكون غاية إعداد مشروع المالية قبل الانتخابات مشروعة وضرورية لضمان الاستمرارية، لكن ذلك لا يعفي من ضرورة احترام المسطرة الدستورية المحددة لمختلف مراحل صناعة القرار المالي.
ثانيا: حدود إلزام الحكومة المقبلة بين استمرارية الالتزامات وحرية الاختيار الديمقراطي
إذا كان إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 قبل الانتخابات أمراً تفرضه ضرورات الاستمرارية، فإن السؤال الأكثر تعقيداً يتعلق بمصير الاختيارات الواردة في المنشور بعد الانتخابات، خصوصاً إذا أفرزت هذه الأخيرة أغلبية حكومية جديدة تحمل برنامجاً اقتصادياً واجتماعياً مختلفاً.
فالحكومة المقبلة لا يمكن أن ترث فقط مشروعاً مالياً جاهزاً، وإنما قد ترث أيضاً مجموعة من الاختيارات التي صاغتها حكومة انتهت ولايتها السياسية وهنا يجب الحذر من تحويل الاستمرارية المالية إلى نوع من الاستمرارية السياسية المفترضة.
ذلك أن مبدأ استمرارية الدولة لا يعني استمرارية الحكومة بنفس الدرجة.، الدولة تستمر، والمرافق تستمر، والالتزامات القانونية تستمر؛ أما الحكومة فتتغير، والبرامج السياسية تتغير، والأولويات الانتخابية قد تتغير. ومن ثم، فإن ما ينبغي أن يستمر هو الدولة في التزاماتها القانونية، لا بالضرورة الحكومة في اختياراتها السياسية.
وهذه الثنائية تمثل، في تقديرنا، جوهر الإشكال القانوني والسياسي الذي يثيره منشور 2027 فإذا كانت الحكومة المقبلة ملزمة باحترام الدين العمومي والالتزامات التعاقدية والمشاريع التي أصبحت حقوقاً أو التزامات قانونية قائمة، فإنها لا تكون ملزمة بالضرورة بالحفاظ على كل ترتيب للإنفاق اقترحته الحكومة السابقة، طالما أن المشروع لم يتحول بعد إلى قانون مالي مصادق عليه، وطالما أن القانون يتيح تعديل المقترحات خلال المراحل اللاحقة من المسطرة.
ومن هنا يمكن التمييز بين الالتزام القانوني والالتزام السياسي، فالالتزام القانوني يستمد قوته من قاعدة قانونية قائمة، ويظل قائماً في مواجهة الحكومات المتعاقبة،
أما الالتزام السياسي فيستمد مشروعيته من البرنامج والاختيار الحكومي، ولا يمكن أن يفرض نفسه على حكومة جديدة إلا بالقدر الذي تحول فيه إلى التزام قانوني أو مالي قائم.
وهذا التمييز بالغ الأهمية في حالة مشروع مالية 2027، لأن بعض الاختيارات التي تتضمنها وثيقة التوجيه قد تكون ذات طبيعة استراتيجية طويلة المدى، في حين أن بعضها الآخر قد يكون مجرد اقتراحات أولية قابلة للمراجعة.
ومن ثم، فإن الحكومة الجديدة يجب أن تتمتع بهامش حقيقي لإعادة النظر في المشروع، سواء تعلق الأمر بتوزيع الاعتمادات أو بعض التدابير الجبائية أو أولويات الاستثمار أو البرامج الاجتماعية، مع احترامها طبعاً للالتزامات القانونية والمالية التي لا يمكن تجاوزها إلا وفق القانون.
وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى المنشور باعتباره وثيقة انتقالية بين مرحلتين: مرحلة حكومة تستعد لمغادرة السلطة، ومرحلة حكومة ستنبثق عن انتخابات جديدة
.
ومن غير السليم قانوناً أن تتحول هذه الوثيقة الانتقالية إلى وسيلة لفرض سياسة مالية تمتد إلى ما بعد انتهاء الولاية الحكومية، لأن ذلك قد يؤدي عملياً إلى إفراغ الانتخابات من جزء من مضمونها السياسي، إذا وجدت الحكومة الجديدة نفسها أمام اختيارات مالية محسومة سلفاً.
لكن في المقابل، لا ينبغي أيضا المبالغة في تصوير المنشور وكأنه يقيد الحكومة المقبلة بصورة مطلقة. فالمسار الدستوري لقانون المالية يظل مفتوحاً، والمشروع لا يصبح قانوناً إلا بعد استكمال مختلف المراحل الدستورية والتشريعية، وهو ما يوفر للحكومة الجديدة مجالاً لإعادة ترتيب الاختيارات وفقاً للقانون.
وعليه، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في إعداد مشروع المالية قبل الانتخابات، وإنما في خلق "أمر واقع مالي" يصعب على الحكومة المقبلة تغييره عمليا..
وقد يتحقق هذا الأمر الواقع من خلال إطلاق التزامات مالية جديدة طويلة الأمد، أو إبرام تعاقدات يصعب التراجع عنها، أو اتخاذ قرارات إنفاقية ذات آثار مستقبلية كبيرة، قبل أن تتضح هوية الأغلبية الحكومية الجديدة.
وهنا تصبح الحكامة المالية مطالبة ليس فقط باحترام مبدأ الشرعية، وإنما أيضاً باحترام مبدأ الحياد الانتقالي للمالية العمومية؛ أي أن تحافظ الحكومة المنتهية ولايتها على قدرة الدولة على الاستمرار دون أن تستعمل المرحلة الانتقالية لتقييد المجال السياسي والمالي للحكومة المقبلة.
ومن هذه الزاوية، فإن أفضل مقاربة قانونية هي اعتماد قاعدة التناسب بين الاستمرارية والاختيار: كلما تعلق الأمر بالتزامات ضرورية لاستمرارية الدولة، اتسع هامش الحكومة الحالية في اتخاذ القرار؛ وكلما تعلق الأمر باختيارات سياسية جديدة وطويلة المدى وقابلة للتأجيل، وجب تضييق هذا الهامش وترك مساحة أكبر للحكومة التي ستفرزها الانتخابات.
وبذلك يصبح السؤال ليس: هل يحق للحكومة الحالية إعداد قانون مالية 2027؟ فالجواب من حيث المبدأ نعم؛ وإنما السؤال الأكثر دقة هو: ما الذي يحق لها أن تحسمه قبل الانتخابات، وما الذي ينبغي أن تتركه مفتوحاً أمام الحكومة المقبلة؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي لمبدأ الحكامة الديمقراطية للمالية العمومية.
خاتمة
إن منشور إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 يضع النظام المالي المغربي أمام إشكالية تتجاوز حدود الوثيقة الإدارية ذاتها، لتلامس سؤالاً أعمق يتعلق بالعلاقة بين الزمن المالي والزمن السياسي والزمن الدستوري.
فالميزانية تفرض إيقاعاً زمنياً لا ينتظر الانتخابات، والدولة مطالبة باستمرارية مرافقها والتزاماتها، في حين أن الديمقراطية تفرض احترام حق الناخبين والحكومة المنبثقة عنهم في تحديد الاختيارات العامة وترتيب الأولويات.
ومن ثم، فإن التوفيق بين استمرارية الدولة وتجدد الشرعية السياسية لا يتحقق بتعطيل المسار الميزانياتي، كما لا يتحقق بتحويل وثيقة توجيهية إلى التزام سياسي مسبق للحكومة المقبلة؛ وإنما يتحقق من خلال الفصل الدقيق بين ما هو التزام قانوني ثابت وما هو اختيار سياسي قابل للمراجعة.
إن الحكومة في نهاية ولايتها تملك، بل يتعين عليها، أن تضمن استمرار الدولة وأن تباشر الأعمال التحضيرية الضرورية لإعداد مالية السنة المقبلة. لكنها، في المقابل، مطالبة بألا تجعل من الضرورة التقنية ذريعة لحسم اختيارات سياسية واستراتيجية قد تكون من صميم البرنامج الذي ستقدمه الحكومة المقبلة للبرلمان.
ومن هنا يمكن القول إن شرعية المنشور لا تقاس فقط بصدوره داخل الآجال القانونية، وإنما أيضاً بحدود مضمونه وبمدى احترامه للتوازن بين الاستمرارية والاختيار.
كما أن الحكومة الجديدة، حين تتولى مسؤولياتها، لا تبدأ من فراغ؛ فهي ترث دولة والتزامات وعقوداً وديوناً وبرامج قائمة، لكنها لا ترث بالضرورة الإرادة السياسية للحكومة السابقة. وهذه القاعدة هي التي ينبغي أن تحكم قراءة مالية 2027: استمرارية في الالتزامات، ومرونة في الاختيارات، واحترام صارم للمساطر الدستورية والتشريعية.
وفي العمق، تكشف هذه الحالة عن حاجة المغرب إلى تطوير ما يمكن تسميته "الحكامة الانتقالية للمالية العمومية"، أي وضع ضوابط أو مبادئ تؤطر تدبير المالية العامة خلال الفترات التي تتزامن فيها نهاية الولاية الحكومية مع إعداد قانون مالية جديد. والغاية ليست تقييد الحكومة، وإنما حماية ثلاثة مبادئ متلازمة: استمرارية الدولة، وحياد الإدارة، وحرية الاختيار الديمقراطي.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام مالية 2027 لا يتمثل في الاختيار بين الاستمرارية أو الديمقراطية، وإنما في بناء معادلة تجعل الاستمرارية خادمة للديمقراطية، لا بديلا عنها؛ وتجعل قانون المالية أداة لتنفيذ الاختيارات التي تفرزها الشرعية الدستورية والانتخابية، لا وسيلة لاستباقها.
وفي هذا السياق، يظل المعيار الحاسم هو أن الدولة لا تتغير بتغير الحكومات، لكن السياسات الحكومية يجب أن تظل قابلة للتغيير بتغير الإرادة الديمقراطية. وهذه، في نهاية المطاف، هي الحدود الفاصلة بين مالية عمومية تضمن استمرارية الدولة، ومالية عمومية قد تتحول، إذا أسيء استعمالها، إلى وسيلة لتقييد المستقبل السياسي.
الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
منشور إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 بين استمرارية الدولة وحدود الاختيار الحكومي

